النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٨٤٣ - (قالَ جبريلُ: يا مُحمد! ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد﴾: ليسَ لَهُ
عُروقٌ فَتَتشَعَّب إليه . ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾: ليسَ بِالأَجْوَف، لا يَأْكُلُ ولا
يَشْرَبُ. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾: ليسَ لَهُ وَلَدٌ ولا والِدٌ يُنْسَبُ إليهِ . ﴿وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾: ليسَ مِنْ خَلْقِه شيءٌ يَعْدِلُ [مكانَه]، يُمْسِك
السماوات والأرضَ إنْ زالَتا . هذه السُّورةُ ليسَ فيها ذكْرُ جنة ولا نَار،
[ولا دُنْيا ولا آخرةٍ، ولا حَلالٍ ولا حَرام]؛ انتسبَ اللهُ عزّ وجلَ إليهاً؛
فَهِيَ له خَالِصَةٌ ، [مِنْ قَرأَها ثلاثَ مراتٍ؛ عُدِلَ بقراءةِ الوَحْي كُلِّه،
ومنْ قَرأَها ثلاثينَ مرةً؛ لمْ يَفْضُلْهُ أَحَدٌ منْ أهلِ الدُّنْيا يَومَئذٍ ؛ إلا منْ
زادَ على ما قالَ، ومنْ قرأَها مِثَتَيْ مَرَّةٍ؛ أُسْكِنَ منَ الفِردَوسِ سَكَناً
يَرْضَاهُ ، ومَنْ قَرأَها حينَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ ثلاثَ مراتٍ ؛ نَفَتْ عنهُ الفَقْرَ،
ونَفَعتِ الجار. وباتَ رسولُ اللهِ تٍَّ يَقْرِؤها ويُرَدِّدُها حَتى أَصْبَح]).
موضوع. أخرجه أبو الشيخ في «العظمة)) (٢/١٥) عن سَلَمَةَ بن شَبِيبٍ:
حدثنا يحيى بن عبد الله الحَرَّاني عن ضِرَارِ عن أَبَانَ عن أنس قال :
أتت يهودُ خيبرَ إلى النبي ◌َ ﴿، فقالوا : يا أبا القاسم ! خلق الله الملائكة من
نور الحجاب ، وآدم من حَمأٍ مسنون ، وإبليسَ من لهب النار ، والسماء من دُخان ،
والأرضَ من زبد الماء، فأخبرنا عن ربِّك عز وجل؟ فلم يجبهم النبي ◌َ له، فأتاه
جبريل عليه السلام، فقال ... الحديث دون الزيادات؛ فهي من ((الدر المنثور))
للسيوطي (٤١٠/٦).
وقد ساق الحديث - بهذا التمام - معزوّاً لرواية أبي الشيخ في ((العظمة))،
وأبي بكر السمرقندي في ((فضائل ﴿قل هو الله أحد﴾)) عن أنس .
٤٠١

قلت : وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ بل موضوع ؛ أبان : هو ابن أبي عياش ، وهو
متروك ؛ بل كذبه شعبة وأحمد وابن معين .
وضرار؛ الظاهر أنه ابن عمرو الملَطِيُّ ، ضعيف ؛ بل قال البخاري :
((فيه نظر)) .
ويحيى بن عبد الله الحراني - وهو البَابْلُتِّ - ضعيف.
٤٨٤٤ - (إنِّي أمرتُ بِبُدْنِي التي بَعَثْتُ بها أن تُقلَّدَ اليومَ، وتُشْعَرَ
اليومَ على ماءِ كذا وكذا، فَلَبِسْتُ قَميصاً ونَسِيتُ، فلم أكنْ لأُخْرِجَ
قَميصي منْ رَأْسِي . وكانَ قَدْ بعثَ بِبُدْنِهِ منَ المدينةِ، وأقامَ بالمدينةِ)(١).
منكر. أخرجه الطحاوي (٣٧٠/١، ٤٣٩)، وأحمد (٤٠٠/٣) عن حاتم بن
إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لَبِيبة عن عبدالملك بن جابر عن
جابر بن عبدالله قال :
كنت عند رسول الله ◌َ مُ جالساً؛ فقدَّ قميصَهُ من جَيْبِهِ ، حتى أُخرجه من
رِجْلَيه، فنظر القوم إلى رسول الله عَ ليه! فقال ... فذكره .
قلت : وإسناده رجاله ثقات ؛ على خلاف في ابن أبي لبيبة ؛ فقال البخاري :
((فيه نظر)) . وقال أبو حاتم :
((شيخ ؛ يحوّل من (كتاب الضعفاء)). وقال النسائي وابن سعد :
((ثقة)) .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)». وقال الأزدي :
(١) كتب الشيخ -رحمه الله- فوق هذا المتن: "يأتي برقم (٥٩٦٦) وهنا بعض الفوائد". (الناشر).
٤٠٢

((لا يصح حديثه)). وقال الحاكم أبو أحمد :
((ليس بالقوي عندهم)) . وقال ابن عبدالبر :
((ليس عندهم بذاك، وترك مالك الرواية عنه، وهو جاره)).
هذا كل ما قيل فيه من التعديل والجرح ، وقد لخّصَ ذلك الحافظ في
((التقريب)) بقوله :
((صدوق فيه لين)). وقال الذهبي في ((المغني)):
((وثقه النسائي . وقال خ: فيه نظر. وقواه أبو حاتم)) .
قلت : فهو ممن يتردد النظر بين تحسين حديثه أو الاستشهاد به ، فإذا وجد في
حديثه أقل مخالفة لما رواه الثقات ؛ تعرض للوهن والسقوط .
وقد وجدت حدیثین یخالفان بعض ما جاء فيه :
الأول : حديث يعلى بن أمية في الرجل الذي أهلَّ بالعمرة وعليه جُبَّة ، فقال
محَا اللهُ :
له
((انزع عنك الجبة ... )) الحديث. متفق عليه، وهو مخرَّج في ((صحيح أبي
داود» (١٥٩٦ - ١٥٩٩).
فأمره ◌َّه بنزع الجبَّة، ولم يأمره بشقِّها . وبهذا الحديث احتج الطحاوي على
ترجيحه علی حدیث جابر هذا ، وقال :
((إن إسناده أحسن من إسناده))؛ وأيَّده من طريق النظر .
ثم روى بسند صحيح عن قتادة قال :
٤٠٣

قلت لعطاء : إنما كنا نرى أن يشقَّها؟! فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد .
ونقل ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٩٤/٢) أن الحديث ضعيف عند أهل
العلم ، وهو عندهم - مع ضعفه - مردود بالثابت من حديث عائشة الآتي .
والآخر : حديث عائشة قالت :
کان رسول الله ټځ يُهْدِي من المدینة ، فأَفتِلُ قلائدَ هدیه ، ثم لا يجتنب
شيئاً مما يجتنب المحرم . متفق عليه، وهو مخرَّج في ((صحيح أبي داود)) أيضاً
(١٥٤١، ١٥٥٣) .
فهذا خلاف حديث جابر صراحة ، وإليه ذهب فقهاء الأمصار، وهو أن من
أرسل هدياً لا يصيرُ بذلك محرماً ، ولا يمسك عما يمسك عنه المحرم ؛ خلافاً لبعض
السلف . قال الحافظ (٤٣٠/٣):
((ومن حجَّتهم : ما رواه الطحاوي وغيره (فذكر حديث جابر هذا . وقال)؛
وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده))!
قلت : ولا يخفى ما في الجزم بالضَّعْف بعد أن عرفت الخلاف في راويه ابن
أبي لبيبة ! فهذا في طرف ، وشيخه الهيثمي في طرف آخر ؛ حيث قال (٢٢٧/٣) :
((رواه أحمد والبزار باختصار، ورجال أحمد ثقات)»!
قلت : فهذا التوثيق المطلق في طرف آخر ! والحق التفصيل الذي أوضحته لك .
هذا ؛ ولعلَّ لفظ البزار المختصر الذي يشير إليه الهيثمي ؛ هو ما أخرجه أحمد
أيضاً (٢٩٤/٣) من طريق داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابْنَيْ
جابر یحدثان عن أبيهما قال :
٤٠٤

﴿﴿ جالس مع أصحابه ؛ شقَّ قميصه حتى خرج منه ، فقيل له؟
بينا النبي
فقال :
((واعدتهم يقلّدون هدياً اليوم؛ فنسيت))(١).
قلت : وداود بن قيس - وهو الفَرَّاء - ثقة من رجال مسلم .
وجابر ؛ له ثلاثة من الولد يروون عنه : عبد الرحمن وعقيل ومحمد ، ولم يُذْكَر
أحدهم في شيوخ ابن أبي لبيبة ، وإنما ذكروا فيهم عبدالملك بن جابر - وهو ابن
عَتِيكٍ؛ المتقدم في رواية حاتم بن إسماعيل -؛ فهذا يدلُّ على أن ابن أبي لبيبة
كان يضطرب في إسناده .
وبما يؤكِّد ذلك : أنه ورد عنه على وجه آخر ، فقال زيد بن أسلم : عن
عبد الرحمن بن عطاء عن نفر من بني سلمة قالوا :
﴿ جالساً ؛ فشَقَّ ثوبه ، فقال :
كان النبى
((إني واعدتُ هَدْياً يُشْعَرُ اليومَ)).
أخرجه أحمد (٤٢٦/٥) : ثنا وكيع : ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم .
فهذه علَّة أخرى تدلُّ على ضعف الحديث ؛ وهي اضطراب الراوي في إسناده
على وجوه ثلاثة :
الأولى : عن عبدالملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبدالله .
الثانية : عن ابني جابر يحدثان عن أبيهما .
(١) هو في ((مسند البزار)) (١١٠٧/٢٠/٢ - كشف) بنحوه من الطريق ذاتها. (الناشر).
٤٠٥

الثالثة : عن نفر من بني سلمة قالوا ...
وعلى هذه الرواية ؛ فهو مرسل أو منقطع ؛ لأن النفر من بني سلمة إن كانوا
من التابعين فهو مرسل ؛ لأن ابن أبي لبيبة لم يذكروا له رواية عن أحد من
الصحابة ؛ ولا يبعد أن يكون عنى بهم ابْنَيْ جابر كما في الرواية الثانية .
وإن كانوا من الصحابة ؛ فهو منقطع لما ذكرنا ، وهذا الاحتمال هو الذي
يناسب إيراد الإمام أحمد للحديث من هذا الوجه أيضاً في ((المسند)).
ومع ذلك ؛ فقد أشكل عليَّ في هذا الإسناد أمور :
أولاً : أنهم لم يذكروا في الرواة عن عبدالرحمن بن عطاء هذا : زيد بن
أسلم ، وزيد أكبر منه ؛ فإنه تابعي معروف ؛ وإنما ذكروا فيهم هشام بن سعد .
ثانياً : أن الهيثمي أورده هكذا : ((وعن عطاء بن يسار عن نفر من بني سلمة
قالوا ... (الحديث) ؛ رواه أحمد ، ورجاله رجال (الصحيح))) !
فأشكل عليَّ قوله : ((عطاء بن يسار))؛ فإن هذا ليس في ((المسند))، وإنما فيه
((عبدالرحمن بن عطاء))، فقلت في نفسي : لعلَّ هذا محرف ، والصواب :
((عبدالرحمن عن عطاء))؛ فرجعت إلى ترجمة زيد بن أسلم ؛ فوجدت في شيوخه
راويين كل منهما اسمه عبدالرحمن ؛ أحدهما : ابن وعلة ، والآخر : ابن أبي
سعيد الخدري ، فرجعت إلى ترجمة كل منهما؛ فلم أجد في شيوخهما من
يسمى عطاءً ، لا عطاء بن يسار ولا غيره !
وهنا انتهى بحثي حول هذا الإسناد ، وهو بحاجة بعدُ إلى مزيد من البحث
والتحقيق ، فمن بدا له شيء . فليُلْحِقْهُ به . وجزاه الله خيراً .
٤٠٦

ثم وجدتُ حديثاً آخر مخالفاً لحديث الترجمة ، ومطابقاً لظاهر حديث يعلى
ابن أمية ، وهو حديث أم سلمة قالت :
كانت ليلتي التي يصير إليَّ فيها رسول الله ◌َ﴿ مساءَ يوم النحر، فصارَ إليَّ،
ودخل عليَّ وهب بن زَمْعَةَ ومعه رجل من آل أبي أمية متقمِّصَيْن ، فقال رسول
:
الله ◌ُ
((انزع عنك القميص)). قال: فنزعه من رأسه ، ونزع صاحبه قميصه من
رأسه ، ثم قال :
لمَ يا رسول الله؟! قال :
((إن هذا يوم رُخِّصَ لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلّوا؛ يعني : من كل ما
حُرمتم منه؛ إلا النساء ، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت ؛ صرتم حُرُماً
لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة قبل أن تطوفوا به)) .
أخرجه أبو داود وغيره بسند حسن . ومن ضعَّفه فما حقَّقَ ، وقد تكلّمتُ
عليه مفصَّلاً في ((صحيح أبي داود)) (١٧٤٥) .
٤٨٤٥ _ (يا سَلمانُ! كلُّ طَعامٍ وشَراب وَقَعتْ فيه دابّةٌ ليسَ لها
دَمٌ ، فماتَتْ فيه ؛ فهوَ حلالٌ أَكْلُهُ وَشُربِهُ وَوُضُوؤُهُ) .
ضعيف جدّاً . أخرجه ابن عدي (ق٢/١٨٢)، والدارقطني (ص١٤) من طريق
بقية بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد الزُّبَيْدِيِّ عن بِشْرِ بن منصور عن علي بن
زيد بن جُدْعان عن سعيد بن المسيَّب عن سلمان مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً وفيه علل :
٤٠٧

الأولى : ابن جدعان ؛ فإنه ضعيف ؛ لسوء حفظه .
الثانية : سعيد بن أبي سعيد الزبيدي . وبه أعلَّه مخرِّجه ابن عدي ؛ فقال :
((عامة أحاديثه ليست بمحفوظة)). وقال الذهبي :
((لا يُعرف ، وأحاديثه ساقطة)). ثم ساق له هذا الحديث .
الثالثة: بقية بن الوليد . وبه أعلَّه مخرِّجه الدارقطني ؛ فقال عقبه :
(تفرد به بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي؛ وهو ضعيف)).
قلت : وذلك لكثرة تدليسه .
فإن قيل : قد صرَّح بالتحديث في رواية للدارقطني؟
قلت : هي من رواية أحمد بن أبي الأَخْيَلِ الحمصي : حدثني أبي : نا بقية :
حدثني سعيد بن أبي سعيد ...
فأبو الأخيل هذا : اسمه خالد بن عمرو السُّلَفِيُّ ؛ قال الحافظ :
(ضعيف، وكذبه جعفر الفِرْيَابِيُ)) .
واعلم أن الدافع على تخريج هذا الحديث والكشف عن علله : أنني رأيت
الشيخ علي القاري قد مال إلى تقوية الحديث بأسباب واهية ، ومدافعات باطلة ،
فلا بد من سوق كلامه ، ثم الكشف عن الخلل الذي فيه ، فقال في «فتح باب
العناية)) (١١٦/١):
((رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه إلا بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي ،
وهو ضعيف . انتهى . وأعلّه ابن عدي بجهالة سعيد. ودُفعًا بأن بقية هذا : هو أبو
٤٠٨

الوليد روى عنه الأئمة ... وروى له الجماعة إلا البخاري. وأما سعيد بن أبي
سعد هذا؛ فذكره الخطيب قال : واسم أبيه عبد الجبار ، وكان ثقة ، فانتفت
الجهالة ، والحديث - مع هذا - لا ينزل عن الحسن))!
کذا قال ! والرد عليه من وجوه :
الأول : أن بقية لم يحتج به مسلم ، وإنما روى له في الشواهد ؛ كما قال
المنذري في آخر ((الترغيب والترهيب)) . ونحوه قول الخزرجي :
((متابعة)).
الثاني : أن رواية الأئمة عن راو ما؛ لا يعتبر توثيقاً له ؛ إلا إذا سَلِمَ من قادح،
والأمر هنا ليس كذلك ؛ فقد قال الذهبي :
((قال غير واحد من الأئمة : بقية ثقة إذا روى عن الثقات . وقال النسائي
وغيره: إذا قال: ((نبأ)) و((أنا)) فهو ثقة. وقال غير واحد: كان مدلساً)).
قلت : والشيخ القاري على علم بهذا كله ، وأن علَّة بقية التدليس ، فكان
حقه أن لا يسوِّد أسطراً في ذكر من روى عن بقية من الأئمة ؛ موهماً أنه ثقة طُعِنَ
فيه بغير حق ، وأن يتوجه إلى الجواب عن عنعنته بمثل ذلك السؤال الذي ذكرته
مع الجواب عنه ، على نحو ما فعله هو في حديث ابن عمر :
((من ضحك في الصلاة قهقهة؛ فَلْيُعِدِ الوضوء والصلاة)). فقال (ص٧٦ - ٧٧) :
((وأما الطعن فيه بأن بقية مدلس ؛ فكأنه سمعه من بعض الضعفاء وحذف
اسمه ؛ فمدفوع بأنه صرح فيه بالتحديث ، والمدلس الصدوق إذا صرح بالتحديث
تزول تهمة التدليس، وبقية من هذا القبيل))!
٤٠٩

قلت : وهذا الدفع مدفوع ومردود ؛ لأن تصريحه في حديث ابن عمر بالتحديث
مما لا يطمئن القلب إليه ؛ ذلك لأنه من رواية ابنه عطية بن بقية عن أبيه : حدثنا ...
وعطية كانت فيه غفلة ، كما قال ابن أبي حاتم (٣٨١/١/٣) . وقال ابن حبان :
((يخطئ ويغرب ، يعتبر حديثه إذا روى عن أبيه غير الأشياء المدلسة)).
قلت: ومن كان فيه غفلة ومن عادته أن ((يخطئ ويغرب)) ؛ فلا شك أنه لا
يحتج به ، فلا يثبت تصريح بقية بالتحديث بمثل روايته ، وإنما يستشهد بها ، فإن
جاء له شاهد قَوِيَتْ ؛ وإلا فلا؛ ولا شاهد هنا . فَجَزْمُ القاري بأن بقية صرح فيه
بالتحديث فيه غفلة عن حال عطية بن بقية ! فتنبّه .
الثالث : قوله : ((وأما سعيد بن أبي سعيد فذكره الخطيب قال : واسم أبيه
عبدالجبار؛ وكان ثقة)) !
فهو وهم فاحش منه عفا الله عنا وعنه ؛ فإن هذا التوثيق لم يذكره أحد في
ترجمة سعيد بن عبدالجبار الزبيدي ، وإنما ذكروه في ترجمة سعيد بن عبدالجبار
ابن يزيد القرشي؛ وهو ثقة من رجال مسلم ؛ ففي ترجمته من ((التهذيب)) جاء قوله :
((وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة)). وهذه الترجمة قبل ترجمة سعيد بن
عبدالجبار الزبيدي . فكأن القاري انتقل بصره من هذه إلى تلك ، فوقع في هذا
الخطأ .
على أن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي : هو غير سعيد بن أبي سعيد
الزبيدي ؛ قال الحافظ :
((فرّق بينهما ابن عدي ، فقال في الثاني : حديثه غير محفوظ ، وليس هو
٤١٠

بالكثير. وقال أبو أحمد الحاكم: يرمى بالكذب)) . وقال ابن عدي في الأول :
((وعامة حديثه مما لا يتابع عليه)).
قلت : وعلى هذا التفريق ؛ جرى الذهبي في ((الميزان)).
فلو صح عن الخطيب أنه وثق سعيد بن عبدالجبار الزبيدي ؛ فليس هو راوي
هذا الحديث . والله أعلم .
٤٨٤٦ - (كانَ يَمْتَشِطُ بِشْطٍ مِنْ عاجٍ) .
منكر. أخرجه البيهقي (٢٦/١) عن بقية بن الوليد عن عمرو بن خالد عن
قتادة عن أنس مرفوعاً . وقال :
((قال عثمان (يعني: ابن سعيد الدارمي): هذا منكر)) . قال البيهقي :
((رواية بقية عن شيوخه المجهولين ضعيفة)).
قلت : يشير إلى أن عمرو بن خالد هذا مجهول .
وأنا أظن أنه عمرو بن خالد القرشي أبو خالد الكوفي نزيل واسط ؛ وهو
مشهور بالكذب والوضع .
والحديث ؛ أورده القاري في ((فتح باب العناية)) (١٢٧/١) مستدلاً به على
طهارة عظام السباع ، مكتفياً بعزوه للبيهقي ؛ ساكتاً عن بيان علته القادحة ! وتبعه
على ذلك محققه أبو غدة في المكان المشار إليه منه ، وفي (١٣٠/١) !!
٤٨٤٧ - (إنّما حَرَّمَ رسولُ اللهِعَ لَّهِ مِنَ الَيْتَةِ لَحْمَها، وأَمّا الجلْدُ
والشَّعْرُ والصوفُ ؛ فَلا بأسَ بهِ) .
٤١١

ضعيف . أخرجه الدارقطني (ص١٨)، وعنه البيهقي (٢٤/١ - ٢٥) عن الوليد
ابن مسلم عن أخيه عبد الجبار بن مسلم عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن
ابن عباس قال ... فذكره . وقال الدارقطني :
((عبدالجبار ضعيف)). وأقرّه البيهقي ، ثم ابن التركماني بسكوته عليه ؛ وعدم
تعقّبه للبيهقي کما هي عادته كلما وجد سبيلاً إليه !
وأما القاري؛ فإنه قال في ((فتحه)) (١٣٠/١):
((فإن قيل : عبدالجبار ضعفه الدارقطني؟ فالجواب : أن ابن حبان وثقه ، فلا
ینزل حديثه عن الحسن)» !
قلت : وهذا مردود ؛ لأن توثيق ابن حبان غير موثوق به في مثل هذا ؛ فإنه
يوثَّق المجهولين الذين لم يرو عنهم إلا الواحد أو الاثنان ، وفيهم من يقول هو نفسه
في ((الثقات)):
(«لا أعرفه)»! وتارة يزيد فيقول :
«ولا أعرف أباه)»! كما هو مشروح في غير هذا المكان .
وعبدالجبار هذا من أولئك المجهولين الذين لم يرو عنهم إلا الواحد ؛ فقد قال
الحافظ في «اللسان»:
((لم يرو عنه غير الوليد)). ولذلك قال الذهبي فيه :
((لا أعرفه)) ! مع أنه حكى تضعيف الدارقطني إياه .
وقد خالفه أبو بكر الهُذَلي ، فرواه عن الزهري به موقوفاً على ابن عباس .
أخرجه الدارقطني ، والبيهقي . وقالا :
٤١٢

«أبو بكر الهذلي ضعيف)).
٤٨٤٨ - (لا بِأُسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إذا دُبغَ ، ولا بأُسَ بِصُوفِها وشَعْرِها
وقُرونِها إذا غُسِلَ بالماءِ) .
ضعيف بهذا التمام . أخرجه الدارقطني (ص١٨)، وعنه البيهقي (٢٤/١)
من طريق يوسف بن السَّفْرِ : نا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
ابن عبدالرحمن قال: سمعت أم سلمة زوج النبي :{ ي تقول : سمعت رسول الله
يقول ... فذكره . وقالا :
((يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره)) .
قلت : وهو متهم بالكذب ، حتى الحاكم - مع تساهله - قال فيه :
(روى عن النقاش أحاديث موضوعة)). وقال البيهقي:
((هو في عداد من يضع الحديث)) .
قلت : وهذا أمر معروف عند المشتغلين بهذا العلم الشريف .
ومع ذلك ؛ فإن الشيخ القاري في ((فتحه)) (١٣٠/١) تجاهل عن ذلك كله ،
بل قال - عقبه ؛ وقبله الحديثان السابقان - :
((فهذه عدة أحاديث - ولو كانت ضعيفة - حُسِّنَ المتنُ ، فكيف ولها شاهد في
((الصحيحين))؟!)) !
وقلده في ذلك كله المعلِّق عليه أبو غدَّة ، بل أيَّده بقوله تعليقاً على آخر
كلامه بقوله :
((تقدم ذكره في (ص١٢٣) من حديث ابن عباس)) !!
٤١٣

وحديث ابن عباس هناك ؛ لفظه :
تُصُدِّقَ على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله ◌َ اءٍ فقال :
((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه - زاد مسلم : - فانتفعتم به؟!)). فقالوا: إنها ميتة !
قال :
((إنما حرم أكلها)).
قلت : فهذا لا يصلح شاهداً إلا للشطر الأول من الحديث .
وأما الشطر الآخر ؛ فليس فيه ما يشهد له مطلقاً ، بل لو قال قائل : إن فيه ما
يشهد عليه لما أبعد ؛ لأنه لم يقل : فانتفعتم بصوفها وشعرها وقرونها؟!
فتأمل ما يفعل التقليد والتعصب المذهبي بأهله ؛ من الإبعاد عن الحق والعدل ،
والإيهام بخلاف الواقع ؛ وإلا فبالله عليك قل لي : من الذي يفهم من قولهم :
((فكيف ولها شاهد في ((الصحيحين)»؟)) أنه يعني أنه شاهد للشطر الأول من
هذا الحديث الثالث وبعض الحديث الذي قبله؟!
وأما الحديث الأول ؛ فهو في الامتشاط فقط !
٤٨٤٩ - (يا عَمَّارُ! إِنما يُغْسَلُ الثوبُ منْ خَمْسٍ: مِنَ الغائطِ،
والبَولِ ، والقَيءٍ ، والدَِّ ، والَنِيِّ.
يا عمَّارُ! ما نُخامَتُكَ، ودُموعُ عَيْنَيْكَ، والماءُ الذي في رَكْوَتِكَ إلا
سَواءٌ) .
ضعيف جدّاً. أخرجه البزار (٢٤٨/١٣١/١)، والدارقطني في ((سننه))
(ص٤٧) ، وكذا أبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٣٠٩/٢) من طريق أبي إسحاق
٤١٤

الضَّرِيرِ إبراهيم بن زكريا : نا ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن
المسيَّب عن عمار بن ياسر قال :
أتى عليَّ رسول الله مَ﴿ وأنا على بئر؛ أدلو ماءً في رَكْوَةٍ لي ، فقال :
((يا عمار! ما تصنع؟)). قلت: يا رسول الله ! بأبي وأمي ؛ أغسل ثوبي من
نُخَامة أصابته . فقال ... فذكره . وقال الدارقطني:
ء
((لم يروه غير ثابت بن حماد ، وهو ضعيف جدّاً. وإبراهيم وثابت ضعيفان»!
قلت : إبراهيم بن زكريا بريء الذمة منه ؛ لأنه قد توبع ، فقال أبو يعلى في
((مسنده)) (٤٥٤/٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٧٦/١) - والسياق للأول -:
حدثنا محمد بن أبي بكر : نا ثابت بن حماد أبو زيد ... به .
وكذلك رواه الطبراني في ((الأوسط)» (ج١ ق١/١١ - زوائد المعجمين)، وعنه
ابن منده في ((المعرفة)) (٢/٧٤/٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (١/٤٧)، وغيرهم.
وقال هو والطبراني :
((لا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ثابت)).
ولذلك قال البيهقي في ((السنن)) (١٤/١) - بعد أن ذكره معلقاً -:
((فهذا باطل لا أصل له ، وإنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن ابن
المسيب عن عمار. وعلي بن زيد غير محتج به ، وثابت بن حماد متهم به)) .
وأقرّه ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (١/٤). وقال عبد الحق الإشبيلي
في ((الأحكام)) (ق١/٢٧) .
((ثابت بن حماد ؛ أحاديثه مناكير ومقلوبات)).
٤١٥

وكذلك أقرَّ البيهقيَّ على حكمه السابق: الحافظ السيوطيُّ في ((ذيل
الأحاديث الموضوعة)» (ص٩٩) ؛ وزاد :
((وقال العقيلي : هذا الحديث غير محفوظ، وثابت مجهول . وفي (اللسان)):
نقل أبو الخطاب الحنبلي عن اللالكائي : أن أهل النقل اتفقوا على ترك ثابت بن
حماد . وقال ابن تيمية - فيما نقله عنه ابن عبدالهادي في ((التنقيح)) -: هذا
الحديث كذب عند أهل المعرفة)) .
قلت: وقول ابن تيمية المذكور ليس في نسخة ((التنقيح)) المطبوعة ! والله أعلم .
وفي معناه قول ابن تيمية في ((رسالة الصيام)) (ص٤٢ - الطبعة الثانية -
بتحقيقي) :
(ليس من كلام النبي ◌ُ ، وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد
عليها ، ولا رواه أحد من أهل العلم بالحديث بإسناد يحتج به)) .
وأما تعقُّب الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢١١/١) قول الأئمة المتقدمين بتفرد
ثابت بن حماد بقوله :
((قلت : وجدت له متابعاً عند الطبراني في ((معجمه الكبير)) من حديث
حماد بن سلمة عن علي بن زيد به سنداً ومتناً. وبقية الإسناد : حدثنا الحسين
ابن إسحاق التُّسْتَرِيُّ: ثنا علي بن بَحْرِ: ثنا إبراهيم بن زكريا العِجْلي : ثنا حماد
ابن سلمة به)) !
قلت: فقد تعقّبه الحافظ ابن حجر بقوله في ((التلخيص)) (٣٣/١):
((لكن إبراهيم ضعيف ، وقد غلط فيه ؛ إنما يرويه ثابت بن حماد)).
٤١٦

قلت : ولذلك قال ابن عَرَّاق في ((تنزيه الشريعة)) (٧٣/١):
((ولا يُغْتَرُّ برواية البزار والطبراني له من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي عن
حماد بن سلمة ؛ فإبراهيم ضعيف ... )) إلخ كلام الحافظ المذكور .
قلت : ومن الواضح أن إبراهيم هذا وهم في اسم ثابت بن حماد ، فانقلب
عليه فقال : ((حماد بن سلمة))! وذلك مما يدل على ضعفه وقلة ضبطه . لكنه قد
رواه على الصواب في رواية الدارقطني وأبي نعيم المتقدمة ، فهي المعتمدة .
وإذا عرفت هذا التحقيق ، وإجماع أهل الاختصاص في هذا العلم الشريف ؛
يتبين لك تعصُّب الشيخ علي القاري ومجانفته في البحث العلمي في كتابه ((فتح
باب العناية)) (٢٤٢/١) في قوله عقب هذا الحديث :
((وفي سنده ضعيف ، وهو ثابت بن حماد ، لكن له متابع عند الطبراني ،
رواه في ((الكبير)) من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد سنداً ومتناً،
فبطل جزم البيهقي ببطلان الحديث بسبب أنه لم يروه عن علي بن زيد سوى
ثابت . ودفع قوله في علي هذا - أنه غير محتج به - بأن مسلماً روى له مقروناً
بغيره . وقال العجلي: لا بأس به ، وروى له الحاكم في ((المستدرك))، وقال
الترمذي : صدوق)» !!
وتفصيل الردّ عليه من وجوه :
الأول : قوله : ((وفي سنده ضعيف ، وهو ثابت بن حماد)) !
قلت : بل هو ضعيف جدّاً، كما قال الإمام الدارقطني . ونحوه قول البيهقي :
(وهو متهم به)) . واتفاق أهل النقل على تركه .
٤١٧

فالاقتصار على تضعيفه فقط ؛ مخالفة صريحة لهم بدون حجة .
الثاني : قوله : ((تابعه حماد بن سلمة)) !
قلت : هذه متابعة باطلة لا أصل لها؛ لأنها وهم من إبراهيم بن زكريا
العجلي ، خالف فيه الثقات ، لا سيما وقد وافقهم في رواية الدارقطني وأبي نعيم
عنه كما تقدم فقال : ثابت بن حماد ؛ فعاد الحديث إلى أنه تفرد به هذا المتروك !
الثالث: قوله: ((فبطل جزم البيهقي ببطلان الحديث ... ))!
قلت : فقوله هذا هو الباطل ؛ لأنه بناه على ما دفعه به من المتابعة المزعومة ،
وما بني على باطل فهو الباطل ؛ لا سيما وليس البيهقي منفرداً بجزمه المذكور ؛
كما عرفت مما سبق من البيان .
الرابع : قوله : ((ودفع قوله في علي هذا .. بأن مسلماً روى له مقروناً ... ))!
قلت : وهذا مدفوع لسببين :
أولاً : أنه لا يجوز للباحث المنصف أن يأخذ من ترجمة الراوي الأقوال التي
تعدّله - لهوى في نفسه -، ويُعْرِض عن الأقوال الأخرى التي تجرِّحه، ولا
العكس أيضاً ، وإنما ينبغي أن يلخص من مجموع تلك الأقوال كلها ما يمكن أن
يأخذ من مجموعها على ما يساعد عليه علم مصطلح الحديث مما هو مفصّل فيه ،
وهذا مما لم يفعله الشيخ القاري مع الأسف ؛ فإن عليّاً هذا قد جرحه جماهير
الأئمة جرحاً مفسراً ؛ بأنه ضعيف لا يحتج به لسوء حفظه ؛ كالإمام أحمد وابن
معين وغيرهم ممن ذكرهم الحافظ في ((التهذيب)). فالإعراض عن أقوالهم إلى
أقوال معدّليهِ - الذين زعمهم القاري - مخالف لعلم المصطلح الذي يقول : (الجرح
المفسّر مقدم على التعديل) ، لا سيما إذا كان الجارحون من مثل الإمام أحمد
٤١٨

وابن معين وغيرهما . ولذلك نجد الحافظ لخّص ترجمة على هذا في ((التقريب» بقوله :
((ضعيف)).
ثانياً: أن الأقوال التي ذكرها القاري لا تنهض على دفع قول البيهقي : ((غير
محتج به))؛ لأنها لا تعني أنه يحتج به . وإليك البيان :
١ - أما قرن مسلم إياه بغيره ؛ فهو على القاري وليس له ؛ لأنه لو كان حجة
عنده لم يقرنه بغيره ؛ كما هو ظاهر .
٢ - وأما قول العجلي: ((لا بأس به))؛ فهذا أحد قوليه فيه. وقال مرة :
((يكتب حديثه وليس بالقوي)).
فهذا موافق لقول الذين ضعفوه من الجمهور، فالأخذ به أولى من الأخذ
بقوله الأول المخالف لهم؛ كما لا يَخْفى على أولي النُّهَى .
٣ - وأما رواية الحاكم له في ((المستدرك))! فكان على الشيخ القاري أن
يستحي من الاستدلال به ؛ لما عرف من تساهله في المتون والرواة ، وكم من
حديث أخرجه من طريق بعض الضعفاء مصحِّحاً ، وردّه الذهبي عليه ! ومن هؤلاء
ابن جدعان هذا ، فراجع لذلك فهرس الرواة من كتابي ((سلسلة الأحاديث
الضعيفة)) (المجلد الأول) إن شئت .
٤ - وأما قوله : ((وقال الترمذي: صدوق)) !
فهذا نقل مبتور؛ فإن تمام كلام الترمذي - كما في ((التهذيب)) -:
(( ... إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره)).
قلت : فأنت إذا نظرت إلى هذا الاستثناء مع المستثنى منه ؛ كانت النتيجة
٤١٩

على خلاف ما يستفاد من المستثنى من بداهة ، وهي أن الرجل صدوق سيئ
الحفظ ، فالترمذي حينئذٍ - بقوله هذا - أقرب إلى أن يصنَّفَ في جملة الجمهور
المضعّف له ؛ من أن يصنَّفَ في زمرة المعدّلين .
وهَبْ أنه من المعدّلِين؛ فهو من المعروفين بالتساهل في التعديل والتصحيح ،
حتى صحح لـ(كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف) ؛ فقال الذهبي معترضاً عليه :
((فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي)).
وجملة القول ؛ أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لو أن ثابت بن حماد توبع
عليه ؛ فكيف وقد تفرد به؟! ولذلك لم يَسع ابنَ التركماني الحنفي - على تعصُبهِ
أيضاً - إلا التسليمُ بضعفه، ولم يتكلّف تَكلّف القاري في محاولة تقويته؛ مع
التحامل على البيهقي . والله المستعان .
وبعد كتابة ما تقدَّم ؛ رأيت الهيثمي قد أورد الحديث في ((مجمع الزوائد))
(٢٨٣/١) من رواية الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))، وأبي يعلى. ثم قال:
((وله عند البزار قال: رآني رسول الله تَ ﴿، وأنا على بئر ... )) فذكره نحوه . وقال :
((ومدار طرقه عند الجميع على ثابت بن حماد ، وهو ضعيف جداً)).
قلت : فكأنه لم يعتدّ بطريق البزار والطبراني في ((الكبير)) التي وقع فيها اسم
ثابت بن حماد مقلوباً إلى حماد بن سلمة ؛ لبطلانها على ما سبق تحقيقه ؛ فلم
يتعرّض لها بذكر مطلقاً ، فأصاب رحمه الله تعالى .
(تنبيه) : وقع توثيق ثابت بن حماد في إسناد البزار، فظن بعضهم أنه من
البزار ، وليس كذلك ! فقال : حدثنا يوسف بن موسى : ثنا إبراهيم بن زكريا : ثنا
ثابت بن حماد - وكان ثقة - عن علي بن زيد .. إلخ .
٤٢٠