النص المفهرس
صفحات 141-160
٤١٣٥ - (إذَا اجْتَمعَ القومُ في سَفَرِ؛ فَلْيَجْمَعُوا نَفَقاتِهم عندَ
أَحَدِهم ؛ فإِنَّهُ أَطْيَبُ لنفُوسِهِم ، وأحْسَنُ لأَخْلاقِهم) .
ضعيف . رواه الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول )) (ص ٢٦٦ - طبع
القسطنطينية ، وهي بدون أسانيد) عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده
مرفوعاً .
وهكذا أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) وفي ((الزوائد على الجامع
الصغير)) ، فالله أعلم بحال إسناده إلى عمرو، ولكن قد نص السيوطي في مقدمة
((الجامع الكبير)): أن كل ما عزي للعقيلي في ((الضعفاء))، وابن عدي في
((الكامل))، والخطيب في ((تاريخه))، ولابن عساكر أيضاً، أو الحاكم في
(التاريخ))، والحكيم الترمذي في ((النوادر))، والديلمي في ((مسند الفردوس))؛
فهو ضعيف . فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه .
وقد رواه بعض الهلكى بإسناد آخر ، فقال سعدان بن يزيد البزار: نا عبد الله
ابن ضرار بن عمرو، عن أبيه ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك مرفوعاً
بلفظ :
((إن من أحمد الأشياء إذا كان القوم سفراً ... )) الحديث .
أخرجه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢ / ٧٩٨ / ٨٨٦ و٩٢٣).
وهذا إسناد واه جداً؛ آفته ضرار هذا؛ فإنه متروك الحديث ؛ كما قال الذهبي
في ((المغني)).
وابنه عبد الله ؛ ضعيف ، وكذلك شيخه يزيد الرقاشي .
١٤١
٤١٣٦ - (مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ أَنْ يَكونَ بِكْرُها جاريَةً).
موضوع. أخرجه ابن عدي في (( الكامل)) (٦/ ٣٠٢) من طريق شيخه
محمد بن محمد بن الأشعث : حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر
ابن محمد : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده جعفر ، عن أبيه ، عن جده علي بن
الحسين ، عن أبيه ، عن علي مرفوعاً .
قلت : موضوع ، المتهم به هذا الشیخ ؛ فقد ساق له ابن عدي نحو خمسة
وعشرين حديثاً من أصل قرابة ألف حديث بهذا الإسناد العلوي ، وقال :
ء
(( وعامتها من المناكير، وكان متهماً)) . وقال الدارقطني :
(( آية من آيات الله! وضع ذاك الكتاب . يعني العلويات)).
وقد مضى له حديث آخر موضوع في المجلد الرابع رقم (١٩٣٢). وقال الذهبي
فى ((الميزان)) :
(( وساق له ابن عدي جملة موضوعات)).
سِقْطاً ، فسمَّاهُ
٤١٣٧ - ( أَسْقَطْتْ عائشة مِنْ رَسولِ الله
عبدَ الله ، فكنّاها أمّ عبد الله) .
باطل. أخرجه الخطيب في ((الموضح)) (١ / ٣٢١) من طريق داود بن المحبر:
حدثنا محمد بن عروة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت :
أسقطت من رسول الله ... الحديث ، وقال: فكناني ... قال محمد :
فليس فينا امرأة اسمها عائشة إلا كنيت بأم عبد الله .
قلت : وهذا باطل ، موضوع إسناداً ومتناً .
أما الإسناد ؛ فلأن داود بن المحبر متهم؛ قال الذهبي في (( المغني)):
١٤٢
((واه ، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، وأجمعوا على تركه)).
وقد نسبه الدارقطني إلى سرقة الحديث .
وأما المتن؛ فلأنه مخالف لما صحَّ عن عائشة من طريق أخرى ، عن هشام ، عن
أبيه ، عن عائشة أنها قالت :
يا رسول الله! كل صواحبي لها كنية غيري ، قال: (( فاكتني بابنك عبد الله
ابن الزبير)) فكانت تدعى بأم عبد الله حتى ماتت [ولم تلد قط].
رواه أحمد وغيره، وهو مخرج في (( الصحيحة)) (١٣٢)، ولذا قال ابن القيم
في (( تحفة المودود )) :
((حديث لا يصح؛ لمخالفته لهذا الحديث الصحيح)).
ونحوه قول الحافظ في (( الإصابة)):
((لم يثبت)).
٤١٣٨ - (إذا ركعْتَ؛ فإنْ شْتَ قلتَ هكَذا: وضَعْتَ يديك علَى
رُكْبتيكَ، وإِنْ شِئْتَ قلتَ هَكذا، يَعْني: طَبَّقْتَ).
منکر موقوف . أخرجه ابن أبي شيبة في (( المصنف )) (١ / ٢٤٥) قال : حدثنا
وكيع قال: نا فطر (الأصل: قطن) ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة
(الأصل : حمزة) ، عن علي قال : فذكره موقوفاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله موثقون ، وفي عاصم بن ضمرة وفطر - وهو
ابن خليفة - كلام لا ينزل به حديثهما عن مرتبة الحسن ؛ لكن أبو إسحاق - وهو
السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله - مدلس وقد عنعنه كما ترى ، مع أنه كان
اختلط بأخرة كما هو معروف عند العلماء، وصرح بذلك الحافظ في ((التقريب)).
١٤٣
فالعجب منه كيف قال في ((الفتح)) (٢ / ٢٧٤) بعد أن عزاه لابن أبي شيبة في
((المصنف)) :
( وإسناده حسن )) !
وقلَّده ذاك السقاف الإِمَّعَة في كتاب أخرجه حديثاً ، أسماه - معارضة لكتابي
((صفة الصلاة)) -: ((صحيح صفة صلاة النبي 1880 من التكبير إلى التسليم
كأنك تنظر إليها )) !! وهو في الحقيقة حريٌّ باسم: ((صفة صلاة الشافعية ... ))؛
لأن تقليده فيه لهم جلي جدّاً عند العارفين بمذهبهم ، ومن ذلك ما دل عليه هذا
الحديث الواهي من عدم وجوب وضع الكفّين على الرّكب ، فإنه مذهب الشافعية
كما في ((المجموع)) (٣ / ٤١٠) مع أنه ثابت في بعض طرق حديث المسيء صلاته
كما في ((صفة الصلاة))، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١ / ٣٢١ - ٣٢٢)،
و (( صحيح أبي داود)) (٧٤٧) ، وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم،
والذهبي ، وابن الجارود (١٩٤). وقد ذكر النووي نفسه في الموضع المشار إليه أن
الحديث جاء لبيان أقل الواجبات ، ومع ذلك لم يأخذوا بهذا الأمر منه ، وتعصب
لهم هذا المقلد الدعيّ وتجاهل هذا الأمر، فلم يذكره فيما ذكر من ألفاظ الحديث في
أول كتابه(١)، وتمسك بهذا الحديث الواهي ضرباً به لهذا الحديث الصحيح في
الصدر ، مقلداً لمن حَسَّنَهُ غافلاً عن علته الظاهرة سنداً؛ أو متغافلاً لو كان عالماً
بها ، وعن علته القائمة في متنه لو كان فقيهاً، ألا وهي إباحته للتطبيق مع
تصريحه عقبه بسطر أنه منسوخ ، فهو في الحقيقة يلعب على الحبلين - كما يقال -؛
فإنه ساق هذا الأثر ليضرب به أمر النبي ##1: بالوضع على الركب ، ثم ضرب
(١) ثم رأيته قد ذكره (ص ١٥٤) مستدلاً به على مد الظهر والعنق في الركوع ، وصححه ،
فثبت أنه تجاهل دلالته على وجوب الوضع المشار إليه تعصباً لمذهبه على أمر النبي *! وكفى بذلك
ضلالاً !!
١٤٤
عجزه لمخالفته لأمر النبي بالوضع على الركب في حديث سعد الصحيح ، وتأوله
(ص ١٤٨) بأنه ليس للوجوب ، واستدل على ذلك بأمور يطول الكلام عليها منها
هذا الأثر، ولما كان يعلم - إن شاء الله - أن حديث المسيء صلاته يبطل هذا التأويل
تجاهله! ولو كان صادقاً في تأليفه ((صحيحه)) لأخذ به واستراح من هذا الأثر
الواهي .
وقد روى عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢ / ١٥٢ - ١٥٣) من طريق إسرائيل ،
عن أبي إسحاق نفسه ، عن علقمة والأسود : أنهما صليا وراء عمر ووضع يديه
على ركبتيه قالا : وطبّقنا ، قال عمر: ما هذا؟ فأخبرناه بفعل عبد الله - يعني ابن
مسعود - قال :
(( ذاك شيء كان يُفْعَلُ ثم تُرِكَ )) .
فهذا من صحيح حديث أبي إسحاق أولى من أثره الواهي عن علي .
وقد روى ابن أبي شيبة (١ / ٢٤٥) بسند ضعيف عن علي قال :
(( إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك ... )).
ومن ذلك أيضاً لما ذكر حديث مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه في قراءة
النبي # في الظهر، وذكر منه ما كان يقرأ في الركعتين الأُولَيْن ، لم يذكر تمامه ،
ونصه :
(( وفي الأُخْرَبَيْن قدر خمس عشرة آية )) .
أي في كل ركعة كما قال الشوكاني وغيره، وترجم له البيهقي في ((سننه))
بقوله (٢ / ٦٣): ((باب من استحب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين)).
وإنما أسقط السقاف هذه الجملة من الحديث تقليداً منه لما عليه الشافعية ؛ على
١٤٥
الأصح من القولين عندهم كما في ((المجموع)) (٣ / ٣٨٦ - ٣٨٧)؛ مع أن الإمام
الشافعي نصَّ في ((الأم)) على الاستحباب (٣ / ٣٨٧)، وذكر له البيهقي بعض
الآثار عن أبي بكر رضي الله عنه وغيره ، مما يدل على أن هذه القراءة سنة معروفة
عند السلف رضي الله عنهم ، ومع ذلك أسقط السقاف هذا الحديث من
((صحيحه)) المزعوم!
وكذلك فعل بحديث أبي هريرة في سجود النبي * في الصلاة سجدة
التلاوة إذا قرأ سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، مع أنه ثابت في «الصحيحين » كما
قال النووي في ((المجموع)) (٤ / ٦٢ - ٦٣)، ومع ذلك مر عليه النووي في
((شرح مسلم ))، فلم يتكلم حوله بما فيه من شرعية سجود التلاوة في الصلاة في
هذه السورة ! بخلاف الحافظ رحمه الله كما يأتي ، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))
(١٩ / ١٢٢) :
(( هذا حديث صحيح ، لا يختلف في صحة إسناده، وفيه السجود في ﴿ إذا
السَّماءُ أنْشَقَّتْ﴾ في الفريضة ، وهو مختلف فيه ، وهذا الحديث حُجَّة لمن قال به ،
وحجة على من خالفه )).
ونقل الحافظ (٢ / ٥٥٦) عنه أنه قال :
((وأي عمل يدعى مع مخالفة النبي {﴿ والخلفاء الراشدين بعده؟)).
يشير بذلك إلى الرد على مالك رحمه الله ؟ وعلى من وافقه من الشافعية ،
ومنهم ذاك ((الرويبضة)) المحروم من اتباع سنة النبي صل على خلاف عنوان
كتابه ؛ الذي لم يورد فيه حديث أبي هريرة هذا فيما يسن أن يقرأ في صلاة العشاء
(ص ١٣٧) ، بل إنه أبطله بجهالة بالغة ، فقال في الصفحة التي بعدها :
((اعلم أنه لا يجوز للمصلي أن يقصد قراءة آيات فيها آية سجدة ليسجد في
١٤٦
الصلاة سجود التلاوة ، لأنه بذلك يكون قد تعمّد زيادة ركن في الصلاة ؛ وهو
السجود ، وهذا يبطلها )) !
ثم استثنى من ذلك قراءة سورة السجدة صباح الجمعة ، ثم عقب على ذلك
بأنه لا يجوز أن يقرأ سورة أخرى فيها آية سجود کسورة ﴿اقْرأ باسْم رَبِّكَ﴾، ومن
فعل ذلك بطلت صلاته !
وحَضَرتِ الصلاةُ: صلاةٌ
٤١٣٩ - (لَقد رأيتني معَ النبي
العَصْر، وقدْ أَتينا مَوْضعاً يقالُ لهُ: نَخْلَة - أَحْسبه قالَ -: نُريدُ أنْ
نُصَلِّي، فقالَ لنَا أبو طالب - ونظر إلينا -: يا ابنَ أَخِي ! ما تَصْنَعون ؟
فقلنا: نُصَلّي، فدعاهُ النبيُّ عَ﴿ إلى الإسلام، فقالَ: إِنَّ الذي تدعو
إليهِ لَحَسَنٌ ، ولكنْ والله يا ابنَ أَخِي! لا تَعْلُونِي اسْتِي أَبَداً. فَضَحكْتُ
مِنْ قَوْلِهِ) .
ضعيف جداً. أخرجه الطيالسي (١٨٨)، وأحمد (١ / ٩٩)، والبزار في
مسنده ((البحر الزخار)) (٢ / ٣١٩ / ٧٥١) والسياق له من طريق يحيى بن سلمة
ابن كهيل عن أبيه قال : سمعت حبة العرني يقول :
رأيت علي بن أبي طالب يخطب ، فضحك ضحكاً ، فعجبنا من ضحكه ،
فلما نزل قلنا : يا أمير المؤمنين ! لقد ضحكت ضحكاً على المنبر ، فممَّ ضحكت ؟
قال :
ذكرت أبا طالب ، لقد رأيتني ... الحديث . وقال البزار:
(( لا نعلمه يروى إلا عن علي ، ولا رواه عن حبة إلا سلمة بن كهيل ، وقد
روى شعبة عن سلمة بن کھیل عن حبة عن علي قال :
١٤٧
العصر. فرواه شعبة مختصراً)).
أول صلاة صلينا مع رسول الله
قلت : يحيى هذا ؛ قال الحافظ :
((متروك ، وكان شيعياً )).
وتناقض فيه ابن حبان؛ كما بيَّنته في (( تيسير الانتفاع)) ، ولا تغترَّ بقول
الهيثمي في (( مجمع الزوائد » (٩ / ١٠٢) بعد أن ساقه بنحو ما تقدم بزيادة
لأحمد :
(( تعجباً لقول أبيه ، ثم قال : اللهم ! لا أعترف [أن] عبداً [لك] من هذه الأمة
عبدك قبلي غير نبيك. (ثلاث مرات) ، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً )).
قال الهيثمي :
((رواه أحمد، وأبو يعلى باختصار، والبزار، والطبراني في «الأوسط))،
وإسناده حسن )) .
قلت : لا يغرنّك هذا التحسين ؛ فإنه يعني رواية الطبراني ، وهو من تسامحه أو
تساهله في التعبير؛ فإن الحديث في (( أوسط الطبراني)) (٢ / ٤٤٤ / ١٧٦٧ - ط)
عن عمرو بن هاشم الجَنَبي ، عن الأجلح ، عن سلمة بن كهيل ، عن حبة ، عن
علي قال :
اللهم! إنك تعلم أنه لم يعبدك أحد من هذه الأمة بعد نبيها ﴿1 قبلي ، ولقد
عبدتك قبل أن يعبدك أحد من هذه الأمة بست سنين )) . وقال :
((لم يروه عن الأجلح إلا عمرو)).
قلت : وهو ضعيف ؛ قال الحافظ :
((ليِّن الحديث ، أفرط فيه ابن حبان)).
١٤٨
قلت: لكنه لم يتفرد به؛ فقال أبو يعلى في ((المسند)) (١ / ٣٤٨ / ٤٤٧) :
حدثنا أبو هاشم الرفاعي : حدثنا محمد بن فضيل : حدثنا الأجلح به ؛ إلا أنه
قال :
(( خمس سنين ، أو سبع سنين )) .
وتابعه شعيب بن صفوان ، عن الأجلح بلفظ :
(( سبع سنين )) بدون شك .
أخرجه الحاكم (٣ / ١١٢) ساكتاً عنه .
وشعيب بن صفوان ؛ قال الحافظ :
((مقبول)) ورمز له أنه من رجال مسلم ، فالحديث محفوظ عن الأجلح ، وهو
صدوق شيعيٌّ عند الحافظ، وقال الذهبي في ((المغني)):
(( شيعي لا بأس بحديثه، وليَّنهُ بعضهم، وقال الجوزجاني: الأجلح تغيّر)).
قلت : فهو علة هذا المتن ، أو حبة بن جوين ؛ فإنه كان غالياً في التشيع مع
كونه صدوقاً له أغلاط كما قال الحافظ. وقال الذهبي في ((المغني)) أيضاً:
((من الغلاة، حدث أن علياً كان معه بـ (صفين) ثلاثون (في («الميزان)) :
ثمانون) بدرياً، قال السعدي: غير ثقة)).
وقد أبطل الذهبي الحديث من حيث متنه متعقباً سكوت الحاكم عليه ، فقال :
((قلت: وهذا باطل؛ لأن النبي ﴿﴿ من أول ما أوحي إليه - آمن به خديجة ،
وأبو بكر ، وبلال ، وزيد ؛ مع علي ؛ قبله بساعات ، أو بعده بساعات ، وعبدوا الله
مع نبيه ، فأين السبع سنين ؟! ولعلّ السمع أخطأ ، فيكون أمير المؤمنين قال :
((عبدت الله ولي سبع سنين)) ولم يضبط الراوي ما سمع . ثم حبة شيعيّ جبل !
١٤٩
قد قال ما يعلم بطلانه ؛ من أن علياً شَهِدَ معه صفين ثمانون بدرياً ! وذكره أبو
إسحاق الجوزجاني فقال : هو غير ثقة . وقال الدارقطني وغيره : ضعيف . وشعيب
والأجلح متكلّم فيهما )).
قلت : شعيب بريء منه ؛ لأنه متابع من اثنين كما تقدم ، ويغلب على الظن
أن التهمة أو الخطأ ينصبُّ على الأجلح ؛ لأنه قد خالفه شعبة ، فرواه عن سلمة به
مختصراً جداً بلفظ :
أنا أول رجل صلى مع رسول الله
أخرجه أحمد (١ / ١٤١) : حدثنا يزيد : أنبأنا شعبة به .
وقال الهيثمي (٩ / ١٠٣) :
((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبة العرني، وقد وثق)). ومن طريق
یزید - وهو ابن هارون - رواه ابن سعد (٣ / ٢١).
قلت: فقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٢ / ٢٨٢):
(( إسناده صحيح)) .
لیس کما ينبغي ، لا سيما وقد خولف یزید - وهو ابن هارون -، فقال البزار
(٧٥٢) : حدثنا محمد بن المثنى قال : نا وهب بن جرير قال : نا شعبة بلفظ :
أول صلاة صلينا مع رسول الله ◌َ﴿ العصر.
لكن خالفه موافقاً لیزید جمع من الثقات ، فقال ابن سعد : أخبرنا يزيد بن
هارون وسليمان أبو داود الطيالسي ، قالا : أخبرنا شعبة به . وقال ابن أبي شيبة
(١٢ / ٦٥ / ١٢١٣٤): حدثنا شبابة قال: ثنا شعبة به. فاللفظ الأول هو المحفوظ
عن شعبة .
١٥٠
وله فيه إسناد آخر أصح، فقال الطيالسي (٩٣ / ٦٧٨):
حدثنا شعبة قال : أخبرني عمرو بن مرة قال : سمعت أبا حمزة ، عن زيد بن
أرقم قال :
((أول من صلى مع رسول الله مح ﴿ علي)) .
وأخرجه الترمذي (٣٧٣٥)، والحاكم (٣ / ١٣٦)، وأحمد (٤ / ٣٦٨،
٣٧٠)، وابن سعد أيضاً، والطبراني في «الأوائل)) (٧٩ / ٥٣) ولفظه كالترمذي
وغيره :
(( أول من أسلم .. )) . وزاد :
(( قال عمرو بن مرة : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره ، وقال : أول من
أسلم أبو بكر الصديق )) . وقال :
((حديث حسن صحيح)). وقال الحاكم:
(( صحيح الإسناد، وإنما الخلاف في هذا الحرف أن أبا بكر كان أول الرجال
البالغين إسلاماً ، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه على البلوغ)).
وأقرَّه الذهبي .
قلت : وهذا في الرجال ، وإلا ؛ فخديجة رضي الله عنها أسبقهم إسلاماً كما
في حديث ابن عباس الطويل في (( المسند)) (١ / ٣٣٠ - ٣٣١)، ومن طريقه
الحاكم (٣ / ١٣٧ - ١٣٩)، وهو في فضل علي رضي الله عنه . وفيه :
(( وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة )).
وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي .
١٥١
وقد انقلب حديث عمرو بن مرة هذا على بعض الرواة ؛ فأخرجه الطبراني في
(«الأوسط)) (٣ / ٢٢ / ٢٠٣١) من طريق غالب بن عبد الله بن غالب السعدي ،
عن سفيان بن عيينة عن مسعر ، عن عمرو بن مرة به إلا أنه قال :
((أول من صلى مع النبي تَ﴿ أبو بكر)).
وقال الطبراني :
(( لم يروه عن سفيان غير هذا الشيخ غالب ، وخالف شعبة ؛ لأن شعبة رواه
عن عمرو ... بلفظ: أول من صلى مع النبي # [علي])).
وأقول : الشيخ غالب هذا؛ مجهول كما قال ابن حزم ، ولم يعرفه الهيثمي
(٩ / ٤٣) .
ثم إن حديث الترجمة مما أورده ذاك السقاف في كتابه الذي أسماه بـ (( صحيح
الصلاة))؛ على ما أخبر به النبي لة فيما صح عنه في بعض الأحاديث :
(يسمونها بغير اسمها))! كما يدل على ذلك مجموعة من الأحاديث الصحيحة
التي ضعفها أو أعرض عنها اتباعاً لهواه أو انتصاراً لمذهبه ، وأحاديث أخرى احتج
بها للغاية نفسها وهي ضعيفة ، منها حديث الترجمة هذا ، مقلداً تخريج الهيثمي
المتقدم ؛ لجهله بأن تحسينه المذكور فيه لا يعني الحديث نفسه ، وإنما مختصره الذي
في ((أوسط الطبراني)) كما تقدم بيانه ، فكن منه على حذر. ومنها أحاديث
أخرى كثيرة سيأتي بيان بعضها . فانظر الحديث (٥٨١٦) و (٦٣٧٩).
٤١٤٠ - (إذا ماتَ أحَدُكُم فلا تَحْبِسُوه، وأسرِعُوا بهِ إلى قَبْرِه،
وَلْيقرأ عندَ رأسهِ بفاتحةِ الكِتاب، وعندَ رِجْلَيه بِخَاتِمَةِ البقرةِ في قَبْره) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٦١٣/٤٤٤/١٢)،
١٥٢
والبيهقي في ((الشعب)) (٧ /١٦ / ٩٢٩٤) من طريق يحيى بن عبد الله
البابلتي : نا أيوب بن نهيك الحلبي - مولى آل سعد بن أبي وقاص - قال :
سمعت عطاء بن أبي رباح: سمعت عبد الله بن عمر: سمعت النبي ﴿ يقول :
فذكره . وقال البيهقي :
(( لم يكتب إلا بهذا الإسناد فيما أعلم ، وقد روينا القراءة المذكورة فيه عن ابن
عمر موقوفاً عليه )) .
قلت: وقال الهيثمي في (( المجمع)) (٣ / ٤٤) :
((رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه يحيى بن عبدالله البابلتي، وهو ضعيف)).
وأقول : لقد شغل بإعلاله بهذا الضعيف عن إعلاله بمن هو أشد ضعفاً منه ،
وهو شيخه أيوب بن نهيك ؛ قال الذهبي في ((المغني)) :
(( تركوه )) .
وقد أشار إلى هذا الحافظ حين ساق له حديثاً آخر غير هذا في (( اللسان))
سيأتي برقم (٥٠٨٧)، وذكره من مناكيره عقب عليه بقوله :
(( ويحيى ضعيف ، لكنه لا يحتمل هذا)).
وهذا من دقة نقده رحمه الله تعالى .
وأما الأثر الذي أشار إليه البيهقي رحمه الله ؛ فهو مع كونه موقوفاً ففيه
عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج؛ وهو مجهول ؛ كما حققته في (( أحكام
الجنائز)) (ص ١٩٢)، وقول الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ٤٤):
(رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله موثقون)).
١٥٣
فهو مما لا ينافيه، بل هو يشير إلى جهالته؛ لأن ((موثقون)) غير (( ثقات)) عند
من يفهم الهيثمي واصطلاحه ، وهو يعني أن بعض رواته توثيقه ليِّن ، وهو يقول
هذا في الغالب فيما تفرد بتوثيقه ابن حبان ، ولا يكون روى عنه إلا راوٍ واحد ،
وهذا هو الواقع في عبد الرحمن هذا كما هو مبيَّن هناك ، وقد جهل هذه الحقيقة
بعض أهل الأهواء ؛ فقال الشيخ عبد الله الغماري في رسالته: ((إتقان الصنعة))
(ص ١١٠) معقّباً على قول الهيثمي ((موثقون)) ومعتمداً عليه :
(( قلت : فإسناده حسن))!
وجعله من أدلَّةِ القائلين بوصول القراءة إلى الميت ، ولا يخفى فساده ! ثم أتبعه
بحديث الترجمة ساكتاً عنه ، متجاهلاً تضعيف الهيثمي لراويه البابلتي ، وهو على
علم به ؛ لأنه منه نقل أثر ابن اللجلاج المذكور آنفاً . ثم ادعى اختلاف آخر
الحديث عند الطبراني عنه عند البيهقي ، وهو خلاف الواقع .
وقد ستر عليه ظلُّهُ المقلِّد له : السقاف ؛ فإنه لم يذكر الحديث بتمامه حتى لا
يخالف شيخه! انظر ما أسماه بـ ((صحيح صفة صلاة النبي ﴿)) (ص ٢٤٣).
هذا أولاً .
وثانياً : إنه قال :
(( قلت : وهو حديث حسن ، وحسنه شيخنا ... قلت : بل هو حديث صحيح،
احتج به ابن معين كما في ((تهذيب الكمال)) للمزِّي (٥٣٧/٢٢ - ٥٣٨) والإمام
أحمد وعلي بن موسى الحداد ؛ كما روى ذلك الخلال . وفي معناه حديث آخر
ضعيف الإسناد إلا أنه حسن بهذا الشاهد ... ))، ثم ذكر حديث الترجمة إلى
قوله: (( فاتحة الكتاب)) دون تتمته ؛ حتى لا يظهر بمظهر المخالف لشيخه كما ذكرت
آنفاً !
١٥٤
وأقول : في هذا الكلام غير قليل من الأضاليل والأكاذيب ، وهاك البيان :
الأول: ما عزاه لـ ((التهذيب))؛ فإنه ليس فيه ما زعمه من الاحتجاج ؛ فإن
نصه فيه :
(( وقال عباس الدوري : سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر؟ فقال:
حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج ... ))
قلت : فذكر الأثر. فليتأمل القارئ كيف حرّف جواب ابن معين للسائِل إلى
الاحتجاج بما روى له بالإسناد لينظر فيه ؟!
الثاني : ما عزاه لأحمد ؛ منکر لسببين :
أحدهما : أن شيخ الخلال فيه الحسن بن أحمد الوراق ؛ لا يعرف .
والآخر : أنه مخالف لما رواه أبو داود قال :
(«سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا)).
وهو مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك ، وقال هذا :
(( ما علمت أحداً يفعل ذلك)).
فکیف مع هذا کله یکون هذا العزو لأحمد ، بل وأثر ابن عمر نفسه صحيحاً ؟!
الثالث : ما عزاه لعلي بن موسى الحداد ، يقال فيه ما قلنا في الذي قبله ؛
لأن الراوي عنه هو الوراق المذكور آنفاً ، بل وزيادة ؛ وذلك ؛ لأن الحداد هذا غير
معروف في الرواة فضلاً عن العلماء ، فكيف جاز لذاك السقاف أن يقرنه مع
الإمامين ابن معين وأحمد ، ولا يعرف إلا في رواية الخلال هذه ؛ لولا الهوى
والإضلال !
١٥٥
الرابع: قوله: ((حديث حسن)) يناقض قوله: (( بل هو حديث صحيح))؛
لأن الأول - وهو قول شيخه الغماري كما تقدم - إنما يعني في اصطلاح العلماء أنه
حسن لغيره ، وهو حديث الترجمة ، ولذلك ذكره عقبه ، ولولا ذاك لقال : حسن
الإسناد، كما لا يخفى على النقاد . وإذا كان الأمر كذلك ، فاحتجاج ابن معين به
وغيره لو صح عنهم - ولم يَصحّ كما تقدم - لا يكون دليلاً على أنه صحيح ؛ لأن
الحسن يحتج به أيضاً عند العلماء .
فماذا يقول القراء الكرام فيمن يتكلّف ما سبق في سبيل تقوية حديث واه
جداً ، مع مخالفته لما عليه جماهير العلماء من القول بكراهة قراءة القرآن عند القبور
كما هو مشروح في الكتاب السابق: (( أحكام الجنائز)) ؟! فليرجع إليه من شاء
الزيادة .
٤١٤١ - (كانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ رَكْعَتين ، قالتْ عائِشة: كانَ في
حَرْبٍ، وكانَ يخَافُ ، هلْ تَخَافُونَ أَنْتُم ؟!) .
باطل . أخرجه ابن جرير الطبري في (( التفسير)) (٥ / ١٥٥) قال : حدثني أبو
عاصم عمران بن محمد الأنصاري ، قال : ثنا عبد الكبير بن عبد المجيد ، قال :
ثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال :
سمعت أبي يقول : سمعت عائشة تقول في السفر:
أتموا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﴿ [كان] يصلي في السفر ركعتين ،
### كان ... الحديث.
فقالت : إن رسول الله
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، ومتن منكر ؛ بل باطل ؛ عمران هذا ؛ لم يوثقه غير
ابن حبان ، ولا وجدته عند غيره (٨ / ٤٩٩) . وقال :
١٥٦
(( يروي عن مالك بن سُعَيْر بن الخمس ، حدثنا عنه محمد بن أحمد بن علي
الحواري بـ (الموصل) )).
وعمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ؛ لم أجد له
ذكراً في شيء من كتب الرجال التي عندي ، ولا ذكره ابن حجر في الرواة عن أبيه
من ((التهذيب)) (٦ / ١١)، وإنما ذكر ابنيه عبد الرحمن ومحمداً، الأمر الذي
يدل على أنه غير معروف، مع أنه يحتمل أن ((عمر)) محرف ((محمد)) ؛ لقرب
الشبه بينهما . والله أعلم .
ـي* واستمراره في قصر
وأما بطلان متنه ؛ فهو ظاهر جداً لمن عرف سيرة النبي
الصلاة في كل أسفاره ، حتى في حجة الوداع ؛ كما قال وهب بن حارثة رضي
الله عنه :
آمَن ما كان بمنى ركعتين)).
(( صلى بنا النبي
رواه البخاري (١٠٨٣)، وغيره .
ولا أدلَّ على ذلك من حديث يعلى بن أمية قال :
قلت لعمر بن الخطاب: ﴿ليسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ
أن يَفْتِنَكُمُ الذينَ كَفَروا﴾ فقد أمِنَ الناس؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ
رسولَ الله ◌َ﴿ٍ عن ذلك ؟ فقال :
(( صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته )) .
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (١٠٨٣).
بل قد صح عن عائشة نفسها ما يؤكد بطلانه ؛ فقد روى البيهقي في ((سننه))
(٣ / ١٤٣) عن جماعة من الثقات قالوا : ثنا وهب بن جرير: ثنا شعبة ، عن هشام.
١٥٧
ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أنها كانت تصلي في السفر
أربعاً . فقلتُ لها : لو صليتِ ركعتين؟ فقالت : يا ابن أختي ! إنه لا يشقّ عليّ.
وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٥٧١) ، وأشار في
أعلى الصحيفة المذكورة إلى بطلان حديث الترجمة ، وهو واضح جداً لما ذكرته
آنفاً ، بخلاف هذا؛ فإنه يتعلّق برأي لها ، والعبرة بروايتها وليس برأيها .
* كان يصلي في السفر ركعتين في غير ما حديث ، كما
وقد صح عنها أنه
صح عنها قولها: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأُقِرَّت صلاة
السفر، وزيد في صلاة الحضر))، ومعناه في ((الصحيحين))، وهو مخرج في
((صحيح أبي داود)) (١٠٨٢).
وقد أنكر هذه الحقائق كلها ذاك السقاف المقلِّد الغماري فيما أسماه بـ ((صحيح
صلاة النبي ﴿ ... )) وكان الأحرى به أن يسمّيه بـ ((صحيح صلاة الشافعي))
بل (( الشافعية)) لكثرة اعتماده عليهم ، ولو فعل لما صدق ، ولبيان ذلك مجال آخر ،
والغرض هنا أنه صرَّح (ص ٢٧٥) أن قصر الصلاة في السفر رخصة جائزة ، لا
واجبة ولا مستحبة! واستدل بهذا الحديث الباطل؛ بل قال: (( سنده حسن)) !
وهذا مما لا يقوله إلا جاهل لم يشم رائحة هذا العلم ، أو مقلِّد مكابر متجاهل ، كما
أنه استدل بآية القصر المذكورة في حدیث عمر ، فلم یعرِّج علیه ولا دندنَ حوله ،
ولم يقبل صدقة الله المذكورة فيه ، وأخشى ما أخشاه أن يكون ضعيفاً عنده لمخالفته
لقوله المذكور، كما ضعف شيخه الغماري حديث (( الصحيحين )) عن عائشة الذي
أشرت إليه آنفاً لتصريحه بفرضية القصر، وقد أشرت إلى ذلك في «تمام الِّة))
(٣١٩)، ورددت عليه مفصَّلاً في المجلد السادس من («الصحيحة » (٢٨١٤)، وهو
١٥٨
تحت الطبع ، وسيكون بين يدي القراء قريباً إن شاء الله تعالى (١) .
٤١٤٢ - (إنَّ يأُجُوجَ ومأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدمَ، وإِنَّهُم لَو أُرْسِلوا إلى
الناسِ لأَفْسَدوا عَلَيْهِم مَعايِشَهم، ولنْ يموتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا تركَ مِنْ
ذُرِّيَتهِ ألفاً فَصاعداً، وإِنَّ مِنْ ورائِهم ثلاث أُعم: تاوِيل ، وتارِيس،
ومنْسك) .
منكر. أخرجه الطيالسي في ((مسنده)) (٢٢٨٢)، ومن طريقه الطبراني كما
في (( نهاية ابن كثير)) (١ / ١٨٥): حدثنا المغيرة بن مسلم - وكان صدوقاً مسلماً -
قال : ثنا أبو إسحاق ، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً .
قلت : المغيرة هذا؛ هو القسملي ، وهو صدوق كما قال الطيالسي ، وقد تابعه
زياد بن خيثمة؛ وهو ثقة، أخرجه من طريقه الطبراني في «المعجم الأوسط))
(٢ /٢٤٤ / ١ / ٨٧٦٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٦):
((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله ثقات))!
کذا قال ، وفیه علَّتان :
الأولى : جهالة وهب بن جابر، ولم يوثقه غير ابن حبان (٥ / ٤٨٩) ، ولم
يذكر له راوياً غير أبي إسحاق هذا؛ وهو السبيعي ، ولذا قال الذهبي فيه :
((قال ابن المديني: ((مجهول)). قلت: لا يكاد يعرف ، تفرد عنه أبو إسحاق)).
قلت: ولذلك أشار في (( الكاشف)) إلى تليين توثيق ابن حبان إياه - وهو
عمدة الهيثمي ! - بقوله :
((وتِّق )) .
(١) وقد طُبع، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ( الناشر).
١٥٩
والعلة الأخرى : اختلاط أبي إسحاق ، وقد اختلف عليه في إسناده ، فرواه
الثقتان المذكوران كما تقدم . وخالفهما زيد بن أبي أنيسة فقال : عن أبي إسحاق ،
عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن ابن مسعود مرفوعاً به .
أخرجه ابن حبان (١٩٠٧ - موارد).
قلت : وزيد بن أبي أنيسة ثقة من رجال الشيخين ، وقد خالف في موضعين :
أحدهما : جعله من مسند ابن مسعود ، وهو عندهما من مسند ابن عمرو ، والآخر :
سمى تابعيه عمرو بن ميمون - وهو ثقة - وعندهما : وهب بن جابر المجهول .
ويغلب على الظن أن هذا الاضطراب إنما هو من تخاليط أبي إسحاق ، حدَّث
به في اختلاطه .
ثم تكشفت لي علة ثالثة ؛ وهي الوقف والاختصار في المتن ، فقال شعبة : عن
أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو قال :
((إن من بعد يأجوج ومأجوج لثلاث أم لا يعلم عدتهم إلا الله : تاويل ،
وتاریس ، ومنسك )).
أخرجه أبو عمرو الداني في ((الفتن)) (ق ١٤١ / ١) من طريقين عن محمد
ابن يحيى ، عن أبيه ، عن عاصم بن حكيم ، عن شعبة به .
ولعل هذه الرواية أصح مما تقدم ؛ لما هو معروف أن شعبة روى عن أبي إسحاق
قبل اختلاطه ، لكن في الطريق إليه محمد بن يحيى ، عن أبيه ، ولم أعرفهما
الآن . والله أعلم .
وبالجملة ؛ فمدار الحديث على أبي إسحاق ، والأكثر على أن شيخه فيه وهب
ابن جابر؛ وهو مجهول ، فهو علَّة هذا الحديث . وقد سكت عنها الحافظ في
١٦٠