النص المفهرس
صفحات 401-420
((التقريب)) إلى أن الصواب أنهم واحد كما قال ابن حبان، ويعكر عليه عندي أن ابن
حصين كنيته أبو سلامة، بينما القيسي الذي روى عن عمر كنيته أبو المهاجر، فلعلهما
اثنان، أحدهما عبد الله بن عميرة راوي هذا الحديث. والله أعلم.
وخلاصة القول: أن ابن عميرة هذا غير معروف عند أئمة الحديث، ولذلك فقول
الترمذي عقبه :
«حدیث حسن غریب)).
ينبغي أن يعد من تساهله الذي عرف به، حتى قال الذهبي من أجل مثل هذا
التساهل :
((ولذلك لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي)).
وأما قول صاحب (( تحفة الأحوذي)) رحمه الله عقب قول الترمذي المذكور:
((وأخرجه أبو داود من ثلاث طرق، اثنتان منها قويتان)) .
فوهم محض، فإنه لا طريق له إلا هذه الطريق المجهولة، كما صرح بذلك
الذهبي رحمه الله فيما تقدم.
ومثل ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموعة فتاواه)) (١٩٢/٣):
«هذا الحدیث مع أنه رواه أهل السنن کأبي داود وابن ماجه والترمذي و غيرهم،
فهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر)).
لكن هناك في كلامه قرينة تدل على أنه لم يرد الطريقين إلى النبي ◌َّ كما هو
المتبادر من الإِطلاق، وإنما أراد طريقين إلى الراوي عن ابن عميرة، يفهم هذا من
التخريج السابق وقوله بعدما تقدم :
((فقال (يعني بعض المعارضين له): أليس مداره على ابن عميرة، وقد قال
البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف، فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في
كتاب ((التوحيد)) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج به إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً
إلى النبي ◌َّر، قلت: والإِثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من
الأحنف، لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به
الإِسناد، كانت معرفته وإثباته مقدماً على نفي غيره، وعدم معرفته)).
- ٤٠١ -
قلت: وفي هذا الجواب ما لا يخفى، ومثله إنما يفيد مع المقلد الذي لا علم
عنده بطرق إعلال الحديث والجرح والتعديل، أو من لم يقف على إسناده الذي به
یتمکن من نقده إن كان من أهله، أو من لم يطلع على كلام أهل النقد في بعض رجاله،
أما بعد أن عرف إسناد الحديث، وأنه تفرد به عبد الله بن عميرة، وتفرد سماك بالرواية
عنه، وقول الحربي فيه: لا أعرفه، وإشارة مسلم إلى جهالته، وتصريح الذهبي بذلك
كما سبق، فلا يفيد بعد الاطلاع على هذا أن ابن خزيمة أخرجه، لا سيما وهو معروف
عند أهل المعرفة بهذا الفن أنه متساهل في التصحيح، على نحو تساهل تلميذه ابن
حبان، الذي عرف عنه الإِكثار من توثيق المجهولين ثم التخريج لأحاديثهم في كتابه
((الصحيح))! ولعله تأسى بشيخه في ذلك، غير أنه أخطأ في ذلك أكثر منه.
وقد يكون من المفيد أن نذكر أمثلة أخرى من الأحاديث الضعيفة التي وردت في
((كتاب التوحيد)) لابن خزيمة مع بيان علتها، ليكون القارىء على بينة مما ذكرنا من
تساهل ابن خزيمة رحمه الله تعالى .
الحديث الأول :
١٢٤٨ - (إنَّ الله تباركَ وتعالى قرأ (طه) و(يَس) قبلَ أنْ يخلقَ آدَمَ بألفي
عام ، فلمَّا سمعتِ الملائكةُ القرآنَ قالوا: طوبى لأمةٍ ينزلُ هذا عليهم،
وطوبى لألسنٍ تتكلّمُ بهذا، وطوبى لأجوافٍ تحملُ هذا).
منكر. أخرجه الدارمي (٤٥٦/٢) وابن خزيمة في ((التوحيد)) (١٠٩) وابن حبان
في ((الضعفاء)) (١٠٨/١) والواحدي في ((الوسيط)) (٢/١٦/٣) وابن عساكر في
((التاريخ)) (٢/٣٠٨/٥ و٢/٣٠/١٢) عن إبراهيم بن المهاجر بن مسمار قال: ثنا عمر
ابن حفص بن ذكوان عن مولی الحُرَقَة (قال ابن خزيمة: وهو عبد الله بن يعقوب بن العلاء
ابن عبد الرحمن) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: فذكره.
قلت: وهذا متن موضوع كما قال ابن حبان، وإسناده ضعيف جداً، وله علتان:
الأولى: إبراهيم، قال الذهبي في ((الميزان)) وساق له هذا الحديث:
- ٤٠٢ -
((قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وروى عثمان بن سعيد
عن يحيى: ليس به بأس. قلت: انفرد بهذا الحديث)).
قلت: وفي ترجمته أورده ابن حبان وقال:
«منکر الحدیث جداً)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ضعيف))!
والأخرى: شيخه عمر بن حفص بن ذكوان. أورده ابن أبي حاتم (١٠٢/١/٣)
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ثم أورد بعده: ((عمر بن حفص أبو حفص الأزدي
البصري .. سمعت أبي يقول .. هو منكر الحديث)).
قال الذهبي في («الميزان»:
((وهو عمر بن حفص بن ذكوان، قال أحمد: تركنا حديثه وحرقناه، وقال علي:
ليس بثقة. وقال النسائي: متروك .. )).
وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (١٤١/٣) بعد أن عزاه لابن خزيمة:
((هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما)).
قلت: وأما عبد الله بن يعقوب بن العلاء بن عبد الرحمن، فلم أعرفه، والظاهر أن
في الأصل تحريفاً، فإنه في ((تفسير ابن كثير)):
(( ... مولى الحُرَقَة يعني عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة)».
قلت: وهذا هو الصواب، فإن عبد الرحمن بن يعقوب، له رواية عن أبي هريرة.
وعنه عمر بن حفص بن ذكوان. وهو والد العلاء بن عبد الرحمن فلعل صواب الأصل:
((وهو عبد الرحمن بن يعقوب أبو العلاء بن عبد الرحمن)).
الحديث الثاني مما في ((التوحيد)) لابن خزيمة من الأحاديث الضعيفة:
١٢٤٩ - (يمكثُ رجلٌ في النارِ فينادي ألفَ عامٍ : يا حنّانُ يا منّانُ!
فيقولُ الله تباركَ وتعالى: يا جبريلُ!أخرِجْ عبدي فإنّهُ بمكان كذا وكذا، فيأتي
جبريلُ النارَ، فإذا أهلُ النارِ منكِينَ على مناخرهم، فيقولُ: يا جبريلُ!
- ٤٠٣ -
اذهبْ فإنَّهُ في مكان كذا وكذا ، فيخرجُهُ ، فإذا وقفَ بينَ يدي الله تباركَ
وتعالى، يقولُ الله تبارَكَ وتعالَى: أي عبدِي كيفَ رأيتَ مكانَكَ؟ قالَ: شرُّ
مكانٍ، وشرُّ مقيلٍ ، فيقولُ الرّبُّ سبحانَهُ وتعالى: ردّوا عبدي، فيقولُ: يا
ربّ ما كانَ هذا رجائي، فيقولُ الرّبُّ سبحانَهُ وتعالى: أدخلوا عبديَ الجنّةَ).
ضعيف جداً. أخرجه ابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص ٢٠٥ - ٢٠٦) من طريق
سلام بن مسكين قال: ثنا أبو ظلال القسملي عن أنس بن مالك عن النبي وَّ قال:
فذكره .
قلت: وهذا إسناد واهٍ جداً، أبو ظلال واسمه هلال بن ميمون، قال الذهبي :
((واهٍ بمرة، قال ابن معين والنسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا
يتابعه الثقات عليه. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال البخاري: عنده
مناكير)).
ومن ضعاف ((المختارة)) للضياء:
١٢٥٠- (إنَّ أُناساً مِنْ أمّتي سيتفقُّهونَ في الدِّينِ، ويقرؤنَ القرآنَ،
ويقولونَ: نأتي الأمراءَ فنصيبُ منْ دنياهمْ، ونعتزلُهم بديننا ، ولا يكونُ
ذلكَ، كما لا يُجتنى منَ القتادِ إِلّ الشّوكُ، كذلكَ لا يُجتنی منْ قربهم إلّ. قال
محمد بن الصباح: كأنه يعني الخطايا).
ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٥٥) من طريق يحيى بن عبد الرحمن الكندي عن
عبيد الله بن أبي بردة عن ابن عباس عن النبي بَّهُ به .
قلت: وإسناده ضعيف من أجل عبيد الله هذا، وهو عبيد الله بن المغيرة بن أبي
بردة، قال الذهبي :
.
۔
«تفرد عنه أبو شيبة يحيى بن عبد الرحمن الكندي)).
ومعنى هذا أنه مجهول، وكيف لا ولم يوثقه أحد حتى ابن حبان؟! نعم أخرجه
الضياء في ((المختارة)) (١/٥/٦٣) ومقتضاه أن يكون عبيد الله عنده ثقة كما قال الحافظ
- ٤٠٤ _
في ((التهذيب)).
قلت: لكن الضياء متساهل في التخريج في الكتاب المذكور كما ثبت لنا
بالتتبع (١)، فإنه يروي للكثير من المجاهيل كهذا، ولذلك لم يعرج عليه الحافظ نفسه في
((التقريب))، فقال:
«مقبول)) .
يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث. كما نص عليه في المقدمة .
نعم قال المنذري في ((الترغيب)) (١٥١/٣):
((رواه ابن ماجه، ورواته ثقات)).
فهذا من أوهامه أو تساهله رحمه الله تعالى .
٧
١٢٥١ - (كبُرتْ خيانةً أنْ تحدِّثَ أخاكَ حديثاً هو لكَ مصدِّقٌ وأنتَ لهُ
کاذب).
ضعيف. أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٩٣) وأبو داود (٤٩٧١) وابن
عدي في ((الكامل)) (٢/٢٠٤) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (ق ١/٥١) والبيهقي
(١٩٩/١٠) وفي ((الشعب)) (١/٤٩/٢) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٣٤١/٥)
من طريق بقية بن الوليد عن ضبارة بن مالك الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير
أن أباه حدثه أن سفيان بن أسيد الحضرمي حدثه أنه سمع النبي وص له يقول: فذكره.
ثم ساقه ابن عدي من طريق محمد بن ضبارة بن مالك الحضرمي سمع أباه
یحدث عن أبيه عن عبد الرحمن بن جبير به. وقال:
((وهذا الحديث لا أعلمه يرويه غير بقية عن ضبارة)).
كذا قال، وهو عجب، فقد رواه محمد بن ضبارة أيضا عن أبيه ضبارة كما ساقه
هو، فهل نسي أم ماذا؟
وعلة هذا الإِسناد إنما هي ضبارة هذا فإنه مجهول كما في ((الميزان))،
(١) وقد حققت من كتابه المذكور ((مسند الخلفاء الراشدين))، يسر الله لي إخراجه للناس
مطبوعاً محققاً كاملاً، بفضله وكرمه.
- ٤٠٥ _
و((التقريب))، وليست هي بقية بن الوليد كما أشار إلى ذلك في ((فيض القدير)) نقلاً عن
المنذري، فإن بقية إنما يخشى منه التدليس، وقد صرح بالتحديث عند ابن عدي
والقضاعي وابن عساكر، فأمنا بذلك شر تدليسه، وقد تابعه محمد بن ضبارة كما تقدم،
ولكني لم أجد لمحمد هذا ترجمة.
ولا يقوي الحديث أن له شاهداً من حديث النواس بن سمعان مرفوعاً به.
أخرجه الإمام أحمد (١٨٣/٤): ثنا عمر بن هارون عن ثور بن يزيد عن شريح
ابن جبير بن نفير الحضرمي عنه.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي أيضاً وأبو نعيم في ((المستخرج)) (٢/٨/١) وفي
((الحلية)) (٩٩/٦) وقال:
«غریب من حديث ثور، تفرد به عمر بن هارون البلخي)).
قلت: وهو متروك كما قال الحافظ في ((التقريب)). فقول الحافظ العراقي فيما
نقله المناوي: «سنده جید» لیس بجید، کیف والبلخي هذا قد کذبه ابن معین وغيره كما
تقدم في الحديث (٢٨٨)؟!
قلت: فلشدة ضعفه لا يصلح أن يستشهد بحديثه. والله الموفق.
١٢٥٢ - (الصَّخرةُ صخرةُ بيتِ المقدسِ على نخلةٍ، والنخلةُ على نهرٍ
منْ أنهارِ الجنَّةِ، وتحتَ النخلةِ آسيةُ امرأةٌ فرعونَ، ومريمُ بنت عمرانَ
ينظمانِ سموطَ أهلِ الجنةِ إلى يومِ القيامةِ).
موضوع : رواه ابن عساكر (١/٢٧٤/١٩) عن إبراهيم بن محمد : نا محمد بن
مخلد: نا إسماعيل بن عياش عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي عن سعود بن عبد الرحمن عن
خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت مرفوعاً. وقال :
((رواه غيره عن خالد، فجعله من قول كعب وهو أشبه)).
ثم ساق إسناده بذلك.
والحديث ساقه الذهبي في ترجمة محمد بن مخلد الرعيني الحمصي وقال:
- ٤٠٦ -
(رواه أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي الخطيب في ((فضائل بيت المقدس))
بإسناد مظلم إلى إبراهيم بن محمد عن محمد بن مخلد وهو كذب ظاهر)).
وقال في ترجمة محمد بن مخلد:
((حدث بالأباطيل من ذلك ... )).
ثم ساق له حدیثین هذا أحدهما .
وقال ابن حجر في ((اللسان)):
((قال ابن عدي: منكر الحديث عن كل من روى عنه(١)، وقال الدارقطني في
غرائب مالك: متروك الحديث)).
ولقد شددت الرَّحل إلى بيت المقدس لأول مرة بتاريخ (١٣٨٥/٥/٢٣هـ) حين
اتفقت حكومتا الأردن وسوريا على السماح لرعاياهما بدخول أفراد كل منهما إلى
الأخرى بدون جواز سفر، فاهتبلتها فرصة، فسافرت فصليت في المسجد
الأقصى، وزرت الصخرة للاطلاع فقط؛ فإنه لا فضيلة لها شرعاً، خلافاً لِزعم الجماهير
من الناس ومشايعة الحكومات لها، ورأيت مكتوباً على بابها من الداخل حديثاً فيه أن
الصخرة من الجنة، ولم يخطر في بالي آنئذ أن أسجله عندي لدراسته، وإن کان یغلب
على الظن أنه موضوع كهذا.
وأما حديث ((العجوة والصخرة من الجنة)).
فهو ضعيف لاضطرابه كما بينته في ((إرواء الغليل)) رقم (٢٧٦٣) طبع المكتب
الإِسلامي.
١٢٥٣- (أولُ ما خلقَ اللهُ القلمَ، ثم خلقَ النونَ وهي الدواةُ، وذلكَ في
قول الله: ﴿نَ. والقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُوْنَ﴾، ثم قالَ له: اكتبْ، قالَ: وما أكتبُ؟
قالَ: ما كانَ وما هو كائنٌ مِنْ عملٍ أو أجلٍ أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائنٌ
(١) الذي في ترجمة محمد بن مخلد من ((كامل ابن عدي)) (١/٣٧١):
((يحدث عن مالك وغيره بالبواطيل)).
- ٤٠٧ -
إلى يومِ القيامةِ، ثم ختمَ على في القلمِ فلم ينطقْ، ولا ينطقُ إلى يومٍ
القيامة، ثم خلقَ العقلَ فقالَ الجبَّارُ: ما خلقتُ خلقاً أعجبُ إليَّ منكَ،
وعزَّتي لأُكَمِّلَنَّكَ فيمن أحببتُ، ولأُنقصنَّك فيمْن أبغضتُ، ثم قالَ وَّ:
فأكملُهم عقلاً أطوعُهم الله وأعملُهم بطاعتِهِ، وأنقصُ النَّاسِ عقلاً أطوعهُم
للشيطانِ وأعملُهم بطاعتِهِ).
باطل. رواه ابن عدي (١/٣١٣) وابن عساكر (٢/٤٨/١٦) عن محمد بن
وهب الدمشقي: ثنا الوليد بن مسلم: ثنا مالك بن أنس عن سمي عن أبي صالح عن أبي
هريرة مرفوعاً وقال:
((وهذا بهذا الإِسناد باطل منكر)).
قال الذهبي :
((وصدق ابن عدي في أن الحديث باطل)).
قلت: وآفته محمد بن وهب هذا،وهو محمد بن وهب بن مسلم القرشي، قال ابن
عساكر:
((ذاهب الحديث)).
وهو غير محمد بن وهب بن عطية الذي أخرج ه البخاري، وقد ترجم له ابن
عساكر أولاً، ثم ترجم لابن مسلم هذا، وساق له هذا الحديث. فأصاب.
وأما ابن عدي فذكره في ترجمة الأول، ظناً منه أنه هو صاحب الحديث. قال
الحافظ في ((التهذيب)) :
((وليس كما ظن، وقد فرق بينهما أبو القاسم بن عساكر فأصاب)).
قلت: ويبدو أن الدارقطني أيضاً توهم أنه هو، ففي ((اللسان)) أن الدارقطني أورد
الحديث في ((الغرائب)) وقال:
((هذا حديث غير محفوظ عن مالك ولا عن سمي، والوليد بن مسلم ثقة، ومحمد
ابن وهب، ومن دونه ليس بهم بأس، وأخاف أن يكون دخل على بعضهم حديث في
حدیث)).
- ٤٠٨ -
قلت: ومنشأ الوهم أن كلاً من الرجلين دمشقي، وكلاهما يروي عن الوليد بن
مسلم، وعنهما الربيع بن سليمان الجيزي، ولم يقع في إسناد هذا الحديث منسوباً إلى
جده بل كما تقدم ((محمد بن وهب الدمشقي))، فاشتبه الأمر على ابن عدي والدارقطني
والمعصوم من عصمه الله. على أنهما قد اتفقا على إنكار الحديث، وذلك مما
يدل اللبيب على دقة نقد المحدثين للمتون، فإنهما مع ظنهما أن راوي الحديث هو
محمد بن وهب بن عطية الثقة فقد أنكراه عليه، وحاول الدارقطني أن يكتشف العلة
بقوله: ((وأخاف .. ))، لكن الله تعالى ادخر معرفتها للحافظ ابن عساكر، مصداقاً للمثل
السائر: كم ترك الأول للآخر!
وإذا عرفت هذا فقد أخطأ الإمام القرطبي خطأ فاحشاً في عزوه هذا الحديث
لرواية الوليد بن مسلم فقال في «تفسيره)» (٢٢٣/١٨):
((روی الوليد بن مسلم قال: حدثنا مالك .. )) إلخ.
فإن جزمه بأن الوليد روى ذلك معناه أن من دون الوليد ثقات محتج بهم، وكذلك
من فوقه كما هو بادٍ للعيان، فينتج من ذلك أن إسناد الحديث صحيح، ولا يخفى ما فيه!
ويشبه صنيع القرطبي هذا، عزو الجويني لحديث ((الاغتسال بالماء المشمس
يورث البرص)). وهو باطل كهذا(١) عزاه للإِمام مالك، فأنكر العلماء ذلك عليه، فقال
الحافظ ابن حجر في ((التلخيص»:
((واشتد إنكار البيهقي على الشيخ أبي محمد الجويني في عزوه هذا الحديث
لرواية مالك! والعجب من ابن الصباغ كيف أورده في ((الشامل)» جازماً به، فقال: ((روی
مالك عن هشام)). وهذا القدر هو الذي أنكره البيهقي على الشيخ أبي محمد)).
ثم تذكرت أن الوليد بن مسلم وإن كان ثقة كما قال الدارقطني آنفاً ؛ لكنه كثير
التدليس والتسوية كما قال الحافظ في ((التقريب))، وتدليس التسوية هو أن يسقط من السند
رجلاً من فوق شيخه، كأن يكون مثلاً بين مالك وسمي رجل فيسقطه، فهذا الفعل يسمى
تدليس التسوية عند المحدثين، والوليد معروف بذلك عندهم، فالمحققون لا يحتجون
(١) راجع الكلام عليه في كتابنا (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) رقم
(١٨).
- ٤٠٩ -
بما رواه الوليد إلا إذا كان مسلسلا بالتحديث أو السماع. والله أعلم.
وعليه ففي الحديث علة أخرى وهي العنعنة.
وقد وجدت له شاهداً من رواية الحسن بن يحيى الخشني عن أبي عبد الله مولى
بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً به ، دون قوله:
((ثم قال {آلتر: فأكملهم .. )).
أخرجه الواحدي في «تفسيره)) (٢/١٥٧/٤) وابن عساكر في ((تاريخه))
(١/٢٤٧/١٧)، ومن طريقه فقط ذكره الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) مجتزاً من إسناده
على قوله: ((عن أبي عبد الله .. )) مشيراً بذلك إلى أنه علة الحديث. وقد فتشت عنه في
کتب الرجال، فلم أجده، فهو مجهول غير معروف.
على أنه كان يحسن بالحافظ ابن كثير بل يجب عليه أن يبتدىء بإسناده من عند
الخشني الراوي عن هذا المجهول، لكي لا يتوهم الواقف عليه أنه لا علة فيه غير
المجهول المشار إليه، كيف والخشني هذا متروك متهم برواية الأحاديث الموضوعة التي
لا أصل لها! وقد سبق أحدها برقم (٢٠١)، فراجعه والذي قبله.
نعم قد صح من الحديث طرفه الأول :
((إن أول شيء خلقه الله القلم، وأمره فكتب كل شيء)).
وهو مخرج في السلسلة الأخرى برقم (١٣٣).
١٢٥٤ - (لا تقومُ الساعةُ حتى لا يبقى على وجهِ الأرضِ أحدٌ لله فيهِ
حاجةٌ، وحتى توجدَ المرأةُ نهاراً جهاراً تُنكحُ وسطَ الطريقِ، لا ينكر ذلكَ
أحدٌ ولا يغيرُه، فيكونُ أَمثلُهم يومئذٍ الذي يقولُ: لو نحيتَها عن الطريقِ
قليلاً، فذاكَ فيهم مثلُ أبي بكرٍ وعمرَ فيكم).
ضعيف جداً. أخرجه الحاكم (٤ /٤٩٥) من طريق القاسم بن الحكم العُرَني :
ثنا سليمان بن أبي سليمان: ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي# أنه قال: فذكره وقال:
- ٤١٠ -
«صحیح الإِسناد».
- ورده الذهبي بقوله :
((قلت: بل سليمان هالك، والخبر شبه خرافة)).
قلت: وكأنه يعني ما في آخره من المبالغة في أنه مثل أبي بكر وعمر، وإلا فسائر
الحديث صحيح عن أبي هريرة وغيره ، ولذلك أوردته في ((الصحيحة)) تحت رقم
(٤٧٥).
وفي الحديث علة أخرى وهي ضعف القاسم بن الحكم العرني قال في
((التقريب)):
((صدوق فيه لين)).
١٢٥٥ - (استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراطِ).
ضعيف جداً. رواه الضياء في ((المنتقى من مسموعاته بمرو)) (٢/٣٣) عن يحيى
بن عبيد الله عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا سند ضعيف جداً، آفته يحيى، وهو ابن عبيد الله بن عبد الله بن
موهب المدني قال أحمد: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث،
منكر الحديث جداً. وقال مسلم والنسائي: متروك الحديث.
وأما أبوه عبيد الله فمجهول، قال الشافعي وأحمد واللفظ له:
((لا يعرف)). وأما ابن حبان فأورده في ((الثقات)) فقال:
«روى عنه ابنه يحيى، لا شيء. وأبوه ثقة، وإنما وقع المناكير في حديثه من قبل
ابنه یحیی)).
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في ((التلخيص)) (١٣٨/٤):
((أخرجه صاحب ((مسند الفردوس)) من طريق يحيى بن عبيد الله بن موهب ...
ویحیی ضعيف جداً».
وتقدم الحديث بلفظ: ((عظموا ضحاياكم .. )) وأنه لا أصل له. انظر رقم (٧٤) إن
شئت.
- ٤١١ -
١٢٥٦ - (ثلاثٌ منْ فعلَهنَّ ثقةً بالله واحتساباً، كانَ حقاً على الله أنْ يعينَه
وأنْ يبارَكَ له : مَنْ سعى في فكاكِ رقبةٍ ثقةً بالله واحتساباً كان حقاً على الله أنْ
يعينَه وأنْ يبارَكَ له، ومنْ تزوجَ ثقةً بالله واحتساباً كانَ حقاً على الله أنْ يعينَه
وأنْ يبارَكَ لهُ، ومنْ أحيا أرضاً ميتةً ثقةً بالله واحتساباً كانَ حقاً على الله أنْ يعينَهُ
وأنْ يباركَ لهُ).
ضعيف. رواه ابن منده في ((المنتخب من الفوائد)) (٢/٢٦٥) والثقفي في
((الفوائد)) المعروفة بـ ((الثقفيات)) (ج ٩ رقم ١٧) وكذا الضياء في ((المنتقى من مسموعاته
بمرو)) (١/١١٩) والبيهقي (٣١٩/١٠) وكذا الطبراني في «الأوسط)) (٥٠٥٠) عن
عمرو بن عاصم الكلابي: نا جدي: عبيد الله بن الوازع عن أيوب السختياني عن أبي
الزبير عن جابر مرفوعاً .
ومن هذا الوجه رواه أبو القاسم الحامض في ((حديثه)) كما في ((المنتقى منه))
(١/١٠/٣)، وقال الطبراني كما في ((مجمع البحرين)) (١٦٦ /٢):
((لم يروه عن أيوب إلا عبيد الله تفرد به عمرو)).
قلت: وهو صدوق في حفظه شيء كما في ((التقريب)) وقد أخرجه الشيخان.
وجده عبيد الله بن الوازع مجهول كما قال الحافظ في ((التقريب))، وأشار إلى ذلك
الذهبي بقوله في ترجمته :
«ما علمت له راوياً غير حفيده)).
قلت: وأبو الزبير مدلس معروف بالتدليس وقد عنعنه، فالعجب من الذهبي حيث
قال في ((المهذب)) كما في ((فيض القدير)):
((إسناده صالح مع نكارته عن أيوب)).
١٢٥٧- (یا علیُّ مثلُ الذي لا یتمُّ صلاته کمثل حبلی حملتْ، فلما دنا
نفاسها أسقطتْ، فلا هي ذاتُ ولٍ، ولا هي ذاتُ حملٍ. ومثلُ المصلِّي
- ٤١٢ -
كمثلِ التاجر لا يخلصُ له ربحه حتى يخلصَ له رأسُ مالِهِ، كذلكَ المصلِّي
لا تُقبلُ نافتُه حتى يؤدي الفريضةَ).
مے
ضعيف. أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ /٣٨٧) وأبو القاسم الأصبهاني
في ((الترغيب)) (ق ١/١٩٦) وأبو يعلى في (مسنده (١ / ٩٠) الشطر الأول منه من طريق
موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي قال: قال رسول الله وَالفول
فذكره. وقال البيهقي .
((موسى بن عبيدة لا يحتج به، وقد اختلف عليه في إسناده، فرواه زيد بن
الحباب وأسباط بن محمد هكذا، ورواه سليمان بن بلال عن موسى بن عبيدة عن صالح
ابن سوید عن علی کذلك مرفوعاً، وهو إن صح .. )). ثم ساق إسناده إلی سلیمان به.
وقد وصله ابن شاذان في ((الفوائد)) (٢/١١٩/١) وابن بشران في ((الفوائد))
(٢/١٠٥/٢٦) والرامهر مزي في ((الأمثال)) (١/٧٠-٢).
وأعله الهيثمي (١٣٢/٢) بالربذي هذا فقال :
:((ضعيف))، وأشار المنذري (١ /١٨٣) إلى تضعيفه. وزاد أبو يعلى في أوله:
((نهاني رسول الله وَيّر أن أقرأ وأنا راكع)).
وقد خالفه في إسنادها إبراهيم بن عبد الله بن حنين فقال عن أبيه أنه سمع علي بن
أبي طالب يقول:
فذكرها دون حديث الترجمة، وجعله من سماع عبد الله بن حنين من علي دون
ذکر أبيه بينهما .
أخرجه مسلم (٤٨/٢ ٤٩) وأحمد (١١٤/١ و ١٢٣ و١٣٦) وأبو يعلى
(١١٩/١ و١٢١ و١٥٧ و١٧٥ و١٧٦).
نعم قد ذكر مسلم خلافاً آخر في إسناده على عبد الله بن حنين، لا يضر في هذه
القطعة من الحديث، لا سيما ولها طرق أخرى في ((مسند» أحمد وأبي يعلى وغيرهما.
وقد شاع الاستدلال بالشطر الأخير منه ((المصلي لا تقبل نافلته حتى يؤدي
الفريضة)) على ما يفتي به كثير من المشايخ من كان مبتلىّ بترك الصلاة وإخراجها عن
- ٤١٣ -
وقتها عامداً بوجوب قضائها مكان السنن الراتبة فضلاً عن غيرها، ويقولون: إن الله عز
وجل لا يقبل النافلة حتى تصلى الفريضة! وهذا الحديث مع ضعفه لا يدل على ما ذهبوا
إليه لو صح، إذ إن المقصود به فريضة الوقت مع نافلته، ففي هذه الحالة لا تقبل النافلة
حتى تؤدى الفريضة، فلو أنه صلاهما معا كفريضة الظهر ونافلتها مثلاً في الوقت مع إتيانه
بسائر الشروط والأركان، كانت النافلة مقبولة كالفريضة، ولو أنه كان قد ترك صلاة أو أكثر
عمداً فيما مضى من الزمان. فمثل هذه الصلاة لا مجال لتداركها وقضائها، لأنها إذا
صليت في غير وقتها فهو كمن صلاها قبل وقتها ولا فرق، ومن العجائب أن العلماء
جميعاً متفقون على أن الوقت للصلاة شرط من شروط صحتها، ومع ذلك فقد وجد من
قال من المقلدين يسوّغ بذلك القول بوجوب القضاء: المسلم مأمور بشيئين: الأول
الصلاة، والآخر وقتها، فإذا فاته هذا بقي عليه الصلاة! وهذا الكلام لوصح أو لو كان
يدري قائله ما يعني لزم منه أن الوقت للصلاة ليس شرطاً، وإنما هو فرض، وبمعنى آخر
هو شرط كمال، وليس شرط صحة، فهل يقول بهذا عالم؟!
وجملة القول: أن القول بوجوب قضاء الصلاة على من فوتها عن وقتها عمداً مما
لا ينهض عليه دليل، ولذلك لم يقل به جماعة من المحققين مثل أبي محمد بن حزم
والعز بن عبد السلام الشافعي وابن تيمية وابن القيم والشوكاني وغيرهم. ولابن القيم
رحمه الله تعالى بحث هام ممتع في رسالة ((الصلاة)) فليراجعها من شاء، فإن فيها علماً
غزيراً، وتحقيقاً بالغاً لا تجده في موضع آخر.
وبديهي جداً أن النائم عن الصلاة أو الناسي لها لا يدخل في كلامنا السابق، بل
هو خاص بالمتعمد للترك، وأما النائم والناسي، فقد أوجد الشارع الحكيم لهما
مخرجاً، فأمرهما بالصلاة عند الاستيقاظ أو التذكر، فإن فعلا تقبل الله صلاتهما وجعلها
كفارة لما فاتهما، وإن تعمدا الترك لأدائها حين الاستيقاظ والتذكر كانا آثمين كالمتعمد
الذي سبق الكلام عليه، لقوله ريعليه: ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها حين يذكرها، لا
كفارة لها إلا ذلك)). أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه. فقوله: ((لا كفارة
لها إلا ذلك)) أي إلّ صلاتها حين التذكر. فهو نص على أنه إذا لم يصلها حينذاك فلا
- ٤١٤ -
كفارة لها، فكيف يكون لمن تعمد إخراجها عن وقتها المعتاد الذي يمتد أكثر من ساعة
في أضيق الصلوات وقتاً، وهي صلاة المغرب، كيف يكون لهذا كفارة أن يصليها متى
شاء وهو آثم مجرم، ولا يكون ذلك للناسي والنائم وكلاهما غير آثم؟!
فإن قال قائل: لا نقول إن صلاته إياها قضاء هي كفارة له، قلنا: فلماذا إذاً تأمرونه
بالصلاة إن لم تكن كفارة له، ومن أين لكم هذا الأمر؟ فإن كان من الله ورسوله فهاتوا
برهانكم إن كنتم صادقين، وإن قلتم: قياساً على النائم والناسي . قلنا: هذا قياس باطل لأنه
من باب قياس النقيض على نقيضه وهو من أفسد قياس على وجه الأرض. وحديث أنس
أوضح دليل على بطلانه إذ قد شرحنا آنفاً أنه دليل على أن الكفارة إنما هي صلاتها عند
التذكر وأنه إذا لم يصلها حينئذ فليست كفارة، فمن باب أولى ذاك المتعمد الذي لم
يصلها في وقتها المعتاد وهو ذاكر.
فتأمل هذا التحقيق فعسى أن لا تجده في غير هذا المكان على اختصاره، والله
المستعان وهو ولي التوفيق.
والذي ننصح به من كان قد ابتلي بالتهاون بالصلاة وإخراجها عن وقتها عامداً
متعمداً، إنما هو التوبة من ذلك إلى الله تعالى توبة نصوحاً، وأن يلتزم المحافظة على
أداء الصلوات في أوقاتها ومع الجماعة في المسجد، فإنها من الواجب، ويكثر مع ذلك
من النوافل ولا سيما الرواتب، فإنها سبب لجبر النقص الذي يصيب صلاة المرء كمّاً
وكيفاً لقوله ولية :
((أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن كان أكملها، وإلا قال الله عز وجل: انظروا
هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع، قال: أكملوا به الفريضة)).
أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وهو مخرج في
((صحيح أبي داود)) رقم (٨١٠-٨١٢).
١٢٥٨ - (بارك في عسلِ ((بنها))).
منکر. أخرجه الدوري في ((التاريخ والعلل» (رقم -٥٢٧٣ - تحقيق الدكتور نور
- ٤١٥ -
سيف) قال: سمعت يحيى (ابن معين) يقول: يروي ليث عن ابن شهاب قال: فذكره
مرفوعاً.
قلت ليحيى: حدثك به عبد الله بن صالح؟ قال: نعم. قال يحيى : بنها: قرية من
قرى مصر.
قلت: وهذا مع كونه مرسلاً أو معضلاً، فإن عبد الله بن صالح وهو كاتب الليث
فيه كلام معروف .
١٢٥٩ - (لن تزولَ قدما شاهدِ الزورِ حتى يوجبَ اللهُ له النارَ).
موضوع. أخرجه ابن ماجه (٢٣٧٣) والحاكم (٩٨/٤) والعقيلي في ((الضعفاء))
(ص ٣٥٤) من طريق محمد بن الفرات عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعاً. وقال
الحاكم :
((صحيح الإِسناد))! ووافقه الذهبي! وأقره المنذري في ((الترغيب)) (١٦٦/٣)!
وكل ذلك من إهمال التحقيق، والاستسلام للتقليد، وإلا فكيف يمكن للمحقق أن
يصحح مثل هذا الإِسناد، ومحمد بن الفرات ضعيف بالاتفاق، بل هو واهٍ جداً. قال أبو
بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن عمار:
«كذاب)).
وقال البخاري :
((منكر الحديث، رماه أحمد بالكذب)).
وقال أبو داود :
((روى عن محارب أحاديث موضوعة منها عن ابن عمر في شاهد الزور)). كما في
((التهذيب)).
والذهبي نفسه أورده في ((الميزان)) من أجل هذه النصوص وساق له هذا
الحديث. وقال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ١٤٦ /٢):
(«هذا إسناد ضعيف، محمد بن الفرات أبو علي الكوفي متفق على ضعفه، وكذبه
الإِمام أحمد. ورواه الحاكم وقال: ((صحيح الإِسناد)) والطبراني في ((الأوسط)) وابن
- ٤١٦ -
عدي في ((الكامل)) وعنه البيهقي في ((السنن الكبرى)) وأبو يعلى الموصلي من طريق
محمد بن الفرات)).
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) من رواية ابن ماجه وحده، ورُمز
له بالصحة، واغتر به مؤلف ((التاج الجامع للأصول الخمسة)) الشيخ منصور علي ناصف
فقال (٤ /٦٧):
(رواه ابن ماجه بسند صحيح))!
وأما المناوي فَيَّضَ له في ((شرحيه))، ولم يتكلم عليه بشيء خلافاً لعادته!
فاقتضى ذلك كله هذا البحث والتحقيق .
ثم إن الحديث ليس عند الطبراني في ((الأوسط)) من هذه الطريق كما يوهمه كلام
البوصيري، ولا بهذا اللفظ، بل هو عنده من طريق أخرى ويلفظ آخر وهو:
١٢٦٠ - (إن الطيرَ لتضربُ بمناقيرِها على الأرضِ، وتحرك أذنابَها مِنْ
هولِ يومِ القيامةِ، وما يتكَلمُ شاهدُ الزورِ، ولا تفارقُ قدماهُ على الأرضِ
حتى يُقذَفَ بهِ إلى النارِ).
منكر. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٧٦٦): حدثنا محمد بن إسحاق: ثنا
أبي: ثنا سعيد بن الصلت: ثنا أبو الجهم القرشي : ثنا عبد الملك بن عمير عن محارب
ابن دثار: سمعت ابن عمر يقول: فذكره مرفوعاً وقال:
((لم يروه عن عبد الملك إلا أبو الجهم، ولا عنه إلا سعيد)).
قلت: ولم أجد له ترجمة وكذا شيخه أبو الجهم القرشي وقد أشار لهذا الهيثمي
بقوله (٤ /٢٠٠):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه من لم أعرفه)).
ثم رأيت العقيلي رواه في ((الضعفاء)) (٤٥٣) وابن عساكر (٢/١٣٥/١٦) من
طريق إسحاق بن إبراهيم، عن شاذان قال: حدثنا سعد بن الصلت قال: حدثنا هارون
ابن الجهم أبو الجهم القرشي به، وقال العقيلي :
- ٤١٧ -
((هارون بن الجهم بن ثوير بن أبي فاختة يخالف في حديثه وليس بمشهور بالنقل))
قال: ((وليس له من حديث عبد الملك بن عمير أصل، وإنما هذا حديث محمد بن
الفرات الكوفي عن محارب بن دثار عن ابن عمر، حدثناه الصائغ عن شبابة عن محمد بن
الفرات)).
ولذا قال الذهبي في هذا الحديث:
((إنه منكر)). وأقره الحافظ.
١٢٦١ - (كانَ رجلٌ في بني إسرائيلَ تاجراً، وكانَ ينقصُ مرةً، ويزيدُ
أخرى، قالَ: ما في هذهِ التجارةِ خيرٌ، ألتمسُ تجارةً هي خيرٌ منْ هذهِ، فبنی
صومعةً وترهَّبَ فيها، وكانَ يقالُ له: جريجٌ، فذكر نحوهُ).
ضعيف. أخرجه أحمد (٢ /٤٣٤) من طريق عمر(١) بن أبي سلمة عن أبيه عن
أبي هريرة أن رسول الله و الله قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، علته عمر هذا، أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال:
((ضعفه ابن معين. وقال النسائي: ليس بالقوي)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق يخطىء)).
قلت: فقول الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٨٦/١٠):
(رواه أحمد وإسناده جيد))؛ غير جيد، ولا سيما أن قصة جريج في ((الصحيحين))
وغيرهما من طرق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً، وليس فيها هذا الذي رواه عمر هذا،
فقد تفرد هو به، فيكون منكراً من منكراته عن أبيه، فقد قال الذهبي في ترجمته:
((ولعمر عن أبيه مناكير، وقد علق له البخاري قصة جريج والراعي فقال: وقال
عمر بن أبي سلمة عن أبيه)).
(تنبيه): قوله في آخر حديث الترجمة: ((فذكر نحوه)) يعني حديث قصة جريج
المذكور قبل هذا في ((المسند)). وهي المروية في ((الصحيحين)) كما سبق آنفاً.
(١) الأصل (عمرو) وهو خطأ مطبعي .
- ٤١٨ -
١٢٦٢ - (لا يقرأُ في الصبحِ بدونٍ عشرينَ آيَةً، ولا يقرأُ في العشاءِ
بدون عشرٍ آیات).
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (رقم - ٤٥٣٨): حدثنا المقدام
ابن داود: ثنا أسد بن موسى: ثنا ابن لهيعة: ثنا عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد
الله بن الأشج عن خلاد بن السائب عن رفاعة الأنصاري أن رسول الله وسلم قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: ابن لهيعة، واسمه عبد الله، وهو ضعيف لسوء حفظه واحتراق كتبه، إلا
من رواية العبادلة عنه كعبد الله بن وهب وغيره، وليس هذا منها.
والأخرى: المقدام بن داود، قال النسائي :
((ليس بثقة)).
والحديث اقتصر الهيثمي في ((المجمع)) (١١٩/٢) على إعلاله بابن لهيعة وقال:
«اختلف في الاحتجاج به)).
والصواب أنه ليس بحجة إلا في رواية أحد العبادلة عنه كما ذكرنا مراراً.
١٢٦٣ - (يا أيها الناسُ مَنْ ولي منكُمْ عملاً فحجبَ بابَهُ عن ذي حاجةٍ
المسلمينَ حجبَهُ الله أنْ يلجَ بابَ الجنةِ، ومنْ كانتِ الدنيا نهمتَهُ حرمَ الله عليهِ
جواري، فإنّي بعثتُ بخرابِ الدنيا، ولم أُبعثْ بعمارتِها).
ضعيف. رواه الطبراني في ((الكبير)) : حدثنا جبرون بن عيسى المغربي: ثنا يحيى
ابن سليمان الجُفري : ثنا فضيل بن عياض عن سفيان الثوري عن عون بن أبي جحيفة عن
أبيه:
أن معاوية بن أبي سفيان ضرب على الناس بعثاً، فخرجوا، فرجع أبو الدحداح،
فقال له معاوية: ألم تكن خرجت مع الناس؟ قال: بلى، ولكني سمعت من رسول الله
*** حديثاً فأحببت أن أضعه عندك مخافة ألا تلقاني، سمعت رسول الله وسلم يقول:
فذكره ..
- ٤١٩ -
قلت : وهذا سند ضعیف ، رجاله كلهم ثقات رجال الشیخین غیر جبرون ، قال
ابن ماكولا في ((الإكمال)» (٢٠٨/٣): ((توفي سنة أربع وتسعين ومائتين)).
والجفري، أورده السمعاني في مادة (الجفري) بضم الجيم وسكون الفاء، وهي
بناحية البصرة، ثم ساق جماعة ينسبون إليها، ثم قال :
((وأبو زكريا يحيى بن سليمان الإفريقي المعروف بالجفري نسبه في قريش،
وظني أنه موضع بإفريقية، والله أعلم، حدث، وآخر من حدث عنه جبرون بن عيسى بن
يزيد، توفي سنة ٢٣٧)).
وأما الذهبي فأورده في ((المشتبه)): ((الحُفري)) بحاء مضمومة وقال:
((عن فضيل بن عياض وعباد بن عبد الصمد، وعنه جبرون بن عيسى)).
وكذلك وقع في نسخة مخطوطة جيدة من ((الميزان)) (الحُفري) بالمهملة
المضمومة وقال: ((ما علمت به بأساً))، ووقع في ((الميزان)) المطبوع في مصر سنة
(١٣٢٥) ((الجفري)) بالجيم، وهو تصحيف لمخالفته المخطوطة و((المشتبه))، وإن كان
هو الموافق للصواب، فقد ذكر الحافظ ابن ناصر الدين في ((التوضيح)) (١ /٢/١٤٢) أن
الذهبي تبع ابن ماكولا والفرضي في ضبطه بضم الحاء المهملة. ثم قال:
((وقد وجدته في ((تاريخ ابن يونس)) بخط الحافظ أبي القاسم بن عساكر وسماعه
على الحافظ أبي بكر بن أبي نصر اللفتواني الأصبهاني وعليه خطه، وجدته (الجُفري)
بالجيم منقوطة مضمومة وكذلك وجدته في ((المستخرج)) لأبي القاسم بن منده، وهو
الأشبه بالصواب، ولعله منسوب إلى ((جفرة عتيب)) اسم قبيلة في بلاد المغرب)).
ثم ذكر الحافظ ابن ناصر الدين أن يحيى بن سليمان هذا روى عنه أيضاً ابنه عبد
الله بن يحيى، ولم يذكر فيه تجريحاً ولا تعديلاً، فالرجل عندي مستور وإن قال فيه
الذهبي: ((! علمت به بأساً)) كما سبق، ولعل ابن حبان أورده في ((كتاب الثقات))، فقد
رأيت المنذري يشير إلى توثيقه، فقد قال في ((الترغيب)) (١٤٢/٣) عقب هذا الحديث:
((رواه الطبراني، ورواته ثقات، إلا شيخه جبرون بن عيسى فإني لم أقف فيه على
جرح ولا تعدیل)).
وأما الهيثمي فقال في ((المجمع)) (٢١٦/٥):
- ٤٢٠ -