النص المفهرس

صفحات 221-240

::
وقال ابن معين :
((كذاب خبيث)). كذا في ((الميزان)).
قلت: وقد سود السيوطي كتابه ((الجامع الصغير))، فأورد فيه هذا الحديث الباطل
من رواية البيهقي وحده في ((الدلائل))، فتعقبه المناوي بالقلانسي وقول الذهبي فيه .
وفاتته العلة الأخرى وهي ابن صرمة هذا . وأما في ((التيسير)) فقال: ((وفيه كذاب)).
١١٠١ - (أَعلمُ النَّاسِ مَنْ يجمعُ عِلْمَ النَّاسِ إلى عِلْمِهِ، وكلُّ صاحبٍ
عِلْمٍ غرثان).
ضعيف. رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢/١٢٠) وعنه الديلمي في ((مسند
الفردوس)) (١٢١/١/١) عن مسعدة بن الیسع عن شبل بن عباد عن عمرو بن دينار عن
جابر بن عبد الله :
أن رجلاً جاء إلى النبي و له قال: أي الناس أعلم؟ قال: من جمع .. )).
قلت: وهذا إسناد موضوع آفته مسعدة هذا، قال الذهبي في ((الميزان)):
«هالك ، کذبه أبو داود، وقال أحمد بن حنبل: حرقنا حديثه منذ دهر)».
وقال ابن أبي حاتم (٣٧١/١/٤):
(«سألت أبي عنه فقال : هو ذاهب منكر الحديث لا يشتغل به ، يكذب على جعفر
ابن محمد)).
قلت: وهذا الحديث مما سوّد به السيوطي ((جامعه الصغير))، وتعقبه المناوي
بقول الهيثمي (١٦٢/١):
((فيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف جداً)).
قلت: وعليه فقوله فى ((التيسير)):
((وإسناده ضعيف)).
يخالف ما نقله عن الهيثمي وأقره عليه كما يخالف حال راويه مسعدة .
- ٢٢١ -

نعم قد وجدت له متابعاً قوياً يمنع من الحكم على الحديث بالوضع وإن كان
مرسلاً، فقال الدارمي في ((سننه)) (٨٦/١): أخبرنا يعقوب بن إبراهيم: نا يحيى بن أبي
بكير: نا شبل عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: قيل: يا رسول الله! أي الناس أعلم؟
الحديث .
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ ولكنه مرسل .
١١٠٢ - (إِنَّ المرأَةَ إذا خرجتْ مِنْ بيتِها وزوجُها كارهٌ لذلك لعنها كلُّ
ملكٍ في السَّماءِ وكلُّ شيءٍ مرَّت عليهِ غير الجنِّ والإِنسِ حتَّى ترجِعَ).
ضعيف جداً. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١/١٧٠/١ -٢) عن عيسى بن
المساور: ثنا سويد بن عبد العزيز عن محمد بن بريد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر
مرفوعاً وقال:
((لم یروه عن عمرو إلا محمد ، تفرد به سوید)).
قلت : وهو ضعيف جداً، قال الذهبي في ((الضعفاء)):
((قال أحمد : متروك الحديث)).
وقال في ((الميزان)).
((هو واهٍ جداً)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك ، وقد وثقه
دُخَیم وغيره ، وبقية رجاله ثقات)).
قلت : وأشار المنذري في ((الترغيب)) (٧٩/٣) إلى أن الحدیث حسن أو قريب
من الحسن ؛ فلا تغتر به .
١١٠٣ - (لهم ما لَنا، وعليهمْ ما علينا. يعني أهلَ الذُّمةِ).
باطل لا أصل له. وقد اشتهر في هذه الأزمنة المتأخرة، على ألسنة
- ٢٢٢ -

كثير من الخطباء والدعاة والمرشدين ، مغتّرين ببعض الكتب الفقهية ، مثل ((الهداية))
في المذهب الحنفي ، فقد جاء فيه ، في آخر ((البيوع)):
((وأهل الذمة في المبايعات كالمسلمين ، لقوله عليه السلام في ذلك الحديث،
فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم)).
فقال الحافظ الزيلعي في ((تخريجه)): ((نصب الراية)) (٥٥/٤):
((لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف ، ولم يتقدم في هذا المعنى إلا
حديث معاذ، وهو في ((كتاب الزكاة))، وحديث بريدة وهو في ((كتاب السير))، وليس
فيهما ذلك)).
ووافقه الحافظ في ((الدراية)) (ص ٢٨٩).
قلت : فقد أشار الحافظان إلى أن الحديث لا أصل له عن رسول الله بصير ، وأن
صاحب ((الهداية)) قد وهم في زعمه ورود ذلك في الحديث . وهو يعني - والله أعلم -
حديث ابن عباس ؛ وهو الذي أشار إليه الزيلعي :
((أن النبي ◌َّر بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فادعهم
إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوك ، فأعلمهم أن الله
افترض عليهم صدقة في أموالهم .. )) الحديث . وهو متفق عليه . فليس فيه - ولا في
غيره - ما عزاه إليه صاحب ((الهداية)).
بل قد جاء ما يدل على بطلان ذلك ، وهو قوله بَليل في الحديث الصحيح:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .. فإذا فعلوا ذلك فقد
حُرّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما بينته في ((الأحاديث الصحيحة)) (٢٩٩).
فهذا نص صريح على أن الذين قال فيهم الرسول وَلّر هذه الجملة:
((لهم مالنا، وعليهم ما علينا)).
ليس هم أهل الذمة الباقين على دينهم ، وإنما هم الذين أسلموا منهم ، ومن
- ٢٢٣ -

غيرهم من المشركين !
وهذا هو المعروف عند السلف، فقد حدث أبو البختري :
((أن جيشاً من جيوش المسلمين- كان أميرهم سلمان الفارسي - حاصروا قصراً من
قصور فارس ، فقالوا : يا أبا عبد الله ألا تَنْهَد إليهم ؟ قال : دعوني أدعهم كما سمعت
رسول اللّه ◌َ﴿ل يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي ، ترون
العرب يطيعونني ، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا ، وعليكم مثل الذي علينا ، وإن أبيتم
إلا دينكم ، تركناكم عليه ، وأعطونا الجزية عن يد، وأنتم صاغرون .. )).
أخرجه الترمذي وقال: ((حديث حسن)) وأحمد (٤٤٠/٥ و٤٤١ و ٤٤٤) من
طرق عن عطاء بن السائب عنه .
ولقد كان هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الموضوعة والواهية سبباً لتبني بعض
الفقهاء من المتقدمين ، وغير واحد من العلماء المعاصرين ، أحكاماً مخالفة للأحاديث
الصحيحة ، فالمذهب الحنفي مثلاً يرى أن دم المسلمين كدم الذميين ، فيقتل المسلم
بالذمي ، وديته كديته مع ثبوت نقيض ذلك في السنة على ما بينته في حديث سبق برقم
(٤٥٨)، وذكرتُ هناك من تبناه من العلماء المعاصرين !
وهذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه اليوم طالما سمعناه من كثير من
الخطباء والمرشدين يرددونه في خطبهم ، يتبجحون به ، ويزعمون أن الإِسلام سوّى بين
الذميين والمسلمين في الحقوق، وهم لا يعلمون أنه حديث لا أصل له عن رسول الله
وَ ل﴿! فأحببت بيان ذلك، حتى لا ينسب إلى النبي وَّ ما لم يقل!
ونحوه ما روى أبو الجنوب قال : قال علي رضي الله عنه :
«من كانت له ذمتنا ، فدمه کدمنا ، ودیته کدیتنا)».
أخرجه الشافعي (١٤٢٩) والدارقطني (٣٥٠) وقال:
((وأبو الجنوب ضعيف)).
وأورده صاحب ((الهداية )) بلفظ:
((إنما بذلوا الجزية، لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم کأموالنا)».
م
- ٢٢٤ -

وهو مما لا أصل له، كما ذكرته في ((إرواء الغليل)) (١٢٥١).
١١٠٤ - (مَنْ أشارَ في صلاتِهِ إشارةً تفهمُ عنهُ، فَلْيَعُدْ لَهَا. يعني
الصَّلاةَ).
منكر. أخرجه أبو داود (٩٤٤) والطحاوي (٢٦٣/١) والدار قطني (١٩٥ -
١٩٦) وعنه البيهقي (٢٦٢/٢) من طريق محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن
الأخنس عن أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 18َ: فذكره . وقال أبو
داود:
((هذا الحديث وهم)). وقال الدارقطني :
((قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان رجل مجهول، ولعل الحديث من قول ابن
إسحاق، والصحيح عن النبي ◌َّ أنه كان يُشير في الصلاة، رواه أنس وجابر وغيرهما
عن النبي ◌َّ قال الدارقطني: رواه ابن عمر وعائشة أيضاً)).
قلت : أبو غطفان قد وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان ، وروى عنه جماعة من
الثقات ، ولم يقل فيه مجهول غير ابن أبي داود ، فهو ثقة كما قال الحافظ في
((التقریب)).
وإنما علة الحدیث ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه .
ومن الغرائب قول الزيلعي في ((نصب الراية)) (٩٠/٢):
(حديث جيد))!
مع أنه حكى عن ابن الجوزي أنه أعله في ((التحقيق)) بهذه العلة، والتي قبلها ثم
ذكر أنه :
((تعقبه صاحب ((التنقيح)) في الأولى، دون الأخرى. وأن الإِمام أحمد سئل عن
الحديث، فقال: لا يثبت إسناده، ليس بشيء).
وسلم بذلك الزيلعي ولم يتعقبه بشيء، ولا مجال لذلك.
- ٢٢٥ -

وهو قد استدل به لما جاء في ((الهداية)) على المذهب الحنفي :
((ولا يرد السلام بلسانه، ولا بيده لأنه كلام معنى، حتى لو صافح بنّة التسليم
تبطل صلاته)).
وهذا مع أنه لا دليل عليه سوى هذا الحديث، وقد تبين ضعفه، فإنه مخالف
الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه وَر أنه كان يشير في الصلاة، ولذلك فهو حديث منكر،
وفي كلام ابن أبي داود السابق إشارة إلى ذلك. ولهذا قال عبد الحق الإِشبيلي في
((أحكامه)) عقبه (رقم ١٣٧٠):
((والصحيح إباحة الإِشارة على ما ذكر مسلم وغيره)).
يعني من حديث جابر في رد السلام إشارة، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود))
(٨٥٩) وحديث أنس المشار إليه آنفاً هو فيه برقم (٨٧١).
ولا يدل لهذا المذهب حديث أبي داود مرفوعاً:
((لا غرار في صلاة ولا تسليم)).
لما ذكرته في تخريجه في ((الأحاديث الصحيحة)) (رقم ٣١١)، وقد ذكرت فيه
حديث ابن عمر في إشارته 18 في الصلاة، فراجعه إن شئت.
وأما مصافحة المصلي، فهي وإن لم ترد عن النبي ◌َّر فيما علمت، فلا دليل
على بطلان الصلاة، لأنها عمل قليل، لا سيما وقد فعلها عبد الله بن عباس رضي الله
عنه، فقال عطاء بن أبي رباح:
((أن رجلاً سلم على ابن عباس، وهو في الصلاة، فأخذ بيده، وصافحه وغمز
يده)» .
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/١٩٣/١) والبيهقي في «سننه» (٢٥٩/٢) بإسنادين عن
عطاء أحدهما صحیح، والآخر رجاله كلهم ثقات رجال الشیخین غیر أن فيه عنعنة حبيب
ابن أبي ثابت.
وليس كل عمل في الصلاة يبطلها، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(«جئت ورسول الله وسلم يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى [عن يمينه
- ٢٢٦ -

أو يساره] حتى فتح لي ثم رجع إلى مقامه، ووصفت الباب في القبلة)).
أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وعبد الحق في
((الأحكام)) (رقم ١٣٧٤) وإسناده حسن كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٨٨٥).
١١٠٥- (إِنَّ أَوَّلَ ما دخلَ النقصُ على بني إسرائيلَ، كان الرجلُ يلقى
الرّجلَ فيقولُ: يا هذا اتَّقِ الله ودعْ ما تصنعُ فإِنَّه لا يحَلُّ لك، ثمَّ يلقاهُ مِنَ
الغدٍ، فلا يمنعُهُ أنْ يكونَ أكيلَهُ وشريبَهُ وقعيدَهُ، فلمَّا فعلُوا ذلكَ ضربَ الله
قلوب بعضهِمْ ببعضٍ ، ثُمَّ قالَ : ﴿لعِنَ الذينَ كَفَرُوا مِنْ بَني إسرائيلَ على
لِسَانِ داوُدَ وعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فاسقونَ﴾، ثمَّ قالَ: كلَّ والله
لتأمرنَّ بالمعروفِ ولتنهونَّ عنِ المنكرِ ولتأخذنَّ على يدي الظَّالِمِ ، ولتأطرنَّهُ
على الحقِّ أطراً، ولتقصرنَّهُ على الحقِّ قصراً).
ضعيف. أخرجه أبو داود (٤٣٣٦) والترمذي (١٧٥/٢) وابن ماجه (٤٠٠٦)
والطحاوي في ((المشكل)) (٦١/٢ -٦٢) وابن جرير في ((التفسير)) (٣٠٥/٦) وأحمد ..
في ((المسند)) (٣٩١/١) من طرق عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن
مسعود به .
وخالف المؤمل بن إسماعيل فقال : ثنا سفيان قال : ثنا علي بن بذيمة عن أبي
عبيدة -أظنه عن مسروق- عن عبد الله به نحوه.
أخرجه ابن جرير .
والمؤمل هذا ضعيف لسوء حفظه .
وخالفه عبد الرحمن بن مهدي فقال : ثنا سفيان عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة
قال: قال رسول الله الم له: فذكره هكذا مرسلاً. وهو أصح.
أخرجه الترمذي (٢/ ١٧٥ - ١٧٦) وابن جرير وابن ماجه .
وتابعه سالم الأفطس عن أبي عبيدة عن ابن مسعود به وزاد في آخره :
(أَو ليضربنَّ اللّه بقلوبٍ بعضكُمْ على بعضٍ ، ثمَّ ليلعننَّكُمْ كما لعنَهُم)).
أخرجه أبوداود (٤٣٣٧) وابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف)) (ق ١/٥٣)
- ٢٢٧ -

وعبد الغني المقدسي فيه (٢/٨٥) والخطيب في ((تاريخه)) (٢٩٩/٨) والبغوي في ((تفسيره))
(٢٠٦/٣ - ٢٠٧) من طرق عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم به .
وسالم هذا هو ابن عجلان الأفطس وهو ثقة من رجال البخاري.
ورواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب عن عبد الله بن
عمرو بن مرة عن سالم الأفطس به .
أخرجه أبو يعلى في («مسنده (( (١٢٤٨/٣) وابن جرير وكذا ابن أبي حاتم كما في
((تفسير ابن كثير)) وابن أبي الدنيا (١/٥٤ - ٢) وقال أبو داود بعد أن ذكره معلقاً:
((ورواه خالد الطحان عن العلاء عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة».
قلت: كأنه يشير إلى أن قول المحاربي: ((عبد الله بن عمرو بن مرة)) وهم. وهو
الظاهر لمخالفته لرواية الجماعة عن العلاء. والمحاربي لا بأس به، وکان یدلس كما قال
أحمد، وقد عنعنه، فلعل الوهم ممن دلسه.
ورواية الطحان التي علقها أبو داود هي التي وصلها البغوي كما سبقت الإِشارة
إلى ذلك، أخرجها من طريق أبي يعلى: أنا وهب بن بقية: أنا خالد -يعني ابن عبد الله
الواسطي - عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن
مسعود. وقد أخرجها أبو يعلى في ((مسنده)) (١٢٦٢/٣) بهذا الإِسناد.
وقد خولف وهب بن بقية في هذا الإِسناد، فقال أبو جعفر الطحاوي : حدثنا
محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد البغدادي: ثنا عمروبن عون الواسطي: ثنا خالد بن
عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي موسى قال: قال
رسول اللّه ◌َر: فذكره بنحوه.
قلت: هكذا في الأصل ((عمرو بن مرة عن أبي موسى)). لم يذكر بينهما أبا
عبيدة، فلا أدري أسقط من الأصل، أم الرواية هكذا وقعت للطحاوي؟!وغالب الظن
الأول، لأمور:
١ - أن عمرو بن مرة لم يسمع من أبي موسى بل لم يذكروا له رواية عنه، وكان لا
- ٢٢٨ -

يدلس، فينبغي أن يكون بينهما راوٍ، وليس هو إلا أبو عبيدة.
٢ - أن ابن كثير قال: قال شيخنا الحافظ المزي: ((وقد رواه خالد بن عبد الله
الواسطي عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى)).
قلت: والظاهر أنه يشير إلى هذه الرواية.
٣ - أنهم ذكروا لأبي عبيدة رواية عن أبي موسى.
٤ - أن الهيثمي أورده في ((المجمع)) (٢٦٩/٧) من حديث أبي موسى ثم قال:
((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح)).
وغالب الظن أنه عند الطبراني من هذا الوجه الذي ذكره المزي، فإذا كان
كذلك، وفرضنا أنه كانت الرواية عنده عن عمرو بن مرة عن أبي موسى، لنبه الهيثمي
على انقطاعها، وإن كان يفوته كثيراً التنبيه على مثله. والله أعلم.
ثم إن إسناد الطحاوي المتقدم رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شيخ
الطحاوي محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد البغدادي وهو ثقة مأمون كما روى
الخطيب في ترجمته (١ /٣٩٢) عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش. مات سنة ست
وسبعين ومائتين(١).
وعلى هذا فينبغي أن يكون هذا الإِسناد صحيحاً، لاتصاله، وثقة رجاله، لولا أنه
قد اختلف في إسناده على العلاء بن المسيب، فرواه عمرو بن عون الواسطي عن خالد
ابن عبد الله عنه هكذا.
وخالفه وهب بن بقية فرواه عن خالد عن العلاء عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة
عن عبد الله بن مسعود.
وهذه الرواية أولى بالأخذ بها والاعتماد عليها ، لأنّ وهب بن بقية ثقة أيضاً من
رجال مسلم، وروايته موافقة لرواية أبي داود المتقدمة عن العلاء، وهي من رواية أبي
(١) قلت: ولم يعرفه العيني في كتابه ((مغاني الأخيار)) كما في تلخيصه ((كشف
الأستار))، وليس هو محمد بن إبراهيم المروزي المترجم في ((الميزان)) والمتكلم فيه كما توهم
المعلق على ((الكشف)) بل هو آخر، وترجمته عند الخطيب أيضاً عقب هذا.
- ٢٢٩ -

شهاب الحناط واسمه عبد ربه بن نافع الكتاني من رجال الشيخين.
ومن المحتمل أن يكون هذا الاختلاف على العلاء بن المسيب ليس من الرواة
عنه، بل منه نفسه، لأنه مع كونه ثقة، فقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، حتى قال
الحافظ في ((التقريب)):
((ثقة ربما وهم)).
قلت: فمن الممكن أن يكون وهم في قوله في هذا الإِسناد: عن عمرو بن مرة
[عن أبي عبيدة] عن أبي موسى، وإذا كان قد صح عنه على الوجه الآخر ((عن عمرو عن
أبي عبيدة عن ابن مسعود)). فالقلب يطمئن لهذه الرواية دون تلك لموافقتها لرواية علي
ابن بذيمة وسالم الأفطس عن أبي عبيدة عن ابن مسعود.
وعلى ذلك، فإسناد الطحاوي وكذا الطبراني عن أبي موسى يكون شاذاً، فلا
يكون صحيحاً، وهذا إذا سلم من الانقطاع بين عمرو بن مرة وأبي موسى على ما سبق
بيانه .
وإذا تبين هذا فالمحفوظ في هذا الحديث أنه من رواية أبي عبيدة عن ابن مسعود
فهو على هذا إسناد ضعيف منقطع. قال المنذري في ((الترغيب)) (١٧٠/٤):
((أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وقيل: سمع)).
قلت: والصواب الأول، فقد قال شعبة عن عمرو بن مرة: سألت أبا عبيدة: هل
تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا. وقال الترمذي: لا يعرف اسمه، ولم يسمع من أبيه
شيئاً. وكذلك قال ابن حبان: أنه لم يسمع من أبيه شيئاً. وبهذا جزم الحافظ المزي في
((تهذيب التهذيب))، وتبعه الحافظ في ((تهذيبه)).
قلت: فقول الترمذي عقب الحديث:
«حدیث حسن غریب)).
مما يتعارض مع الانقطاع الذي اعترف به هو نفسه. وذلك من تساهله الذي عرف
به .
- ٢٣٠ -

وجملة القول أن الحديث مداره على أبي عبيدة، وقد اضطرب الرواة عليه في
إسناده على أربعة وجوه :
الأول: عنه عن أبيه عبد الله بن مسعود.
الثاني: عنه عن مسروق عن ابن مسعود.
الثالث: عنه مرسلاً.
الرابع: عنه عن أبي موسى .
ولقد تبين من تحقيقنا السابق أن الصواب من ذلك الوجه الأول، وأنه منقطع فهو
علة الحديث. وبه جزم المحقق أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) رقم (٣٧١٣).
وبالله التوفيق .
وكان الحامل على كتابة هذا البحث أن بعض الكُتّاب ادعى في مجلة ((الوعي
الإِسلامي)) العدد الأول من السنة الثانية (ص ٩٦) أن الحديث مما صح عن الرسول
صلوات الله وسلامه عليه. فأحببت أن أتيقن من خطئه فيما قال، فكان من ذلك هذا
المقال. وكتبت إلى المجلة بخلاصة نافعة منه في أشياء أخرى بتاريخ لا يحضرني منه
إلا السنة ١٣٨٦ هـ، ولكنها لم تنشر. ولله في خلقه شؤون.
١١٠٦ - (بعثَ الله جبريلَ إلى آدَمَ وحوَّاءَ فقالَ لهما: ابْنِيَا لي بيتاً، فخطَّ
لهما جبريلُ، فجعلَ آدَمُ يحفرُ وحوَّاء تنقلُ حتَّى أجابَهُ الماءُ، ثمَّ نوديَ مِنْ
تحتهِ: حسبُكَ يَا آدمُ! فلمَّا بنياهُ أوحى الله إليهِ أنْ يطوفَ بهِ، وقيلَ لهُ: أنتَ
أوَّلُ النَّاسِ، وهذا أوّلُ بيتٍ، ثمَّ تناسخت القرونُ حتَّى حجَّهُ نوحٌ، ثمَّ
تناسخَتِ القرونُ حتَّى رفعَ إبراهيمُ القواعدَ منهُ).
منكر. أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢٠/١) وعنه ابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) (٣٢١/٢) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدثنا أبو صالح الجهني
قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال
النبي ◌َّر: فذكره. وقال البيهقي:
- ٢٣١ -

((تفرد به ابن لهيعة مرفوعاً)).
قال الحافظ ابن كثير في ((السيرة» (١ / ٢٧٢):
((قلت: وهو ضعيف، ووقْفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت)).
قلت: هذا يوهم أنه روي عنه موقوفاً بإسناد أقوى، مع أنه لم يخرجه هو ولا
البيهقي موقوفاً، فالظاهر أنه يعني أن الوقف به أشبه، والله أعلم.
ثم إن فیه علتين أخريين :
الأولى: أبو صالح الجهني هو عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث، قال
الحافظ :
((صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة)).
قلت: فيحتمل أن الغلط منه، فتعصيبه بابن لهيعة ليس بلازم.
الأخرى: يحيى بن عثمان، قال الحافظ :
(صدوق رُمي بالتشيع، وليّنَه بعضهم لكونه حدث من غير أصله)).
١١٠٧ - (كانَ يرمي الجمرةَ في هذا المكانِ، ويقولُ كلّما رمی بحصاةٍ :
الله أكبرُ، الله أكبرُ، اللَّهِمَّ اجعلهُ حجّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملًا
مشكوراً).
ضعيف. أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٢٩/٥) والخطيب في ((تلخيص
المتشابه)) (٢/١١) عن عبد الله بن حكيم المزني: حدثني أبو أسامة قال:
((رأيت سالم بن عبد الله بن عمر استبطن الوادي، ثم رمى الجمرة بسبع حصيات
يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، الله أكبر .. فسألته عما صنع فقال: حدثني أبي أن النبي
وَ ير كان يرمي الجمرة ... )) الحديث. وقال البيهقي:
((عبد الله بن حكيم ضعيف)).
قلت: بل هو شر من ذلك، وهو أبو بكر الداهري البصري، قال أحمد وغيره:
(«ليس بشي)).
- ٢٣٢ -

وقال الجوزجاني :
(کذاب)».
وقال أبو نعيم الأصبهاني :
((روى عن إسماعيل بن أبي خالد والأعمش الموضوعات)).
وقال العقيلي :
((يحدث بالبواطيل عن الثقات)).
وقد روي بإسناد آخر، ولكنه ضعيف. يرويه ليث بن أبي سليم عن محمد بن
عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ونحوه، ثم قال:
((هكذا رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة صنع)).
وليث ضعيف، وكان اختلط، وشيخه محمد بن عبد الرحمن ثقة، فالآفة من
اللیث.
ومما يضعف حديثه أن الحديث في ((الصحيحين)) وغيرهما من طريق أخرى عن
عبد الرحمن بن يزيد دون قوله: ((الله أكبر، اللهم اجعله حجاً .. إلخ)). وهو في مختصري
لـ ((صحيح البخاري)) برقم (٨٥٠) يسر الله تمام طبعه، بمنه وكرمه، وقد خرجته في
(إرواء الغليل)) (١٧٢٤)، وقد جاء التكبير وحده في حديث آخر مخرج من حديث ابن
عمر في ((الصحيحين)) وغيرهما، وهو في ((مختصر البخاري)) برقم (٨٥١) ومن حديث
أم سليمان بن عمروبن الأحوص وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١٧١٥) الأمر الذي
يؤكد نكارة هذه الزيادة .
١١٠٨- (تخرجُ الدَّابَّةُ، ومعها عصى موسى عليهِ السَّلامُ، وخاتم
سليمانَ عليهِ السَّلام، فتخْطُمُ الكافرَ بالخاتمِ ، وتجلو وجه المؤمنِ بالعصا،
حتَّى إِنَّ أهلَ الخوانِ ليجتمعونَ على خوانٍ، فيقولُ هذا: يا مؤمنُ، ويقولُ
هذا: يا كافرُ).
منكر. أخرجه الطيالسي (ص ٣٣٤) وأحمد (٢٩٥/٢ و ٤٩١) والترمذي
- ٢٣٣ -
!
1
!
1

(٦٣/١٢ - بشرح ابن العربي) وابن ماجه (٤٠٦٦/١٣٥١/٢) والثعلبي في ((تفسيره))
(ق ٢٤ /١) كلهم من طريق عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة أن رسول
الله ◌َ ليّ قال: فذكره. وقال الترمذي:
«حدیث حسن)) .
قلت: کذا قال وفيه علتان:
الأولى: أوس بن خالد، ذكره البخاري في ((الضعفاء)). وقال ابن القطان:
((له عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث منکرة، وليس له کبیر شيء)).
كذا في («الميزان)).
وفي ((التقريب)):
«مجهول)» .
الأخرى: علي بن زيد وهو ابن جدعان، ضعيف.
١١٠٩ - (تخرجُ الذَّابةُ [من] أجيادَ، فيبلغُ صدرُها الرُّكنَ اليمانيَّ ولَمًّا
يخرجْ ذَنَبُها بعدُ، وهي دائَّةٌ ذاتُ وبٍ وقوائمٌ).
ضعيف. أخرجه الواحدي في ((الوسيط)) (١/١٧٩/٣) والحافظ الذهبي في
((الميزان)) من طريق فرقد بن الحجاج القرشي قال: سمعت عقبة بن أبي الحسناء اليماني
قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، فإن فرقداً في عداد مجهولي الحال، وشيخه عقبة
مجهول العين، وفي ترجمته ساق الذهبي الحديث، وقال فيه:
«مجهول، رواه الكناني عن أبي حاتم الرازي. ثم قال أبو حاتم: روى عنه فرقد بن
الحجاج مجهول. وكذا قال ابن المديني: عقبة مجهول .. قلت: أما فرقد، فقد حدث
عنه ثلاث ثقات، وما علمت فيه قدحاً)).
قلت: وقد ترجم الاثنين ابن أبي حاتم (١٧٢٤/٣٠٩/١/٣ ٤٦٥/٨٢/٢/٣)
وقال في كل منهما عن أبيه:
«شیخ)).
- ٢٣٤ -

وأما ابن حبان فأوردهما في ((الثقات)) (٢٤٢/٢ و١٦٥/١) وقال في الأول منهما
فرقد :
ءَ
(يخطىء)) .
١١١٠ - (عُدِلَتْ شهادةُ الزُّورِ بالإِشراكِ بالله (ثلاث مرات)، ثمَّ قرأ:
﴿فاجتنبُوا الرِّجِسَ من الأوثانِ، واجتنبُوا قولَ الزّورِ حنفاءَ لله غيرَ مشركينَ
٤).
ضعيف. أخرجه أبو داود (٣٥٩٩) والترمذي (٤٩/٢) وابن ماجه (٢٣٧٢)
وأحمد (٣٢١/٤) من طريق محمد بن عبيد: حدثني سفيان - وهو ابن زياد العصفري-
عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك قال:
((صلى رسول اللّه رحلة صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائماً فقال :... )) فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علتان: الجهالة، والاضطراب فى سنده.
أما الجهالة، فمن قبل حبيب بن النعمان. قال ابن القطان :
((لا يعرف)).
ومثله الراوي عنه ابن زياد العصفري. قال ابن القطان :
«مجهول)).
وقال الذهبي :
((لا يدرى من هو؟ عن مثله!)) يعني حبيباً.
وأما الاضطراب، فإن محمد بن عبيد رواه كما ذكرنا، وخالفه مروان بن معاوية
الفزاري فقال: عن سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم ((أن النبي وَلّ
قام خطيباً ... )) الحديث.
أخرجه أحمد (١٧٨/٤ و٢٣٢ و ٣٢٢) والترمذي (٤٨/٢) وقال:
((هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، واختلفوا عليه في
رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبي وَليّ)).
- ٢٣٥ _

ثم ساقه من الطريق الأولى، ثم قال:
«هذا عندي أصح، وخریم بن فاتك له صحبة)).
قلت: لكن الراوي عنه مجهول، وكذا الذي بعده كما عرفت، فالحديث
ضعيف، وقد أشار إلى ذلك الترمذي بقوله: ((حديث غريب)).
(تنبيه): قد عرفت مما تقدم أن حبيب بن النعمان والراوي عنه زياد العصفري هما
من رجال أصحاب السنن حاشا النسائي، ومع ذلك فالأول منهما رمز له الحافظ في كتابيه
((التهذيب)) و ((التقريب)) ثم الخزرجي في ((الخلاصة)) بـ (دق) ففاتهم الرمز له بـ (ت)
أيضاً. والآخر رمزوا له بـ (س) أي النسائي، ففاتهم الرمز له بالثلاثة (دقت)، ثم لا أدري
إذا كان الرمز المذكور (س) أرادوا به سننه الكبرى أم الصغرى. والراجح الأول. والله
أعلم.
ثم إن محمد بن عبيد الذي رجح روايته الترمذي هو الطنافسي الأحدب ثقة حافظ
احتج به الشيخان، ومثله المخالف له مروان بن معاوية، وليس فيه علة سوى أنه كان
يدلس أسماء الشيوخ، وشيخه في إسناده فاتك بن فضالة مجهول أيضاً!
١١١١- (لَأَنْ يمتِىءَ جوفُ أحدِكمْ قيحاً، خيرُ لهُ مِنْ أنْ يمتلىءَ شعراً
هجیتُ به).
باطل بزيادة هجيت به. أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٤٣٥) وابن عساكر
في ((تاريخ دمشق)) (١٧ /٢/٢٨٥) عن النضر بن محرز عن محمد بن المنكدر عن جابر
ابن عبد الله عن النبي ◌َّ. وقال العقيلي:
((النضر بن محرز لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، وإنما يعرف هذا
الحديث بالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس)).
ثم ساق إسناده من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي به.
قلت: الكلبي هو محمد بن السائب أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال:
((كذبه زائدة وابن معين وجماعة)).
ومحمد بن مروان السدي، قال الذهبي :
- ٢٣٦ -

((متروك متهم)).
قلت: وقد خولف في إسناده، فرواه إسماعيل بن عياش عن محمد بن السائب
عن أبي صالح قال:
((قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن
يمتلىء شعراً، فقالت عائشة: يرحم الله أبا هريرة، حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخره،
إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله وَير، فقال: لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير
له من أن يمتلىء شعراً من مهاجاة رسول الله (مَلآ)).
أخرجه الطحاوي (٣٧١/٢) فقال: حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني
إسماعيل بن عياش به .
قلت: وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين وهذه منها، فإن
ابن السائب كوفي، وعليه دار الحديث، فهو آفته .
ثم رأيت ابن عدي قد أخرجه في ((كامله)) (١/٣٤٥) من طريق حبان بن علي عن
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعاً مثل حديث جابر دون قصة عائشة وأبي
هريرة .
وحبان بن علي هو العنزي وهو ضعيف كما في ((التقريب)).
وبالجملة فهذه الطريق موضوعة، وقد روى ابن عدي عن سفيان قال:
(قال لي الكلبي: كل شيء أحدث عن أبي صالح فهو كذب))(١).
((وأما طريق جابر، فهي واهية، فإن النضر بن محرز قال فيه ابن حبان:
(منکرالحدیث جداً. لا يحتج به)).
ومن طريقه رواه أبو يعلى في ((مسنده)) لكن وقع فيه ((أحمد بن محرز)). وقال
الحافظ في «اللسان»:
(١) قال الحافظ في ((الفتح)): ((وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو
الذي يقال له السمان المتفق على تخريج حديثه في ((الصحيح)) عن أبي هريرة، بل هذا آخر
ضعیف یقال له: باذان)».
- ٢٣٧ -

((وأحمد لم أقف له على ترجمة، فلعله من تغيير بعض الرواة، أو (النصر) لقبه)).
وأحمد هذا هو الذي أشار إليه الحافظ بقوله في ((الفتح)) (٤٥٤/١٠): بعدما
عزاه لأبي يعلى :
((وفيه راو لا يعرف)).
وزاد عليه الهيثمي فقال في ((المجمع)) (١٢٠/٨):
«وفيه من لم أعرفهم ».
قلت: وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ من احتمال أن اسم أحمد من تغيير بعض
الرواة، فإن فيمن دونه من لا يعرف أيضاً. ثم قال الحافظ:
((فلم تثبت هذه الزيادة)).
قلت: بل هي باطلة قطعاً، فإن الحديث في ((الصحيحين)) من طريق الأعمش
عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً بدونها، وفي ((البخاري)) عن ابن عمر، وفي
((مسلم)) عن سعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري، وفي ((الطحاوي)) عن عمر، كلهم
لم يذكر الزيادة في الحديث، فدل على بطلانها .
على أن في سياق الحديث ما يشعر ببطلان هذه الزيادة من حيث المعنى أيضاً،
فمن شاء البيان فليرجع إلى تخريجنا للحديث في ((السلسلة الصحيحة)) رقم (٣٣٦).
(تنبيه): ثم قال الحافظ :
((وذكر السهيلي في ((غزوة ودان)) عن جامع ابن وهب أنه روى فيه أن عائشة رضي
الله عنها تأولت هذا الحديث على ما هُجِيَ به النبي ◌ََّ، وأنكرت على من حمله على
العموم في جميع الشعر. قال السهيلي: فإن قلنا بذلك، فليس في الحديث إلا عيب
امتلاء الجوف منه، فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية، ولا الاستشهاد
به في اللغة. ثم ذكر استشكال أبي عبيد(١)، وقال: عائشة أعلم منه)).
وأقول: يقال للسهيلي : أثبت العرش ثم انقش، فإن الحديث عن عائشة لم يثبت
(١) انظر كلام أبي عبيد الذي أشار إليه في ((الفتح))، أو في ((الأحاديث الصحيحة)).
٠
- ٢٣٨ -

فإن في سنده عند ابن وهب متهماً بالكذب بل هو معترف على نفسه بالكذب كما تقدم
من رواية الطحاوي عنه، فلا تغتر بسكوت الحافظ على ما عزاه السهيلي لابن وهب، فإن
الظاهر أنه أعني الحافظ لم يستحضر أن الحديث عند الطحاوي من طريق ابن وهب،
وهو لما عزاه للطحاوي ذكر أن فيها ابن الكلبي الواهي، فلو أنه استحضر ذلك لنبه عليه.
والله أعلم.
والذي دعاني لتحقيق القول في الحديث هو أن بعض ذوي الأهواء من نابغة
العصر قد اتخذ رواية ابن وهب هذه حجة على الطعن في أبي هريرة ونسبته إلى سوء
الحفظ لأنه لم يحفظ في حديثه هذه الزيادة، كما حفظته السيدة عائشة بزعمه، وجهل أن
الحديث عليها مكذوب كما عرفت من هذا التحقيق كما جهل أو تجاهل أن أبا هريرة
رضي الله عنه قد تابعه على رواية الحديث كما رواه بدون الزيادة أربعة آخرون من أفاضل
الصحابة كما حققناه في ((السلسلة الصحيحة)) رقم (٣٣٠) والحمد لله على توفيقه.
١١١٢ - (كانَ يُقُلِّمُ أظفارَهُ ويقصُّ شاربَهُ يومَ الجمعةِ قبلَ أنْ يخرجَ إِلى
الصَّلاةِ).
ضعيف. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١/٥٠ من ترتيبه) عن عتيق بن يعقوب
الزبيري: ثنا إبراهيم بن قدامة عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال:
((لم يروه عن الأغر إلا إبراهيم)).
قلت: ومن طريقه رواه البزار أيضاً من رواية عتيق بن يعقوب عنه وقال:
((إبراهيم ليس بحجة)).
ذكره في ((الميزان)) وقال:
((وهو خبر منکر)).
وأشار عبد الحق لتضعيف الحديث في ((أحكامه)) (٢/٧١) رقم (١٦٩٠
-بتحقيقي).
ورواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) (٢٧٧) من هذا الوجه إلا أنه أرسله.
- ٢٣٩ -

ثم رواه من طريق أبي مصعب حدثني إبراهيم بن قدامة عن عبد الله بن محمد بن
حاطب عن أبيه مرفوعاً نحوه .
ثم رواه من حديث ابن عمرو، وفيه محمد بن القاسم الأسدي وهو كذاب عن
محمد بن سليمان المشمولي : نا عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه ، وكلهم ضعيف.
ثم رواه من حديث ابن عمر دون ذكر الأظفار.
وفيه الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه.
نعم صح موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنه، فقال نافع:
((كان ابن عمر يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة)).
أخرجه البيهقي (٢٤٤/٢) وصححه. واستدل به على ضعف ما رُوي عن ابن
عمر مرفوعاً :
(المُسْلِمُ يَوْمَ الجُمعَةِ مُحْرِمٌ، فَإِذَا صلَّى فَقَدْ حَلَّ ).
وذکره نحوه عن ابن عباس مرفوعاً وقال:
((إنما رويا عنهما بإسنادين ضعيفين لا يحتج بمثلهما).
١١١٣ - (احضرُوا الجمعةَ، وادنوا مِنَ الإِمامِ، فإن الرجلَ لَيكونُ مِنْ
أهلِ الجنَّةِ فيتأخّرُ عنِ الجمعةِ، فيؤخَّرُ عَنِ الجنَّةِ وإِنَّهُ لَمِنْ أهلِها).
منكر بهذا اللفظ. رواه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ٧٠) عن الحكم بن
عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب مرفوعاً. قال الطبراني :
«لم يروه عن قتادة إلا الحكم)).
قلت: وهو ضعيف، وفيه علة أخرى وهي عنعنة الحسن وهو البصري فإنه
مدلس. وفيه مخالفة ثالثة في السند والمتن، وقد بينت ذلك في ((الأحاديث الصحيحة))
بلفظ ((احضروا الذكر .. )) (٣٣٨) فأغنى عن الإِعادة.
١١١٤- (لعنَ بِّ مُخَيْتِي الرِّجالِ الَّذينَ يتشبَّهونَ بالنِّساءِ،
- ٢٤٠ -