النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٢٩ - (أَمَا إِنَّها لا تزيدك إلا وهناً، انْبِذْها عَنْكَ، فإنّكَ لو مِتْ وهي 13 عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أبداً). ضعيف. أخرجه الإمام أحمد (٤٤٥/٥): ثنا خلف بن الوليد: ثنا المبارك عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين أن النبي ◌َّ أبصر على عضد رجل حلقة - أراه قال: من صفر- فقال: ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة قال: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف وله علتان : الأولى: عنعنة المبارك وهو ابن فضالة فقد كان مدلساً، وصفه بذلك جماعة من الأئمة المتقدمین ، قال یحیی بن سعید : ((لم أقبل منه شيئاً، إلا شيئاً يقول فيه: حدثنا)). وقال ابن مهدي : (كنا نتبع من حديث مبارك ما قال فيه: حدثنا الحسن)). ومع ذلك فقد قال فيه الدارقطني : ((لين، كثير الخطأ، يعتبر به)). وذکر نحوه ابن حبان والساجي . الثانية: الانقطاع بين الحسن وعمران بن حصين، فإنه لم يسمع منه كما جزم بذلك ابن المديني وأبو حاتم وابن معين، قال الأوّلان: ((لم یسمع منه، ولیس یصح ذلك من وجه يثبت)). وقد أشار بذلك إلى مثل رواية المبارك هذه، فإنه صرح فيها کما تری بأن الحسن قال: ((أخبرني عمران بن حصين))، وفي ((المسند)) (٤٤٠/٥) حديثان آخران من هذا الوجه مع التصريح المذكور، وقد أشار الإِمام أحمد أيضاً إلى تضعيف ذلك فقال: ((قال بعضهم عن الحسن: حدثني عمران بن حصين)» إنكاراً على من قال ذلك . بل إنه صرح بذلك في رواية أبي طالب عنه قال: ((كان مبارك بن فضالة يرفع حديثاً كثيراً، ويقول في غير حديث عن الحسن: ((قال: ثنا عمران بن حصين))، وأصحابُ الحسن لا يقولون ذلك)). قال في ((التهذيب)): - ١٠١ - ((يعني أنه يصرح بسماع الحسن منه، وأصحاب الحسن يذكرونه عنه بالعنعنة)). قلت : قد تتبعت أصحاب الحسن وما رووه عنه عن عمران في ((مسند الإِمام أحمد)) الجزء الرابع، فوجدتهم جميعاً قد ذكروا العنعنة، وهم : ١ - أبو الأشهب (ص ٢٤٦) وهو جعفر بن حبان و(٤٣٦). ٢ - قتادة (٤٢٧ و٤٢٨ و٤٣٥ و٤٣٦ و٤٣٧ و٤٤٢ و٤٤٥ و ٤٤٦). ٣ - أبو قزعة (٤٢٩). ٤ - يونس (٤٣٠ و ٤٣١ و٤٤٤ و٤٤٥). ٥ - منصور (٤٣٠). ٦ - علي بن زيد بن جدعان (٤٣٠ و ٤٣٢ و٤٤٤ و ٤٤٥). ٧ - حميد (٤٣٨ و ٤٣٩ و ٤٤٠ و ٤٤٣ و ٤٤٥). ٨ - خالد الحذاء (٤٣٩). ٩ - هشام (٤٤١). ١٠ - خيثمة (٤٣٩ و٤٤٥). ١١- محمد بن الزبير (٤٣٩ و٤٤٣). ١٢ - سِمَاك (٤٤٥ و٤٤٦). كل هؤلاء -وهم ثقات جميعاً باستثناء رقم (٦ و ١١) - رووا عن الحسن عن عمران أحاديث بالعنعنة لم يصرحوا فيها بسماع الحسن من عمران، بل في روايةٍ لقتادة أن الحسن حدثهم عن هياج بن عمران البرجمي عن عمران بن حصين بحديث: ((كان يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة))، فأدخل بينهما هياجاً، وهو مجهول كما قال ابن المديني وصدقه الذهبي . نعم وقع في رواية زائدة عن هشام تصريحه بسماع الحسن من عمران، فقال زائدة: عن هشام قال: زعم الحسن أن عمران بن حصين حدثه قال :.. فذكر حديث تعريسه ◌ّل في سفره ونومه عن صلاة الفجر. - ١٠٢ - وهذه الرواية صريحة في سماعه من عمران، ولم أجد أحداً تعرض لذكرها في هذا الصدد، ولكني أعتقد أنها رواية شاذة، فإن زائدة -وهو ابن قدامة-، وإن كان ثقة فقد خالفه جماعة منهم يزيد بن هارون وروح بن عبادة فروياه عن هشام عن الحسن عن عمران به. فعنعناه على الجادّة . أخرجه أحمد (٤ /٤٤١). وهكذا أخرجه (٤٣١/٥) من طريق يونس عن الحسن عن عمران به . ووقع التصريح المذكور في رواية شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثمة عن الحسن قال : كنت أمشي مع عمران بن حصين ... رواه أحمد (٤٣٦/٤). وهذه رواية منكرة لأن شريكاً سيىء الحفظ معروف بذلك، وقد خولف، فرواه الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران به معنعناً. أخرجه أحمد (٤٣٩/٤ و ٤٤٥). وخلاصة القول أنه لم يثبت برواية صحيحة سماع الحسن من عمران، وقول المبارك في هذا الحديث عن الحسن: ((قال: أخبرني عمران))، مما لا يثبت ذلك لما عرفت من الضعف والتدليس الذي وصف به المبارك هذا. وإن مما يؤكد ذلك أن وكيعاً قد روى هذا الحديث عن المبارك عن الحسن عن عمران به معنعناً مختصراً. أخرجه ابن ماجه (٣٦١/٢). وكذا رواه أبو الوليد الطيالسي : حدثنا مبارك به . أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٤١٠) والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٩١/١٧٢/١٨). وكذلك رواه أبو عامر صالح بن رستم عن الحسن عن عمران به. أخرجه ابن حبان (١٤١١) والحاكم (٢١٦/٤) وقال: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي! قلت: وفي ذلك ما لا يخفى من البعد عن التحقيق العلمي الذي ذكرناه آنفاً، وأيضاً فإن أبا عامر هذا كثير الخطأ كما في ((التقريب)) فأنى لحديثه الصحّة؟! ومثله قول البوصيري في ((الزوائد)): - ١٠٣ - ((إسناده حسن لأن مبارك هذا هو ابن فضالة)). ذكره السندي. ونحوه قول الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٣/٥): ((رواه أحمد والطبراني وقال: إن مت وهي عليك وكلت إليها. قال: وفي رواية موقوفة: ((انبذها عنك، فإنك لو مت وأنت ترى أنها تنفعك لمتَّ على غير الفطرة))، وفيه مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات))! قلت: لو كان ثقة اتفاقاً وبدون ضعف لم يفرح بحديثه ما دام مدلساً، وقد عنعنه كما عرفت مما سبق، فكن رجلاً يعرف الرجال بالحق، لا الحقَّ بالرجال. ومن ذلك قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ((كتاب التوحيد)): ((رواه أحمد بسند لا بأس به))! فقد عرفت ما فيه من البأس الذي بيناه في شرح علتي الحديث. ويمكن أن نستنبط من تخريج الهيثمي السابق للحديث علةً ثالثة وهي الوقف، وهو الأشبه عندي، وإن كان في إسنادها عند الطبراني (رقم ٤١٤) محمد بن خالد بن عبد الله: ثنا هشيم عن منصور عن الحسن، موقوفاً. فقد قال الحافظ في ابن خالد هذا: ((ضعيف)). والله أعلم. ١٠٣٠ - (إِنَّ أَمَّتي يأتون يومَ القيامةِ غُرَّاً مُحَجَّلينَ مِنْ آثارِ الوضوءِ، فمن استطاعَ منكمْ أنْ يُطيل غُرَّتَهُ فليفعلْ). مدرج الشطر الآخر، وإنما يصح مرفوعاً شطره الأول، وأما الشطر الآخر: ((فمن استطاع ... )) فهو من قول أبي هريرة، أدرجه بعض الرواة في المرفوع، وإليك البيان: أخرجه البخاري (١٩٠/١) والبيهقي (١ /٥٧) وأحمد (٤٠٠/٢) عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المُجْمِر أنه قال: ((رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد، وعليه سراويل من تحت قميصه، فنزع سراويله، ثم توضأ، وغسل وجهه ويديه، ورفع في عضديه الوضوءَ، ورجليه، فرفع في ساقيه، ثم قال: إني سمعت رسول اللّه وَالر يقول: فذكره. والسياق لأحمد، وليس عند البخاري ذكر السراويل والقميص ولا غسل الوجه والرجلين . - ١٠٤ _ ٠ ثم أخرجه مسلم (١ / ١٤٩) والبيهقي أيضاً من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد ابن أبي هلال به أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين. الحديث مثله. وابن أبي هلال مختلط عند الإِمام أحمد، لكنه توبع، فقد أخرجه مسلم وكذا أبو عوانة في ((صحيحه)) (٢٤٣/١) والبيهقي (٧٧/١) من طريق سليمان بن بلال: حدثني عمارة بن غزية الأنصاري عن نعيم بن عبد الله المُجمر قال : ((رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع(١) في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع(٢) في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَليل يتوضأ، وقال: قال رسول الله وسلّم : أنتم الغر المحجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرته وتحجیله)). وقد تابعه ابن لهيعة عن عمارة بن غزية به نحوه، وفيه : ((وكان إذا غسل ذراعيه كاد أن يبلغ نصف العضد، ورجليه إلى نصف الساق، فقلت له في ذلك، فقال: إني أريد أن أطيل غرتي، إني سمعت رسول الله وَله يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، ولا يأتي أحد من الأمم كذلك)». ٤ أخرجه الطحاوي (٢٤/١) ورجاله ثقات، غير أن ابن لهيعة سَبِّىء الحفظ، ولكن لا بأس به في المتابعات والشواهد. ثم أخرجه أحمد (٣٣٤/٢ و٥٢٣) من طريق فليح بن سليمان عن نعيم بن عبد الله به بلفظ : (١ و ٢) معناه أدخل الغسل فيهما. قاله النووي. - ١٠٥ - ((أنه رَقَى إلى أبي هريرة على ظهر المسجد، فوجده يتوضأ، فرفع في عضديه، ثم أقبل عليَّ فقال: إني سمعت رسول اللّه وَل يقول: فذكره بلفظ: ((إن أمتي يوم القيامة هم الغر المحجلون ... )) إلا أنه زاد: فقال نعيم: لا أدري قوله: ((من استطاع أن يطيل غرته فليفعل)) من قول رسول الله وقليل أو من قول أبي هريرة! قلت: وفليح بن سليمان وإن احتج به الشيخان ففيه ضعف من قبل حفظه، فإن كان قد حفظه، فقد دلنا على أن هذه الجملة في آخر الحديث ((من استطاع ... )) قد شك نعيم في كونها من قوله صل، وقد قال الحافظ في ((الفتح)) (١٩٠/١): ((ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه. والله أعلم)). قلت: وقد فات الحافظ رواية ليث عن كعب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه ◌َلّ. فذكره بهذه الجملة. أخرجه أحمد (٣٦٢/٢)، لكن ليث وهو ابن أبي سُلَيم ضعيف لاختلاطه. وقد حكم غير واحد من الحفاظ على هذه الجملة أنها مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة، فقال الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (٩٢/١): ((وقد قيل: إن قوله: من استطاع إلى آخره، إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه. ذكره غير واحد من الحفاظ والله أعلم)) . قلت: وممن ذهب إلى أنها مدرجة من العلماء المحققين شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فقال هذا في ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) (٣١٦/١): ((فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي وَّهِ، بَيِّن ذلك غير واحد من الحفاظ. وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول اللّه ◌َو، فإن الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالته غير ممكنة، إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة)». قلت: وكلام الحافظ المتقدم يشعر بأنه يرى كونها مدرجة، وممن صرح بذلك - ١٠٦ - تلميذه إبراهيم الناجي في نقده لكتاب ((الترغيب))، المسمى بـ ((العجالة المتيسرة)) (ص ٣٠)، وهو الظاهر مما ذكره الحافظ من الطرق، ومن المعنى الذي سبق في كلام ابن تيمية . ومن الطرق المشار إليها ما رَوى يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال: ((دخلت على أبي هريرة فتوضأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول اللّه وسلم يقول: ((مبلغ ٩ الحلية مبلغ الوضوء))، فأحببت أن يزيدني في حليتي)). أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٠/١) وعلقه أبو عوانة في ((صحيحه)) (٢٤٣/١)، وإسناده جيد، وله طريق أخرى عند مسلم وغيره عن أبي حازم قال: ((كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرّوخ! أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ولا يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)) . قلت: فليس في هذه الطريق تلك الجملة ((فمن استطاع ... )) ولو كانت في حديث النبي ◌َّ لأوردها أبو هريرة محتجاً بها على أبي زرعة وأبي حازم اللذين أظهرا له ارتيابهما من مد يده إلى إبطه، ولما كان به حاجة إلى أن يلجأ إلى الاستنباط الذي قد يخطىء وقد يصيب، ثم هولو كان صواباً لم يكن في الإِقناع في قوة النص كما هو ظاهر. فإن قيل: فقد احتج أبو هريرة رضي الله عنه بالنص في بعض الطرق المتقدمة وذلك قوله عقب الوضوء: ((هكذا رأيت رسول اللّه ◌ُ له يتوضأ)). والجواب: أن هذه الطريق ليس فيها ذكر الإِبط، وغاية ما فيها أنه ((أشرع في العضد والساق))، وهذا من إسباغ الوضوء المشروع، وليس زيادة على وضوئه بێ ، بخلاف الغسل إلى الإِبط والمنكب، فإن من المقطوع به أنه زيادة على وضوئه ول# لعدم ورود ذلك عنه في حديث مرفوع، بل روي من طرق عن غير واحد من الصحابة ما يشهد - ١٠٧ - لما في هذه الطريق، أحسنها إسناداً حديث عثمان رضي الله عنه قال: ((هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله وسلّ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مَسَّ أطراف العضد)). الحديث. رواه الدار قطني (٣١) بسند قال الصنعاني في ((السبل)) (١ /٦٠): حسن. وهو كما قال لولا عنعنة محمد بن إسحاق، فإنه مدلس. على أن قوله في تلك الطريق: ((هكذا رأيت رسول الله ( اله يتوضأ)) أخشى أن تكون شاذة لأنه تفرد بها عمارة بن غُزَية دون من اتبعه على أصل الحديث عن نعيم المُجمر، ودون كل من تابع نعيماً عليه عن أبي هريرة. والله أعلم. ومن التحقيق السابق يتبين للقراء أن قول الحافظ في ((الفتح)) (١٩٠/١-١٩١) عقب إعلاله لتلك الزيادة بالإِدراج، وبعد أن ذكر رواية عمرو بن الحارث المتقدمة ورواية عمارة بن غزية أيضاً: ((واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً ورأياً، وعن ابن عمر من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن)). فأقول: قد تبين من تحقيقنا السابق أن ذلك لم يثبت عن أبي هريرة رواية، وإنما رأياً، والذي ثبت عنه رواية، فإنما هو الإِشراع في العضد والساق. كما سبق بيانه، فتنبه ولا تقلد الحافظ في قوله هذا كما فعل الصنعاني (٦٠/١)، بعد أن جاءك البيان. ثم إن قوله في أثر ابن عمر المذكور: (( ... بإسناد حسن)) فيه نظر عندي وذلك أن إسناده عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٩/١) هكذا: حدثنا وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف. قلت: فهذا إسناد ضعيف من أجل العمري وهذا هو المكبّر واسمه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، قال الحافظ نفسه في ((التقريب)): ضعيف. ولذلك لم يحسنه في ((التلخيص))، بل سكت عليه ثم قال عقبه (ص ٣٢): ((رواه أبو عبيد بإسناد أصح من هذا فقال: ثنا عبد الله بن صالح: ثنا الليث عن - ١٠٨ : - محمد بن عجلان عن نافع. وأعجب من هذا أن أبا هريرة يرفعه إلى النبي صل في رواية مسلم)). قلت: عبد الله بن صالح هو كاتب الليث المصري، وهو ضعيف أيضاً، أورده الذهبي في ((الضعفاء)) فقال: ((قال أحمد: كان متماسكاً ثم فسد، وأما ابن معين فكان حسن الرأي فيه. وقال أبو حاتم: أرى أن الأحاديث التي أنكرت عليه مما افتعل خالد بن نجيح، وكان يصحبه، ولم يكن أبو صالح ممن يكذب، كان رجلاً صالحاً. وقال النسائي: ليس بثقة)). وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق كثير الخطأ، ثَبْت في كتابه، وكانت فيه غفلة)). قلت: فمثله لا يحتج بحديثه لاحتمال أن يكون مما أدخله عليه وافتعله خالد بن نجيح، وكان كذاباً. ففي ثبوت الإِطالة المذكورة عن ابن عمر من فعله، وقفة عندي . والله أعلم. وممن روى هذا الحديث بدون هذه الزيادة المدرجة عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : ((أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء)). أخرجه الترمذي (١١٨/١) وصححه وأحمد (١٨٩/٤) ولفظه أتم، وسنده صحیح، ورجاله ثقات. ١٠٣١ - (يا معشر الأنصار إنَّ الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور، فما طهورُكُم هذا؟ قالوا: نتوضّأُ الصَّلاةِ، ونغتسلُ مِنَ الجنابةِ، فقالَ رسولُ الله وَلَ : فهلْ مِعَ ذلكَ غيرُهُ؟ قالوا: لا، غيرَ أنَّ أحدَنَا إذا خرجَ مِنَ الغائطِ أحبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بالماءِ، فقال رسول الله وَ لَ: هُوَ ذاَ فعليْكُمُوهِ). ضعيف بهذا اللفظ. أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (رقم ٤٠) والدار قطني - ١٠٩ - (٢٣) والبيهقي (١ /١٠٥) من طرق عن محمد بن شعيب بن شابور: حدثني عتبة بن أبي حكيم الهمداني عن طلحة بن نافع أنه حدثه قال: حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاري أن هذه الآية لما نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين﴾، فقال رسول الله وَالقول: فذكره. وقال الدارقطني: «عتبة بن أبي حكيم ليس بالقوي)). قلت: هو ممن اختلفوا فيه، فوثقه بعض الأئمة، وضعفه آخرون، ولذلك قال الذهبي فيه : ((هو متوسط حسن الحديث)). وكلام الحافظ فيه يشعر أنه ضعيف عنده فقال في ((التقريب)): ((صدوق يخطىء كثيراً)). وأما النووي والزيلعي فقد مشياه، وقوّيا حديثه فقال الأول في ((المجموع)) (٩٩/٢): ((إسناد صحيح إلا أن فيه عتبة بن أبي حكيم، وقد اختلفوا في توثيقه، فوثقه الجمهور، ولم يبين من ضعفه سبب ضعفه، والجرح لا يقبل إلا مفسيراً، فيظهر الاحتجاج بهذه الرواية)). قلت: وفي هذا الكلام نظر من وجهين : الأول : قوله: وثقه الجمهور، فإن هذا يوهم أن الذين ضعفوه قلة، وليس كذلك، فقد تتبعت أسماءهم فوجدتهم ثمانية من الأئمة، وهم: ١ - أحمد بن حنبل، کان یوهنه قليلاً. ٢ - يحيى بن معين. قال مرة: ضعيف الحديث. وقال أخرى: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث. ٣ - محمد بن عوف الطائي: ضعيف. ٤ - الجوزجاني : غير محمود في الحديث، يروي عن أبي سفيان حديثاً يجمع فيه جماعة من الصحابة، لم نجد منها عند الأعمش ولا غيره مجموعة . - ١١٠ - ٥ - النسائي: ضعيف. وقال مرة: ليس بالقوي . ٦ - ابن حبان: يعتبر حديثه من غير رواية بقية عنه. ٧ - الدار قطني: ليس بالقوي. كما تقدم . ٨ - البيهقي : غير قوي، كما يأتي . وتتبعت أيضاً أسماء الموثَّقين فوجدتهم ثمانية أيضاً وهم: ١ - مروان بن محمد الطاطري: ثقة. ٢ - ابن معين: ثقة. ٣ - أبو حاتم الرازي: صالح. ٤ - دُحيم: لا أعلمه إلا مستقيم الحديث. ٥ - أبو زرعة الدمشقي، ذكره في ((الثقات)). ٦ - ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . ٧ - الطبراني : كان من ثقات المسلمين. ٨ - ابن حبان، ذكره في ((الثقات)). هذا كل ما وقفت عليه من الأئمة الذين تكلموا في عتبة هذا توثيقاً وتجريحاً، ومن الظاهر أن عدد الموثقين مثل عدد المضَعِّفِين سواء، وبذلك يتبين خطأ القول بأنه ((وثقه الجمهور))، ولو قيل: ((ضعفه الجمهور)) لكان أقرب إلى الصواب، وإليك البيان: لقد رأينا اسم ابن معين وابن حبان قد ذُكرا في كل من القائمتين، الموثَّقين والمضَعِّفِين. وما ذلك إلا لاختلاف اجتهاد الناقد في الراوي، فقد يوثقه، ثم يتبين له جرح يستلزم جرحه به فيجرحه، وهذا الموقف هو الواجب بالنسبة لكل ناقد عارف ناصح، وحينئذ فهل يقدم قول الإِمام الموثق أم قوله الجارح؟ لا شك أن الثاني هو المقدم بالنسبة إليه، لأنه بالضرورة هو لا يجرح إلا وقد تبين له أن في الراوي ما يستحق الجرح به، فهو بالنسبة إليه جرح مفسر فهو إذن مقدم على التوثيق، وعليه يعتبر توثيقه قولاً مرجوحاً مرجوعاً عنه، فيسقط إذن من القائمة الأولى اسم ابن معين وابن حبان كموثّقين وينزل عددهم من الثمانية إلى الستة! - ١١١ - ثم إننا إذا نظرنا مرة أخرى في القائمة المذكورة لوجدنا فيهم أبا حاتم الرازي وقوله:((صالح)). وهذا وإن كان توثيقاً في اعتبار أكثر المحدثين. ولكنه ليس كذلك بالنظر إلى اصطلاح أبي حاتم نفسه، فقد ذكر ابنه في مقدمة الجزء الأول من ((الجرح والتعديل)) (ص ٢٧) ما نصه : ((ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، أو ثبت، فهو ممن يُحتج بحديثه. وإذا قيل: إنه صدوق. أو: محله الصدق. أو:لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه. وينظر فيه. وهي المنزلة الثانية وإذا قيل: شيخ. فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية. وإذا قيل:صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار. وإذا أجابوا في الرجل بلّيِّن الحديث، فهو ممن یکتب حديثه وينظر فيه اعتباراً ... )). فهذا نص منه على أن كلمة ((صالح الحديث)) مثل قولهم:«لین الحدیث» یکتب حديثه للاعتبار والشواهد، ومعنى ذلك أنه لا يحتج به، فهذه العبارة من ألفاظ التجريح لا التعديل عند أبي حاتم، خلافاً لما يدل عليه كلام السيوطي في ((التدريب)) (٢٣٣ - ٢٣٤). وعلى هذا فيرفع اسم أبي حاتم أيضاً من قائمة الموثقين إلى قائمة المضعفين، ويصير عددهم خمسة، وعدد أولئك تسعة، وإذا ضممنا إليهم قول البيهقي: إنه غير قوي كما يأتي، صاروا عشرة. ثم إن قول ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به)) ليس نصاً في التوثيق، ولئن سلم فهو أدنى درجة في مراتب التعديل، أو أول مرتبة من مراتب التجريح، مثل قوله: ((ما أعلم به بأساً)) كما في ((التدريب)» (ص ٢٣٤). ومما سبق يتبين بوضوح أن الجمهور على تضعيف عتبة بن أبي حكيم، وأن ضعفه مفَسَّر مبَيِّن، فضعفه هو الذي ينبغي اعتماده في ترجمته، وقد لخص ذلك كله الحافظ ابن حجر في كلمته المتقدمة: ((صدوق يخطىء كثيرا)). فهذا جرح مفسر، فمن أين جاء به الحافظ لولا بعض الكلمات التي سبق بيانها من بعض الأئمة؟ ومن ذلك كله تعلم أن إسناد الحديث ضعيف، وأن قول الزيلعي فيه (٢١٩/١): - ١١٢ - ((وسنده حسن)) غير حسن، لأنه بناه على أقوال بعض من سبق ذكرهم في الموثقين فقال: ((وعتبة بن أبي حكيم فيه مقال، فقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه النسائي، وعن ابن معين فيه روايتان)»: ولذلك أيضاً ضعف الحديث ابن التركماني، فإن البيهقي على الرغم من أنه لم يصرح بتقويته، وإنما سكت عليه، لم يرض ذلك منه ابن التركماني، فتعقبه بقوله: («قلت: في سنده عتبة بن أبي حكيم ضعفه ابن معين والنسائي، وقال إبراهيم بن يعقوب السعدي : غیر محمود الحديث، وقال البيهقي في باب الركعتين بعد الوتر: (غير قوي))). وقال البوصيري في ((الزوائد)) (١/٢٨): ((هذا إسناد ضعيف، عتبة بن أبي حكيم ضعيف، وطلحة لم يدرك أبا أيوب)). قلت: ومما يدل على ضعف عتبة أنه اضطرب في رواية متنٍ هذا الحديث وضبطه، فرواه محمد بن شعيب عنه باللفظ المتقدم: ((غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء)). ورواه صدقة بن خالد عنه بلفظ : ((قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء)). أخرجه ابن ماجه (١٤٦/١ - ١٤٧) والحاكم (٣٣٤/٢ -٣٣٥) والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (١٤٠/٢) وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي! كذا قالا، وقد عرفت مما سبق أن الصواب أنه ضعيف الإِسناد، والغرض الآن أن نبين أن عتبة كان يضطرب في ضبط هذا الحديث، فتارة يرويه باللفظ الأول. وتارة باللفظ الآخر، وليس هذا الاضطراب من الراوِيَيْن عنه محمد بن شعيب وصدقة بن خالد فإنهما ثقتان اتفاقاً، فتعين أنه من عتبة نفسه. واللفظ الآخر هو الراجح عندنا، بل هو في نفسه صحیح ثابت، لأمرين: - ١١٣ - الأول: أنه روي كذلك من طريق أخرى عن أبي أيوب وحده. والآخر: أن له شواهد كثيرة من حديث أبي هريرة وابن عباس وعويمر بن ساعدة. وقد خرجتها في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٣٤) ثم في ((الإرواء)) (٤٥). وأما الطريق فأخرجه الحاكم (١٨٨/١) من رواية واصل بن السائب الرَّقاشي عن عطاء بن أبي رباح وابن سورة عن عمه أبي أيوب قال: قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين﴾؟ قال: كانوا يستنجون بالماء . ذكره الحاكم شاهداً لحديث ابن عباس المشار إليه، والرقاشي ضعيف كما في (التقریب) فیعتبر به، ولا يحتج بما يتفرد به. فإن قيل: فما الفرق بين اللفظين حتى احتيج إلى ترجيح أحدهما على الآخر؟ فالجواب: هو أن اللفظ الراجح، إنما فيه ذكر الاستنجاء مطلقاً، غير مقيد بالخروج من الغائط، بخلاف اللفظ المرجوح فإن فيه القيد المذكور وهو بظاهره يدل على أنهم كانوا يستنجون بالماء بعد استنجائهم بالحجارة، ذلك لأنه من غير الجائز أن يمدحوا ويثني الله عليهم لو فرض أنهم كانوا يقومون قبل الاستنجاء بها، هذا بعيد جداً، فإذن الحديث بهذا اللفظ دليل على استحباب الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء فهو حينئذ يمكن اعتباره شاهداً لحديث ابن عباس الذي أخرجه البزار بلفظ: ((فقالوا: إنا نتبع الحجارةَ بالماء)). وهو ضعيف الإِسناد كما صرح به الحافظ في ((التلخيص)) و ((البلوغ)) وبينه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢١٨/١)، بل هو منكر عندي لمخالفته لجميع طرق الحديث بذكر الحجارة فيه. بل بالغ النووي فقال في ((الخلاصة)) كما نقله الزيلعي: ((وأما ما اشتهر في كتب التفسير والفقه من جمعهم بين الأحجار والماء فباطل لا يعرف)). وذكر معنى هذا في ((المجموع)) أيضاً، ولكنه استنبط معناه من لفظ الحديث هذا، فقال بعد أن ذكره بلفظيه مع حديث أبي هريرة وعويمر بن ساعدة : - ١١٤ - ((فهذا الذي ذكرته من طرق الحديث هو المعروف في كتب الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء، وليس فيها ذكر الجمع بين الماء والأحجار. وأما قول المصنف: قالوا: نتبع الحجارة الماء. فكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير فليس له أصل في كتب الحديث. وكذا قال الشيخ أبو حامد في التعليق: إن أصحابنا روموه. قال: ولا أعرفه. فإذا عرف أنه ليس له أصل من جهة الرواية، فيمكن تصحيحه من جهة الاستنباط، لأن الاستنجاء بالحجر كان معلوماً عندهم يفعله جميعهم، وأما الاستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به، فلهذا ذكر ولم يذكر الحجر لأنه مشترك بينهم وبين غيرهم، ولكونه معلوماً فإن المقصود بيان فضلهم الذي أثنى الله عليهم بسببه، ويؤيد هذا قولهم : ((إذا خرج أحدنا من الغائط أحب أن يستنجي بالماء)) فهذا يدل على أن استنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء، والعادة جارية بأنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد التمسح بماء أو حجر. وهكذا المستحب أن يستنجي بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر، والله أعلم)). وجوابنا عن هذا الاستنباط أنه غير مُسَلَّم، وبيانه من وجهين : الأول: أن أي حكم شرعي يستنبط من نص شرعي، فلا بد لهذا أن يكون ثابت الإِسناد، وقد بينت فيما سبق أن هذا النص ضعيف الإِسناد منكر المتن، فلا يصح حينئذ الاستنباط منه . الآخر: هب أن النص المشار إليه ثابت الإِسناد، فالاستنباط المذكور لا نسلم بصحته، لأن الحجارة لم تذكر فيه ولو إشارة، وأخذ ذلك من مجرد ثناء الله تعالى عليهم بضميمة أن الاستنجاء بها كان معروفاً لديهم غير لازم، لأن الثناء المشار إليه يتحقق ويصدق عليهم بأي شيء فاضل تفرد به الأنصار دون غيرهم، وإذا كان من المسلَّم به أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاستنجاء بالحجارة لكمال تطهيره، فحسب الأنصار حينئذ فضلاً أنهم كانوا يفعلون ذلك الذي لا يفعله بل ولا يعرفه غيرهم إلا أهل الكتاب، ومنهم تلقاه الأنصار كما في بعض الروايات الثابتة . فإن قيل: ما ذكرته الآن ينافي ما تقدم من قولك: إن الحديث يدل بظاهره على - ١١٥ _ الجمع المذكور. فأقول: نعم، ولكن هذا الظاهر ليس هناك ما يلزمنا الجمود عنده، لأنه لم يجر العمل به من النبي وسي ولا من أحد من الصحابة، ألا ترى إلى قول النووي في آخر كلامه السابق : ((وهكذا المستحب أن يستنجى بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر)». فهل يستطيع أحد أن يدعي أن النبي بَلّ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك؟! وحينئذ فلا بد من تأويل النص المذكور بما لا يتنافى مع ما هو المعروف من الاستنجاء بالماء في مكان قضاء الحاجة، وذلك بأن نفسر قولهم - إن صحّ -: ((إذا خرج من الغائط)) أي أراد الخروج، ومثل هذا التفسير معروف في كثير من الأحادیث، مثل حديث أنس قال: ((کان رسول اللّه ◌َيّ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). وقد اتفقوا على أن المعنى: كان إذا أراد دخول الخلاء، ومثله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذْ باللّه﴾، أي أردت قراءة القرآن. ونحو ذلك كثير. وخلاصة القول: أن الحديث بهذا اللفظ ضعيف الإِسناد منكر المتن ، وقد ترتب عليه استنباط حكم نقطع بأنه لم يكن عليه رسول الله وير ولا أصحابه، ألا وهو الاستنجاء بالحجارة أولاً ، ثم بالماء في مكان آخر، بل الراجح عندي أنه لا يشرع الجمع بينهما ولو في المكان الأول، لأنه لم ينقل أيضاً عنه و له، ولما فيه من التكلف، فبأيّهما استنجى حصلت السنة، فإن تيسر الأمران معاً بلا كلفة فلا مانع من ذلك لما فيه من تنزيه اليد عن الرائحة الكريهة. والله أعلم. (تنبيه): إن الذي دفعني إلى تحرير القول في هذا الحديث هو أنني رأيت بعض من ألف في شرح الترمذي من حنفية الهند (١) نقل كلام النووي في الاستنباط المذكور وذكر أنه صحح إسناد الحديث، وأقر كل ذلك فأحببت أن أبين حقيقة الأمر، عسى أن ینتفع به من قد يقف عليه. ثم رأيته ذكر كلاماً آخر عقب الحديث فيه أشياء تستحق التنبيه عليه، فرأيت من (١) هو الشيخ محمد يوسف البنوري في ((معارف السنن)) (١:٣١/١ -١٣٢). - ١١٦ - الواجب بيان ذلك أيضاً، قال (١٣٣/١): ((ثم إن أحاديث الجمع قد أخرجها الهيثمي في ((زوائده)) بأسانيد فيها كلام للمحدثين، وبوب عليها (باب الجمع بين الماء والحجارة)، وأخرج فيه حديث ابن ساعدة وابن عباس وابن سلام وغيرهم، وفيها الجمع، وليس فيها رواية لم يُتكلم فيها، ومع هذا ليس فيها حديث صريح غير حديث ابن عباس. وأجود ما يحكى في الباب أثر علي بن أبي طالب: إن من كان قبلكم كانوا يُبَعِّرون بعراً وأنتم تتلطون ثلطاً، فأتبعوا الحجارة الماء. أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وعبد الرزاق في ((مصنفه)) والبيهقي في ((سننه)) بطرق عديدة، وهو أثر جيد كما يقول الإِمام الزيلعي في ((نصب الراية)) وكذا أخرجه البيهقي روايةً عن عائشة من طريق قتادة في الباب)). قلت: وفي هذا الكلام تدليسات عجيبة وبعض أوهام فاحشة : أولاً: يسمي الأحاديث المشار إليها وقد تقدمت بـ ((أحاديث الجمع)) مع أنها ليست كذلك إلا على استنباط النووي الواهي، فهو يقلده في ذلك ويبالغ حتى سماها بهذه التسمية المغلوطة، ولا يقتصر على هذا، بل يؤكد ذلك بقوله: ((وفيها الجمع)) ثم لكي لا يمكن المخالف من نقده يعود فيقول: ((ومع هذا ليس فيها حديث صريح غير حديث ابن عباس)) يعني صريحاً في الجمع. ثانياً: ثم يزعم أن تلك الأحاديث التي فيها الجمع! ليس فيها حديث صريح في الجمع! بوّب الهيثمي عليها ((باب الجمع بين الماء والحجارة))، وهذا خلاف الواقع فإنه إنما بوّب عليها بقوله: (باب الاستنجاء بالماء)) انظر الجزء الأول ص ٢١٢ من ((مجمع الزوائد))، وإنما بوّب الهيثمي بما ذكر الحنفي لحديث ابن عباس وحده الذي تفرد بروايته البزار وسبق أن ضعفناه نقلاً عن الحافظ، وقال الهيثمي نفسه عقبه: ((رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك)). ثالثاً: قوله: (بطرق عديدة). فيه تدليس خبيث، فإنه لا يروى إلا من طريق واحدة، هي طريق عبد الملك بن عمير عن علي، وإنما له طرق عديدة عن عبد الملك - ١١٧ - هذا، وشتان بين الأمرين، فإنه على قوله لا شك في ثبوت هذا الأثر عن علي وجودته، لطرقه المزعومة، وأما على ما هو الواقع من طريقه الوحيدة، فالثبوت محتمل وإن كان الراجح عندنا خلافه، وبيانه فيما يأتي : رابعاً: قوله: ((وهو أثر جيد)» أقول: بل هو غير جيد، وإن كان صرح بذلك الزيلعي، فإنه معلول بالانقطاع بين علي وعبد الملك، وبالاختلاط وذلك أن عبد الملك هذا، وإن كان من رجال الشيخين، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، وذكروا له رؤية لعلي رضي الله عنه، ولم يذكروا له سماعاً، ثم هو على ذلك مدلس، وصفه به ابن حبان، ولذا أورده الذهبي في ((الضعفاء)) فقال: ((قال أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن معين: مختلط. وقال أبو حاتم : ليس بحافظ. ووثقه جماعة)). وقال الحافظ في ((التقريب)) : ((ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلّس)). قلت: فإن كان قد حفظه، فلم يسمعه من علي، فإنه ذكره بصيغة تشعر بذلك، فإنه قال في جميع الطرق عنه: ((قال: قال علي .. )). ومن المعلوم أن المدلس إذا لم يصرح بالتحديث فلا يحتج بحديثه، فمن أين تأتي الجودة إذن لهذا الأثر؟ خامساً: قوله عقب أثر علي المذكور: ((وكذا أخرجه البيهقي روايةً عن عائشة من طريق قتادة في الباب)) .. قلت: وهذا تدليس آخر فإن حديث قتادة في الباب عند البيهقي (١٠٦/١) عن معاذة عن عائشة أنها قالت: ((مُرْنَ أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وكان رسول الله ( يفعله)). ثم رواه من طريق أخرى نحوه بلفظ: ((فأمَرْتهن أن يستنجين بالماء)) وهو مخرج في ((الإِرواء)) (٤٢). - ١١٨ _ ٠ فأنت ترى أنه ليس فيه ذكر للحجارة إطلاقاً. فكيف جاز له أن يجعله مثل أثر علي في الجمع بين الماء والحجارة؟ لا يقال: لعله اغتر بإيراد البيهقي له في ((باب الجمع في الاستنجاء بين المسح بالأحجار والغسل بالماء))، لأننا نقول: إن ذلك خطأ أو تساهل من البيهقي لا يجوز لمن يدعي التحقيق انتصاراً لمذهبه أن يقلد من أخطأ مثل هذا الخطأ البَيّن، لا سيما إذا كان مخالفاً له في المذهب، وخاصة إذا نبه على ذلك من كان موافقاً له في المذهب، ألا وهو الشيخ ابن التركماني، فإنه تعقب البيهقي لإِيراده في هذا الباب حديث عتبة المتقدم وحديث عائشة هذا، فقال في كل منهما: ((ليس في الحديث ذكر المسح بالأحجار فهو غير مطابق للباب)). فلا أدري كيف استجاز المومى إليه تجاهل هذه الحقيقة؟ وكم في كتابه من أمور كثيرة لو تتبعها الباحث لملأت مجدداً ضخماً بل مجلدات، ولكن ذلك يحتاج إلى وقت وفراغ، وهيهات ذلك هيهات، ولكن لعلنا ننبه على شيء من ذلك كلما سنحت لنا الفرصة، فإنه قد قیل منذ القديم: «ما لا يدرك كله، لا يترك جله أو کله)) . ١٠٣٢ - (مَنْ طلبَ الدنيا حَلالاً استِعفافاً عن المسألةِ وسعياً على أهلِهِ، وتعطفاً على جارِه، بعثَه الله يومَ القيامَةِ ووجْهُهُ مثلُ القمرِ ليلةَ البدرِ، ومنْ طلبَها حلالاً متكاثراً بها مفاخراً لقيَ الله وهو عليهِ غَضْبان). ضعيف. رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢ /١١٠ و٢١٥/٨) من طريق الحجاج بن افِصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال: ((غريب من حديث مكحول، لا أعلم له راوياً عنه إلا الحجاج)). قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال: ((قال أبو زرعة: ليس بالقوي)). وقال الحافظ في ((التقريب)): «صدوق عابد، يهِم)). : - ١١٩ - قلت: وفيه علة أخرى وهي الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه كما قال البزار. ١٠٣٣ - (كانَ سليمانُ نبيُّ الله عليهِ السلام إذا قامَ في مُصلّاهُ رأى شجرةً ثابتةً بين يديهِ، فيقول: ما اسمك؟ فتقولُ: كذا، فيقولُ: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فإنْ كانت لدواءٍ كتب، وإن كانَ لغرس غرست، فبينما هو يصلي يوماً إذْ رأى شجرةً ثابتةً بينَ يديهِ، فقالَ؟ ما اسمك؟ قالتْ: الخرنُوبُ، قال: لأي شيءٍ أنتِ؟ قالت: لخراب هذا البيتِ، قال سليمان عليهِ السلام: اللهمَّ عَمِّ على الجنِّ موتي حتَّى يَعلمَ الإِنسُ أنَّ الجنَّ لا تعلمُ الغيبَ، قَالَ: فَتَحَتَها عصاً فتوكاً عليها [حولاً ميتاً والجنُّ تَعملُ]، قال: فأكَلَها الأرَضَة فسقَطَ، فخرَّ، فوجدُوُه ميتاً حولاً، فتبيَّنَتِ الإِنْسُ أنَّ الجنَّ لو كانوا يَعلمونَ الغيبَ ما لبثُوا حولاً في العذابِ المُهِينِ -وكانَ ابنُ عباس يَقْرَؤُها هكذا- فشكرت الجنُّ الأَرَضَة، فكانَتْ تأتيها بالماءِ حيث كانت). ضعيف مرفوعاً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٢٢٨١) والحاكم (١٩٧/٤ -١٩٨ و٤٠٢) والضياء المقدسي في ((المختارة)) (١/٢٤٩/٦١) وابن جرير وابن أبي حاتم كما في ((ابن كثير)) (٥٢٩/٣) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٧/ ١/٣٠٠) من طريق إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ. وقال الحاكم: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي. قلت: وفيه نظر من وجهين : الأول: أن عطاء بن السائب كان اختلط، وليس ابن طهمان ممن روى عنه قبل الاختلاط، وقد خالفه جرير فقال: عن عطاء بن السائب به موقوفاً على ابن عباس. أخرجه الحاكم (٢ /٤٢٣) وصححه أيضاً ووافقه الذهبي. - ١٢٠ -