النص المفهرس

صفحات 1-20

سلسلة
الأحاديث الضعيفة والموضوعة
وأثرهَا السّيئ في الأمَّةِ
محمد ناصر الدين الألباني
المَجَلّد الثّالثُ
١٠٠١ - ١٥٠٠
مكتَبَةِ المَعَارف
الرّيَاض

حُقوق الطَّيع محفوظَة للنّاشِه
الطبعة الثانية
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨م
مكتَبَة المعارف - ص.ب: ٣٢٨١ - هاتف ٤٠١٣٧٠٨ - ٤٠٢٣٩٧٩
الرياض - الملِكَة العَربيّة السعُوديّة

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمْ
المقدمة :
حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على رسول الله، وعلى آله وصحابته، وَمَنْ
سار علی سبیلهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو المجلّد الثالث من ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة وأثرها السيّء في الأمّة))، قد يَسّر اللهُ تبارك وتعالى طبعه ونشره
بعد توقّف عنه دام سنين، كُنّا في ذلك غير مختارين، إذ الأمر كلّه بيد الله عزّ
وجل، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
يُشْرِكُوْنَ﴾ .
وهو - كالمجلّدين السابقين- يتضمّن خمسمائة حديث غير صحيح،
كثير منها متداول على الألسنة، وسائرها مبثوث في بطون الكتب، على
اختلاف اختصاصاتها ومواضيعها، ومناهج مؤلفيها .
وإنّي أحمد الله تبارك وتعالى حمداً كثيراً طَيِّباً على نعمة الإِسلام أولاً،
وعلى أَنْ هداني إلى السنّة ثانياً، ووفّقني - بفضله - إلى نُصرتها وخدمتها
ثالثاً، وذلك بالدعوة إليها والتفقّه فيها؛ بعد تمييز صحيحها من ضعيفها، فإنّ
هذا التمييزَ، هو المنهجُ الذي ينبغي أن يُقام عليه الفقهُ الإِسلاميُّ، بله
العقيدة الإِسلامية، وإلّ اختلط الباطلُ بالحقِّ، والخطأ بالصواب، وتعددتِ
الأقوالُ والآراءُ، حتى يحتارَ فيها كثيرٌ من العلماء، ولا يجدون إلى معرفة
الراجح منها سبيلاً، فيذرونها مُعَلَّقة: قيل كذا، وقيل كذا! أو أنهم يصيرون

إلى الترجيح بغير مُرَجِّح اتِّباعاً للمصلحة -زعموا -أو الهوى! فقطعاً لدابر ذلك
كُلُّه كان لا بُدَّ من التزام هذا المنهج السليم من التمييز بين الصحيح
والضعيف من الحديث؛ ليكون المسلمُ على بصيرة من دينه وقوفاً منه مع أمر
ربه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَّى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
وقد تجاوب مَعَنا في ذلك كثيرٌ جداً من أفاضل العلماء والمؤلّفين
والدعاة والطَّلبَة في مختلف البلاد الإِسلامية، ولا أدلّ على هذا من الطلبات
الكثيرة التي تصلني منهم يوماً بعد يوم، مُلِحِّين بضرورة متابعة نشر ما عندي
من السلسلتين وغيرهما، ليزدادوا بها علماً، ويأخذوا بالصحيح وفقهه،
وَيَذَروا الضعيفَ إلى غيره.
ومقابل هؤلاء الأفاضل بعض الشيوخ؛ المُقَلَّدين وغيرهم من الصوفِيِّين
والطَّرُقِّين، الذين لا حياة لهم إلا بالاعتماد على الأحاديث الضعيفة
والموضوعة؛ التي يسيطرون بها على قلوب العامّة ثم على ما في ... لذلك
فهم لا يرضون عن ذلك التمييز، ولازمه من التمسك بالإِسلام على ضوء
الكتاب والسنّة الصحيحة، ويحاربون الدعاة إليه محاربةً شديدةً لا هوادةَ
فيها، ويستبيحون في سبيل ذلك من الكذب والبهت والافتراء ما لا يستحلَّه
إلا الكُفّار الذين قال الله فيهم: ﴿إنّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتٍ
الله﴾؛ لأنهم يعلمون أنّ هذه الدعوة ستقضي على مشيختهم وسخافاتهم
وخرافاتهم التي يستغلُّون بها السُّذَّج، وطَيِّي القلوب من الناس.
ولَدَيَّ على ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ، وحسبي الآن في هذه المقدمة مثالان
اثنان، لهما صلة وثقی بها :
الأول: أن وزير الأوقاف في بعض الإِمارات العربية - ولعله صوفي، أو
حوله بطانة صوفية - أصدر مذكّرة نُشِر مضمونها في أوائل شوال سنة
- ٤ -

(١٤٠٦ هـ) في بعض الجرائد كالبيان وغيرها، يتهم فيها إخواننا السلفيين في
تلك الإِمارة بتهم شتى، منها (التطرف)! والخطورة على العقيدة الإِسلامية!
وإنكار المذاهب الأربعة !!! وكلّ ذلك كذبٌ وزورٌ، الهدف منه ظاهر لكل
ذي بصيرة في الدين، وهو التمهيد وتهيئة الجو لمنعهم من الدعوة إلى الله،
وتبصير الناس بدينهم على كتاب الله، وسنة رسول الله وَّر، ومنهج السلف
الصالح؛ ومنهم الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين.
ولم تكتف المذكرةُ بهذه التُّهَم، بل أضافت إلى ذلك تهماً أخرى،
تتعلق بشخصي أنا، هي أظهر بطلاناً من سابقاتها، فقالت:
((ويتزعمها شخص يُدعى ناصرالدين الألباني)).
فهذا كذب وزور، يشهد به كل من يعرفني شخصياً، فإن انكبابي على
التأليف والتحقيق أكثر من نصف قرن من الزمان يحول بيني وبين التزعم
المزعوم، هذا لو كانت نفسي تميلُ إليه، فكيف وهو منافٍ لطبيعتي
العلمية؟؟
وأوضح ما في المذكّرة من الافتراء، قولُها عقب الزعم السابق :
(كما جرى طردُهُ من الإِمارات قبل أربع سنوات ومنعه من العودة
للبلاد)»!
قلت: وهذا كذبٌ له قرونٌ كما يُقال في بعض اللغات؛ فإنه لم يكن
شيء من ذلك ألبتة- والحمد لله، وليس أدَلّ على ذلك من أنني عدت إليها
بتاريخ ١٩٨٥/٣/٢٩ بإذن دخول رسمي رقم ٦٠٩٤/أ، ثم خرجت كذلك
بتاريخ ١٩٨٥/٤/٥ كما هو مسجل في جواز سفري رقم ٢٨٤٠٢٤ س
ر / ٧٧ .
- ٥ -

ثم إنني أرى أن هذا الخبرَ الكاذبَ الذي صدر من شخص مسؤول
هناك، لا يمسّني أنا شخصياً فقط، بل ويمسّ الدولة التي هو وزير فيها، إذلا
يعقل أن يوافق حُكّامها - وهم مسلمون مثلي - على الطرد المزعوم، لا لسبب
يُذكر سوى أنني أقول: ﴿رَبِّي الله﴾، وأدعو إليه، وهو القائل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحَاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِيْنَ﴾، في الوقت
الذي يُسمح فيه للكفّار بالدخول إلى البلاد على اختلاف أديانهم وغاياتهم؟!
اللهمّ فإنّي إليك أشكو غربة الإِسلام وأهله، اللهمّ فأَعِزَّ المسلمين، وأَذِلَّ
الكافرين والمنافقين .
ثم إنّ من فريات تلك المذكرة قولها :
((إن هذه الجماعة تنكر المذاهب الأربعة))!
فأقول: هذا كذبٌ وزورٌ، فنحن نُقَدِّرُ الأئمةَ الأربعةَ - وكذا غيرهم -
حق قدرهم، ولا نستغني عن الاستفادة من علمهم، والاعتماد على فقههم،
دون تعصُّب لواحد منهم على الآخرين، وذلك مِمّا بَيّنته بياناً شافياً منذ أكثر
من ثلاثين سنة في مقدمة كتابي: ((صفة صلاة النبي ◌َّ من التكبير إلى
التسليم كأنك تراها))، فإليها أُحِيلُ من كان يريدُ التأكّد من كذب هذه الفرية.
وإنّ مِن أفرى الفِرى قولَها عطفاً على ما سبق :
((وتُشَكّك بسنة رسول الله وَّل عن طريق تكذيب أحاديث (!) الصحاح
المعتمدة، والتشكيك بصحة بعض الأحاديث النبوية الأخرى))!
فأقول: ﴿سُبْحَانَكَ هُذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ و ﴿إِفْكَ مُبِيْنٌ﴾، واعتداءٌ
جسيم على مسلم نذر نفسه ووقته وجهده لخدمة السنة والدفاع عنها والرد
على مخالفيها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقضى في ذلك أكثر من نصف
- ٦ -

قرن من الزمان، لا يَكَلّ ولا يَمَلّ، والحمد لله. وله في ذلك المؤلفات الكثيرة
التي يشهد بفائدتها وأهميتها كبارُ العلماءِ والأدباءِ، وينتفع بها الملايينُ من
طلاب العلم في كل البلاد الإِسلامية وغيرها، وقد أعيد طبع الكثير منها،
وبعضها يُنْبىء عن ذلك صريح اسمها، مثل ((دفاع عن الحديث النبوي))
و((منزلة السنة في الإِسلام، وأنه لا يُستغنى عنها بالقرآن))، و((الذِّبُّ الأحمد
عن مسند الإمام أحمد)» ولم يُطبع بعد، وهو في الرد على من نفى صحة نسبة
((المسند)) للإِمام أحمد، وغيرها كثير مما هو مطبوعٌ معروفٌ، وقد جمع أسماءً
الكثير منها بعضُ المُحِبِّين في كتبٍ ورسائلَ، وقفتُ وأنا أكتبُ هذه المقدمة
على واحدة منها مطبوعة بعنوان:
(سُلَّم الأماني في الوصول إلى فقه الألباني)).
وفي اعتقادي أن تلك المذكرة الجائرة، تُشير بهذه الفرية الباطلة إلى
جهودنا المستمرّة في خدمة السنّة المطهّرة التي منها بيانُ الأحاديث الضعيفة
والموضوعة، الدائرة على ألسنة كثير من الخطباء والمحاضرين والمدرسين
وغيرهم من خاصّة المسلمين وعامّتهم، متوهّمين أنها أحاديثُ صحیحةٌ،
وهي عند أهل العلم ضعيفةٌ أو موضوعةٌ، فَيَتَّهِمُهم الجُهّال بأنهم يُكَذّبون
بالأحاديث الصحيحة، والله المستعان.
وفي ختام هذا الردّ لا بُد لي من أن أَذَكّر صاحب تلك المذكرة وبطانته
إن كانوا مؤمنين بقول رب العالمين:
◌ْوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمٍ بِه بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً
مُبِيناً﴾ .
وبقوله بَيّة الثابت عنه - وهم لا يُكَذِّبُونَ بالأحاديث الصحيحة إن شاء
الله ! - :
- ٧ -

((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغَة الخبال حتى يخرج مما
قال، وليس بخارج)). (الصحيحة ٤٣٨ والإِرواء ٢٣١٨)، و(ردغة الخبال)
جاء تفسيرها في حديث آخر أنها : عصارة أهل النار. نسأل الله السلامة
والعافية في الدنيا والآخرة .
ذلك هو المثال الأول من أمثلة محاربة الدعاة إلى الكتاب والسنة؛
وتمييز صحيحها من ضعيفها .
والآن جاء وقت بيان المثال الآخر فأقول:
هناك في المغرب رجل ينتمي إلى العلم، وله رسائل معروفة ويزعم أنه
خادم الحديث الشريف، وهو الشيخ عبدالله بن الصدِّيق الغُماري وهو
يختلف عن الرجل الأول المشرقي من حيث إنه معروفٌ بعدائه الشديد منذ
القديم لأنصار السنّة، ولِكُلَّ من ينتمي إلى عقيدة السلف، مما يدل العاقل أنه
لم يستفد من الحديث إلا حمله! ولا أدل على ذلك من كتيب له طَبع في هذه
السنة (١٩٨٦) بـ(طنجة) بعنوان :
((القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع))!
أقول: إن كل من يقرأ هذا العنوان من القُرَّاء مهما كان اتّجاهه - يتساءل
في نفسه متعجباً: ماذا ارتكب الألبانيُّ من البدع - وهو المعروف بمحاربته
إياها في محاضراته وكتبه، ومن مشاريعه المعروفة (قاموس البدع)، وقد نص
على الكثير منها في فصول خاصة في آخر بعض كتبه، مثل بدع الجنائز،
وبدع الجمعة، وبدع الحج والعمرة، فما هي البدع التي جاء بها الألباني
حتى وصمه الغماري بـ((المبتدع))؟ مع أنه كان ﴿ أحقَّ بها وأهلها﴾، لأنه هو
المعروف بالابتداع في الدين، والانتصار للمبتدعة والطّرُفِيِّين، كما يشهد
بذلك كل من اطلع على شيء من رسائله، وحسب القارىء دليلاً على ما
- ٨ -

أقول؛ أنه شيخ الطريقة الشاذلية الدرقاوية الصديقية، وهو يفخر بذلك في
بعض كتاباته(١)، كما يفخر بأنه خادم السنة! وليته كان خادماً لها؛ بل نقنع منه
أن لا يكون من الهادمين لها!
فإذا بدأ القارىءُ بقراءة كُتّب الغُماري، فسرعان ما يبدو له أن موضوعه
حديثيّ مَحْض يرد فيه على الألباني بعض ما انتقده عليه في تعليقه على
رسالة: ((بداية السُّول في تفضيل الرسول ( له)) للإِمام العزّ بن عبدالسلام، من
بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وغير ذلك، وأنَّه لا علاقة له بالبدعة
كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانُه. ثم يتابع القارىءُ القراءة فيجد أن الشيخ
الغُماري كأنه شعر بأنه لم ينل من الألباني بغيته من التشهير به، وبيان جهله
الذي يرميه به في رده عليه من الناحية الحديثية، لذلك قفز إلى مناقشة
الألباني في بعض المسائل الفقهية، ففيها يجد المسألة التي من أجلها وَصَمَ
الغُماريُّ الألبانيَّ بـ (المبتدع)، أَلَا وهي قولُه بعدم شرعية زيادة كلمة (سيدنا)
في الصلوات الإِبراهيمية! اتباعاً لتعليمه وَّ أَمته إياها بقوله:
((قولوا: اللهم صل على محمد ... )).
وهنا يزداد القارىء اللبيب استغراباً، ويتساءل مجدداً: كيف يكون
مبتدعاً من التزم تعليم النبي ◌ّ، ولم يزد عليه شيئاً، ولا يكون الغُماري هو
المبتدع حقاً وهو لا يرى هذا الالتزام؟! بل هو ينكره على الألباني؟!
قلت: بل وعلى السلف جميعاً من صحابة وتابعين، وأئمة مجتهدين،
فإنّهم قدوتي في عدم شرعية ذلك، وبخاصة الحافظ ابن حجر الذي أفتى
بذلك، وقد نقلت فتواه في تعليقي على ((صفة الصلاة))، وختمها بقوله:
(١) انظر مقدمته على كتاب أخيه الشيخ أحمد: ((الحسبة)).
- ٩ -

((ولو كانت زيادة (سيدنا) مندوبة ما خفيت عليهم حتى أغفلوها،
والخير كله في الاتباع)).
وأشار الغُماري إلى فتوى الحافظ التي ذكرت خلاصتها في تعليقي
على ((فضل الصلاة على النبي (ِّر)) لإِسماعيل القاضي (ص٢٦)، وتعقب
الغماري هذه الخلاصةً بقوله (ص ٢٠ - ٢١):
((وهذا جمودٌ شديدٌ، وتزمُّتْ ممقوت ... ))، إلى آخر هرائه الذي ذكر
فيه حكاية عن فلاح لا تنطبق إلّ عليه، ثم قال:
((فنحن حين نذكر السيادة في الصلاة على النبي وَلّ لم نزدها من
أنفسنا(!) ولكن من قوله ◌َّ: ((أنا سيد ولد آدم)) ... والمبتدع الألباني وقع
في البدعة التي ينعاها علينا، وهو لا يشعر، لضعف فهمه وقلّة إدراكه، فهو
حين يُصَلّي على النبي بَّهَ في خطبة كتبه يُصَلّي على أصحابه معه، وزيادة
الصحابة بدعة، لِما تقدم بيانه)).
فتأمل أيها الأخ القارىء! إلى غرور هذا الرجل وجهله وإقدامه على
الاستدلال بالحديث المذكور على بدعته، فإنَّ لازِمَه أنَّ السلفَ كانوا غافلين
عن دلالتهِ، فما أحقّه بوعيد قوله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيِّنْ لَهُ الهُدَى وَيَتَبْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وَسَاءَتْ مَصِيرَاً﴾ .
١
وقد زاد عليه أخوه أحمدُ في ذلك، فألّف كتاباً يُغنيك اسمُه عن
مضمونه ودَلالةً على انحرافه عن السبيل وهو: «تشنيف الآذان باستحباب
السيادة في الصلاة والإِقامة والأذان))! ووافقه الغُماريُّ الصغيرُ على ذلك
(ص٥١) من رسالته التي سمّاها: ((إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة))!
على حد قوله مَله: (( ... يُسَمّونها بغير اسمها))!
١٠ -

ذلك قولُهم! وهم يعلمون أن الأذان وما ذُكِرَ معه توقيفيٌّ بوحي السماء،
وقد بَلَّغَهُ وَّرِ أصحابه وعلَّمهم إياه كما أُنْزِلَ، فلا يجوزِ التقدُّمُ بين يديه وَلّى
والزيادةُ عليه اتفاقاً، ولا إخال يخالف فيه إلا ضالّ مُضِلٍّ، حتى ولا صاحب
هذا الرد المفظع! فإنه قد صرح فيه بذلك، ولكنه - لجهله البالغ - وضعه في
غير موضعه، فقال (ص ٩ - ١٠):
((وننبه هنا على خطأ وقع من جماهير المسلمين، قلد فيه بعضهم بعضاً
ولم يتفطن له إلا الشيعة (!) ذلك أن الناس حين يُصَلّون على النبي
رساء
صَلى ◌َّهـ
يذكرون معه أصحابهُ، مع أن النبي ◌ََّ حين سأله الصحابةُ فقالوا: كيفَ
نُصَلّ عليك؟ أجابهم بقوله: ((قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد))،
وفي رواية: ((اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته))، ولم يأت في شيء من
طُرُق الحديث ذِكْرُ أصحابه. مع كثرة الطرق وبلوغها حدَّ التواتر، فذكر
الصحابة في الصلاة على النبي وَلّ زيادة على ما علّمه الشارع واستدراك عليه
وهو لا يجوز)).
قلتُ: ليس في هذا الكلام من الحق إلا قولك الأخير: أنه لا تجوز
الزيادة على ما علمه الشارع .. إلخ، فهذا حقٌّ نقولُ به ونلتزمُه، ما استطعنا
إلى ذلك سبيلاً، ولكن ما بالك أنت وأخوك خالفتم ذلك، واستحببتم زيادة
كلمة (سيدنا) في الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم ولم تَرِدْ في شيء من
طُرُق الحديث؟! أليس في ذلك استدراك صريحٌ عليه صلى الله عليه وآله
وسلم يا من يدَّعي تعظيمه بالتقدُّم بین یدیه؟!
أمّا سائر كلامك فباطل لوجوه :
الأول: أنك أثنيت على الشيعة بالفِطْنة، ونَزَّهْتَهُمْ عن البدعة، وهم
فيها من الغارقين الهالكين، واتّهَمْتَ أهلَ السنة بها وبالبلادة والغباوة، وهم -
- ١١ -

والحمد لله - مُبَرَّؤن منها، فحسبُك قولُه وَله في أمثالك: ((إذا قال الرجل:
هَلَك الناس فهو أهلكهم)). رواه مسلم.
الثاني: أنك دلَّسْتَ على القُرّاء، فأوهمتهم أن الحديث بروايتيه هو
مختصر كما ذكرته ليس له تتمة، والواقع يُكَذَّبك، فإنّ تتمتّه في ((الصحيحين))
وغيرهما :
((كما صلَّيت على إبراهيم ... ، اللهم بارك على محمد ... )) إلخ
الصلوات الإِبراهيمية المعروفة عند كل مُصَلَّ، ومذكورة في ((صفة الصلاة)).
الثالث: فإنْ قلتَ: فاتني التنبيهُ على تمام الحديث.
قلنا لك: هَبْ أنّ الأمرَ كذلك - وما أظنّ - فاستدلالُكَ بالحدیث حينئذ
باطلٌ، لأنّ أهل السنة جميعاً الذين اتَّهَمْتَهم بما سبق لا يذكرون أصحابه وَّل
في هذه الصلوات الإِبراهيمية!
الرابع: فإنْ قلتَ: إنّما أعني ذكرهم الصحابة في الصلاة على النبي
وآله في الخطب!
قلنا: هذا وإن كنت قد صرحتَ به في آخر رسالتك (ص ٢١) ونقلتُه
عنك فيما سبق (ص ١٠) - فإنه لا يساعدك على إرادةِ هذا المعنى استدلالُك
بالحديث لكونه خاصّاً بالصلاة لا الخطبة كما بيَّنْتُ آنفاً، وقولك في آخر
تنبيهك المزعوم :
((فذكر الصحابة في الصلاة على النبي _* زيادة على ما علمه الشارع،
واستدراك علیه وهو لا يجوز)).
حقاً إن ذلك لا يجوز، ولكن أين تعليمه الصلاة عليه في خطبة الكتاب
.
الذي ذُكر فيه هو ◌َّ وآله دون الأصحاب، حتى يكون ذكرهم زيادة واستدراكاً
- ١٢ -

عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين؟!
الخامس: فإنْ قلتَ: إنما استدللتُ بالحديث لقوله وَّ: «قولوا: اللهم
صل على محمد ... ))، فعَمَّ ولم يخص صلاة ولا غيرها.
فأقول: هذا العموم المزعوم أنت أول مخالف له، لأنه يستلزم الصلاة
عليه ◌َّلة بهذه الصلوات الإبراهيمية كلما ذكر عليه الصلاة والسلام، وما
رأيتك فعلت ذلك ولو مرة واحدة في خطبة كتاب أو في حديث ذكر فيه النبي
وَّه ، ولا عَلِمْنَا أحداً من السَّلَف فعل ذلك، والخير كلَّه في الاتباع، والسرُّ في
ذلك أنَّ هذا العمومَ المُدَّعى إنما هو خاصٍّ بالتشهُّد في الصلاة كما أفادَتّهُ
بعضُ الأحاديث الصحيحة، ونبَّه عليه الإِمامُ البيهقيُّ فيما ذكره الحافظ في
((فتح الباري)) (١٥٤/١١ - ١٥٥ - الطبعة السلفية)، فَلْيراجِعْه مَن شاء،
ولذلك كنتُ اخترتُ الصلاة عليه وَلّ بهذه الصلوات الإِبراهيمية في كل
تشهُّد؛ وسط وأخير، وهو نصّ الإِمام الشافعي كما تراه في ((صفة الصلاة))
(ص ١٨٥) مشروحاً.
وكيف يمكن أن يكون هذا الاستدلالُ صواباً وفيه ما سبق بيانهُ من
المخالفاتِ والمنكراتِ؟ مع أنه لم يَقُلْ أحدٌ من أهل العلم ببدعيّة ذكر
الصحابة معه سير في الصلاة عليه تبعاً كما تزعم أنت، بل ما زالوا يذكرونهم
في كُتُبهم سَلَفاً وخَلَفاً، كالإِمام الشافعي في ((رسالته)) على ما ذكره الحافظ
السَّخاوي في ((القول البديع))، والرافعي والشيرازي والنّووي وابن تيمية وابن
القيِّم وابن حَجَر، وغيرهم كثير وكثير جداً لا يمكن حَصْرُهم، ما زال كل
واحد منهم ((يصلي على النبي ◌َّ في خطبة كتبه، يصلي على أصحابه معه))
كما أفعل أنا أحياناً؛ اقتداءً بهم، وبخاصة أن الحافظ ابن كثير نقل في
((تفسيره)) الإِجماع على جوازه، ومع ذلك كُلّه رميتني بسبب ذلك بدائك
- ١٣ -

وبدَّعتني، أفهؤلاء الأئمّة مبتدعةٌ عندك! ويحك، أم أنت تزن بمیزانین وتكيل
بِكَيْلين؟! وماذا تقولُ في أخيك الشيخ أحمد فإنّه أيضاً يفعل مثلي في خُطب
بعض كتبه، مثل كتابه ((مسالك الدلالة)) ورسالته في القبض، أتراه مبتدعاً
أيضاً؟ يمكن أن يكون كذلك في غير هذه المسألة، أمّا فيها فلا، وكذلك فعل
أخوك الآخر المُسَمّى عبدالعزيز في خطبة كتابه ((التحذير)) وكتابه ((تسهيل
المَدْرَج إلى المُدْرَج)) أمبتدعٌ هو أيضاً؟! بل هو ما حَقّقْتَه أنت بذاتك في
رسالتك ((الأربعين الصدِّيقية)) وخاتمة رسالتك الأخرى في ((الاستمناء))! فما
قولُ القراء في هذا الرجل المُتَقَلِّب كالحِرْباء؟!
وخلاصة الكلام في هذا المقام: أن الغُماري اتفق مع أخيه على
استحباب ذكر كلمة (سيدنا) في الصلوات الإِبراهيمية، مع كونها زيادة على
تعليمه وَالّ واستدراكاً عليه! وهو لا يجوزُ في صريح كلامه !!
وتفرَّد هو خلافاً لأخويه وجماهير العلماء من قبل ومناقضةً لنفسه - على
إنكار ذكر الصحابة مع النبي في الصلاة عليه في الخُطبة، وزعم أنه بدعةٌ،
وأنّي لِفعلي ذلك مبتدعٌ عنده! وهو يعلم أن النبيَّ وََّ كان يُصَلّي على
أصحابه بمناسبات مختلفة، ومن ذلك حديث ((كان إذا أتاه قومٌ بصدقتهم
قال: ((اللهم صلِّ عليهم))، فأتاه أبو أَوْفى بصدقتهِ فقال: ((اللهم صَلِّ على آل
أبي أوفى)). رواه الشيخان وغيرهما، وهو مُخَرَّج في ((الإِرواء)) (٨٥٣)
وغيره. ولا دليل على أن ذلك من خصوصياته وَلّ، بل قد صح عن ابن عمر
أنه كان يقول في الجنازة: ((اللهم بارك فيه وصل عليه، واغفر له، وأورده
حوض رسولك ... )). رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤١٤/١٠)،
وسنده صحيح على شرط الشيخين .
وبعد هذا كله، فإني أرجو أن يكون ظهر للقراء جميعاً من هو
- ١٤ _

(المبتدع)؟ وأنه يجوز لي أن أتمثل بالمثل السائر: ((رمتني بدائها وانسلّت)).
ثم إني أعتذر إليهم، فقد طال البحث مع هذا الرجل في هذه المسألة
وبيان جهله وزغله فيها أكثر مما كنت ظننت، ولكن لعلّ الأمر كما قال تعالى :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ولعل من الخير أن يأخذ منه القراءُ
مثالاً صالحاً لطريقة معالجة هذا الرجل لبعض المسائل الفقهية، ومبلغ علمه
فيها، وصورةً عن أسلوبه في رَدّه على من يخالفُه في الرأي، وكثرة نبزه إياه
بشتى الألقاب، خلافاً لقول الله تعالى في القرآن: ﴿وَلَا تَنَابَرُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ
الإِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُوْنَ﴾، وحسبك
من ذلك عنوان کتیِبه! وأما ما في جوفه مما قاء به فشيءٌ ما رأيته ولا سمعته من
فاجر فاسق مثل رميه إياي بـ (اللمز، والتجهيل، والسّفه، والوقاحة، والزعارّة،
والعَرَامة القبيحة، والضلالة العمياء، والافتراء، والبهت، والكذب)، وغير
ذلك مما لا يُتَصَوَّرُ بذاءةً وفحشاً، مما لا فائدة للقارىء من نقل كلامه في ذلك
إلّ الأسى والحزن على حال بعض العلماء في هذا الزمان، ولكن لا بُدَّ من
نقل شيء منه حتى لا يظنَّ ظانَّ ظنَّ السَّوْءِ، قال (ص١٩) عامله الله بما
يستحقُّ :
(وقد أخطأ من زَعَمَهُ وهابيّاً بل هو أعمقُ من الوهابيين تعصُّباً وأشدُ
منهم تَعَنّتاً، وأجمدُ على بعض النصوص بغير فهم، وأكثر ظاهرية من ابن
حزم، مع سلاطةٍ في اللسان، وصلابة في العناد لا تخطر بخلد إنسان، وهذا
شعارُ أدعياء السنة والسلفيّة في هذا الزمان))!
قال :
((وَبَلَغنا عنه أنه أفتى بمنع إعطاء الزكاة للمجاهدين الأفغانيين نصرهم
الله ... ))، إلخ هرائه وافترائه. قال:
- ١٥ -

((فما بالُ هذا الألبانيِّ المبتدع يُفَرّق بين المسلمين ويُضَلّل
جمهورهم ... ولم يَبْقَ من المسلمين سُنَُّّ إلا هو ومَنْ على شاكلتهِ من
الحشوية والمُجَسِّمة الذين ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق بجلاله)).
أعودُ مرة أخرى لأقول: ﴿سُبْحَانَكَ هُذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ و ﴿إِفْكٌ
مُبِيْنٌ﴾ .
ولا مجالَ للردِّ عليك في هذه الفريات والأكاذيب سوى أَنْ أخاطبك
بقول الله تعالى للمشركين واليهود: ﴿قُلْ هَاتُوْا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمِ صَادِقِيْنَ﴾
ولن تستطيعَ إلى ذلك سبيلاً، إلّ إن استطاع المشركون واليهودُ أَن يأتوا
ببرهانهم!
وإنَّ من عدل الله تعالى وحكمتهِ في الظالم الفاسق من عباده أن يُجري
على لسانه ما يدلّ الناس على كذبه وبهتانه، مثل قول الغُماري:
((وَبَلَغنا ... ))، فإنه مخالفٌ لصريح الآية: ﴿يَا أَيُّها الّذِيْنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيِّنُوا ... ﴾، فلو أن الغُماريَّ كان مؤمناً حقاً لاستجاب لأمر ربه
ولتبين له أن ما بلغه كذبٌ أيضاً وزورٌ، وهذا أقولُه إذا لم يكن هو مصدرَ هذه
الفرية أيضاً، فإنها ليست بأخطر من سابقاتها! عامله الله بما يستحق، فإن
الذي أفتيتُ به خلافُ ما ادّعاه (١)، والله المستعان.
وقد يتساءلُ بعضُ القُرَّاءِ عن السبب الذي حمل هذا الغُماريَّ على
ارتكاب كل هذه الرزايا والمخازي؟
فأقول: لا أعلم لذلك سبباً يُذكر، إلّ عداءَه الشديدَ لأنصار السنة
والداعين إليها، والمعروفين في بعض البلاد بـ (السلفيّين). فهو يبغضهم
بُغضاً شديداً، ويحقد عليهم حقداً بالغاً، فهو عليهم (أحقد من جَمَل) كما
(١) وقد نشر شيء من ذلك في بعض المجلات، مثل ((التوحيد)) المصرية، و((الجامعة
السلفية)» الهندية، وسجل في بعض الأشرطة.
- ١٦ -

جاء في المَثّل، ولذلك رماهم بالحشوية وبالتجسيم، كما فعل أسلافهُ من
الجهميّة والمُعَطّلة منذ القديم، وخَصّني أنا من بينهم فاتّهمني بمختلف
الأكاذيب، وبالتفريق والتضليل! وما نقلته عنه من التّهم دليلٌ واضحٌ على أنَّ
هذا إنما هو صفته، فالله حسيبه.
ولعلَّ القراء يلاحظون معي اتفاق هدفِ الغُماريّ هذا، مع هدف ذاك
الوزير الصوفي في التهويش، وإثارة الناس على السَّلفيين عامة، وعَلَيَّ
خاصة، وفي هذه السنة بالذات، فهل كان ذلك عن اتفاق سابق بينهما في
مكان ما، كما قال عز وجل: ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمُ طَاغُوْنَ﴾، أم الأمر
كما قال في آيةٍ أخرى: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؟!
وفي اعتقادي؛ أن الذي حمله على أنْ خَصَّني بتلك الحملة الشّعْواء
العمياء أنني كنت انتقدتُه لأوّل مناسبةٍ عَرَضَتْ لي، وذلك في مُقَدّمتي الرسالة
العزّ بن عبد السلام: ((بداية السُّول في تفضيل الرسول بِل﴾))، في بعض ما
علّقه هو عليها من قبل، فلما وقف على نقدي هذا، وتبيّن له صوابُه، لم يَسَعْهُ
إلا أن يعترفَ ببعضهِ، ولكنْ بطريقةٍ خبيثةٍ، يُخفي بها على القُرَّاءِ أنه مما
استفاده من نقدي! وسكت عن بعض وزاغ عنه، فلم يتعرّض له بذكر! ولا
يخفى على القراء، أن معنى ذلك أنه معترفٌ أيضاً بصواب نقدي إياه فيه
أيضاً، وأنه حقٌّ، ولكنه مع ذلك فقد كتمه، فَصِفَةٌ مَنْ تكونُ هذهِ يا أيّها
الغُماري؟، والله عزّ وجل يقولُ في كتابه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوْا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ
وَتَكْتُمْوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾. وقال: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُوْنَ الحَقَّ
بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾؟!
وفي بعضٍ آخر زاغ عن الحقّ، وجادل بالباطل، وبطريقةٍ فيها الكثيرُ
من اللفّ والدَّوَران.
- ١٧ -

ولا بُد لي من بيان ذلك ولو طال بنا الكلام، فإنه هو المقصود من الرد
على هذا الرجل في هذه المقدمة، وما قبله كان من قبيل التوطئة له، والله
المستعان .
وقبل الشروع في ذلك، لا بأس من التنبيهِ على أن نقدي للغُماري لم
يكن فيه شيءٌ من التهجُّم عليه، ولا لَمَزْتُهُ بأشياءَ حصلت في تلك الرسالة كما
زعم في مقدمة كتِّّهِ الصغير، اللهمّ إلّا إن كان يَعُدُّ الردَّ العلميَّ، وبيانَ
أوهامِ مَنْ يُخَلِّط في هذا العلم، تَهَجِّماً وَلَمْزاً؛ فقد فعلتُ ذلك، وهو شأنُ
أهلِ العلم دائماً، كما قال مالك رحمه الله تعالى: ((ما منّا من أحدٍ إلا رَدَّ ورُدَّ
عليه إلا صاحب هذا القبر ﴿))، فكيف إذا كان المردودُ عليه من أهل الأهواء
يَدّعي ما لا علم له به؟ كهذا الرجل المعجب بعلمه الذي سمح لمن طبع
رسالته في الكبائر أن يُلَقَّبه بـ (الإِمام الحافظ)! بل قال هو عن نفسه في
مقدمتها! أنه تمكن في علم الأصول، وَبَرَّز فيه على الشيوخ؛ بله الأقران!
وقال فيها مُتَعالياً على العلماء:
((وهذا بحثٌ مهمّ، يجهله كثيرٌ من أهل العلم))!
عجيبٌ - والله - أمرُ هذا الرجل، يتبجّح بكل هذا، ثم يرميني به دون
ما خجل أو حياء. انظر كتيبه الصغير (ص ١٢).
ومناقشتي إياه - فيما تقدم - حول استحبابه زيادة كلمة (سيدنا) في
الصلوات الإِبراهيمية، واستنكاره الصلاة على الصحابة، قد بيَّنْتُ للقراء
مَبْلَغَهُ من العلم ومعرفتَه بالفقه، وأنه دَعِيٌّ في هذا التبجُّح ونحوه، والآن أبدأ -
بإذنه تعالى - ببيان ما وعدتُ به آنفاً، وشرح موقفه تجاه نقدي السابق إياه،
وبذلك يظهرُ أيضاً للقراء جميعاً أنَّ علمه في الحديث وأصوله، كعلمه في
الفقه وأصوله، ولولا تلك الأكاذيبُ والأباطيلَ التي رماني بها لما استحسنت
- ١٨ -

أن أَذَكَّرَ القراء بقول الشاعر في مثله وهو يصدق عليه :
بِجَيِّدها إلا كعلم الأَبَاعِ
زَوَامِلُ للَّشْعارِ لا عِلْمَ عِنْدهم
بأحمالهِ أَوْراح ما في الغَرَائِرِ
لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي البعيرُ إذا غَدَا
لقد كان نقدي على الغُماريِّ محصوراً في خمسة مواضيعَ، أَلَخْصُها
هنا بما يلي :
الأول: أنه لا يُعْنى ببيان مرتبة الأسانيد والأحاديث من صِحّة أو ضعف
إلا نادراً، مع أن ذلك هو المقصودُ من التخريج .
الثاني: أنه يعتمد على تحسين الترمذي، وظنّ به أنه يعلم تساهله
فيه ...
الثالث: إهماله تخريج بعض الأحاديث، ولعلّ ذلك كان سهواً منه،
بعضها في ((الصحيحين)).
الرابع: يعزو بعض الأحاديث لغير المشاهير كأصحاب ((الصحاح))
و((السنن)).
الخامس: تقويته لحديث ابن مسعود: ((الخلق كلهم عيال الله ... ))
بقوله: ((إسناده جيد))! مع أنّ فيه متروكاً، وكحديث: ((أنا سيد ولد آدم، وعلي
سيد العرب)). فإنه قال: ((حديث ضعيف، خلافاً لقول الذهبي: إنه
موضوع)).
فماذا كان جوابُ الغُماري على نقدي هذا؟ لم تُساعده نفسه الأمّارة
بالسوء على الإِجابة العلمية الهادئة، فقد افتتح الجواب باتّهامه إياي ببعض
تُهمه الكثيرة المُتَقَدّمة، فزعم أنّني تهجّمتُ عليه وَلَمَزْتُه! وهذا كذبٌ واضحٌ
لمن تأمّل تأُّبي معه وتَلَمُّسي له العذر بقولي: ((وظنّي به أنه يعلم ... ))،
- ١٩ -

وقولي : ((ولعلّ ذلك كان سهواً))، فضاع - مع الأسف - الأدبُ معه، وجزاني
جزاء سِنَمار!
وإليك الآن جوابَه عن تلك المواضيع، لتزدادَ معرفةٌ بعلمهِ في هذا
المجال أيضاً، وبخُلُقه كذلك :
١ - لقد اعترف بما ذكرتُه ولم يحاولِ الزَّوَغان عنه - كما هي عادتُه -
ولكنه سوّغ ذلك بقوله:
((لم أُبَيِّن الأسانيد، لأنّ الرسالةَ في الفضائل النبويّة، ولتلكَ الأحاديث
ما يُؤيّدها من القرآن والسنة الصحيحة. على أن ممّا قرره العُلماء ... جواز
العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب ما لم يكن موضوعاً ... )).
وجواباً عليه أقولُ:
أولاً: هذا عذرٌ أقبحُ من ذنب كما يُقال، لأنّ كون الأحاديث في
الفضائل ... كما زعمتَ، لا يمنعك - لو استطعتَ - من بيان مراتبها كما لم
يَمْنَعْك ذلك من تخريج الكثير منها .
ثانياً: لقد أَنْبَتُّ لك أنّ هذا الذي فعلتَه هو من باب الاشتغال بالوسيلة
عن الغاية، وأنّ ذلك ليس من شأن المتمكن في هذا العلم الشريف.
وضربتُ لك هناك مثلاً بالذي يتوضّأ ثم لا يُصَلّي. فما بالك أعرضتَ عن
الجواب عنه، ولم تَنْبس ببنت شَفة حوله؟! أليس هذا اعترافاً منك أنك لست
منهم؟!
ثالثاً: أمّا استرواحُك إلى ما نَسَبْتَه للعلماء من جواز العمل بالضعيف
في الفضائل، فهو من خَلْطك وزَوَغانك الذي عُرِفْتَ به في ردودك، وبيان
ذلك من وجهین :
- ٢٠ -