النص المفهرس

صفحات 381-400

((شهدنا الجمعة مع رسول اللّه يَ له فقام متوكثاً على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى
عليه ... )) الحديث .
أخرجه أبو داود (١٧٢/١) بسند حسن وكذا البيهقي (٢٠٦/٣) وأحمد وابنه في
زوائد ((المسند)) (٢١٢/٤)، قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٣٧):
((وإسناده حسن ، فيه شهاب بن خراش ، وقد اختلف فيه ، والأكثر وثقوه وقد صححه
ابن السكن وابن خزيمة )) .
٢ - عن عبد الله بن الزبير.
(( أن النبي ◌ُّ اللّهِ كا يخطب بمخصرة في يده)).
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٧٧/١) وأبو الشيخ (١٥٥) بسند رجاله ثقات ، غير
أن فيه ابن لهيعة ، سيء الحفظ .
٣ - عن عبد الله بن عباس قال:
(( كان رسول اللّه ◌َ لّه يخطبهم يوم الجمعة في السفر، متوكثاً على قوس قائماً)).
رواه أبو الشيخ (١٤٦ ) بسند واهٍ جدا ، فيه الحسن بن عمارة وهو متروك .
٤ - عن سعد القرظ المؤذن
((أن رسول اللّه عَ لَّه كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، واذا خطب في الجمعة
خطب على عصا)).
أخرجه البيهقي (٢٠٦/٣)، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عماروهو ضعيف .
٥ - عن عطاء يرويه عنه ابن جريج قال :
((قلت لعطاء: أكان رسول اللّه ◌َ له يقوم على عصا إذا خطب؟ قال: نعم، كان يعتمد
عليها اعتمادا)).
أخرجه الشافعي في ((الأم)) (١٧٧/١) وفي ((المسند)) (١ /١٦٣) والبيهقي من طريقين
عن ابن جريج به ، فهو إسناد مرسل صحيح ، وأما قول الحافظ :
((رواه الشافعي عن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلاً، وليث ضعيف)).
فوهم منه تبعه عليه الشوكاني (٢٢٨/٣)، فليس الحديث عنده بهذا الإسناد ، ثم لو
كان كذلك فهو ضعيف جداً، لأن إبراهيم - وهو ابن أبي يحيى الأسلمي - أشد ضعفا من
الليث ، فانه متهم بالكذب .
وجملة القول: أنه لم يرد في حديث أنه سَ لّه كان يعتمد على العصا أو القوس وهو على المنبر،
فلا يصح الاعتراض على ابن القيم في قوله: إنه لا يحفظ عن النبي ◌َ له بعد اتخاذه المنبر أنه
كان يرقاه بسيف ولا قوس وغيره ، بل الظاهر من تلك الأحاديث الاعتماد على القوس إذا خطب
على الأرض ، والله أعلم .
٣٨١

فإن قيل : في حديث الحكم بن حزن المتقدم أنه شهد النبي ◌َ لّم في خطبة الجمعة متوكثاً
على عصا أو قوس . وقد ذكروا في ترجمته أنه أسلم عام الفتح ، أي سنة ثمان ، وأن المنبر عمل
له سنة سبع فتكون خطبته مَ الله المذكورة على المنبر، ضرورة أنه رآه يخطب بعد أن اتخذ له المنبر،
وهذا ظاهر مع تذكر أنه لا يعلم أن النبي صَ لّهِ صلى الجمعة في غير مسجده ◌َ له.
قلت : هذا الاستنتاج صحيح لو أن المقدمتين المذكورتين ثابتتان ، وليس كذلك ، أما
الأولى : وهي أن الحكم أسلم عام الفتح ، فهذا لم أرمن ذكره ممن ألف في تراجم الصحابة
وغيرهم، وإنما ذكره الصنعاني في ((سبل السلام)) (٢ /٦٥) عند الكلام على حديثه المتقدم ،
فقال :
((قال ابن عبد البر: إنه أسلم عام الفتح ، وقيل: يوم اليمامة . وأبوه حَزْن بن أبي وهب
المخزومي)).
وقد رجعت إلى كتاب ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، فلم أره ذكر ذلك . ثم عدت إلى
الكتب الأخرى مثل ((أسد الغابة)) لابن الأثير، و((تجريده)) للذهبي، و((الإصابة)) و((تهذيب
التهذيب)) للعسقلاني، فلم أجدهم زادوا على ما في ((الاستيعاب))! فلوكان لذلك أصل
عند ابن عبد البرلما خفي عليهم جميعاً ، ولما أغفلوه ، لا سيما ، وترجمته عندهم جرداء ليس
فيها إلا أنه روى هذا الحديث الواحد ! (١) ثم إن في حديثه ما قد يمكن أن يؤخذ منه أن إسلامه
قد كان متقدماً على عام الفتح فإنه قال :
((وفدت إلى رسول اللّه ◌َ لل سابع سبعة أو تاسع تسعة، فقلنا: يا رسول اللّه زرناك فادع الله
لنا بخير، فأمربنا ، أو أمر لنا بشيء من التمر ، والشأن إذ ذاك دون ، فأقمنا أياماً شهدنا فيها الجمعة
مع رسول اللّه ◌َ له ... )) الحديث.
فقوله: ((والشأن إذ ذاك دون)) يشعر بأنه قدم عليه مَ لٍ والزمان زمان فقر وضيق في العيش،
وليس هذا الوصف بالذي ينطبق على زمان فتح مكة كما هو ظاهر، فإنه زمن فتح ونصر وخيرات
وبركات، فالذي يبدولي أنه أسلم في أوائل قدومه مَ لّه إلى المدينة. والله أعلم.
وقول الصنعاني: ((وأبوه حزن بن أبي وهب المخزومي)) خطأ آخرٍ، لا أدري كيف وقع
له هذا والذي قبله ، فان حزن بن أبي وهب قرشي مخزومي وليس كُلّفياً. وهو جد سعيد بن
المسيب بن حزن .
وأما المقدمة الأخرى وهي أن المنبر عمل له عَ لَّه سنة سبع، فهذا مما لا أعلم عليه دليلا
إلا جزم ابن سعد بذلك ، ولكن الحافظ ابن حجر لم يسلم به ونظر فيه لأمرين ؛ أصححهما
أنه خلاف ما دل عليه حديث ابن عمر :
((أن النبي ◌َّ الله لما بَدَّن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع أو يحمل
عظامك ؟ قال: بلى. فاتخذ له منبراً مرقاتين)).
(١) ثم إنه كلْفي، نسبة إلى كلفة بن عوف بن نصربن معاوية بن بكر بن هوازن ، فليس مخزومياً .
٣٨٢

أخرجه أبو داود (١ /١٧٠) بسند جيد كما قال الحافظ (٣١٨/٢).
وتميم الداري إنما كان إسلامه سنة تسع ، فدل على أن المنبر انما اتخذ في هذه السنة
لا قبلها . ولكن قال الحافظ .
((وفيه نظر أيضا لما ورد في حديث الإفك في ((الصحيحين)) عن عائشة قالت: ((فثار
الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتلوا. ورسول الله عَ ليه على المنبر فخفضهم حتى سكتوا)).
فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصح مما مضى)).
ويشير الحافظ بهذا إلى أن قصة الإفك وقعت في غزوة المريسيع سنة أربع أو خمس على
قولين، ورجح الحافظ (٣٤٥/٧) الثاني ، وعليه فقد كان المنبر موجودا في السنة الخامسة ،
فهو يعارض ما دل عليه حديث تميم ، فلا بد من التوفيق بينهما ، وذلك بحمل ذكر المنبر في
حديث الإفك على التجوزكما ذكره الحافظ . والله أعلم .
وسواء ثبت هذا الجمع أو لم يثبت ، فيكفي في الدلالة على عدم صحة ذلك الاستنتاج
ثبوت ضعف المقدمة الأولى وهي كون الحكم بن حزن أسلم سنة ثمان . والله أعلم .
٩٦٥ - (إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح . قالوا : فهل
لذلك إمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحي عن دار
الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت ) .
ضعيف . روي من حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ، ومن حديث الحسن
البصري ، وأبي جعفر المدائني كلاهما مرسلاً .
١ - أما حديث ابن مسعود ، فله عنه ثلاث طرق :
الأولى : عن سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني : حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي
عبد الرحيم عن زيد بن أبي أُنْيْسَة ، عن عمروبن مرة عن أبي عبيدة عنه .
أخرجه ابن جرير (١٢ /١٠٠ / ١٣٨٥٥).
قلت : وهذا سند ضعيف ، وفيه علتان :
أ - ضعف الحراني هذا ، ضعفه الدارقطني وغيره .
ب - الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود فإنه لم يسمع منه .
الثانية : عن عدي بن الفضل ، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ، عن القاسم بن
عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود .
أخرجه الحاكم (٣١١/٤) ساكتاً عنه ، وتعقبه الذهبي بقوله :
(( عدي ساقط )).
قلت : قال ابن معين وأبو حاتم :
((متروك الحديث)).
٣٨٣

قلت : وشيخه المسعودي كان اختلط ، واسم جده عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي .
الثالثة : عن محبوب بن الحسن الهاشمي عن يونس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة
عن عبد الله بن مسعود به نحوه .
أخرجه ابن جرير ( رقم ١٣٨٥٧ ) .
قلت : وهذا سند ضعيف ، محبوب هذا ۔۔ وهو لقبه واسمه محمد - مختلف فيه . قال ابن
معين : ليس به بأس ، وقال أبوحاتم : ليس بقوي ، وقال النسائي : ضعيف . وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وروى له البخاري متابعة .
وأما الراوي عنه يونس فهوابن عبيد ، ثقة من رجال الشيخين ، وهو أكبر سناً من المسعودي ،
فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وأما ابن عتبة فهو المسعودي الذي في السند الذي قبله . وقد أشكل هذا على الأستاذ الأديب
محمود محمد شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير من جهة أنهم لم يذكروا في الرواة عنه يونس
بن عبيد ، مع كونه في طبقة شيوخ المسعودي ، فلو كان يونس روى عنه لذكرمثل ذلك في ترجمة
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة .
ثم رجح أن الصواب ((عن يونس عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عتبة)). وهو عبد الله
بن عتبة بن مسعود الهذلي ، وليس هو والد عبد الرحمن كما هو ظاهر من نسبهما . قال الأستاذ
مبرراً لترجيحه :
((وهو الذي يروي عن عمه ((عبد الله بن مسعود)) وولد في عهد النبي عَ اله ورآه ومات
سنة ( ٧٤) ، فهو الخليق أن يروي عنه يونس بن عبيد)).
قلت : هكذا قال ، وأنا أرى أن ذلك بعيد عن الصواب لوجوه :
أولاً : أن الاشكال من أصله غير وارد ، لأنه إنما يمكن القول به على فرض صحة السند
بذلك ، أما وهو ضعيف من أجل محبوب ، فلا إشكال لأنه يمكن أن يقال حينئذ : أخطأ محبوب
في تسمية شيخ يونس ، ولا ضرورة بعد ذلك إلى محاولة الكشف عن خطاه وبيان الصواب فيه
بمجرد الظن كما صنع الأستاذ .
ثانيا : إن حضرته في سبيل الخلاص من إشكال ، وقع في إشكال آخر وهو تصويبه أنه
من رواية يونس بن عبيد عن عبد الله بن عتبة الذي توفي سنة ( ٧٤) ، وقد ذكر هو نفسه أن يونس
ابن عبيد مات سنة ( ١٤٠) والصواب أنه مات قبل ذلك بسنة . وعلى ذلك فتبين وفاتيهما ( ٦٥ )
سنة، فکم کان سن يونس حين وفاة ابن عتبة؟ ذلك مما لم يصرحوا به ، ولکن یمکن استنتاج ذلك،
من قول حميد بن الأسود ((كان أسن من ابن عون بسنة )، وإذا رجعنا إلى ترجمة ابن عون واسمه
عبد الله وجدنا أن مولده كان سنة (٦٦) فإذن مولد يونس يكون سنة (٦٥) فإذا طرحنا هذامن
٣٨٤

(٧٤) سنة وفاة ابن عتبة عرفنا أن سن يونس حين وفاة ابن عتبة انما هو تسع سنين ، فهل يمكن
لمن كان في مثل هذه السن ان يتلقى العلم عن الشيوخ ويحفظه ؟ لسنا نشك أن ذلك ممكن ،
ولكنه بلا ريب شيء نادر، فادعاء وقوع مثله مما لا تطمئن النفس إليه إلا إن جاء ذلك بالسند
الصحيح فيما نحن فيه ، وهيهات ، فإنه لو ثبت أن يونس بن عبيد روى عن ابن عتبة لذكروا
ذلك في ترجمته ، لأنه يكون إسناداً عاليا ، لا يغفل مثله عادة لوصح ، وقد ذكروا فيها كثيراً
من شيوخه من التابعين، أقد مهم وفاة حصين بن أبي الحر، عاش إلى قرب التسعين وإبراهيم التيمي
مات سنة (٩٢) فهما أكبر شيوخه ، وابن عتبة اكبر منهما بستة عشر عاما وأكثر، فلو كان من
شيوخه لذكروه فيهم إن شاء الله تعالى .
ثالثا : قد كشفت الطريق التي قبل هذه أن راوي الحديث إنما هو عبد الرحمن بن عبد الله
المسعودي ، فهي متفقة مع هذه الطريق في تسمية الراوي به ، ولكن اختلفتا في الرواية عنه
فالأولى قالت : عنه عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود . فوصلته وهذه قالت عنه
عن ابن مسعود ، فأعضلته ، وأسقطت من السند راويين ، ولا شك ان هذه الطريق على ضعفها
أقرب إلى الصواب من التي قبلها .
وجملة القول أن هذه الطريق ضعيفة أيضا لإعضالها وضعف محبوب راويها .
والحديث قال السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٤/٣ ):
((أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي
في ((الشعب)) من طرق عن ابن مسعود مرفوعا)).
وقال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١ /٨٢):
((رواه الحاكم والبيهقي في ((الزهد)) من حديث ابن مسعود)).
ثم سكت عليه ! وما كان يحسن به ذلك لما عرفت من شدة ضعف إسناده .
٢ - واما حديث ابن عباس ، فيرويه حفص بن عمر العَدَني: ثنا الحكم بن أبان عن
عكرمة عنه مرفوعا نحوه .
أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١/١٠٨/٣) (١).
وهذا سند ضعيف وله علتان .
الأولى : الحكم بن أبان ضعيف الحفظ، وفي ((التقريب)) :
((صدوق له أوهام )) .
والأخرى : حفص بن عمر العدني ، ضعيف جداً ، قال ابن معين والنسائي :
(( ليس بثقة)) . وقال العقيلي :
(( يحدث بالأباطيل ))، وقال الدارقطني :
((متروك)).
(١) يوجد منه مجلدان في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة .
٣٨٥

قلت : فهوآفة الحديث . وقد فات هذا الإسناد جماعة من الحفاظ المخرجين ، فلم يذكروه
ولا أشاروا إليه البتة ، كالحافظ ابن كثير والسيوطي وغيرهما ، فالحمد لله الذي يسرلي طريق
الوقوف عليه ومعرفة حاله .
٣ - وأما حديث الحسن البصري ، فلم أقف على إسناده ، وانما ذكره السيوطي من
تخريج ابن أبي الدنيا في ((كتاب ذكر الموت)» عنه مرسلا نحوه . وهو لم يتكلم على إسناده كما
هي عادته ، وذلك من عيوب كتابه الحافل بالأحاديث والآثار.
٤ - وأما حديث أبي جعفر المدائني، فأخرجه ابن جرير (١٣٨٥٢ و ١٣٨٥٣ ) وابن
أبي حاتم من طرق عن عمروبن مرة عن أبي جعفر قال: قال النبي ◌َ ◌ّهِ: فذكر نحوه .
ثم رواه ابن أبي حاتم من طريق عمروبن قيس عن عمروبن مرة عن عبد الله بن المسور (١)
قال : تلا رسول الله
م ... الحديث نحوه .
ورواه ابن جرير (١٣٨٥٦) عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المِسْوَر به .
قلت : وهذا سند مرسل هالك ؛ فإن أبا جعفر هذا هو عبد الله بن المِسْوَركما في رواية
عمروبن قيس عن عمرو، ورواية ابن أبي كريمة كلاهما عن عبد الله بن المِسْور، وقد ذكر
الذهبي في كنى «الميزان»:
((أبو جعفر الهاشمي المسوري هو عبد الله المسور، وهو أبو جعفر المدائني)).
وقد ذكروا في ترجمته من ((الأسماء)):
(( قال أحمد وغيره : أحاديثه موضوعة ، وقال ابن المديني : كان يضع الحديث على
رسول اللّه ◌َ لّله ، ولا يضع إلا ما فيه أدب أوزهد، فيقال له في ذلك، فيقول: إن فيه أجرا !
وقال النسائي: ((كذاب)). وقال إسحاق بن راهويه :
(( كان معروفا عند أهل العلم بوضع الحديث ، وروايته إنما هي عن التابعين ، ولم يلق أحداً
من الصحابة)).
والحديث قال في ((الدر)):
((أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في ((الأسماء والصفات))
عن عبد الله بن مسعود)).
وعزاه الحافظ ابن كثير في تفسيره لعبد الرزاق وحده ! وهو أول طرق هذا الحديث عنده
من ثلاث طرق ، والطريق الثاني لديه : عن أبي عبيدة عن (٢) ابن مسعود . والثالثة طريق عبد
الرحمن بن عبد الله (٣) بن عتبة عنه . ثم ختمها بقوله :
((فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ، يشد بعضها بعضاً)).
قلت : وهذا من أوهامه رحمه الله تعالى، فإن طريقه الأولى معضلة مع كذب الذي أعضله !
(١) تصحف اسمه في تفسير ابن كثير فصار« عبد الله بن مسعود)) !
(٢) وقع في تفسير ابن كثير (( بن)) بدل ((عن ))!
(٣) وقع فيه (( عبيد) بدل (( عبد الله ))!
٣٨٦

والثانية منقطعة ، مع ضعف أحد رواته ، والثالثة معضلة أيضا مع ضعف أحد رواته فأين الطريق
المتصلة ؟ !
وقد زدنا عليه طريقين آخرين إحداهما عن الحسن وهي مرسلة أيضا ، والأخرى عن ابن
عباس ، وهي الوحيدة في الاتصال ، ولكن فيها متروك كما سبق بيانه .
وجملة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لثبوته عن رسول اللّه مَ له لشدة
الضعف الذي في جميع طرقه ، وبعضها أشد ضعفا من بعض ، فليس فيها ما ضعفه یسیریمکن
أن يَنجبر، خلافا لما ذهب إليه ابن كثير ، وإن قلده في ذلك جماعة ممن ألفوا في التفسير ،
كالشوكاني في ((فتح القدير)) (١٥٤/٢)، وصديق حسن خان في ((فتح البيان))
(٢١٧/٢)، وجزم الآلوسي في ((روح المعاني)) بنسبته إليه ◌َ ◌ّه! ومن قبله ابن القيم في
((الفوائد)) (ص ٢٧ - طبع دار مصر)، وعزاه للترمذي! فجاء بوهم آخر. والعصمة لله وحده .
٩٦٦ - ( من جلس على قبريبول عليه أويتغوط ، فكأنما جلس
على جَمرة ) .
منكر بهذا اللفظ. أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٩٧/١) عن ابن وهب
وسليمان بن داود ( وهو الطيالسي ) كلاهما عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي
هريرة مرفوعا .
قلت : وهذا سند ضعيف جداً ، فإن ابن أبي حميد هذا قال البخاري :
((منكر الحديث )) . وقال النسائي :
(( ليس بثقة))، ولهذا قال الحافظ في ((الفتح)) (١٧٤/٣) بعد أن ذكر الحديث.
((إسناده ضعيف)).
وقد رواه عنه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) بلفظ آخر فقال ( ١ /١٦٨ - ترتيبه):
حدثنا محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله ێ :
((لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر)) . قال أبو هريرة : يعني
يجلس لغائط أوبول .
قلت : وهذا التفسير للجلوس وإن كان باطلاً في نفسه كما سيأتي ، فهو بالنظر لكونه
منسوباً لأبي هريرة أقرب من رفعه إلى النبي مَ له كما في رواية الطحاوي، وهو أخرجها كما
رأيت من طريق ابن وهب عن ابن أبي حميد. ثم من طريق الطيالسي عنه بلفظ ابن وهب مغايراً
للفظه في ((المسند)). وهذا أقرب أيضا؛ لأنه روى الحديث المرفوع على الجادة كما رواه سهيل
بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ :
(( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلسس
على قبر)).
٣٨٧

رواه مسلم (٦٢/٣) وأصحاب السنن إلا الترمذي والطحاوي وغيرهم عن أبي صالح
عن أبي هريرة مرفوعا . فهذا هو المحفوظ عن أبي هريرة بالسند الصحيح عنه (١) ، فرواية ابن
أبي حميد منكرة لمخالفتها لرواية الثقة ، أما على رواية الطحاوي فظاهر، وأما على رواية الطيالسي
التي فيها التفسير الباطل ؛ فلأنها تضمنت زيادة على رواية الثقة من ضعيف فلا تقبل اتفاقا . وأيضا ،
فقد ثبت عن أبي هريرة عمله بالحديث على ظاهره، فروى الشافعي في ((الأم)) (١ /٢٤٦)
وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣٧/٤) عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه قال:
((كنت أتتبع أبا هريرة في الجنائز، فكان يتخطى القبور، قال: ((لأن يجلس ... ))
فذكر الحديث موقوفا ، وسنده جيد ، (٢) فدل هذا على بطلان ما روى ابن أبي حميد عن أبي
هريرة من تفسير الجلوس على القبر بالبول والتغوط عليه ؛ لأن أبا هريرة استدل بالحديث على تخطيه
للقبور وعدم وطئها ، فدل على أنه هو المراد ، وهو الذي لا يظهر من الحديث سواه . ومن الغرائب
أن يتأوله بعض العلماء الكبار بالجلوس للغائط وأغرب منه أن يحتج الطحاوي لذلك باللغة ، فيقول:
((وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول)) ! ! .
وما أدري والله كيف يصدر مثل هذا الكلام من مثل هذا الإمام ، فإن الجلوس الذي ورد
النهي عنه في الأحاديث مطلق، فهل في اللغة ((جلس فلان)) بمعنى تغوط أوبال ؟ ! فما معنى
قوله إذن: يقال جلس فلان للغائط ... )) فمن نفى هذا ، وما علاقته بالجلوس المطلق ؟ !
ولذلك جزم العلماء المحققون كابن حزم والنووي والعسقلاني ببطلان ذلك التأويل ، فمن شاء
الاطلاع على ذلك فليراجع ((المحلى)) (١٣٦/٥) و((فتح الباري)) (١٧٤/٣).
وإن من شؤم الأحاديث الضعيفة أن يستدل بها بعض أهل العلم على تأويل الأحاديث
الصحيحة كهذا الحديث ، فقد احتج به الطحاوي لذلك التأويل الباطل ! واحتج أيضا بحديث
آخر فقال: ((حدثنا سليمان بن شعيب قال : ثنا الخصيب قال : ثنا عمروبن علي قال : ثنا عثمان
ابن حكيم عن أبي أمامة أن زيد بن ثابت قال: هم يا ابن أخي أخبرك إنما نهى النبي عَ له
عن الجلوس على القبور لحدث : غائط أوبول )).
قلت : وهذا سند رجاله ثقات معروفون غير عمروبن علي ، فلم أعرفه ، ولم أجد في هذه
الطبقة من اسمه عمروبن علي ، ويغلب على الظن أن واو ( عمرو) زيادة من بعض النساخ ، وأن
الصواب ( عمر بن علي ) (٣) وهو عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي وهو ثقة ولكنه کان یدلس
تدليساً عجيباً يعرف بتدليس السكوت ! قال ابن سعد : كان يدلس تدليسا شديداً يقول : سمعت
وحدثنا ، ثم يسكت فيقول : هشام بن عروة والأعمش )).
(١) وتابعه سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه أخرجه ابن عدي (٢/٦٠) والخطيب (٢٥٢/١١) وكذا
أبو نعيم في «الحلية)) (٢٠٧/٧)، لكن فيه الجارود بن يزيد متروك، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز)) (ص ٢٠٩).
(٢) وسيأتي له طريق أخرى باسناد صححه الحافظ .
(٣) ثم تأكدت من ذلك، حينما رأيت الحافظ المزي قد ذكرفي (( التهذيب)) عثمان بن حكيم في شيوخ عمر بن علي هذا.
٣٨٨

قلت : ومثل هذا التدليس حري بحديث صاحبه أن يتوقف عن الاحتجاج به ، ولو صرح
بالتحديث خشية أن يكون سكت بعد قوله حدثنا ، ولا يفترض في كل الرواة الآخذين عنه
أن يكونوا قد تنبهوا لتدليسه هذا. وكأنه لهذا الذي أوضحنا، اقتصر الحافظ في ((الفتح))
(١٧٤/٣) على قوله ((ورجال إسناده ثقات)) ولم يصححه، بينما رأيناه قد صرح بتصحيح
إسناد الحديث من طريق أخرى عن عثمان بن حكيم بنحوه ، وقد علقه البخاري عنه فقال :
(( وقال عثمان بن حكيم : أخذ بيدي خارجة ، فأجلسني على قبر ، وأخبرني عن عمه يزيد بن
ثابت قال : إنماكره ذلك لمن أحدث عليه )) . فقال الحافظ :
((وصله مسدد في (( مسنده الكبير)) ، وبين فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك ولفظه :
حدثنا عيسى بن يونس : حدثنا عثمان بن حكيم : حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد
الرحمن أنهماسمعا أبا هريرة يقول : لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي
إليّ أحب إلي من أن أجلس على قبر، قال عثمان : فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت
له ذلك فأخذ بيدي .. الحديث . وهذا إسناد صحيح)).
ففي هذا الإسناد الصحيح لم يصرح الراوي برفع ذلك إلى النبي محمد الله بخلاف السند الذي
قبله المعلول ، أقول هذا، وأنا على ذكر أن قول الصحابي ((نهى عن كذا )) في حكم المرفوع ،
ولكن هذا شيء، وقوله ((إنما نهى عن كذا)) شيء آخر، ففي هذا القول شيئان: الأول
النهي ، وهو في حكم المرفوع ، والآخر وهو تعليل النهي فهو موقوف ولا يلزم من كون الأول
مرفوعا، أن يكون الآخر كذلك. لجوازأنه قاله باجتهاد من عنده لا بتوقيف له من النبي عط له ،
ويؤيد هذا ورود النهي عن الاتكاء على القبر الذي هودون الجلوس عليه ، فقال الحافظ :
(( ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمروبن حزم الأنصاري مرفوعا
(( لا تقعدوا على القبور)). وفي رواية له عنه: ((رآني رسول اللّه عَ لّه وأنا متكي على قبر فقال:
لا تؤذ صاحب القبر))، إسناده صحيح ، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته)).
قلت: وهو مخرج في ((أحكام الجنائز)) (٢٠٩ - ٢١٠).
٩٦٧ - ( نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة).
منكر. أخرجه أبو داود (١٥٧/١ ) : حدثنا أحمد بن حنبل ، وأحمد بن محمد بن شَبّيه ،
ومحمد بن رافع ، ومحمد بن عبد الملك الغزال ، قالوا : ثنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل
ابن أمية عن نافع عن ابن عمر قال :
((نهى رسول الله عَ ليه - قال أحمد بن حنبل - أن يجلس في الصلاة وهو معتمد
على يده . - قال ابن شبويه : أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة . وقال ابن رافع : نهى
أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده ، وذكره في باب الرفع من السجود ، وقال ابن عبد الملك :
نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة )) .
٣٨٩

قلت : فقد اختلف في لفظ هذا الحديث على عبد الرزاق كما ترى على أربعة وجوه :
الأول: رواية أحمد بلفظ ((نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده )) .
الثاني : رواية ابن شبوية بلفظ : نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة .
الثالث : رواية ابن رافع : نهى أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده .
الرابع : رواية ابن عبد الملك باللفظ المذكور أعلاه .
ومن البين الواضح أن الحديث واحد ؛ لأن الطريق واحدة ، وإنما تعددت الطرق من بعد
عبد الرزاق ، واختلفوا عليه ، وإذا كان كذلك ، فينبغي النظر في الراجح من هذه الوجوه المختلفة ،
لأن في بعضها معارضة للبعض الآخر ، وهو الوجه الأول والرابع ، فإن الأول صريح في أن
النهي عن الاعتماد في الصلاة في الجلوس ، وذلك يكون في التشهد أو بين السجدتين ،
والآخر صريح في أن النهي عن الاعتماد إنما هو إذا نهض في الصلاة ، وذلك من التشهد الأول
في المعنى ، فلا تعارض بينهما ؛ كما أنه لا تعارض بينهما من جهة وبين الوجهين الآخرين من
جهة أخرى ؛ لأنهما مجملان بالنسبة إلى الوجهين الآخرين ؛ يقبلان التفسير بأحدهما
فبأيهما يفسران ؟ هذا هو موضع البحث والتحقيق .
وإن مما لا شك فيه أن الوجه الأول هو الراجح ، وذلك ظاهر من النظر في الراوي له عن
عبد الرزاق ، وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، فإنه من الأئمة المشهورين بالحفظ والضبط
والاتقان ، فلا يقوم أمامه أياً كان من الثقات عند المخالفة ، لا سيما إذا كان فيه كلام مثل
راوي الوجه الآخر محمد بن عبد الملك الغزال هذا ؛ فإنه وإن وثقه النسائي وغيره ، فقد قال مسلمة :
((ثقة كثير الخطإ)).
قلت : فمثله لا يحتج به إذا خالفه ثقة ، فكيف إذا كان المخالف له إماماً ثّبْتًا كالإمام أحمد
ابن حنبل؟ ! فكيف إذا توبع فيه الإمام أحمد ، وبقي الغزال فريداً غريباً ، فقد أخرج أحمد
الحديث في ((مسنده)) (رقم ٦٣٤٧) هكذا كما رواه عنه أبو داود ، وتابعه إسحاق بن إبراهيم
الديري راوي ((مصنف عبد الرزاق)) عنه، فقد أورد الحديث فيه (١٩٧/٢ /٣٠٥٤) بلفظ أحمد
إلا أنه قال: ((يديه))، وترجم له بقوله: ((باب الرجل يجلس معتمداً على يديه في الصلاة))
وكذلك رواه البيهقي في ((سننه)) (١٣٥/٢) من طريق ((المسند)) ومن طريق أبي داود عن
أحمد مقروناً مع شيوخ أبي داود الآخرين في هذا الحديث وساق ألفاظهم كما فعل أبو داود .
ثم قال في رواية أحمد :
((وهذا أبين الروايات ، ورواية غير ابن عبد الملك لا تخالفه ، وإن كان أبين منها ،
ورواية ابن عبد الملك وهم ، والذي يدل على أن رواية احمد بن حنبل هي المراد بالحديث أن
هشام بن يوسف رواه عن معمر كذلك)).
٣٩٠

ثم ساق من طريق الحاكم، وهذا في ((المستدرك)) (٢٧٢/١) عن إبراهيم بن موسى .
ثنا هشام بن يوسف عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ((أن النبي عدّ له نهى
رجلاً وهو جالس معتمدا على يده اليسرى في الصلاة وقال: إنها صلاة اليهود )) . وقال الحاكم .
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا .
ويدل على ذلك أيضا رواية هشام بن سعد قال : عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله منهم.
رأى رجلاً ساقطاً يده في الصلاة فقال: ((لا تجلس هكذا ، إنما هذه جلسة الذين يعذبون)).
أخرجه أحمد ( ٥٩٧٢) بسند جيد ، ورواه أبو داود والبيهقي من طرق أخرى عن هشام
به موقوفا ، والرفع زيادة من ثقة فهي مقبولة ، لا سيما وطريق إسماعيل بن أمية أقوى من هذه
ولم يختلف عليه في رفعه .
فتبين مما سبق أن الحديث عن ابن عمر في النهي عن الاعتماد في الجلوس في الصلاة
وهذا هو المحفوظ ، وأن رواية الغزال إياه في النهي عن الاعتماد إذا نهض شاذ بل منكر ،
لمخالفته لروايات الثقات على سوء حفظه .
( تنبيه) : قد وقعت بعض الأوهام حول هذا الحديث لبعض العلماء ، فرأيت من النصيحة ..
التنبيه عليها :
أولاً: قال النووي في ((المجموع)) (٤٤٥/٣) مبيناً علة الحديث :
((إنه من رواية محمد بن عبد الملك الغزال وهو مجهول))!
وقد عرفت أنه ليس بمجهول ، بل هوثقة سيء الحفظ .
ثانيا: فقل صاحب ((عون المعبود)) (٣٧٦/١) عن السيد عبد اللّه الأمير أنه قال: إن محمد
ابن عبد الملك هذا هو محمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي قال فيه في ((التقريب)): ((صدوق)).
وأقره عليه ، وهووهم منهما ؛ فإن محمد بن عبد الملك هذا هو الغزال كما صرح بذلك أبو داود
في روايته كما تقدم ، وقد نبه على هذا الوهم الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه اللّه تعالى .
ثالثا : احتج بهذا الحديث الحنفية والحنابلة على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند النهوض
من السجدة الثانية في وتر من الصلاة ، وأغرب من ذلك أن يتابعهم عليه العلامة ابن القيم في
كتابه المفرد في ((الصلاة))! وذكر في ((زاد المعاد )) أنه لما كان لا يعتمد على الأرض بیدیه !
وليس له في هذا النفي مستند صحيح كما بينته في ((التعليقات الجياد)) (٣٨/١). بل هو
معارض لظاهر حديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول اللّه مَ اهٍ؟
فصلى في غير وقت الصلاة ، فاذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا ، ثم
قام فاعتمد على الأرض .
أخرجه النسائي (١٧٣/١) والشافعي في ((الأم)) (١٠١/١) والبيهقي (١٢٤/٢ و
١٣٥) باسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند البخاري (٢ /٢٤١) نحوه.
٣٩١

أقول: فظاهر قوله ((فاعتمد على الأرض)) أي بيديه عند النهوض. وقد قال السيد عبد الله
الأمير ((وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض)). ولكني لم أجد هذه الزيادة ((بيديه )) عند
الشافعي ولا عند غيره، وإن كان معناها هو المتبادر من الاعتماد. وفي ((الفتح)):
(( قيل : يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد ؛ لأنه افتعال من العماد ، والمراد به الاتكاء ،
وهوباليد ، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمداً على يديه
قبل أن يرفعهما )) .
قلت : تقدم بيان ضعف إسناده تحت الحديث ( ٩٢٩ ) . لكني وجدت له شاهداً قوياً
موقوفاً ومرفوعاً يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس قال :
رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه . فقلت لولده ولجلسائه : لعله
يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون. أخرجه البيهقي (٢ /١٣٥).
قلت : وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات كلهم .
فقوله: ((هكذا يكون)) صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعاً لسنة الصلاة ،
وليس لسن أوضعف، وقد جاء عنه مرفوعاً إلى النبي عَ الهم .
فأخرجه أبو إسحاق الحربي في ((غريب الحديث)) (١/٩٨/٥) عن الأزرق بن قيس :
رأيت ابن عمر يعجن (١) في الصلاة : يعتمد على يديه إذا قام. فقلت له : ؟ فقال: رأيت
رسول اللّه ◌َ طلم يفعله .
قلت : وإسناده حسن ، وهو هكذا : حدثنا عبيد اللّه ( الأصل : عبد الله وهو خطأ من
الناسخ ) بن عمر حدثنا يونس بن بكير عن الهيثم عن عطية بن قيس عن الأزرق بن قيس به .
قلت : وابنا قيس ثقتان من رجال الصحيح .
والهيثم هوابن عمران الدمشقي، أورده ابن حبان في ((الثقات)) (٢٩٦/٢) وقال :
((يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة)).
وأورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٨٢/٢/٤ -٨٣) وقال:
((روى عنه محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار، وسليمان بن شرحبيل)).
قلت : ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، لكن رواية هؤلاء الثقات الثلاثة عنه ويضم إليهم
رابع وهو الهيثم بن خارجة ؛ وخامس وهويونس بن بكير ، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه ؛ لأنه
لو كان فيه شيء من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل الحديث كإبني
حبان وأبي حاتم . زد على ذلك أنه قد توبع على روايته هذه كما تقدم قريباً من حديث حماد بن
سلمة نحوه . والله أعلم .
وأما يونس بن بكير وعبيد الله بن عمر، فثقتان من رجال مسلم ، والآخرروى له البخاري
أيضا وهو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، ووقع في ((التهذيب)) ( ابن عمرو) بزيادة الواو
(١) أي يعتمد على يديه إذا قام كما يفعل الذي يعجن العجين. ((نهاية )).
٣٩٢

وهوخطأ مطبعي ، وقد ذكرالخطيب في الرواة عنه من ترجمته (١٠ / ٣٢٠) إبراهيم الحربي هذا.
وجملة القول: أن الاعتماد على اليدين عند القيام سنة ثابتة عن رسول اللّه مَ له، وذلك
مما يؤكد ضعف هذا الحديث في النهي عن الاعتماد ، وكذا الحديث الآتي بعده .
( تنبيه ) : لقد خفي حديث ابن عمر هذا المرفوع على الحفاظ الجامعين المصنفين كابن
الصلاح والنووي والعسقلاني وغيرهم، فقد جاء في ((تلخيص الحبير)) (١ /٢٦٠) ما نصه :
((حديث ابن عباس: أن رسول اللّه ◌ُ لٍ كان إذا قام في صلاته وضع يده على الأرض
كما يضع العاجن. قال ابن الصلاح في كلامه على ((الوسيط)): هذا الحديث لا يصح ،
ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به. وقال النووي في ((شرح المهذب)): هذا حديث ضعيف،
أو باطل لا أصل له . وقال في ((التنقيح)): ضعيف باطل)).
هذه هي كلما تهم كما نقلها الحافظ العسقلاني عنهم ، دون أن يتعقبهم بشيء ، اللهم
إلا بأثر ابن عمر الذي عزاه في ((الفتح)) لعبد الرزاق، فإنه عزاه هنا للطبراني في ((الأوسط))،
فلم يقف على هذا الحديث المرفوع صراحة ، مصداقا للقول المشهور : كم ترك الأول للآخر .
فالحمد للّه على توفيقه ، وأسأله المزيد من فضله .
٩٦٨ - ( من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في
الركعتين الأوليين أن لا يعتمد على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً
لا يستطيع ) .
ضعيف. أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٣٦/٢) والضياء في ((المختارة)) (٢٦٠/١)
عن عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد بن زياد السوائي عن أبي جحيفة عن علي رضي الله عنه
قال : فذكره .
قلت : وهذا سندضعيف ، علته عبد الرحمن هذا ، قال الذهبي :
((ضعفوه)). وقال الحافظ في ((التقريب)). ((ضعيف)).
قلت : وهوراوي حديث علي في وضع اليدين في الصلاة تحت السرة ، رواه بهذا السند
الواهي . فإن زياد بن زياد هذا مجهول كما قال الحافظ تبعاً لأبي حاتم .
(تنبيه): هذا الحديث. وإن كان في ((المختارة)) فهو مضروب عليه مع حديث وضع
اليدين المشار إليه بخط أفقي ، مما يشعر بأن المصنف عدل عنه . وهو اللائق به ، فإن ايراد مثل هذا
الحديث بهذا الإسناد مما لا يتفق في شيء مع ((الأحاديث المختارة)).
٩٦٩ - ( أولا يجد أحد كم ثلاثة أحجار : حجرين للصفحتين
وحجراً للمسربة ) .
ضعيف . أخرجه الدارقطني (٢١) والبيهقي (١١٤/١ ) من طريق أبيّ بن العباس بن
٠٣٩٣

سهل الساعدي عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي قال :
((سئل رسول اللّه ◌َ له عن الاستطابة؟ فقال ... )) وقال الدارقطني:
((إسناده حسن)). وأقره البيهقي وتبعهما ابن القيم فقال في ((إعلام الموقعين)) (٤٨٧/٣):
( حديث حسن )).
قلت : وفي ذلك نظر عندي ، فإن أبياً هذا وقد تفرد بهذا الحديث مجروح ، ولم يوثقه
أحد ، بل كل من عرف كلامه فيه ضعفه ، فقال ابن معين :
(ضعيف)) .. وقال أحمد: ((منكر الحديث)). وقال البخاري: ((ليس بالقوي)). وكذا
قال النسائي، وقال العقيلي: (( له أحاديث لا يتابع على شيء منها : ( حجران للصفحتين
وحجر للمسربة))). وأورده ابن أبي حاتم (٢٩٠/١/١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا .
وأما قول الذهبي في ((الميزان)):
((قلت : أبي وإن لم يكن بالثبت فهو حسن الحديث )).
فهذا مما لا وجه له عندي بعد ثبوت تضعيفه ممن ذكرنا من الأئمة ، ولعله استأنس بتخريج
البخاري له ، ولا مستأنس له فيه ، بعد تصريح البخاري نفسه بأنه ليس بالقوي ، لا سيما وهو
لم يخرج له إلا حديثاً واحداً ليس فيه تحريم ولا تحليل ، ولا كبير شيء ، وإنما هو في ذكر
خيل النبي ◌َ ◌ّهِ، ولفظه: ((كان للنبي(عَّلِ فرس يقال له اللُّحيف)). ومع ذلك فلم يتفرد به
بل تابعه أخوه عبد المهيمن بن عباس عند ابن منده كما ذكر الحافظ في ((الفتح)) (٤٤/٦ -
٤٥)، وكأن الذهبي تراجع عن ذلك حين أورد أبياً هذا في ((الضعفاء)) وقال:
((ضعفه ابن معين، وقال أحمد: منكر الحديث))، وقال الحافظ في ((التقريب)):
(( فيه ضعف ، ماله في البخاري غير حديث واحد )) .
( تنبيه) وقع للصنعاني في ((سبل السلام)) (١١٧/١) وهم عجيب حول هذا الحديث ،
فقال في شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة احجار :
((وقد ورد كيفية استعمال الثلاثة في حديث ابن عباس : حجران للصفحتين وحجر
للمسربة - وهي بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة مجرى الحدث من الدبر)).
فتصحف عليه ((أبي بن عباس)) بـ(( ابن عباس)) ! ثم سقط عنه باقي السند وأنه من مسند
سهيل بن سعد الساعدي !
ثم إنه جزم بورود الحديث ، وليس بجيد ، والظاهر أنه قلد الدارقطني أو غيره فقد رأيت
الحديث - بعد كتابة ما تقدم - في ((تلخيص الحبير)) (ص ٤١ ):
((قال المصنف - يعني الرافعي - هو حديث ثابت ، رواه الدارقطني وحسنه والبيهقي
والعقيلي في ((الضعفاء)) من رواية أبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال : سئل
رسول اللّه ◌َ له ... قال الحازمي: لا يروي إلا من هذا الوجه. وقال العقيلي: لا يتابع على
٣٩٤

شيء من أحاديثه ، يعني أبياً ، وقد ضعفه ابن معين وأحمد وغيرهما ، وأخرج له البخاري حديثاً
واحدا في غير حكم )).
والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٢١١/١) وقال:
((رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه عتيق بن يعقوب الزبيري قال أبو زرعة أنه حفظ
((الموطأ)» في حياة مالك)).
قلت : وهذا قد وثقه الدارقطني وابن حبان ، وهو الراوي لهذا الحديث عن أبي بن
العباس ، فالتعلق عليه في إعلال الحديث دون شيخه أبي لا يخفى ما فيه .
٩٧٠ - ( إذا فرغ الرجل من صلاته فقال : رضيت بالله ربا ،
وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، كان حقاً على الله عز وجل أن يرضيه ).
موضوع. عزاه في ((الجامع الكبير)))) (١/٦٨/١) لأبي نصر السِّجْزي في ((الإبانة))
عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده رضي الله عنهم وقال :
(( غريب)).
قلت : بل هو موضوع ، فقد وقفت على إسناده ، أخرجه الحافظ عبد الغني المقدسي في
((الثالث والتسعين)) (٤٣ /٢) من طريق السِّجْزِي بِسَنده عن زيد بن الحريش: ثنا عمروبن خالد
عن أبي عقيل الدورقي عن هشام بن عروة به ..
قلت : وهذا سند موضوع ، آفته عمروبن خالد وهو أبو خالد القرشي ، قال أحمد وابن
معين وغيرهما :
((كذاب)). وقال إسحاق بن راهويه وابوزرعة :
((كان يضع الحديث)). ونحوه في ((المجروحين)) (٢/ ٧٤ - ٧٥) لابن حبان .
وزيد بن الحريش هو الأهوازي ، قال ابن القطان :
((مجهول الحال)).
٩٧١ - ( اللهم إن عبدك علياً احتبس نفسه على نبيك، فُرُدَّ
عليه شرقها . ( وفي رواية ) : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة
رسولك فارْدُدْ عليه الشمس ، قالت أسماء ، فرأيتها غربت ، ثم
رأيتها طلعت بعد ما غربت ) .
موضوع. أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٩/٢) من طريق أحمد بن صالح : حدثنا
ابن أبي فديك : حدثني محمد بن موسى عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء بنت عميس
((أن النبي ◌َ ◌ّلِ صلى الظهر بـ (الصهباء)، ثم أرسل علياً عليه السلام في حاجة ، فرجع
٣٩٥

وقد صلى النبي ◌َ ◌ّله العصر، فوضع النبي عَ لَّلِ رأسه في حجر علي [فنام ]، فلم يحركه حتى
غابت الشمس، فقال النبي ◌َّ لِ (فذكره باللفظ الأول وزادٍ): قالت أسماء : فطلعت الشمس
حتى وقعت على الجبال ، وعلى الأرض ، ثم قام علي فتوضأ وصلى العصر، ثم غابت ، وذلك
في (الصهباء ))). قال الطحاوي:
((محمد بن موسى هو المدني المعروف بـ ( الفطري ) ، وهو محمود في روايته ، وعون بن
محمد ، هو عون بن محمد بن علي بن أبي طالب . وأمه هي أم جعفر ابنة محمد بن جعفربن
أبي طالب )) .
وأقول : وهذا سند ضعيف مجهول ، وكلام الطحاوي عليه لا يفيد صحته ، بل لعله يشير
إلى تضعيفه ، فإنه سكت عن حال عون بن محمد وأمه ، بينما وثق الفطري هذا ، فلو كان يجد
سبيلاً إلى توثيقهما لوثقهما كما فعل بالفطري ، فسكوته عنهما في مثل هذا المقام مما يشعر أنهما
عنده مجهولان ، وهذا هو الذي ينتهي إليه الباحث ، فإن الأول منهما ، أورده ابن أبي حاتم
(٣٨٦/١/٣) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأما ابن حبان فأورده في ((الثقات)) ٢٢٨/٢)
على قاعدته في توثيق المجهولين !
وأما أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب ، فهي من رواة ابن ماجه ، أخرج
لها حديثاً واحداً في ((الجنائز)) (رقم ١٦١١) وقد أعله الحافظ البيوصيري بأن في إسناده
مجهولتين ، إحداهما أم عون هذه ، وقد ذكرها الحافظ في ((التهذيب)) دون توثيق أو تجريح ،
وقال في (( التقريب)):
((مقبولة)) يعني عند المتابعة ، وإلا فهي لينة الحديث عنده .
قلت : وقد توبعت من فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهي ثقة فاضلة ،
إلاّ أن الطريق إليها لا يصح. أخرجه الطحاوي (٨/٢) والطبراني في ((الكبير)) من طريق
الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قالت :
((كان رسول اللّه عَ لّه يوحى إليه، ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت
الشمس، فقال رسول اللّه ◌َ اله: صليت يا علي! قال: لا، فقال رسول اللّه عَ لَّه ... )) فذكر
الراوية الثانية . قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٩٧/٨) بعد أن ساق هذه الرواية والتي قبلها ،
ومنه نقلت الزيادة فيها :
((رواه كله الطبراني بأسانيد ، ورجال أحدها رجال الصحيح غير إبراهيم بن حسن ،
وهو ثقة وثقه ابن حبان ، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لم أعرفها )).
قلت : بل هي معروفة ، فهي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب كما تقدم ،
والظاهر أنها وقعت في معجم الطبراني منسوبة إلى جدها علي بن أبي طالب ، ولذلك لم يعرفها
الهيثمي . والله أعلم .
٣٩٦

أما قوله في ((إبراهيم بن حسن)) أنه ثقة ، ففيه تساهل لا يخفى على أهل العلم ، لأنه لم
يوثقه غير ابن حبان كما عرفت ، وهو قد أشار إلى أن توثيقه إياه إنما بناه على توثيق ابن حبان ،
وإذا كان هذا معروفاً بالتساهل في التوثيق فمن اعتمد عليه وحده فيه فقد تساهل ، وقد أورد
إبراهيم هذا ابن أبي حاتم (٩٢/١/١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وهو في أول المجلد
الثاني من ((كتاب الثقات)) لابن حبان .
ثم إن فضيل بن مرزوق وإن كان من رجال مسلم فإنه مختلف فيه ، وقد أشار إلى ذلك
الحافظ بقوله في ((التقريب)): ((صدوق يهم))، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام
له طويل على هذا الحديث في ((منهاج السنة)) ( ١٨٩/٤):
((وهو معروف بالخطأ على الثقات، وإن كان لا يتعمد الكذب، قال فيه ابن حبان: (( يخطئ
على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات)). وقال فيه أبو حاتم الرازي: ((لا يحتج به)). وقال
فيه يحيى بن معين مرة: ((هو ضعيف)) وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: ((لا أعلم
إلا خيرا)) وقول سفيان: (( هو ثقة))؛ فإنه ليس ممن يتعمد الكذب ولكنه يخطئ ، واذا روى
له مسلم ما تابعه عليه غيره ، لم يلزم أن يروي ما انفرد به ، مع أنه لم يعرف سماعه عن
إبراهيم ولا سماع إبراهيمٍ من فاطمة ، ولا سماع فاطمة من أسماء ، ولا بد في ثبوت هذا
الحديث من أن يعلم أن كلاً من هؤلاء عدل ضابط، وأنه سمع من الآخر، وليس هذا معلوماً)).
قلت: ثم إن في هذه الطريق ما يخالف الطريق الأولى، ففيها أن النبي مع الله كان يقظاناً
يوحى إليه حينما كان واضعاً رأسه في حجر علي رضي الله عنه، وفي الأولى أنه كان نائماً ، وهذا
تناقض يدل على أن هذه القصة غير محفوظة ، كما قال ابن تيمية ( ٤ / ١٨٤ ).
والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وقال (٣٥٦/١):
((موضوع بلا شك، وقال الجوزقاني: هذا حديث منكر مضطرب)).
ثم أعله بالفضيل هذا فقط ، وفاته جهالة إبراهيم ، ولم يتعقبه السيوطي في هذا ، وإنما
تعقبه في تضعيف الفضيل، فقال في ((اللآلى)) (١ / ١٧٤ - الطبعة الأولى) :
((ثقة صدوق، واحتج به مسلم في ((صحيحه)) وأخرج له الأربعة)).
وهذا ليس بشيءٍ ، وقد عرفت الجواب عن ذلك مما سبق ، ثم ساق له السيوطي طرقاً
أخرى كلها معلولة، وأما قول الحافظ في ((الفتح)) (١٥٥/٦):
((وقد اخطأ ابن الجوزي بإيراده له في ((الموضوعات))، وكذا ابن تيمية في كتاب ((الرد
على الروافض)) في زعمه وضعه . والله أعلم)).
فهو مع عدم تصريحه بصحة إسناده ، فقد يوهم من لا علم عنده أنه صحيح عنده ! وهو
إنما يعني أنه غير موضوع فقط، وذلك لا ينفي أنه ضعيف كما هو ظاهر. وابن تيمية رحمه الله
لم يحكم على الحديث بالوضع من جهة إسناده ، وإنما من جهة متنه ، أما الإسناد ، فقد اقتصر على
تضعيفه ، فإنه ساقه من حديث أسماء وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة ،
٣٩٧

ثم بين الضعف الذي في أسانيدها ، وكلها تدور على رجال لا يعرفون بعدالة ولا ضبط ، وفي
بعضها من هو متروك منكر الحديث جداً ، وأما حكمه على الحديث بالوضع متناً ، فقد ذكر في
ذلك كلاماً متيناً جداً ، لا يسع من وقف عليه ، إلا أن يجزم بوضعه ، وأرى أنه لا بد من نقله ولو
ملخصاً ليكون القارىء على بينة من الأمر ، فقال رحمه الله :
(( وحديث رد الشمس لعلي ، قد ذكره طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما ، وعدوا
ذلك من معجزات النبي عَ له، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث ، يعلمون أن هذا
الحديث كذب موضوع ، كما ذكره ابن الجوزي في ( الموضوعات ))). ثم ذكر حديث
((الصحيحين)) في حبس الشمس لنبي من الانبياء ، وهو يوشع بن نون ، كما في رواية لأحمد
والطحاوي بسند جيد كما بينته في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) رقم (٢٠٢)) ثم قال :
(( فإن قيل : فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل ، فإذا كانت قد ردت ليوشع فما المانع
أن ترد لفضلاء هذه الأمة؟ فيقال : يوشع لم ترد له الشمس ، ولكن تأخر غروبها وطول له النهار ،
وهذا قد لا يظهر للناس ، فإن طول النهار وقصره لا يدرك ، ونحن إنما علمنا وقوفها ليوشع بخبر
النبي ◌َ له، وأيضاً لا مانع من طول ذلك، لوشاء اللّه لفعل ذلك، لكن يوشع كان محتاجاً إلى
ذلك لأن القتال كان محرماً عليه بعد غروب الشمس ؛ لأجل ما حرم الله عليهم من العمل ليلة
السبت ويوم السبت . وأما أمة محمد فلا حاجة لهم إلى ذلك ، ولا منفعة لهم فيه ، فإن الذي
فاتته العصر إن كان مفرطاً لم يسقط ذنبه إلا بالتوبة ، ومع التوبة لا يحتاج إلى رد ، وإن لم يكن
مفرطاً كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد الغروب .
وأيضا فبنفس غروب الشمس خرج الوقت المضروب للصلاة ، فالمصلي بعد ذلك لا يكون
مصلياً في الوقت الشرعي ولو عادت الشمس ، (١) وقول الله تعالى ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع
الشمس وقبل غروبها ) يتناول الغروب المعروف ، فعلى العبد أن يصلي قبل هذا الغروب وإن طلعت
ثم غربت . والأحكام المتعلقة بغروب الشمس حصلت بذلك الغروب ، فالصائم يفطر ولو عادت
بعد ذلك لم يبطل صومه ، مع أن هذه الصورة لا تقع لأحد ، ولا وقعت لأحد ، فتقديرها تقدير
ما لا وجود له .
وأيضا فالنبي ◌َ ◌ِّ فاتته العصر يوم الخندق ، فصلاها قضاء هو وكثير من أصحابه ، ولم
يسأل اللّه رَدَّ الشمس، وفي ((الصحيح)) أن النبي عَ لّه قال لأصحابه بعد ذلك لما أرسلهم إلى
بني قريظة؛ (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة))، فلما أدركتهم الصلاة في الطريق ،
قال بعضهم : لم يرد منا تفويت الصلاة ، فصلوا في الطريق ، فقالت طائفة : لا تصلي إلا في
بني قريظة، فلم يعنف واحدة من الطائفتين، فهؤلاء الذين كانوا مع النبي عَ لٍ صلوا العصر بعد
غروب الشمس، وليسٍ علي بأفضل من النبي ◌َّ له، فاذا صلاها هو وأصحابه معه بعد الغروب ،
(١) قلت : ومثله عندي من غربت عليه الشمس ولم يصل العصر، ثم ركب الطائرة فرأى الشمس فصلى، فإنه لم يصل
أيضاً ، لما ذكره الشيخ رحمه الله من الآية الكريمة .
٣٩٨

فعلي وأصحابه أولى بذلك ، فإن كانت الصلاة بعد الغروب لا تجزي أو ناقصة تحتاج إلى رد الشمس
كان رسول اللّه ◌َ لل أولى برد الشمس، وإن كانت كاملة مجزئة فلا حاجة إلى ردها.
وأيضا فمثل هذه القضية من الأمور العظام الخارجة عن العادة التي تتوفر الهمم والدواعي
على نقلها ، فإذا لم ينقلها إلا الواحد والإثنان ، علم كذبهم في ذلك .
وانشقاق القمر كان بالليل وقت نوم الناس ، ومع هذا فقد رواه الصحابة من غير وجه ،
وأخرجوه في ((الصحاح)) و((السنن)) و((المسانيد)) من غيروجه، ونزل به القرآن ، فكيف
تَرَد الشمس التي تكون بالنهار، ولا يشتهر ذلك ، ولا ينقله أهل العلم نقل مثله ؟ ! ولا يعرف
قط أن الشمس رجعت بعد غروبها ، وإن كان كثير من الفلاسفة والطبيعيين وبعض أهل الكلام
ينكر انشقاق القمر وما يشبه ذلك ، فليس الكلام في هذا المقام ، لكن الغرض أن هذا من أعظم
خوارق العادات في الفلك ، وكثير من الناس ينكر إمكانه ، فلو وقع لكان ظهوره ونقله أعظم
من ظهور ما دونه ونقله ، فكيف يقبل وحديثه ليس له إسناد مشهور، فإن هذا يوجب العلم
اليقيني بأنه كذب لم يقع .
وإن كانت الشمس احتجبت بغيم ثم ارتفع سحابها ، فهذا من الأمور المعتادة ، ولعلهم
ظنوا أنها غربت ثم كشف الغمام عنها ، وهذا إن كان قد وقع ففيه أن اللّه بين له بقاء الوقت حتى
يصلي فيه ، ومثل هذا یجري لکثیر من الناس )) .
ثم قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
((ثم تفويت الصلاة بمثل هذا إما أن يكون جائزاً ، وإما أن لا يكون ، فإن كان جائزاً لم يكن
على علي رضي الله عنه إثم إذا صلى العصر بعد الغروب، وليس علي أفضل من النبي عَ لّله، وقد
نام عَّ اللّهِ ومعه علي وسائر الصحابة عن الفجر حتى طلعت الشمس، ولم ترجع لهم إلى الشرق. وإن
كان التفويت محرماً فتفويت العصر من الكبائر، وقال النبي مَ له: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما
وُثِرَ أهلَه ومالَه))، وعلي كان يعلم أنها الوسطى وهي صلاة العصر، وهو قد روى عن النبي عَ ل
في ((الصحيحين)) أنه قال: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ،
ملاَّ اللّه أجوافهم وبيوتهم نارا)) . وهذا كان في الخندق ، وهذه القصة كانت في خيبر كما في
بعض الروايات ، وخيبر بعد الخندق ، فعلي أجل قدراً من أن يفعل مثل هذه الكبيرة ويقره عليها
جبريل ورسول اللّه ، ومن فعل هذا كان من مثالبه لا من مناقبه ، وقدنزه اللّه علياً عن ذلك ، ثم
إذا فاتت لم يسقط الإثم عنه بعود الشمس .
وأيضا فإذا كانت هذه القصة في خيبر في البِرِّيَّةِ قدام العسكر ، والمسلمون أكثر من
ألف وأربعمائة ، كان هذا مما يراه العسكر ويشاهدونه ، ومثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ،
فيمتنع أن ينفرد بنقله الواحد والاثنان ، فلونقله الصحابة لنقله منهم أهل العلم ، كما نقلوا أمثاله ،
لم ينقله المجهولون الذين لا يعرف ضبطهم وعدالتهم ، وليس في جميع أسانيد هذا الحديث إسناد
واحد يثبت؛ تعلم عدالة ناقليه وضبطهم، ولا يعلم اتصال إسناده، وقد قال النبي ◌ّ له عام
خيبر: ((لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه اللهُ ورسولُه))، فنقل ذلك غير واحد من
٣٩٩

الصحابة، وأحاديثهم في ((الصحاح)) و((السنن)) و((المسانيد))، (١) وهذا الحديث ليس في
شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا رواه أهل الحديث ولا أهل ((السنن)) ولا ((المسانيد))، بل
اتفقوا على تركه ، والإعراض عنه ، فكيف يكون مثل هذه الواقعة العظيمة التي هي - لوكانت
حقاً - من أعظم المعجزات المشهورة الظاهرة ، ولم يروها أهل الصحاح والمسانيد ، ولا نقلها
أحد من علماء المسلمين وحفاظ الحديث ، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة .
( قال ) : وهذا مما يوجب القطع بأن هذا من الكذب المختلق . ( قال ) : وقد صنف جماعة
من علماء الحديث في فضائل علي كالإمام أحمد وأبي نعيم والترمذي والنسائي وأبي عمر بن
عبد البر، وذكروا فيها أحاديث كثيرة ضعيفة ، ولم يذكروا هذا ! لأن الكذب ظاهر عليه
بخلاف غيره )) .
ثم ختم شيخ الاسلام بحثه القيم بقوله :
((وسائر علماء المسلمين يَوَدون أن يكون مثل هذا صحيحا لما فيه من معجزات النبي،عَ ليه
وفضيلة علي عند الذين يحبونه ويتولونه ، ولكنهم لا يستجيزون التصديق بالكذب فردوه ديانة .
والله أعلم)).
وقد مال إلى ما ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية في هذا الحديث تلميذاه الحافظان الكبيران
ابن كثير والذهبي ، فقال الأول منهما بعد ان ساق حديث حبس الشمس ليوشع عليه السلام
(٣٢٣/١) من ((تاريخه)):
((وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي
رُوِّيناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر، بعد ما فاتته بسبب نوم
النبي عَ طِّ على ركبته، فسأل رسولَ الله عَ لمِ أن يردها عليه حتى يصلي العصر فرجعت. وقد
صححه أحمد (٢) بن صالح المصري، ولكنه منكر ليس في شيء من ((الصحاح)) و((الحسان))،
وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها .
والله أعلم )).
وقال الذهبي في ((تلخيص الموضوعات)):
(( أسانيد حديث رد الشمس لعلي ساقطة ليست بصحيحة ، واعترض بما صح عن أبي
هريرة عن النبي ◌َ ◌ّله ((أن الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس)).
وقال شيعي : إنما نفى عليه السلام وقوفها ، وحديثنا فيه الطلوع بعد المغيب فلا تضاد بينهما .
قلت : لوردت لعلي، لكان ردها يوم الخندق للنبي ◌َ ◌ّمِ أولى، فإنه حزن وتألم ودعا على المشركين
لذلك. ثم نقول: لوردت لعلي لكان بمجرد دعاء النبي ◌ُ ◌ّه، ولكن لما غابت خرج وقت
العصر، ودخل وقت المغرب ، وأفطر الصائمون ، وصلى المسلمون المغرب ، فلوردت الشمس
للزم تخبيط الأمة في صومها وصلاتها ، ولم يكن في ردها فائدة لعلي ، إذ رجوعها لا يعيد
العصر أداءً .
(١) قلت: وقد جمع طرقه الحافظ ابن عساكر في ترجمة علي رضي الله عنه في ((تاريخ دمشق)).
(٢) الأصل (علي) والتصويب من ((مشكل الآثار)) وغيره .
٤٠٠