النص المفهرس
صفحات 361-380
((أمطه عنك - قال احدهما ــ بعود أو إذخرة؛ فإنما هو بمنزلة البصاق والمخاط). قلت : وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ، وقد أخرجه البيهقي من طريق الشافعي ثم قال : ((هذا صحيح عن ابن عباس من قوله ، وقد روي مرفوعا ، ولا يصح رفعه )) . قلت : وجملة القول أن المرفوع فيه ثلاث علل : الأولى : ضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما أشار الى ذلك الدارقطني بقوله ((في حفظه شيء )) على تسامح منه في التعبير! الثانية : ضعف شريك أيضا وهو ابن عبد الله القاضي ، وأستغرب من الدارقطني سكوته عنه هنا ، مع أنه قال فيه وقد ساق له حديث وضع الركبتين قبل اليدين عند الهوي إلى السجود : ((وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به)). ( انظر الحديث المتقدم (٩٢٩). الثالثة : تفرد إسحاق الأزرق بروايته عن شريك مرفوعا : وهو - أعني الأزرق - وإن كان ثقة ، فقد خالفه وكيع وهو أوثق منه ، ولذلك رجح روايته البيهقي كما تقدم . لكن يبدولي أن الراجح صحة الروايتين معاً عن شريك ؛ الموقوفة والمرفوعة ، وأن هذا الاختلاف إنما هو من شريك أوشيخه ابن أبي ليلى ، لما عرفت من سوء حفظهما ، فهذا الإعلال أولى من تخطئة إسحاق الأزرق الثقة . وهذا أولى من نَصب الخلاف بين الثقتين كما فعل البيهقي من جهة ، وابن الجوزي من جهة أخرى ، أما البيهقي فقد رجح رواية وكيع على إسحاق ، وعكس ذلك ابن الجوزي فقال بعد أن ذكر قول الدارقطني ((لم يرفعه غير إسحاق الازرق عن شريك)): ((قلنا : إسحاق إمام مخرج عنه في ((الصحيحين))، ورفعه زيادة ، والزيادة من الثقة مقبولة ، ومن وقفه لم يحفظ )). كذا قال : وقد عرفت أن الصواب تصحيح الروايتين وأن كلاً من الثقتين حفظ ما سمع من شريك ، وأن هذا أوشيخه هو الذي كان يضطرب في رواية الحديث عن عطاء ، فتارة يرفعه . - وتارة يوقفه ، فسمع الأزرق منه الرفع ، وسمع وكيع منه الوقف ، وكل روى ما سمع ، وكل ثقة . ومن العجيب أن ابن الجوزي يتغافل عن العلتين الأوليين ، ويجادل في العلة الثالثة ، وقد عرفت ما في كلامه فيها ، ولوسلم له ذلك ، فلم يسلم الحديث من العلتين ، وأعجب من ذلك أن العلة الأولى قد نبه عليها الدارقطني في جملته التي ذكرنا عنه في أول هذا التحقيق ، فلما نقلها ابن الجوزي عنه اقتصَر منها على الشطر الأول الذي فيه اعلال الحديث بالوقف ، ولم يذكر الشطر الثاني الذي فيه الإشارة إلى العلة الأولى وهي ضعف ابن أبي ليلى ! وهذا شيء لا يليق بأهل التحقيق والعلم . ومن الأوهام حول هذا الحديث قول الإمام الصنعاني - في ((العدة على شرح العمدة)) ( ٤٠٤/١ ) : ٠٣٦١ (( ثبت عنه ( يعني ابن عباس) مرفوعا إلى النبي ◌َّ لهم أنه قال: إنه بمنزلة البصاق والمخاط ... أخرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق: حدثنا شريك ... )). ثم أعاده قائلاً ( ٤٠٥/١) : ((وإسناده صحيح كما قال ابن القيم في (بدائع الفوائد))). (١) قلت : وهذا هو السبب الذي دفعني إلى كتابة هذا التحقيق حول هذا الحديث ، وبيان أن رفعه وهم ، وإن كان ما تضمنه من الحكم على المني بالطهارة هو الصواب ، وحسبنا في ذلك جزم ابن عباس رضي الله عنه بأنه بمنزلة المخاط والبصاق ، ولا يعرف له مخالف من الصحابة ، ولا ما يعارضه من الكتاب والسنة . وقد حقق القول في المسألة ابن قيم الجوزية في المصدر السابق تحت عنوان ((مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته)) (١١٩/٣ - ١٢٦) وهو بحث هام جداً في غاية التحقيق . ٩٤٩ - (كنا نصلي مع رسول اللّه ◌َ لله صلاة الظهر بالهاجرة (٢)، فقال لنا : أبردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جهنم ) . ضعيف بهذا السياق. أخرجه ابن ماجه (١ /٢٣٢) وابن أبي حاتم في ((العلل)) (رقم ٣٧٦ و٣٧٨) وابن حبان في «صحيحه)) (٢٦٩ - موارد) والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١١١/١) والبيهقي (٤٣٩/١) وأحمد (٤ /٢٥٠) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن شريك عن بيان بن بشرعن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال : فذكره . قلت : وهذا سند ضعيف ، علته شريك وهو ابن عبد اللّه القاضي وهو ضعيف لسوء حفظه كما تقدم آنفا، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يحطىء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة)). قلت: ومن ذلك تعلم أن قول الحافظ في ((الفتح)) (١٣/٢): (( رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان))، وهم أو تساهل منه ، وإن قلده فيه الصنعاني في ((العدة)) (٢ /٤٨٥)، وأشد منه في الوهم قول البوصيري في ((الزوائد)) ( ق ١/٤٦ ): ((إسناده صحيح ، ورجاله ثقات)) ! ! وليت شعري كيف يكون ثقة صحيح الإسناد وفيه من كان يخطيء كثيراً، وهو معروف بذلك لدى أهل العلم ؟! ولا سيما وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث ، فرواه مرة هكذا ، ومرة قال: ((عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ◌َ له بمثله)). (١) البدائع (١٢٣/٣). (٢) الهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار. ٣٦٢ رواه على الوجهين أبو حاتم الرازي ، فقال ابنه (٣٧٨/١٣٦/١): (( سمعت أبي يقول : سألت يحيى بن معين وقلت له : حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق عن شريك عن بيان ... ( قلت : فذكره ثم قال: ) وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي فحدثنا به ، وحدثنا أيضا عن إسحاق عن شريك عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي عَ لِّ بمثله؟ قال يحيى: ليس له أصل؛ إني (١) نظرت في كتاب إسحاق فليس فيه هذا. قلت لأبي : فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي عَ للِ الذي أنكره يحيى ؟ قال : هو عندي صحيح ، وحدثنا به أحمد ابن حنبل بالحديثين جميعاً عن إسحاق الأزرق . قلت لأبي : فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده ؟ قال : كيف ؟ نظر في كتابه كله ؟! إنما نظر في بعض وربما كان في موضع آخر )) . فقد حكم أبو حاتم على الحديث بالصحة من رواية شريك بسنده عن أبي هريرة خلافاً لما يوهمه صنيع الحافظ في ((التلخيص)) ( ٦٧) أنه صحح حديث المغيرة ، والسياق المذكور من كلام أبي حاتم يشهد لما ذكرنا . ويؤيده أن أبا حاتم أعلّ الطريق الأولى . فقد قال ابن أبي حاتم (٣٧٦/١٣٦/١) بعد أن ساقها : ((ورواه أبو عوانة عن طارق عن قيس قال: سمعت عمربن الخطاب قال: أبردوا بالصلاة)) قال ابن أبي حاتم عن أبيه : ((أخاف أن يكون هذا الحديث ( يعني الموقوف على عمر) يدفع ذاك الحديث . قلت : فأيهما أشبه ؟ قال : كأنه هذا ، يعني حديث عمر ، قال أبي في موضع آخر : لوكان عند قيس عن المغيرة عن النبي ◌َ ◌ّه لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوفاً)). وقد ذكر الحافظ في ((التلخيص)) عن ابن معين نحوما ذكرابن أبي حاتم عن أبيه فقال : ((وأعله ابن معين بما روى أبو عوانة عن طارق عن قيس عن عمر موقوفا. وقال : لوكان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفا ، وقوى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك )) . قلت : وهذا هو الذي تقتضيه القواعد العلمية أن الحديث معلول بتفرد شريك به ومخالفته لمن هو أثبت منه ، فلا وجه عندي لتصحيح الحديث كما فعل أبو حاتم ، وقال الحافظ قبيل ما نقلنا عنه آنفاً! ((وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته)) وفي ((طرح الترتيب)) للحافظ العراقي (١٥٤/٢ ) : (( وذكر الخلال عن الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ــ حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيد جياد، قال: وفي رواية غير الميمونَي: (١) وكان آخر الأمرين من رسول اللّه عَ لَّم الإبراد)). (١) قلت : الأصل ( إنما ) ولعل الصواب ما أثبتنا. (١) يعني عن الإمام أحمد من قوله، وليس رواية في الحديث كما توهم البعض على ما يأتي التنبيه عليه . ٣٦٣ فهذا النقل عن الإمام أحمد غريب عندي لقوله ((أسانيد جياد )) مع أنه ليس له إلا إسناد واحد كما يفيده قول الحافظ ابن حجر : ((تفرد به إسحاق الأزرق عن شريك ... )). وقال البيهقي عقب الحديث : (( قال أبو عيسى الترمذي - فيما بلغني عنه - : سألت محمدا يعني البخاري - عن هذا الحديث ؟ فعده محفوظاً ، وقال : رواه غير شريك عن بيان عن قيس عن المغيرة قال : كنا نصلي الظهر بالهاجرة ، فقيل لنا : أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ، رواه أبو عيسى عن عمربن إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن بيان كما قال البخاري )) . قلت : عمر بن إسماعيل ضعيف جداً ، قال ابن معين : كذاب خبيث رجل سوء . وقال النسائي: ((ليس بثقة، متروك الحديث)). وأبوه فيه ضعف ، فمثل هذه الطريق لا يقوى طريق شريك لشدة ضعفها ، فلا أدري ما وجه عَدّ البخاري الحديث محفوظا ، فان كان بالنظر إلى الطريق الأولى فقد عرفت ضعفها وتفرد شريك بها ، وإن كان من أجل هذه الطريق فهي ضعيفة جدا . وخلاصة القول : أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة عندي ، لتفرد الضعيف به ، وعدم وجود شاهد معتبر له . ثم إن الكلام عليه إنما هو بالنظر لوروده بهذا السياق الذي يدل على أن صلاته مَ لّه بالهاجرة منسوخ بقوله : أبردوا ... وهو ظاهر الدلالة على ذلك، وبه احتج الطحاوي وغيره على النسخ ، فاذا تبين ضعفه سقط الاحتجاج به . وأما إذا نظرنا إلى الحديث نظرة أخرى وهي أنه تضمن أمرين اثنين: صلاته مَ لّه بالهاجرة، وأمره بالابراد، دون أن نربط بينهما بهذا السياق الذي يمنع من فعل أي الأمرين ، ويضطرنا إلى القول بالنسخ ، أقول : إذا نظرنا إليه هذه النظرة ، فالحديث صحيح . أما الأمر الأول فقد ورد من حديث جابر قال : ((كان النبي عَ لِّ يصلي الظهر بالهاجرة)). أخرجه البخاري (٣٣/٢) ومسلم (١١٩/٢) وغيرهما . واما الأمر بالإيراد، فقد ورد في ((الصحيحين)) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أيضا ، وابن عمر. فاذا عرف هذا ، فقد اختلف العلماء في الجمع بين الأمرين ، فذهب الطحاوي وغيره إلا أن الأول منسوخ، وقد عرفت ضعف دليله ، وذهب الجمهور إلى أن الأمر بالإيراد أمر استحباب، فيجوز التعجيل به ، والابراد أفضل ، وذهب بعض الأئمة إلى تخصيص ذلك بالجماعة دونٍ المنفرد ، وبما إذا كانوا ينتابون مسجداً من بُعد ، فلوكانوا مجتمعين ، أوكانوا يمشون في كِنَّ ٣٦٤ فالأفضل في حقهم التعجيل ، والحق التسوية ، وأنه لا فرق بين جماعة وجماعة ، ولا بينهما وبين الفرد ، فالكل يستحب لهم الإيراد ، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع ، يستوي فيه المنفرد وغيره كما قال الشوكانى (٢٦٥/١) . واما تخصيص ذلك بالبلد الحار ، فهو الظاهر من التعليل في قوله: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم)). ويشهد له من فعله عَ لّم حديث أنس قال : (كان رسول اللّه ◌َ له إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة». أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٦٢) والنسائي (٨٧/١) والطحاوي (١١١/١) . وله عنده شاهد من حديث أبي مسعود بسند حسن . (تنبيه): قال الحافظ في ((التلخيص)) في تخريج حديث المغيرة: ((وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول اللّه عَ لم الإيراد)). وتلقى هذا عنه الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (١ /٢٦٥) دون أن يعزوه إليه كما هو الغالب عليه من عادته ! ثم بنى على ذلك قوله في الصفحة التي قبل المشار إليها : ((فرواية الخلال من أعظم الأدلة الدالة على النسخ )). قلت : لكن الظاهر مما نقله الحافظ العراقي عن الخلال فيما سبق ذكره في هذا البحث أن هذه الرواية ليست من حديث المغيرة ، وإنما هي من قول الإمام أحمد رحمه الله ، وقد صرح بهذا الحافظ في ((الفتح)) (١٣/٢) فقال: ((ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله محمد له)). وكذا قال الصنعاني في ((العدة)) (٢ /٤٨٥) دون أن يعزوه للحافظ أيضاً! ٩٥٠ - ( قال الله تبارك وتعالى: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ، ولم يستطل على خلقي ، ولم يبت مصراً على معضيتي ، وقطع نهاره في ذكري ، ورحم المسكين وابن السبيل ، والأرملة ، ورحم المصاب ، ذلك نوره كنور الشمس ، أكلؤه بعزتي ، وأستحفظه ملائكتي ، وأجعل له في الظلمة نورا ، وفي الجهالة حلماً ، ومَثَله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة ) . ضعيف . رواه البزار (ص ٦٥ - زوائده) وابن حبان في ((المجروحين)) (٣٥/٢) عن عبد الله بن واقد الحراني عن حنظلة بن أبي سفيان عن طاوسٍ عن ابن عباس مرفوعا . قلت : وعبد الله بن واقد كان متعففاً صالحا متفقها برأي أبي حنيفة حافظاً له . ولم يكن حافظاً للحديث، فضعف حديثه وترك. كذا في ((الأحكام الكبرى)) (١/٥٧ - ٢) لعبد الحق الإشبيلي. وقال في ((المجمع)) (١٤٧/٢) : ٣٦٥ ((رواه البزار وفيه عبد الله بن واقد الحراني ضعفه النسائي، والبخاري، وابراهيم الجوزجاني ، وابن معين في رواية ، ووثقه في رواية ، ووثقه أحمد ، وقال : كان يتحرى الصدق وأنكر على من تكلم فيه ، وأثنى عليه خيراً ، وبقية رجاله ثقات)) . وكذا قال في ((الترغيب (١٨٦/١) أن بقية رواته ثقات، وأشار إلى أن في ابن واقد هذا ضعفاً، ولم يسق فيه كلاماً للأئمة . وجمهور الأئمة على تضعيفه ، وأحمدوإن أثنى عليه خيرا فقد نسبه للخطإ والتدليس، وقال: ((لعله كبر واختلط)). لكنه لم ينفرد به ، فأخرجه الحسن بن علي الجوهري في ((مجلس من الأمالي)) (ق ٢/٦٩) من طريق ابن نَمَيْر : ثنا ابن كثير، عن عبد الله بن طاوس عن أبيه به . قلت : لكن ابن كثير واسمه محمد بن كثير البصري السلمي القصاب ، قال ابن المديني : ((ذاهب الحديث)). وقال البخاري والساجي : ((منكر الحديث)) . وضعفه آخرون . وروي من حديث علي مرفوعا نحوه ، وزاد في آخره : (( لا يتسنى ثمارها، ولا يتغير حالها)). رواه ابن عساكرفي ((مدح التواضع)) (ق ١/٩٠ - ٢) وقال : ((قال الدارقطني : غريب تفرد به الدينوري )) . قلت : يعني أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن المبارك الدينوري ، قال الذهبي : (( منكر الحديث ، ضعيف ، ذكره ابن عدي ، وذكر له مناكير، وكان ليس بثقة يأتي بيلايا )). ثم ساق له حديثين من بلاياه وموضوعاته. وأقره الحافظ في ((اللسان))، وقال : ((وأورد له ابن عدي أحاديث قال في بعضها : باطل بهذا الاسناد ، ثم قال: وله غير ما ذكرت من المناكير)) . ٩٥١ - (كان إذا أُمَّن أُمَّن من خلفه حتى إن للمسجد ضجة ). لا أصل له بهذا اللفظ فيما نعلم . وقد نص على ذلك الحفاظ ، فقال الحافظ ابن حجر في (( التلخيص)) ( ص ٩٠) : ((لم أره بهذا اللفظ، لكن روى معناه ابن ماجه من حديث بشربن رافع)) ( ثم ذكر الحديث الآتي ) ثم قال : ((تنبيه: قال ابن الصلاح في الكلام على ((الوسيط)): هذا الحديث أورده الغزّالي هكذا تبعاً لإمام الحرمين ؛ فإنه أورده في (( نهايته )) كذلك ، وهو غير صحيح مرفوعاً.، وإنما رواه الشافعي من حديث عطاء قال : ((كنت أسمع الأئمة ابن الزبير فمن بعده يقولون: آمين حتى إن للمسجد للجة)). ٣٦٦ وقال النووي مثل ذلك ، وزاد : هذا غلط منهما . وكأنه وابن الصلاح ارادا لفظ الحديث ، والحق معهما ، لكن سياق ابن ماجه يعطي بعض معناه كما أسلفناه)) . قلت : ما سلف من كلامه ينص على أن سياق ابن ماجه يعطي معناه كله لا بعضه ، فليتأمل فان السياق المشار إليه يحتمل بعض المعنى أوكله ، أما البعض فهو جهر الإمام وحده ، وهو صريح في ذلك، وأما الكل ، فهو هذا مع جهر المؤتمين لقوله فيه ((فيرتج بها المسجد))، فإن هذا يحتمل أن الارتجاج سَبه تأمين الرسول عَ لّه وهو صريح الحديث، ويحتمل أنه بسبب تأمين المؤتمين معه ، وهو محتمل . وهذا هو لفظ ابن ماجه : ٩٥٢ - (كان إذا تلا ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال : آمين ، حتى يسمع من يليه من الصف الأول [ فيرتج بها المسجد ]))) . ضعيف . أخرجه أبو داود (١ /١٤٨) والسياق له وابن ماجه (١ /٢٨١) والزيادة له ، كلاهما من طريق بشربن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة مرفوعا . قلت : وهذا سند ضعيف، وقول الحافظ أبوزرعة ابن العراقي في ((طرح التثريب)) (٢٦٨/٢): ((وإسناده جيد)) غير جيد، يبينه ما يأتيك من النصوص. فقال الحافظ في ((التلخيص)) ( ٩٠ ) : (( وبشربن رافع ضعيف، وابن عم أبي هريرة، قيل: لا يعرف، وقد وثقه ابن حبان)). وقال البوصيري في ((الزوائد)) ( ق ١/٥٦ ): (( هذا إسناد ضعيف ، أبو عبد الله لا يعرف حاله ، وبشرضعفه أحمد ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات )). قلت : وتمام كلام ابن حبان (١٧٩/١ ) : ((كأنه كان المتعمد لها )) . ومن أوهام الشوكاني رحمه اللّه أنه قال في هذا الحديث بعد أن ذكره المجد ابن تيمية بلفظ أبي داود ولفظ ابن ماجه ( ١٨٨/٢ ) قال الشوكاني : ((أخرجه أيضا الدارقطني، وقال: إسناده حسن ، والحاكم ، وقال: صحيح على شرطهما)) والبيهقي وقال : حسن صحيح)) ! وهؤلاء إنما أخرجوا الشطر الأول من الحديث بلفظ : ((كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته فقال: آمين)) . فليس فيه تسميع من يليه من الصف ... الخ . فهذا اللفظ لا يحتمل ما يحتمله لفظ ابن ماجه من تأمين المؤتمين أيضا حتى يرتج بها المسجد ، فثبت الفرق بين اللفظين ، ولم يجزعزو الأول منهما إلى من أخرج الآخر ، كما هو ظاهر. ٣٦٧ على أن هذا اللفظ إسناده ضعيف أيضاً ، فإن فيه عندهم جميعا اسحاق بن إبراهيم ابن العلاء الزبيدي وهو المعروف بابن زبريق وهو ضعيف ، قال أبوحاتم : (( شيخ لا بأس به )) وأثنى عليه ابن معين خيراً، وقال النسائي : (( ليس بثقة)) . وقال محمد بن عوف : (( ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب )). لكن هذا اللفظ معناه صحيح ، فإن له شاهداً من حديث وائل بن حجر بسند صحيح . وأما اللفظ الأول فلا أعرف ما يشهد له من السنة إلا ما رواه الشافعي في ((مسنده)) (٧٦/١) : أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال : ((كنت أسمع الأئمة وذكرابن الزبير ومن بعده يقولون آمين ، ويقول من خلفهم آمين ، حتى أن للمسجد للجة )) . سكت عليه الحافظ كما سبق قريباً ، وفيه علتان : الأولى : ضعف مسلم بن خالد وهو الزنجي ، قال الحافظ : ((صدوق ، كثير الأوهام )) . الثانية : عنعنة ابن جريج ؛ فإنه كان مدلسا ، ولعله تلقاه عن خالد بن أبي أنوف فقد رواه عن عطاء بلفظ : ((أدركت مائتين من أصحاب رسول اللّه يَِّ في هذا المسجد ( يعني الحرام) إذا قال الإمام: ( ولا الضالين) رفعوا أصواتهم بآمين . (وفي رواية ): سمعت لهم رجة بآمين )). أخرجه ابن حبان في ((الثقات)) (٧٤/٢) والبيهقي (٥٩/٢) والرواية الأخرى له . وخالد هذا ترجمه ابن أبي حاتم (٣٥٥/٢/١ -٣٥٦)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا ، وأورده ابن حبان في (( الثقات )) وفي ترجمته ساق له هذا الأثر ، وتوثيق ابن حبان فيه تساهل معروف ، ولذلك فإني غير مطمئن لصحة روايته ، فان كان ابن جريج أخذه عنه فالطريق واحدة ، وإلا فلا ندري عن تلقاه ابن جريج ، ويبدو أن الإمام الشافعي نفسه لم يطمئن أيضا لصحة روايته هذه، فقد ذهب إلى خلافها، قال في الأم ((( ١ /٩٥) : (( فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن قال آمينٍ ، ورفع بها صوته ، ليقتدي به من كان خلفه ، فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم ، ولا أحب أن يجهروا بها )). فلو أن هذا الأثر ثابت عن أولئك الصحابة عند الشافعي لما أحب خلاف فعلهم إن شاء الله ولذلك فالأقرب إلى الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي أن يجهر الإمام دون المؤتمين . والله أعلم . ثم رأيت البخاري قد علق أثر ابن الزبير المذكور بصيغة الجزم ، فقال الحافظ في ((الفتح)) (٢٠٨/٢) : (( وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ، قال ويعني ابن جريج ، قلت له : أكان ٣٦٨ ابن الزبير يؤمن على أثرام القرآن ؟ قال : نعم ، ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد للجة ، ثم قال : إنما آمين دعاء)). قلت: وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) برقم ( ٢٦٤٠ ج ٢) ومن طريقه ابن حزم في ((المحلى)) (٣ / ٠٣٦٤). فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية أنه تلقى ذلك عن عطاء مباشرة ، فأمِنًا بذلك تدليسه ، وثبت بذلك هذا الأثر عن ابن الزبير وقد صح نحوه عن أبي هريرة ، فقال أبورافع : ((إن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم ، فاشترط أن لا يسبقه بـ ( الضالين ) حتى يعلم أنه قد دخل الصف ، فكان إذا قال مروان : ( ولا الضالين ) قال أبو هريرة: آمين يَمُدُّ بها صوته ، وقال : إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم)) . أخرجه البيهقي (٥٩/٢) وإسناده صحيح . فاذا لم يثبت عن غير أبي هريرة وابن الزبير من الصحابة خلاف الجهر الذي صح عنهما ، فالقلب يطمئن للأخذ بذلك أيضا ، ولا أعلم الآن أثراً يخالف ذلك ، والله أعلم . ٩٥٣ - ( إذا نام العبد في سجوده باهى اللّه عزوجل به ملائكته ، قال : انظروا إلى عبدي ، روحه عندي ، وجسده في طاعتي ! ) ضعيفٍ. رواه تمام في ((الفوائد)) (ق ٢٦٣ / ٢) وعنه ابن عساكر (١١ /١/٤٤٤) عن داود بن الزَّبرقان عن سليمان التيمي عن أنس مرفوعا . قلت : وهذا سند ضعيف جداً، داود بن الزبرقان قال الحافظ في ((التقريب)): ((متروك، وكذبه الأزدي)). وقال ابن حبان (١ /٢٨٧) : (يأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم)). قلت: ومن طريقه رواه البيهقي أيضا في ((الخلافيات)) كما في (( تلخيص الحبير)) (ص ٤٤) واقتصر هناك على قوله في داود هذا : إنه ضعيف : وقال : ((وروي من وجه آخر عن أبان عن أنس، وأبان متروك)). وروي من حديث أبي هريرة مرفوعا . أخرجه ابنٍ سَمعون في ((الأمالي)) (١/١٧٢) عن حجاج بن نصير : نا المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي هريرة . قلل : وهذا سند ضعيف ، وفيه ثلاث علل : ١ - حجاج بن نُصَير ، قال الحافظ : ((ضعيف كان يقبل التلقين)). ٣٦٩ ٢ - المبارك بن فضالة ضعيف أيضا ، قال الحافظ : (( صدوق ، يدلس ويسوي)). ٣ - الحسن وهو البصري ؛ فإنه على جلالته كان يدلس ، ومن طريقة الأئمة النقاد إعلال الحديث بعنعنة الحسن البصري، فانظر ((اللآلي المصنوعة)) للسيوطي (٣٨٩/٢) ، على أنه اختلف في ثبوت سماعه من أبي هريرة ، . لكن ذكر الحافظ في ((التلخيص)) أنه رواه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) من حديث المبارك بن فضالة ، فان كان عنده من غير طريق حجاج بن نَصير ، فقد ذهبت العلة الأولى وبقيت الثانية والثالثة . ثم قال الحافظ . ((وذكره الدارقطني في ((العلل)) من حديث عباد بن راشد كلاهما ( يعني المبارك وعباداً ) عن الحسن عن أبي هريرة ، قال الدارقطني : وقيل : عن الحسن : بلغنا عن النبي ◌َ ◌ّه . قال : والحسن لم يسمع من أبي هريرة)). قلت : وعباد بن راشد صدوق له أوهام ، فمتابعته للمبارك تذهب بالعلة الثانية ، فيبقى في الحديث العلة الثالثة، وبها أعل الحديث ابن حزم في ((المحلى)) فقال (١ /٢٢٨): ((وهذا لا شيء، لأنه مرسل، لم يخبر الحسن ممن سمعه)). ثم قال الحافظ : ((ومرسل الحسن ، أخرجه أحمد في ((الزهد))، وروى ابن شاهين عن أبي سعيد معناه، وإسناده ضعيف )). قلت: وسنده في ((الزهد) (١/٨١/٢٠) صحيح، فرجع الإسناد إلى أنه من مرسل الحسن البصري فهو علته . والحديث على ضعفه قد استدل به من ذهب إلى أن نوم الساجد - وألحقوا به الراكع - لا ينقض الوضوء ، قال ابن حزم : (( لوصح لم يكن فيه إسقاط الوضوء عنه)) . وهوكما قال، وقال الصنعاني في ((سبل السلام)) (٩٢/١): (( ومن استدل به قالوا : سماه ساجداً وهو نائم ، ولا سجود إلا بطهارة ، وأجيب بأنه سماه باعتبار أول أمره ، أو باعتبار هيئته )) . وقد ذكر الصنعاني اختلاف العلماء ، في هذه المسألة ، وجمع الأقوال فيها فبلغت ثمانية ، الصواب منها القول الأول وهو أن النوم ناقض مطلقاً على كل حال قليلاً كان أوكثيرا ، ونصره ابن حزم بادلة قوية فراجعه . ومثل هذا الحديث في الضعف والدلالة الحديث الآتي . ٩٥٤٧ - ( من استحق النوم وجب عليه الوضوء ) . شاذ لا يصح. رواه الحافظ ابن المظفر في ((غرائب شعبة)) ( ٢/١٤٨): ثنا أبو الفضل العباس بن إبراهيم : ثنا أبو غسان مالك بن الخليل : ثنا محمد بن عَبّاد الهنائي : ثنا شعبة عن ٣٧٠ الجريري عن خالد بن غلاق ــ ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة مرفوعا : قلت : وهذا سند رجاله كلهم ثقات: أبو الفضل العباس بن إبراهيم له ترجمة في (( تاريخ الخطيب)) (١٥١/١٢ - ١٥٢) وقال : ((وكان ثقة)). وسائرهم من رجال ((التهذيب)). لكن قوله: ((لا أعلمه إلا ... )) فيه بعض الشك في رفعه ، ويقوي الشك أن الهنائي خولف في رفعه ، فقال علي بن الجعد : أنا شعبة فذكره موقوفاً. أخرجه البغوي في ((الجعديات)) (١/٦٩/٧) ومن طريقه البيهقي (١١٩/١). وعلي بن الجعد ثقة ثبت، وقد تابعه ثقات، فقال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/٣٩/١): حدثنا هُشَيم وابن عُلَّة عن الجُريري عن خالد بن غِلاق القيسي عن أبي هريرة قال : فذكره موقوفا عليه . ولعله الصواب . وزاد ابن علية ، قال الجريري : فسألنا عن استحقاق النوم ؟ فقالوا (((إذا وضع جنبه)) . قلت : فاتفاق هؤلاء الثلاثة الثقات على وقفة يجعل رواية الهنائي شاذة ، ولذلك قال البيهقي : ((وقد روي مرفوعاً ولا يصح رفعه)). وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٣) بعد أن ذكره من طريق البيهقيٍ : ((وروي موقوفاً، وإسناده صحيح، ورواه في ((الخلافيات)) من طريق آخر عن أبى هريرة وأعله بالربيع بن بدر عند ابن عدي ، وكذا قال الدارقطني في ((العلل)) أن وقفه أصح )) . قلت : ويشهد لوقفه أن البيهقي رواه (١٢٢/١ - ١٢٣) من طريق أخرى عن يزيد ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول : (( ليس على المحتبي النائم ، ولا على القائم النائم ، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع ، فاذا اضطجع توضأ)) ، وقال : ((وهذا موقوف)). قلت : وإسناده جيد كما قال الحافظ في (( التلخيص)). لكن الراجح أن العمل على خلافه كما تقدم في آخر الحديث الذي قبله . ٩٥٥ - ( يا معاذ إذا كان في الشتاء فَغْلَس بالفجر، وأطل القراءة قدرما يطيق الناس ولا تُمِلَّهم ، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر ؛ فإن الليل قصير ، والناس ينامون ، فأمهلهم حتى يدّاركوا ) . موضوع . رواه البغوي في ((شرح السنة)) (١/٥٢/١) من طريق أبي الشيخ وهذا في ((أخلاق النبي ◌َّلِ)) (ص ٧٦ و٨٠) عن يوسف بن أسباط : المنهال بن الجراح عن عبادة ابن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول اللّه عَ لّه إلى اليمن فقال: فذكره . ٣٧١ قلت : وهذا سند ضعيف جداً . بل موضوع ، آفته المنهال بن الجراح ، وهو الجراح بن المنهال ، انقلب على يوسف بن أسباط ، وكذلك قلبه محمد بن إسحاق كما ذكر الحافظ في ((اللسان ))، وهو متفق على تضعيفه، وقال البخاري ومسلم: ((منكر الحديث)) . وقال النسائي والدارقطني: ((متروك))، وقال ابن حبان (٢١٣/١): ((كان يكذب في الحديث ، ويشرب الخمر)) . وذكره البرقي في (( باب من اتهم بالكذب)) . ومما يؤكد كذبه في هذا الحديث أنه خلاف ما جرى عليه رسول اللّه ◌َ له من التغليس بصلاة الفجر دون تفريق بين الشتاء والصيف ، كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة فأكتفي بذكر واحد منها، وهو حديث أبي مسعود البدري ((أن النبي عَ لّهِ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفربها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، ولم يعد إلى أن يسفر)). رواه أبو داود بسند حسن كما قال النَّووي وابن حبان في «صحيحه » ( ٢٧٩ ) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٤١٧). والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء ، من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ، ومنهم الإمام احمد أن التعجيل بصلاة الفجر أفضل، لكن ذكر ابن قدامة في ((المقنع)) (١ /١٠٥) رواية أخرى عن الإمام أحمد: ((إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار))، واحتج له في الشرح بحديث معاذ هذا، وعزاه لأبي سعيد الأموي في مغازيه ! ٩٥٦ - ( إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره ، فلا ينظرَنَّ إلى شيء من عورته ؛ فإن أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته ) . ضعيف مضطرب . يرويه سوّار بن داود أبو حمزة عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده ، فرواه هكذا محمد بن عبد الرحمن الطّفاوي وعبد الله بن بكر السهمي - المعنى واحد - قالا: حدثنا سوار به . أخرجه الإمام أحمد ( رقم ٦٧٥٦ ) عنهما معاً هكذا . وأخرجه الدارقطني (٨٥) وعنه البيهقي (٢٢٨/٢ - ٢٢٩) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٧٨/٢٠) وكذا العقيلي في ((الضعفاء)) ( ١٧٣ - ١٧٤ ) عن السهمي وحده . وتابعهما وكيع عن سوارلكنه قلب اسمه فقال: ((داود بن سوّار)) بلفظ: ((إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره ، فلا ينظر إلى ما دون السرة، وفوق الركبة )). أخرجه أبو داود (١ /١٨٥ - ١٨٦ - عون) وقال : (( وهم وكيع في اسمه ، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال : ثنا أبو حمزة سوار الصيرفي)) . ٣٧٢ وخالفهم النضربن شميل فقال : أنا أبو حمزة الصيرفي وهوسواربن داود به بلفظ : ((إذا زوج أحدكم عبده : أمته أو أجيره ، فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته ، فإن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة )) . أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي . فهذه الرواية على خلاف الروايات السابقة فإنها صريحة في أن المنهي عن النظر إنما هي الأمة، وأن ضمير ((عورته)) راجع إلى ((أحدكم)) والمقصود به السيد، وهذه الرواية أرجح عندي لسببين : الأول : أنها أوضح في المعنى من الأولى لأنها لا تحتمل إلا معنى واحداً . بخلاف الأولى، فإنها تحتمل معنيين : أحدهما يتفق مع معنى هذه ، والآخر يختلف عنه تمام الاختلاف ، وهو الظاهر من المعنيين، وهو أن المنهي عن النظر إنما هو السيد، وأن ضمير ((عورته)) راجع الى العبد أو الأجير أي الأمة ، ولهذا استدل بعض العلماء بهذه الرواية على أن عورة الأمة كعورة الرجل ما بين السرة والركبة، قال: ((ويريد به ( يعني بقوله: عبده أو أجيره ) الأمة ؛ فإن العبد والأجير لا يختلف حاله بالتزويج وعدمه)) (١) لكن المعنى الأول أرجح بدليل هذه الرواية التي لا تقبل غيره ويؤيده السبب الآتي وهو : الآخر : أن الليث بن أبي سليم قد تابع سواراً في روايته عن عمروبه ولفظه : ((إذا زوج أحدكم امته عبده أو أجيره، فلا تنظر إلى عورته ، والعورة ما بين السرة والركبة )). أخرجه البيهقي (٢٢٩/٢) عن الخليل بن مرة عن الليث . وهذا السند إلى عمرو، وإن كان ضعيفا ، فإنه لا بأس به في الشواهد والمتابعات ، وهذا صريح في المعنى الأول لا يحتمل غيره أيضا ، لكن روي الحديث بلفظ آخر ، لا يحتمل إلا المعنى الآخر، وهو من طريق الوليد : ثنا الأوزاعي عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ : ((إذا زوج أحدكم عبده أمته [ أو أجيره ] فلا ينظرن إلى عورتها )). كذا قال: ((عورتها)). أخرجه البيهقي (٢٢٦/٢) ، والوليد هو ابن مسلم وهو يدلس تدليس التسوية ، وقد عنعن بين الأوزاعي وعمرو، ثم هو لوصح ، فليس فيه تعيين العورة من الأمة ، ولذلك قال البيهقي بعد أن أتبع هذه الرواية برواية وكيع المتقدمة : ((وهذه الرواية إذا قرنت برواية الأوزاعي دلنا على أن المراد بالحديث نهي السيد عن النظر إلى عورتها إذا زوجها ، وأن عورة الأمة ما بين السرة والركبة . وسائر طرق هذا الحديث يدل ؛ وبعضها ينص على [ أن ] المراد به نهي الأمة عن النظر إلى عورة السيد ، بعد ما زوجت ، أونهي الخادم من العبد او الأجير عن النظر إلى عورة السيد بعدما بلغا النكاح ، فيكون الخبر وارداً في بيان مقدار العورة من الرجل ، لا في بيان مقدارها من الامة )) . (١) انظر الحاشية على ((المقنع)) (١١٠/١). ٣٧٣ وجملة القول أن الحديث اضطرب فيه سوار، فلا يطمئن القلب إلى ترجيح رواية من روايتيه ، وإن كنا نميل إلى الرواية التى وافقه عليها الليث بن أبي سليم وإن كان ضعيفا ، فإن اتفاق ضعيفين على لفظ من لفظين ، أولى بالترجيح من اللفظ الآخر الذي تفرد به أحدهما ، هذا لواتفق الرواة عنه فيه ، فكيف وقد اختلفوا ، والبيهقي ، وإن مال إلى أن الحديث ورد في عورة الرجل لا الأمة ، فقد جزم بضعفه للاختلاف الذي ذكرنا ، فقال : (( فأما حديث عمروبن شعيب فقد اختلف في متنه ، فلا ينبغي أن يعتمد عليه في عورة الأمة وإن كان يصلح الاستدلال به وبسائر ما يأتي عليه معه في عورة الرجل. وبالله التوفيق)). وإذا عرفت ذلك ، فمن الغرائب أن تتبنى بعض المذاهب هذا الحديث فتقول : بأن الأمة عورتها عورة الرجل ! ويرتب على ذلك جواز النظر إليها ، بل هذا ما صرح به بعضهم ، فقالوا : ((فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها )) ! ذكره الجصاص في ((أحكام القرآن)) (٣٩٠/٣)، ولا يخفى ما في ذلك من فتح لباب الفساد ، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاقاً التستر، وعلى الرجال غض البصر انظر كتابنا ((حجاب المرأة المسلمة)) (٢٢ - ٢٥). ٩٥٧ - (إن الله عزوجل قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيمة كأنما أنظر إلى كفي هذه ؛ جلِياناً من أمر الله عزوجل جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين قبله ) . ضعيف جدا . رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٠١/٦) من طريق الطبراني : ثنا بكربن سهل : ثنا نعيم بن حماد : ثنا بقية عن سعيد بن سنان : ثنا أبو الزلهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر مرفوعا . قلت : وهذا إسناد واه فيه اربع علل : ١ - : سعيد بن سنان متروك ، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع . ٢ - وبقية مدلس وقد عنعنه . ٣ - ونعيم بن حماد ضعيف . ٤ - وبكر بن سهل ضعيف أيضا . والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨٧/٨) وقال: ((رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف كثير في سعيد بن سنان الرهاوي)). ٩٥٨ - (كان لا يمس من وجهي شيئاً وأنا صائمة . قالته عائشة ) ٣٧٤ منكر. رواه ابن حبان في صحيحه ( ٩٠٤ ) : أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع : حدثنا عثمان بن أبي [ شيبة : ثنا وكيع عن ] (١) زكريا بن أبي زائدة عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: فذكره مرفوعا إلى النبي معَ ◌ّه ، وقد رواه الإمام أحمد (١٦٢/٦) فقال: ثنا وكيع عن زكريا به ... مثله . يعني مثل حديث ساقه قبله فقال : ثنا يحيى بن زكريا : حدثني أبي عن صالح الأسدي عن الشعبي عن محمد بن الأشعث ابن قيس عن عائشة أم المؤمنين قالت : ((ما كان رسول الله ترٍ يمتنع من شيء من وجھي وهو صائم)). قلت : وفي هذا السياق مخالفتان : الأولى في السند ، والأخرى في المتن . أما المخالفة في السند ، فهي أنه جعل مكان العباس بن ذريح ؛ صالحاً الأسدي ، وهو صالح بن أبي صالح الأسدي ، وهو مجهول كما يشير إلى ذلك الذهبي بقوله : (( تفرد عنه زكريا بن أبي زائدة )). وقد قيل : عنه عن محمد بن الأشعث عن عائشة بإسقاط الشعبى من بينهما . أخرجه النسائي وقال: ((إنه خطأ، والصواب الأول)) كما في ((تهذيب التهذيب)). وأخرجه النسائي في ((العِشْرة)) من ((الكبرى)) (ق ١/٨٤) من طريق زياد بن أيوب قال: حدثنا ابن أبي زائدة قال : أخبرني أبي عن صالح الأسدي عن الشعبي به . فهذا يرجح رواية أحمد عن وكيع ، ويدل على أن رواية ابن حبان شاذة . ثم رأيتها في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٦٠/٣) عن وكيع مثل رواية أحمد . وأما الاختلاف في المتن فظاهر بأدنى تأمل ، وذلك أن يحيى بن زكريا ، جعل المتن نفي امتناعه ◌َ له من تقبيل وجه عائشة وهو صائم ، بينما جعله وكيع - في رواية ابن حبان - نفي تقبيله عَ لله لها وهي صائمة ! فإذا كان لفظ رواية وكيع عند أحمد ، مثل لفظ رواية يحيى ابن زكريا كما يدل عليه احالة أحمد عليه بقوله: ((مثله)) كما سبقت الإشارة إليه ، إذا كان الأمر كذلك كانت رواية وكيع عند ابن حبان شاذة لمخالفتها ، لروايته عند أحمد ورواية يحيى بن زكريا . ويؤكد هذا موافقة لفظ زياد بن أيوب عند النسائي للفظ أحمد . وسواء كان الأمركما ذكرنا أولم يكن ، فاننا نقطع بأن هذه الرواية شاذة بل منكرة ، لمخالفتها للحديث الثابت بالسند الصحيح عن عائشة انه ◌َ الله كان يقبلها وهما صائمان، فقال الإمام أحمد (١٦٢/٦) : ثنا يحيى بن زكريا قال : أخبرني أبي عن سعد بن إبراهيم عن رجل من قريش من بني تميم يقال له طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت : ((تناولني رسول اللّه ◌َ له. فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم)). وهذا سند صحيح ، وقد رواه جماعة من الثقات عن سعد بن إبراهيم به نحوه ، كما بينته في ((الأحاديث الصحيحة)) فانظر ((كان يقبلني ... )) (رقم ٢١٩) (١) سقطت هذه الزيادة من النسخة المطبوعة، فاستدركتها من أصلها المخطوط المحفوظ في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة ( ق ١/٦٨ ) ، بعد أن ضيعت وقتا كثيراً في معرفة عثمان بناء على ما وقع في المطبوعة ! وأما فهرس الخطإ فيها ، فقد جاء التصويب فيه خطأً أيضاً ! ٣٧٥ وعلة حديث الترجمة إنما هي تفرد محمد بن الأشعث بهما ، وهو في عداد مجهولي الحال ، فقد أورده البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٦/١/١) وابن أبي حاتم (٢٠٦/٢/٣) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، نعم ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٣١/٣) وروي عنه جمع من الثقات ، فمثله حسن الحديث عندي إذا لم يخالف . ولكن لما كان قد تفرد بهذا الحديث وخالف فيه الثقة وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان القرشي الذي أثبت أنه مَّ اللَ كان يقبل عائشة وهي صائمة ، كان الحديث بسبب هذه المخالفة شاذاً بل منكراً . وقد اتفق الشيخان على إخراج حديثها بلفظ ((كان يقبل وهو صائم )) وليس فيه بيان أنها كانت صائمة أيضا كما في حديث القرشي عنها ، وقد خفي هذا على بعض أهل العلم ، كما خفي عليه حال هذا الحديث المنكر، فقال الصنعاني في ((سبل السلام)) (٢١٨/٢): ((تنبيه)): قولها: ((وهو صائم)) لا يدل على أنه قبلها وهي صائمة فقد أخرج ابن حبان باسناده [عنها] أن النبي ◌َ ◌ّلِ كان لا يمس وجهها وهي صائمة، وقال: ليس بين الخبرين تضاد؛ لأنه كان يملك إربه ، ونبه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لمن هو بمثابة حاله ، وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة ، علماً منه بما ركب في النساء من الضعف عند الأشياء التي ترد عليهن، انتهى)) . فقد فات ابن حبان حديث القرشي المشار إليه ، وتبعه عليه الصنعاني ، وذهل هذا عن علة حديث ابن حبان ! وتبعه على ذلك الشوكاني (٤ / ١٨٠). ولكن هذا لم يفته حديث القرشي ، بل ذكره من طريق النسائي ، فالعجب منه كيف ذكر الحديثين دون ان يذكر التوفيق بينهما ، والراجح من المرجوح منهما . فهذا هو الذي حملني على تحرير القول في نكارة هذا الحديث . والله ولي التوفيق . ثم إني لما رأيت الحديث في ((المصنف)) ووجدت متنه بلفظ: ((كان لا يمتنع من وجهي وأنا صائمة))، تيقنت شذود لفظ ابن حبان ، كما تبينت أنه لا علاقة لابن الأشعث به ، وإنما هو من ابن حبان نفسه أومن شيخه عمران . والله أعلم . ٩٥٩ - ( الوضوء مما خرج ، وليس مما دخل ) . منكر. رواه ابن عدي (٢/١٩٤) والدارقطني (ص ٥٥) والبيهقي (١١٦/١) عن الفضل بن المختار عن ابن أبي ذئب عن شعبة ـ يعني - مولى ابن عباس عنه أن رسول اللّه محد له قال : فذكره . وقال البيهقي : ((لا يثبت)). قلت : وله ثلاث علل : الأولى : الفضل بن المختار، وهو أبو سهل البصري وهو متروك ، قال أبوحاتم : ((أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل)). وقال ابن عدي : ٣٧٦ ((عامة أحاديثه منكرة لا يتابع عليها)) . وساق له الذهبي أحاديث ، قال في واحد منها : (( يشبه أن يكون موضوعاً ))، وفي الأخرى ، (( هذه أباطيل وعجائب )) ! الثانية: شعبة مولى ابن عباس، وهو صدوق سيء الحفظ، كما في (( التقريب)). وقال في (( التلخيص)) ( ص ٤٣ ) : ((وفي إسناده الفضل بن المختار ، وهو ضعيف جداً، وفيه شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف ، وقال ابن عدي : الأصل في هذا الحديث أنه موقوف ، وقال البيهقي : لا يثبت مرفوعا ، ورواه سعيد بن منصور موقوفا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه ، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة ، وإسناده أضعف من الأول ، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً )). قلت : فقد أشار الحافظ إلى أن في الحديث علة أخرى وهي : الثالثة : وهي الوقف ، فإن شعبة المذكور علاوة على كونه ضعيفاً ، فقد خالفه الثقة أبو ظبيان وهو حصين بن جندب الجهني فقال : عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال : ((الفطر مما دخل ، وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل )). رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان. ذكره الحافظ في ((الفتح)) (١٤١/٤) وقد علقه البخاري في ((صحيحه)) مجزوماً به مقتصرا على الشطر الأول منه )) وقد وصله أيضا البيهقي في ((سننه)) (١١٦/١ و٢٦١/٤) من طريق أخرى عن وكيع به ، وهذا سند صحيح موقوف . فهو الصواب كما أشار إلى ذلك ابن عدي ثم البيهقي ثم الحافظ . وأما حديث أبي أمامة الذي أشاراليه الحافظ في كلامه السابق فهو الآتي عقبه . ( تنبيه ) : ذكر الشوكاني حديث الترجمة هذا بلفظ : الفطر مما دخل ، والوضوء مما خرج )) وقال : ((أخرجه البخاري تعليقا، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة)). ثم ضعفه بالفضل بن المختار ، وشعبة مولى ابن عباس . أقول : وفي هذا التخريج على إيجازه أوهام لا بد من التنبيه عليها . الأول : أن الحديث عند البخاري وابن أبي شيبة موقوف وليس بمرفوع كما تقدم . الثاني : أن إسنادهما صحيح وليس بضعيف . الثالث : أن البخاري لم يخرجه بتمامه ، بل الشطر الأول منه فقط ، كما سبق منا التنصيص عليه . وقد وقع في بعض هذه الأوهام الصنعاني قبل الشوكاني ! فإنه ذكر الحديث مرفوعا إلى النبي عَ لِ مجزوماً به بلفظ: ((الفطر مما دخل وليس مما خرج)). ثم قال في تخريجه : ((علقه البخاري عن ابن عباس ، ووصله عنه ابن أبي شيبة )) . فوهم الوهم الأول . وزاد وهما آخر. وهو أن المرفوع صحيح لجزمه به وعدم ذكر علته ، ٣٧٧ فهذا وذاك هو الذي حملني على تحقيق القول في هذا الحديث لكيلا يغتر بكلامهما من لا علم عنده بأوهامهما . هذا وللحدیث شاهد من رواية أبي امامة ، ولکنه ضعيف جدا وهو. ٩٦٠ - ( إنما الوضوء علينا مما خرج، وليس علينا مما دخل ) . ضعيف جدا. رواه الطبراني في ((الكبير)) عن أبي أمامة قال : ((دخل رسول اللّه ◌َ له على صفية بنت عبد المطلب فغرفت له ، أو فقربت له عرقا فوضعته بين يديه ، ثم غرفت أو قربت آخر فوضعته بين يديه ، فأكل ، ثم أتى المؤذن فقال : الوضوء الوضوء. فقال))، فذكره. قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٢/١): ((وفيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد ، وهما ضعيفان لا يحل الاحتجاج بهما)). قلت : ولذلك قال الحافظ فيما سبق نقله عنه في الكلام على الحديث الذي قبله . ((إنه أشد ضعفاً منه)). ٩٦١ - ( إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج). ضعيف. أخرجه أبويعلى في (( مسنده)): حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا مروان بن معاوية عن رَزِين البكري قال : حدثنا مولاة لنا يقال لها : سلمى من بكربن وائل أنها سمعت عائشة تقول : ((دخل علي رسول اللّه عَ لّله ، فقال : يا عائشة هل من كسرة ؟ فأتيته بقرص ، فوضعه في فيه ، وقال : يا عائشة هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قبلة الصائم، إنما الإفطار ... )). قلت: وهذا سند ضعيف، من أجل سلمى هذه، فانها لا تعرف كما في ((التقريب))، ورزين البكري إن كان هو الجهني فثقة ، وإلا فمجهول. وقد أشار إلى ذلك الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٧/٣) قال: (( رواه أبو يعلى وفيه منٍ لم أعرفه)). والصواب في الحديث أنه موقوف على ابن عباس كما سبق بيانه قبل حديث . ٩٦٢ - ( ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ، ولكن بشيء وقر في صدره ) . لا أصل له مرفوعا. قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٠/١ و١٠٥ طبعة الحلبي ) : ((رواه الترمذي الحكيم في ((النوادر)) من قول بكربن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعا)). وأقره الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (رقم ٩٧٠). ومن المؤسف أن يُسْمع هذا الحديث من بعض الوعاظ في المسجد النبوي ، سمعته منه في ٣٧٨ أواسط شهر شوال سنة ١٣٨٢ هـ مصرحاً بصحته، وقد حاولت الاتصال به بعد فراغه من الوعظ ، واستدللت على المنزل الذي كان حل فيه ، ثم عرض لي ما حال بيني وبين ذلك ، ثم سافر في اليوم الثاني ، فعسى أن يطلع على هذه الكلمة ، فتكون له ولغيره تذكرة ، ( والذكرى تنفع المؤمنين ) . ٩٦٣ - (كان يخطب يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى على المنبر)). ضعيف. قال الهيثمي (١٨٣/٢ ) وقد ذ کره من حديث ابن عباس : ((رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، ضعفه أحمد وابن المديني والبخاري والنسائي ، وبقية رجاله موثقون )). قلت : وقال الحافظ في الحسين هذا : (( ضعيف )). قلت : ومما يدل على ضعفه روايته مثل هذا الحديث، فإن من المعلوم أن النبي عَ لَّه إنما كان يصلي الفطر والأضحى في المصلى ، ولم يكن ثمة منبريرقى عليه ، ولا كان يُخرج منبره ، من المسجد إليه، وإنما كان يخطبهم قائماً على الأرض ، كما ثبت في «الصحيحين )) وغيرهما من حديث جابر ، وأول من أخرج المنبر إلى المصلى مروان بن الحكم ، فأنكره عليه أبو سعيد الخدري كما في ((الصحيحين)) عنه قال : ((كان رسول اللّ له يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس ... فلم يزل الناس على ذلك ، حتى خرجت مع مروان ، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر . فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيَه قبل أن يصلي، فجبَذْتُ بثوبه .. )) الحديث ((انظر ((فتح الباري)) (٣٥٩/٢). وأما الحديث الذي رواه المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر قال : ((شهدت مع رسول الله ◌ّ ل الأضحى بالمصلى ، فلما صلى وقضى خطبته نزل عن منبره، فأتي بكبش فذبحه رسول اللّه ◌َ لمه بيده وقال: بسم الله، والله أكبر، هذا عني، وعمن لم يضحّ من أمتي )) . أخرجه أبو داود (٥/٢) والدارقطني (٥٤٤) وأحمد (٣٦٢/٣). قلت : فهذا معلول بالانقطاع بين المطلب وجابر، فقد قال أبوحاتم : ((المطلب لم يسمع من جابر ولم يدرك أحداً من الصحابة إلا سهل بن سعد ومن في طبقته)). وقال مرة: (( يشبه أنه أدركه)). يعني جابراً. فان صح هذا فعلته عنعنة المطلب ، فإنه مدلس قال الحافظ : ((صدوق كثير التدليس والإرسال)). ٣٧٩ قلت : فمثله لا يحتج به ، لا سيما والحديث في الصحيحين من طريق أخرى عن جابر ، وليس فيه ذكر المنبركما تقدم . ٩٦٤ - ( كان إذا قام يخطب أخذ عصاً فتوكأ عليها وهو على المنبر ) . لا أصل له بهذه الزيادة ((وهو على المنبر)). فيما أعلم، وقد أورده هكذا الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) (٣٩٤/٧) من رواية أبي داود؟ والصنعاني في ((سبل السلام)) (٦٥/٢) من روايته من حديث البراء بلفظ: ((كان إذا خطب يعتمد على عنزة له)). والذي رأيته في ((سنن أبي داود)) (١٧٨/١) من طريق أبي جناب عن يزيد بن البراء عن أبيه أن النبيمعد له. نُووِلَ يوم العيد قوساً فخطب عليه. وكذا رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َ له)) (ص ١٤٦ ) وابن أبي شيبة (١٥٨/٢) ورواه أحمد (٤ /٢٨٢) مطولاً وكذا الطبراني وصححه ابن السكن فيما ذكره الحافظ في ((التلخيص)) ( ١٣٧ )، وفيه نظر فإن أبا جناب واسمه يحيى بن أبي حية ضعيف ، قال الحافظ في ((التقريب)): ((ضعفوه لكثرة تدليسه )) . فأنت ترى أنه ليس في الحديث أن ذلك كان على المنبر ، ويوم الجمعة ، بل هو صريح في يوم العيد دون المنبر، ولم يكن ◌َ لِ يخطبٍ فيه على المنبر، لأنه كان يصلي في المصلى ، ولذلك لم يصح التعقب به - كما فعل الزرقاني تبعاً لأصله : القسطلاني - على ابن القيم في قوله في ((زاد المعاد)) (١٦٦/١): (( ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره ، وإنما كان يعتمد على عصا ، ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف ، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائما ، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله ، فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره ، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا ألبتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس )). فقوله ((قبل أن يتخذ المنبر)) صواب لا غبار عليه، وإن نظر فيه القسطلاني وتعقبه الزرقاني كما أشرنا آنفا ، وذلك قوله في شرحه : ((كيف وفي أبي داود : كان إذا قام يخطب أخذ عصاً فتوكأ عليها وهو على المنبر)) ! فقد علمت مما سبق أن هذا لا أصل له عند أبي داود ، بل ولا عند غيره من أهل السنن الأربعة وغيرهم ، فقد تتبعت الحديث فيما أمكنني من المصادر ؛ فوجدته روي عن جماعة من الصحابة ، وهم الحكم بنٍ حَزْن الكُلَفِي ، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس ، وسعد القرظ المؤذن ، وعن عطاء مرسلاً ، وليس في شيء منها ما ذكره الزرقاني ، وإليك ألفاظ أحاديثهم مع تخريجها : ١ - عن الحكم بن حزن قال : ٣٨٠