النص المفهرس

صفحات 321-340

(( ... إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ، ما اجتنب الكبائر) .
قلت : فهذا يدل على ضعف علي بن الحسين عندي ، لمخالفته الترمذي في لفظ حديثه ،
على قلة روايته، ولذلك أوردت الحديث بلفظ الترمذي في ((الأحاديث الصحيحة)) و(المشكاة ))
( ٢٣١٤ ) .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) (٢/١٧٥/٢) للخطيب وحده .
٩٢٠ - (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام
بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ).
ضعيف. أخرجه الترمذي (٦٦/٢) والواحدي في ((الوسيط)) (٢/٢٧/١) وأبو جعفر
الطوسي الفقيه الشيعي في ((الأمالي)) (ص ٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١/٦٥/٢-٢)
من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله
عاد : فذكره ، وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم)).
قلت : وهو ابن عبد الله بن الحارث بن حاطب الجمحي ، ترجمه ابن أبي حاتم
(١/١١٠/١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأورده الذهبي في ((الميزان)) وساق له هذا
الحديث من غرائبه ، وقال :
(( ما علمت فيه جرحاً)).
قلت : فقد يقال فهل علمت فيه توثيقاً؟ فإن عدم الجرح لا يستلزم التوثيق كما لا يخفى ،
ولذلك فالأحسن في الإفصاح عن حاله قول ابن القطان :
(( لا يعرف حاله)). وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) على قاعدته! واغتر به الشيخ
أحمد شاكر رحمه الله فصحح إسناده في ((عمدة التفسير)) (١٦٨/١).
والحديث رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٨/٩٨٦/٢) أنه بلغه أن عيسى بن مريم
كان يقول : فذكره بأتم منه من قول عيسى عليه السلام ، وقد مضى قريبا (٩٠٨).
وهذا هو اللائق بمثل هذا الكلام أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى عليه الصلاة
والسلام ، وليس من حديث نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
( تنبيه): هذا الحديث لم يورده السيوطي في ((الجامع الكبير))، مع أنه ذكره في
((الزيادة على الجامع الصغير))، ووقع لبعض الأفاضل فيه وهم فاحش ، سبق بيانه هناك.
٩٢١ - ( إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم ، فَليجْبِذ
إلیه رجلاً يقيمه إلى جنبه ) .
ضعيف. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١/٣٣- مجمع البحرين) عن حفص بن عمر
٣٢١

الرَّبَّالي : ثنا بشر بن إبراهيم : حدثني الحجاج بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس
مرفوعا . وقال :
(( لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد به بشر» .
قلت : وهو الأنصاري المفلوج ، قال ابن عدي :
((وهو عندي ممن يضع الحديث)). وقال ابن حبان ( ١٨٠/١ ):
((كان يضع الحديث على الثقات)).
قلت: فقول الهيثمي (٩٦/٢): ((وهو ضعيف جداً)) فيه تساهل ظاهر، وأسوء منه
سكوت الحافظ عنه في ((بلوغ المرام)) (٢٥/٢ - بشرح السبل) مع أنه قال في ((التلخيص))
(٣٧/٢): ((إسناده واه)).
وقد خالفه في إسناده يزيد بن هارون الثقة الحافظ فرواه عن الحجاج بن حسان عن مقاتل
بن حیان مرسلاً نحوه .
رواه البيهقي (١٠٥/٣) .
وقد روي من طريق أخرى عن عكرمة عن ابن عباس موصولا به نحوه ، وليس فيه
الجبذ، بل قال له: ((أعد صلاتك)).
قلت : وهو بهذا اللفظ صحيح لأن له شواهد كثيرة من حديث وابصة بن معبد وغيره :
وقد تكلمت عليها وتتبعت طرقها في (( إرواء الغليل)) ( ٥٣٤ )).
وللحديث شاهد واه من رواية وابصة بلفظ :
٩٢٢ - (ألا دخلت في الصف ، أوجذبت رجلاً صلى معك؟!
أعد الصلاة ) .
ضعيف جداً. أخرجه ابن الأعرابي في ((المعجم)) وأبو الشيخ في ((تاريخ أصبهان))
وأبونعيم في ((أخبار اصبهان)) من طريق يحيى بن عَبدَوَيْه : حدثنا قيس بن الربيع عن السَّدّي
عن زيد بن وهب عن وابصة بن معبد :
((أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فقال له النبي ◌َ ◌ّله)). فذكره .
قلت : ولكن إسناده واه جدا ، فلا يصلح للشهادة ، فإن قيساً ضعيف ، وابن عبدويه
أشد ضعفا منه، كما بينته فيّ المصدر المشار إليه آنفاً ، فأغنى عن الإعادة ، فإعلال الحافظ
إياه بقيس وحده قصور. وأفاد أن الطبراني أخرجه أيضاً في ((الأوسط)) فرفعه السَّريّ بن إسماعيل
وهو متروك. وأما الهيثمي فعزاه لأبي يعلى من طريق السري هذا، وهوفي ((مسنده)) (٤٤٥/٢).
( فائدة ) : إذا ثبت ضعف الحديث ، فلا يصح حينئذ القول بمشروعية جذب الرجل من
الصف ليصف معه ، لأنه تشريع بدون نص صحيح ، وهذا لا يجوز، بل الواجب أن ينضم
إلى الصف إذا امكن وإلا صلى وحده ، وصلاته صحيحة ، لأنه ( لا يكلف الله نفس إلا وسعها )،
٣٢٢

وحديث الأمر بالإعادة محمول على ما إذا قصر في الواجب وهو الإنضمام إلى الصف وسد الفرج ،
وأما إذا لم يجد فرجة ، فليس بمقصر، فلا يعقل أن يحكم على صلاته بالبطلان في هذه
الحالة ، وهذا هو اختيارشيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في ((الاختيارات)) (ص ٤٢ ):
((وتصح صلاة الفذ لعذر ، وقاله الحنفية ، وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف ، فالأفضل
أن يقف وحده ، ولا يجذب من يصافه ، لما في الجذب من التصرف في المجذوب ، فإن كان
المجذوب يطيعة ، فأيهما أفضل له وللمجذوب ؟ الاصطفاف مع بقاء فرجة ، أو وقوف المتأخر
وحده ؟ وكذلك لو حضر اثنان ، وفي الصف فرجه ، فايهما أفضل ، وقوفهما جميعا أوسد
أحدهما الفرجة ، وينفرد الآخر؟ الراجح الاصطفاف مع بقاء الفرجة ، لأن سد الفرجة مستحب ،
والاصطفاف واجب)).
قلت : كيف يكون سد الفرجة مستحبا فقط، ورسول اللّه ◌َ الله يقول في الحديث الصحيح:
((من وصل صفاً، وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله))! (١) فالحق أن سد الفرجة واجب
ما أمكن ، وإلا وقف وحده لما سبق . والله اعلم .
(تنبيه): هذا الحديث لم يورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) البتة ! !
٩٢٣ - (إن لله ملائكة، وهم الْكُرُوبيُّون ، من شحمة أذن
أحدهم إلى ترقوته مسيرة سبعمائة عام للطائر السريع في انحطاطه ) .
ضعيف جداً. رواه ابن عساكر (٢/٢٣١/١٢) عن محمد بن أبي السَّرِيّ: نا عمرو
ابن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر
ابن عبد اللّه مرفوعا وقال :
(( روى إبراهيم بن طَهمان عن موسى بن عقبة شيئا من هذا)).
قلت : وهذا سند واه جدا ، وله علتان :
الأولى : محمد بن أبي السَّرِيّ ، وهو متهم .
والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند ((القرشي))،
ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من ((التهذيب))، فلعله تحرف على الناسخ نسبته ((الدمشقي))
بالقرشي . والله أعلم .
وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ :
(( أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ، ما بين شحمة أذنه
إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة )).
وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في (( الأحاديث الصحيحة)) رقم ( ١٥١).
(١) أنظر المشكاة (١١٠٢).
٣٢٣

٩٢٤ - (إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها الصلاة ولا الصيام
ولا الحج ولا العمرة . قال : فما يكفرها يا رسول الله؟ قال : الهموم
في طلب المعيشة ) .
موضوع. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١/١٣٤/١) وعنه أبونعيم في ((الحلية))
(٢٣٥/٦) والخطيب في ((التلخيص)) (٢/٦١) وابن عساكر (١/٣٣٢/١٥) عن محمد
بن سلام المصري : ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير : ثنا مالك بن أنس عن محمد بن عمرو عن أبي
سلمة عن أبي هريرة مرفوعا ، وقال الطبراني :
(( لم يروه عن مالك إلا يحيى، تفرد به محمد)). وقال الخطيب:
((روى عن يحيى بن بكير حديثا منكراً)). ثم ساقه ، وقال ابن عساكر.
((غريب جداً)).
قلت : اتهمه الذهبي بهذا الحديث فقال :
(( حدث عن يحيى بن بكير عن مالك بخبر موضوع)) .
قلت: وهو هذا، قال الحافظ في ((اللسان)):
(( والخبر المذكور عن أبي هريرة رفعه، ( قلت : فذكره من رواية الطبراني ثم قال : )
وأخرجه الدارقطني في ((الغرائب)) من طريقين آخريين عن محمد بن سلام ، وقال : الحمل فيه
على محمد بن سلام الحمراوي البزار)).
قلت: وقد أغرب ابن الملقن في ((الخلاصة)) (١/١٧١) حيث عزى الحديث للخطيب
فقط في كتابه ((تلخيص المتشابه)) من حديث يحيى بن بكير ... )).
ووجه الإغراب أنه عزاه للخطيب فأوهم أنه لم يروه من هو أعلى طبقة منه ، ثم هو لم
يذكر من السند ما هو موضع العلة منه ، بل طوى صفحاً عنها ، وذكر من السند من هم فوقها ،
مما لا فائدة من ذكره مطلقا ، اللهم إلا ايهام أن ما لم يذكره من السند ليس فيهم من ينظر فيه !
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) (١/٢١٩/١) لابن عساكر فقط! وقال :
((وفيه محمد بن يوسف بن يعقوب الرقي ضعيف)).
قلت : بل هو كذاب وضاع ، قال الدارقطني :
(( وضع من الأحاديث ما لا يضبط)).
قلت : لكنه لم يرد له ذكرفي إسناد الحديث هذا عند من ذكرنا .
ثم إن الحديث عزاه السيوطي للخطيب في ((المتفق والمفترق)) عن أبي عبيد عن أنس .
قال الأزدي :
(( أبو عبيد رضي الله عنه (! ) عن أنس شبه لا شيء)).
وروي بلفظ آخر وهو :
٣٢٤

٩٢٥ - (إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صيام ، ولا صلاة ،
ولا حج ، ولا جهاد ، إلا الغموم والهموم في طلب العلم ) .
ضعيف. رواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢٨٧/١ ) عن أحمد بن علي بن زيد
الدَّيْنَوَرَي : ثنا يزيد بن شريحٍ بن مسلم الخُوارِ زْمي : ثنا علي بن الحسين بن واقد : حدثني
أبي : ثنا أبو غالب عن أبي أمامة مرفوعا .
قلت : وهذا سند ضعيف ، أحمد بن علي ويزيد بن شريح لم أجد من ترجمهما .
ومن فوقهما ثقات معروفون وفيهم كلام يسير لا يضر.
وهذا الحديث مما فات السيوطي فلم يورده في ((الجامع الكبير)): بله ((الصغير)) !
٩٢٦ - ( يا أيها الناس إن الرب واحد ، والأب واحد،
وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن
تكلم بالعربية فهر عربي ) .
ضعيف جداً. رواه ابن عساكر (٢/٢٠٣/٧) عن العلاء بن سالم : نا قرة بن عيسى
الواسطي : نا أبوبكر الذهلي عن مالك بن أنس الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال :
جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي ، فقال :
هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا ؟ فقام إليه معاذ بن جبل فأخذ
بتلبيبه، ثم أتى به النبي مَ الَ: فأخبره بمقالته، فقام النبي عَ لِّ قائما يجر رداءه حتى دخل
المسجد ثم نودي : أن الصلاة جامعة ، وقال : ( فذكره ) ، فقام معاذ بن جبل وهو آخذ بِتلبيبه،
قال : فما تأمرنا بهذا المنافق يا رسول الله ؟ قال : دعه إلى النار. فكان قيس ممن ارتد في
الردة ، فقتل .
قلت : وهذا سند ضعيف جداً أبو بكر الذهلي (كذا الأصل، والصواب الُهُذَلي ) وهو
متروك ، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما ، وكذبه غندر.
ثم رأيت الحديث في موضع آخر من ((تاريخ ابن عساكر)) (١٩٠/٨ - ١٩١) من
هذا الوجه ((وفيه)) الهُذَلي على الصواب . وقال :
(( هذا حديث مرسل ، وهو مع إرساله غريب ، تفرد به أبوبكر سُلمى بن عبد الله الهذلي
البصري ، ولم يروه عنه إلا قرة )).
قلت : ولم أجد من ترجمه ، فهذه علة أخرى .
ومثله الراوي عنه : العلاء .
وعلى الصواب ذكره ابن تيمية في ((الاقتضاء)) (١٦٩ - طبع الأنصار) من رواية
السِّلفي ، ثم قال ابن تيمية :
٣٢٥

(( هذا الحديث ضعيف، وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد، بل هو
صحيح من بعض الوجوه )) .
٩٢٧ - ( لا يشرين أحد منكم قائماً ، فمن نسي فليستقىء).
منكر بهذا اللفظ . أخرجه مسلم في صحيحه (١١٠/٦ - ١١١) من طريق عمربن
حمزة: أخبرني أبو غَطَفان المّي أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه ◌َؤ ◌ُله: فذكره.
قلت : وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم ،
ولذلك أورده الذهبي في ((الميزان)). وذكره في ((الضعفاء)) وقال:
((ضعفه ابن معين لنكارة حديثه)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
(( ضعيف)).
قلت : وقد صح النهي عن الشرب قائما في غير ما حدث ، عن غير واحد من الصحابة ،
ومنهم أبو هريرة ، لكن بغير هذا اللفظ ، وفيه الأمر بالاستقاء ، لكن ليس فيه ذكر النسيان ،
فهذا هو المستنكر من الحديث، وإلا فسائره محفوظ، ولذلك أوردته في ((الأحاديث الصحيحة ))
تحت رقم ( ١٧٧ ) .
٩٢٨ - (رأيت رسول اللّه ◌َ الله يصلي مما يلي باب بني سهم،
والناس يمرون بين يديه ، ليس بينه وبين الكعبة سُترة . ( وفي رواية ) :
طاف بالبيت سبعاً ، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام ، وليس
بينه وبين الطُّواف أحد ) .
ضعيف. أخرجه أحمد (٣٩٩/٦) والسياق له وعنه أبو داود (٣١٥/١) والأزرقي في
((أخبار مكة)) (ص ٣٠٥) والبيهقي في ((سننه الكبرى)) (٢٧٣/١) عن سفيان بن عيينة
قال : حدثني کثیر بن کثیر بن المطلب بن أبي وداعة سمع بعض أهله یحدث عن جده به .
قلت : وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين كثير وجده .
وفيه علة أخرى وهي الاختلاف في إسناده ، فقد رواه سفيان مرة عن كثير، هكذا ،
وقال مرة أخرى : حدثني كثير بن كثير عمن سمع جده ، وقال سفيان : وكان ابن جريج انبأ عنه
قال : ثنا كثير عن أبيه ، فسألته؟ فقال : ليس من أبي سمعته ، ولكن من بعض أهلي عن جدي !
قلت : ورواية ابن جريج أخرجها النسائي (١٢٣/١ و٤٠/٢) وابن ماجه ( ٤٩٥٨)
وهي الرواية الثانية ، وهي رواية لأحمد وابن حبان (٤١٥ - موارد) وكذا البيهقي وقال :
(( وقد قيل عن ابن جريج عن كثير عن أبيه قال : حدثني أعيان بني المطلب عن المطلب ،
ورواية ابن عيينة أحفظ )) :
قلت : ويحتمل عندي أن يكون الاختلاف من نفس كثير بن كثير ، بل لعل هذا أولى من
٣٢٦

نسبة الوهم إلى ابن جريج ؛ لأن كثيراً ينزل عن ابن جريج في العدالة والضبط كثيراً ! ومما يؤيد
الاحتمال المذكور أنه قد تابع ابن جريج زهير بن محمد العنبري ، عند ابن حبان (٤١٤).
وأي الأمرين كان فالحديث ضعيف لجهالة الواسطة كما سبق .
ثم رأيت الحديث في ((فوائد محمد بن بشر الزبيري)) (١/٢٨) من طريق سالم بن عبد الله،
رجل من أهل البصرة عن كثير بن كثير أن المطلب بن أبي وداعة رأى النبي عَ لّه خرج من الكعبة
وقام بحيال الركن الأسود فصلى ركعتين ، والناس يمرون بين يديه: النساء والرجال )) . فهذا
اختلاف آخر يؤكد ضعف الحديث .
وإذا عرفت ذلك فقد استدل بعضهم بالحديث على جواز المروربين يدي المصلي في مسجد
مكة خاصة ، وبعضهم أطلق ، ومِن تراجم النسائي للحديث ((باب الرخصة في ذلك)) يعني
المروربين يدي المصلي وسترته . ولا يخفى عليك فساد هذا الاستدلال ، وذلك لوجوه :
الأول : ضعف الحديث .
الثاني : مخالفتة لعموم الأحاديث التي توجب على المصلي أن يصلي إلى سُترة وهي معروفة ،
وكذا الأحاديث التي تنهى عن المرور كقوله عليهٍ:
((لويعلم الماربين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمربين يديه)).
رواه البخاري ومسلم وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) ( ٦٩٨).
الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ◌َّ له وبين موضع
سجوده ، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء . ولذلك قال
السندي في ((حاشيته على النسائي)) :
((ظاهره أنه لا حاجة إلى السُّترة في مكة . وبه قيل ، ومن لا يقول به ، يحمله على أن
الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود ، أووراء ما يقع فيه نظر الخاشع )) .
ولقد لمست أثر هذا الحديث الضعيف في مكة حينما حججت لأول مرة سنة ( ١٣٦٩ ) ،
فقد دخلتها ليلاً فطفت سبعاً ، ثم جئت المقام ، فافتتحت الصلاة ، فما كدت أشرع فيها حتى
وجدت نفسيٍ في جهاد مستمر مع المارة بيني وبين موضع سجودي ، فما أكاد أنتهي من صد
أحدهم عملاً بأمره ◌َ له حتى يأتي آخر ((فأصده)) وهكذا ! ! ولقد اغتاظ أحدهم من صدي
هذا ، فوقف قريباً مني حتى انتهيت من الصلاة ، ثم أقبل علي منكراً ، فلما احتججت عليه
بالأحاديث الواردة في النهي عن المرور، والآمرة بدفع المار، أجاب بأن مكة مستثناة من ذلك ،
فرددت عليه ، واشتد النزاع بيني وبينه ، فطلبت الرجوع في حله إلى أهل العلم ، فلما اتصلنا
بهم إذا هم مختلفون ! واحتج بعضهم بهذا الحديث ، فطلبت إثبات صحته فلم يستطيعوا ، فكان
ذلك من أسباب تخريج هذا الحديث ، وبيان علته .
فتأمل فيما ذكرته يتبين لك خطر الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة .
٣٢٧

ثم وقفت بعد ذلك على بعض الآثار الصحيحة عن غير واحد من الصحابة تؤيد ما دلت
عليه الأحاديث الصحيحة ، وأنها تشمل المرور في مسجد مكة ، فإليك ما تيسر لي الوقوف
عليه منها :
١ - عن صالح بن كيسان قال : رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ، ولا يدع أحداً
يمر بين يديه. رواه أبوزرعة في ((تاريخ دمشق)) (١/٩١) وابن عساكر (٢/١٠٦/٨) بسند
صحيح .
٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال : رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام ، فركز
شيئاً ، أوهيأ شيئاً يصلي إليه. رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٨/٧ ) بسند صحيح.
( تنبيه على وهم نبيه ) :
اعلم أن لفظ رواية ابن ماجه لهذا الحديث :
((رأيت رسول اللّه ◌َ لهم إذا فرغ من سُبعه جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين ... ).
وقد ذكر العلامة ابن الهمام في ((فتح القدير)) هذه الرواية ، لكن تحرف عليه قوله
((سُبعه)) الى ((سَعْيه))! فاستدل به على استحباب صلاة ركعتين بعد السعي ، وهي بدعة محدثة
لا أصل لها في السنة كما نبه على ذلك غير واحد من الأئمة كأبي شامة وغيره كما ذكرته في ذيل
((حجة النبي عَ له)) الطبعة الثانية، وكذلك في رسالتي الجديدة ((مناسك الحج والعمرة في
الكتاب والسنة وآثار السلف )) فقرة ( ٦٩).
٩٢٩ - (كان يخر على ركبتيه، ولا يتكئ).
ضعيف. أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ٤٩٧ ــ موارد) من طريق معاذ بن محمد
ابن معاذ بن أُبيّ بن كعب عن أبيه عن جده عن أبيّ بن كعب عن النبي ◌َ ◌ّهِ: فذكره .
قلت : وهذا سند ضعيف مسلسل بالمجهولين ، قال ابن المديني :
((لا نعرف محمد بن معاذ هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية، وهذا إسناد مجهول)).
كذا في ((الميزان)) و((اللسان)). وقال الحافظ في ترجمة محمد هذا من ((التقريب)).
(( مجهول ))، وقال في ابنه معاذ :
((مقبول)).
قلت: وأما ابن حبان فأوردهم في ((الثقات)) على قاعدته في توثيق المجهولين ، ثم أخرج
حديثهم في صحيحه كما ترى ، فلا تغتر بذلك ، فإنه قد شذ في ذلك عن التعريف الذي اتفق
عليه جماهير المحدثين في الحديث الصحيح وهو: (( ما رواه عدل ، ضابط ، عن مثله)) . فأين
العدالة ، وأين الضبط في مثل هؤلاء المجهولين . لا سيما وقد رووا منكراً من الحديث خالفوا
به الصحيح الثابت عنه عَ له من غير طريق كما سيأتي بيانه .
ولقد بدا لي شيء جديد يؤكد شذوذ ابن حبان المذكور ، ذلك أنني حصلت نسخة من
كتابه القيم ((المجروحين)) في موسم حج السنة الماضية (١٤٩٦) فلم أُرَله فيه راوياً واحداً جرحه
٣٢٨

بالجهالة حتى الآن ! فهذا يؤكد أن الجهالة عنده ليست جرحا !
هذا ، وفي معناه حديث وائل بن حجر قال :
« رأيت النبي ګ إذا سجد وضع ر کبتیه قبل یدیه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)).
أخرجه أبو داود (١٣٤/١) والنسائي (١٦٥/١) والترمذي (٥٦/٢) والطحاوي
(١/:١٥) وابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ٤٨٧ - موارد) والدارقطني (١٣١ - ١٣٢)
والحاكم (١ /٢٢٦) وعنه البيهقي (٢ / ٩٨) كلهم من طريق يزيد بن هارون : أخبرنا
شريك (١) عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه .
قلت : وهذا سند ضعيف ، وقد اختلفوا فيه ، فقال الترمذي عقبه :
((هذا حديث حسن غريب ، لا نعرف أحداً رواه مثل هذا عن شريك)).
وقال الحاكم :
((احتج مسلم بشريك))! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا ، على ما ياتي بيانه ، وقال
ابن القيم في ((الزاد)) (٧٩/١) وقد ذكر الحديث :
((هو الصحيح))
وخالفهم الدارقطني فقال عقبه :
« تفرد به يزيد عن شريك ، ولم يحدث به عن عاصم بن کلیب غير شريك ، وشريك لیس
بالقوي فیما یتفرد به )) .
وخالفهم أيضاً البخاري ثم البيهقي فقال هذا في ((سننه)) (٩٩/٢) :
((هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي ، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلاً ،
هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى )).
وهذا هو الحق الذي لا يشك فيه كل من أنصف ، وأعطى البحث حقه من التحقيق
العلمي ، أن هذا الإسناد ضعيف ، وله علتان :
الأولى : تفرد شريك به .
والأخرى : المخالفة .
وقد سمعت آنفا الدارقطني يقول في شريك : إنه ليس بالقوي فيما يتفرد به . وفي
((التقريب)) :
((صدوق ، يخطىء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة )) .
قلت : فمثله لا يحتج به إذا تفرد فكيف إذا خالف كما يأتي بيانه . وقول الحاكم
والذهبي: ((احتج به مسلم)) من أوهامها ، فإنما أخرج له مسلم في المتابعات كما صرح بذلك
المنذري في خاتمة (( الترغيب والترهيب)). وكثيراً ما يقع الحاكم في مثل هذا الوهم ويتبعه
عليه الذهبي على خلاف ما يظن به ، فيصححان أحاديث شريك على شرط مسلم ، وهي
(١) وقع في ((الموارد)) (( إسرائيل)) بدل ((شريك))، وهو خطأً من الناسخ وليس من الطابع، فتقد رجعت إلى الأصل
المخطوط المحفوظ في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة فرأ يته فيه (ق ١/٣٥): (إسرائيل) كما في المطبوعة عنه ، فتنبه .
٣٢٩

لا تستحق التحسين فضلا عن التصحيح ، فكيف على شرط مسلم ؟! فليتنبه لهذا من أراد البصيرة
في دينه، وأحاديث نبيه عَ لَّه .
وأما المخالفة التي سبقت الإشارة إليها فهي من جهتين : المتن والسند .
فأما المتن ، فقد روى الحديث جماعة من الثقات عن عاصم بن كليب به ، فذكروا صفة
صلاته ◌َ الله بأتم مما ذكره شريك عن عاصم ، ومع ذلك فلم يذكروا كيفية السجود والنهوض
عنه إطلاقاً ، كما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم عن زائدة وابن عيينة وشجاغ بن الوليد
كلهم عن عاصم به . (١) فدل ذلك على أن على أن ذكر الكيفية في حديث عاصم منكر لتفرد
شريك به دون الثقات .
وأما المخالفة في السند ، فهو أن هماماً قال : ثنا شقيق أبو الليث قال : حدثني عاصم
بن کلیب عن أبيه .
((أن النبي ◌َ ◌ٍّ كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه)) .
(( أخرجه أبو داود والبيهقي وقال :
((قال عفان، وهذا الحديث غريب)). (٢)
قلت : فقد خالف شريكاً شفيق فأرسله ، ولكن شفيقاً هذا ليس خيرا من شريك ، فإنه
مجهول لا يعرف ، كما قال الذهبي وغيره .
ولهمام فيه إسناد آخر ، ولكنه معلول أيضاً ، فقال : ثنا محمد بن جحادة عن عبد الجبار
ابن وائل بن حجر عن أبيه عن النبي ◌َ ◌ّهِ:
((كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه ... فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض
قبل أن تقع كفاه ... فإذا نهض ، نهض على ركبتيه ، واعتمد على فخذيه )) .
أخرجه أبو داود والبيهقي (٣) وعلته الانقطاع، فقال النووي في ((المجموع شرح المهذب))
(٤٤٦/٣ ) :
(( حديث ضعيف ، لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا ،
ولم يدركه )).
وفي الباب حديث آخر معلول أيضا ، رواه العلاء بن إسماعيل العطار: ثنا حفص بن غياث
عن عاصم الأحول عن أنس قال :
((رأيت رسول الله حمد الله انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه)).
أخرجه الدارقطني (١٣٢) والحاكم (٢٢٦/١) وعنه البيهقي (٩٩/٢) والحازمي في
((الاعتبار)) (٥٥) وابن حزم في ((المحلى)) (١٢٩/٤) والضياء المقدسي في ((الأحاديث
المختارة )) . وقال الدارقطني والبيهقي :
(١) (( صحيح أبي داود)) ( ٧١٤ - ٧١٨).
(٢) (( ضعيف أبي داود)) (١٢١).
(٣) المصدر نفسه ( ١٥١).
٣٣٠

((تفرد به العلاء بن إسماعيل)).
قلت: وهو مجهول كما قال ابن القيم في ((الزاد)) (٨١/١)، ومن قبله البيهقي كما
في ((التلخيص)) لابن حجر، وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١ /١٨٨ ) عن أبيه:
(( هذا حديث منكر)) .
قلت: وأما قول الحاكم والذهبي: ((حديث صحيح على شرط الشيخين)) فغفلة كبيرة
منهما عن حال العلاء هذا ، مع كونه ليس من رجال الشيخين ! وقال الحافظ في ترجمته من
((اللسان)):
(( وقد خالفه عمر بن حفص بن غياث ، وهذا من أثبت الناس في أبيه ، فرواه عن أبيه
عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة وغيره عن عمر موقوفا عليه ، وهذا هو المحفوظ)).
قلت : أخرجه الطحاوي (١٥١/١) بالسند المذكور عن إبراهيم عن أصحاب عبد الله
علقمة والأسود فقالا :
حفظنا عن عمر في صلاته أنه خَرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير ، وضع ركبتيه قبل
يديه . وسنده صحيح ،
قلت : وقد صرح الأعمش عنده بالتحديث ، ورواه عبد الرزاق ( ٢٩٥٥) نحوه .
وفي هذا الأثر تنبيه هام ، وهو أن البعير يبرك على ركبتيه ، يعني اللتين في مقدمتيه ، وإذا
كان كذلك لزم أن لا يبرك المصلي على ركبتيه كما يبرك البعير ؛ لما ثبت في أحاديث كثيرة من
النهي عن بروك كبروك الجمل ، وجاء في بعضها توضيح ذلك من حديث أبي هريرة مرفوعا
بلفظ :
« إذا سجد أحد کم فلا یبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه )).
رواه أبو داود بسند جيد . وفي رواية عن أبي هريرة بلفظ :
« کان النبي ێ إذا سجد بدأ بوضع یدیه قبل ركبتيه)).
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١٤٩/١) هو الذي قبله بالسند المشار اليه آنفا ،
وروى له شاهدا من حديث ابن عمر من فعله وفعل النبي عَ لِ . وسنده صحيح ، وصححه
الحاكم والذهبي .
فهذه الأحاديث الثابتة تدل على نكارة الأحاديث المتقدمة جميعها ، ومما يدل على ضعف
بعضها من جهة ما فيها من الزيادة في هيئة القيام الى الركعة الثانية ، حديث أبي قلابة قال :
((كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول اللّه عَ لَّه ؟ فيصلي
في غير وقت الصلاة ، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعداً ، ثم قام
فاعتمدعلى الأرض )) .
أخرجه الإمام الشافعي في ((الأم)) (١٠١/١) والنسائي (١٧٣/١) والبيهقي
٣٣١

(١٢٤/٢ - ١٣٥) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٢٤١/٢) من
طريق أخرى عن أبي قلابة نحوه .
ففيه دلالة صريحة على أن السنة في القيام إلى الركعة الثانية إنما هو الاعتماد ، أي باليد؛
لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء وهو باليد كما في (( الفتح )) قال:
(( وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم اذا رفع رأسه من السجدة معتمداً على يديه
قبل أن يرفعهما )) .
قلت : وفيه عنده ( ٢٩٦٩,٢٩٦٤) العمري وهو ضعيف ، لكن للاعتماد فيه شاهد قوي
سأذكره باذن الله تحت الحديث الآتي برقم ( ٩٦٧).
فقد ثبت مما تقدم أن السنة الصحيحة إنما هو الاعتماد على اليدين في الهوى إلى السجود
وفي القيام منه ، خلافا لما دلت عليه هذه الأحاديث الضعيفة ، فكان ذلك دليلا آخر على ضعفها .
٩٣٠ - ( من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها ، فعلَ بِه
كذا وكذا من النار) .
ضعيف. رواه أبو داود (٢٤٩) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/٣٥) وعنه ابن
ماجه ( ٥٩٩) والدارمي (١٩٢/١) والبيهقي (١٧٥/١) وأحمد (٩٤/١ ١٠١) وابنه في
((زوائده عليه)) (١٣٣/١) من طرق عن حماد بن سلمة: ثنا عطاء بن السائب عن زاذان عن
علي بن أبي طالب مرفوعا به . قال علي : فمن ثَمَّ عاديت شعري ، وكان يجزه .
قال الحافظ في ((التلخيص )) ( ص ٥٢ ) :
(( وإسناده صحيح ، فإنه من رواية عطاء بن السائب ، وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل
الاختلاط، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي)). وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار))
(٢٣٩/١) عقب كلام الحافظ هذا :
(( وقال النووي ، ضعيف ، وعطاء قد ضعف ، قبل اختلاطه ، ولحماد أوهام ، وفي إسناده
أيضا زاذان وفيه خلاف)).
وقال الضنعاني في ((سبل السلام)) (١٢٧/١) مستدركا على الحافظ :
((ولكن قال ابن كثير في ((الإرشاد)): إن حديث علي هذا من رواية عطاء بن السائب
وهوسيء الحفظ ، وقال النووي : إنه حديث ضعيف )) .
قلت : وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه أن عطاء بن السائب اختلط في آخر
عمره ، فمن روى عنه قبل اختلاطه فروايته عنه صحيحة ، ومن روى عنه بعد اختلاطه فروايته
عنه ضعيفة . وحديث علي هذا اختلفوا هل رواه قبل الاختلاط أو بعده ، فلذا اختلفوا في تصحيحه
وتضعيفه ، والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه )) .
قلت : وهذا هو الصواب بلا ريب كما يأتي بيانه . ويتلخص مما تقدم أن الحديث أعل
بأربع علل :
٣٣٢

الاولى : الخلاف في زاذان .
الثانية : أن حماد له أوهاما .
الثالثة : أن عطاء بن السائب ضعف مطلقاً ، بعد الاختلاط وقبله .
الرابعة : أنه صحيح الرواية قبل الاختلاط ، ولكن لا يدرى هل روى هذا الحديث
قبل الاختلاط أم بعده .
وإذ الأمر كذلك ، فلا بد من تحقيق القول في هذه العلل كلها ، والنظر إليها من زاوية
علم الحديث ومصطلحه ، وتراجم رواته ، ووزنها بميزانها الذي هو القسطاط المستقيم ، فأقول :
١ - هذا الخلاف لا يضرفي زاذان فقد وثقه الجمهور من الأئمة الفحول ، الذين عليهم
العمدة في باب الجرح والتعديل ، وحسبك منهم بحيى بن معين ، فقد قال فيه :
(( ثقة لا يسأل عن مثله )) :
ووثقه أيضا ابن سعدٍ وابن عدي والعجلي والخطيب ، وكذا ابن حبان ، ولكنه قال :
(( كان يخطىء كثيراً )» !
قلت : وهذا من أفراده وتناقضه، إذ لوكان يخطىء كثيراً لم يكن ثقة ! ولعل قول ابن حبان
هذا هو عمدة قول الحاكم أبي أحمد فيه :
(( ليس بالمتين عندهم)).
ولا نعلم أحداً تكلم فيه غير هذين ، وهو كلام مردود لأنه غير مدعم بالدليل ، مع مخالفته
لتوثيق من سمينا من الأئمة ، وبالإضافة إلى ذلك فقد احتج به مسلم ، وأشار الذهبي في أول
ترجمته إلى أن حديثه صحيح ، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق)) .
٢ - وهذا التعليل واه كالذي قبله ، فإن حماد بن سلمة إمام من أئمة المسلمين ثقة
حجة ما في ذلك شك ولا ريب ، ولا يخرجه من ذلك أن له أوهاماً ، وإلا فمن الذي ليس له
أوهام ؟! ولو كان الراوي الثقة يرد حديثه لمجرد أوهام له ، لما سلم لنا إلا القليل من جماهير الثقات
من رجال الصحيحين فضلا عن غيرهما . ولذلك جرى علماء الحديث سلفا وخلفا - ومنهم
النووي - على الاحتجاج بحديث حماد بن سلمة إلا إذا ثبت وهمه ، وهيهات أن يثبت هنا ،
على أنه قد رُوي له متابع ، وإن كان السند بذلك واهياً كما يأتي .
٣ - إن هذا التضعيف لا حجة عليه ، فإن المعروف عند الأئمة أن عطاء بن السائب
ثقة في نفسه ، لم يصرح أحد منهم بتضعيفه مطلقا ، وإنما وصفوه بأنه اختلط في آخر عمره ،
فمن عرف من الرواة عنه أنه سمع منه قبل الاختلاط فحديثه عنه صحيح ، والا فلا ، أنظر
((تهذيب التهذيب )) وغيره .
٤ - وهذا التعليل أو الإعلال - كما هو الأصح - هو الذي يمكن التمسك به في
تضعيف هذا الحديث ، فإنه ليس لدينا ما يصح أن يعتمد عليه في ترجيح أنه حدث به قبل
٣٣٣

الاختلاط ، وجزم الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن حماد بن سلمة قد سمع منه قبل الاختلاط ،
لا يصح أن يكون مرجحا ، ذلك لأن حماداً هذا قد سمع منه بعد الاختلاط أيضا ، كما ذكر
ذلك الحافظ نفسه في ((التهذيب))، فقد قال في آخر ترجمة عطاء بعد أن نقل أقوال العلماء
في اختلاطه وفيمن روى عنه في هذه الحالة وقبلها :
(( فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهير وزائدة وحماد بن زيد
وأيوب عنه صحيح ، ومن عداهم يتوقف فيهم ، إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم ، والظاهر
أنه سمع منه مرتين ، يعني قبل الاختلاط وبعده)) . وقال قبيل ذلك :
((فاستفدنا من هذه القصّة أن رواية وهيب وحماد ( يعني ابن سلمة ) وأبي عوانة عنه في
جملة ما يدخل في الاختلاط )) .
قلت : وهذا تحقيق دقيق يجب أن لا ينساه - كما وقع للحافظ نفسه - من يريد أن
يكون من أهل التحقيق ، ولازم ذلك أن لا يصحح حديث حماد بن سلمة عن عطاء لاحتمال
أن يكون سمعه منه في حالة الاختلاط ، فلقد أصاب الصنعاني كبد الحقيقة حين قال بعدما
تقدم نقله عنه :
((والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه)).
نعم لوصح ما أشرنا إليه من المتابعة لصح الحديث ، ولكن هيهات ! فقال أبو الحسن أحمد
بن محمد بن عمران المعروف بـ ( ابن الجُنْدي) في (( الفوائد الحسان الغرائب)) (١/٨): حدثنا
علي بن محمد بن عبيد : نا عيسى بن جعفر الوراق قال : أنا عفان ، قال : أنا شعبة وحماد ،
أوقال : شعبة وحماد حدثانا عن عطاء بن السائب به .
قلت : وهذا سند ظاهره الصحة فإن رجاله من شيخ ابن الجندي فمن فوقه كلهم ثقات
من رجال الصحيح غير عيسى بن جعفر الوراق فانه صدوق وله ترجمة في (( تاريخ بغداد))
(١٦٨/١١ - ١٦٩)، وعلي بن محمد بن عبيد ثقة حافظ ترجمه الخطيب أيضا ترجمة طيبة
( ١٢ / ٧٣ - ٧٤ ).
ولكن علة الحديث من صاحب ((الفوائد)) وهو ابن الجندي ، فقد ترجمه الخطيب
بقوله ( ٧٧/٥ ) :
((كان يضعف في روايته ، ويطعن عليه في مذهبه ، سألت الأزهري عنه ؟ فقال :
ليس بشيء)) :
وقال الحافظ في ((اللسان)):
((وأورد ابن الجوزي في ((الموضوعات)) في فضل علي حديثاً بسند، رجاله ثقات إلا
الجندي : فقال: هذا موضوع، ولا يتعدى الجندي)). (١)
قلت : ومما يؤيد ضعف هذا الرجل ، أنه روى الحديث عن طريق عفان - وهوابن مسلم -
(١) (( الموضوعات)) لابن الجوزي (٣٦٨/١ -٣٦٩).
٣٣٤

عن شعبة ، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان - وهو شيخه فيه ـ فلم يذكر شعبة فيه ! وكذلك
رواه البيهقي من طريق أخرى عن عفان ، وكذلك رواه الآخرون عن غير عفان وهم جماعة عن
حماد وحده ، فدل ذلك على أن ذكر شعبة في هذا السند منكر ، تفرد به ابن الجندي هذا ،
ولولا ذلك لكانت متابعة قوية من شعبة لحماد ، ولصح بذلك الحديث ، ولكن هيهات هيهات ! !
وقد ثبت في غير ما حديث صحيح أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها في غسل
الجنابة ، فالرجل مثلها إن كان له شعر مضفوركما هو معروف من عادة بعض العرب قديماً ،
واليوم أيضاً عند بعض القبائل .
وأما في الحيض فيجب نقضه ، هذا هو الأرجح الذي تقتضيه الأحاديث الواردة في هذا
الباب، فانظر ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (رقم ١٨٨)، وما يأتي تحت الحديث (٩٣٧).
٩٣١- ( ما رفع أحد صوته بغناء ، إلا بعث الله عز وجل إليه
شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى
يمسك ) .
ضعيف جداً. رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الملاهي)) (١/١٥٦) عن عبيد الله بن زحر
عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا .
قلت : وهذا سند ضعيف جدا ، علته علي بن يزيد وهو الألهاني أو عبيد الله بن زحر.
أما الألماني ، فقال البخاري :
(( منكر الحديث)) . وقال النسائي:
(( ليس بثقة)) .. وقال أبوزرعة :
(( ليس بقوي)) . وقال الدارقطني:
((متروك)).
وأما ابن زحر ، فقال أبو مُسْهِر :
((صاحب كل معضلة، وإن ذلك على حديثه لبين )). وقال ابن المديني :
((منكر الحديث )) . وقال ابن حبان ( ٦٣/٢ ):
((يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات ، وإذا اجتمع
في إسناد خبر عبيد اللّه ، وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته
أيديهم )) !
قلت : القاسم أبو عبد الرحمن خير منهما ، وليس هو محلاً للتهمة إن شاء الله تعالى ، بل
الراجح فيه عند المحققين أنه حسن الحديث ، فالعلة في هذا الحديث ممن دونه . والله أعلم .
والحديث عزاه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١٦٥/٦ - طبع لجنة نشر الثقافة
الإسلامية) للطبراني أيضا في ((الكبير)) وقال :
٣٣٥

((وهو ضعيف)). وقال تلميذه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١١٩/٨ - ١٢٠):
((رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا وضعفوا))!
كذا قال ، وكأنه يشير بذلك إلى رجال هذا الإسناد ، وهوواهٍ جداً كما بينا . والله أعلم .
٩٣٢ - ( من أفطر ( يعني في السفر) فرخصة ، ومن صام
فالصوم أفضل ) .
ضعيف شاذ. رواه أبو حفص الكتاني في ((الأمالي)) (١/١٠/١): حدثنا محمد بن
هارون الحضرمي ثنا أبوهاشم زياد بن أيوب : ثنا أبو معاوية الضرير : نا عاصم الأحول عن أنس
بن مالك قال :
((سئل رسول الله عَ ليه عن الصوم في السفر؟ قال: فقال)) فذكره.
قلت : وهذا سند رجاله كلهم ثقات على شرط البخاري ، غير الحضرمي ، وهو ثقة كما
قال الدارقطني وغيره، وله ترجمة جيدة في ((تاريخ بغداد))، فظاهر الإسناد الصحة ، وقد
اغتررت به برهة يسيرة من الزمن ، ثم بدا لي أنه معلول بالوقف ، فقد قال ابن أبي شيبة في
((المصنف)) (٢/١٤٩/٢): حدثنا أبو معاوية ومروان بن معاوية عن عاصم قال : سئل انس
عن الصوم في السفر؟ فقال : فذكره بالحرف الواحد هكذا موقوفا على أنس .
قلت : وهذا هو الصواب ، لأن أبا معاوية - واسمه محمد بن حازم - وإن كان ثقة
وأحفظ الناس لحديث الأعمش، فهو قد يَهم في حديث غيره كما قال الحافظ في ((التقريب))،
فمثله يحتج به إذا لم يخالف ، أولم يختلف عليه كما وقع في هذا الإسناد ، فأبو هاشم زياد بن
أيوب رفعه ، وابن أبي شيبة أوقفه ، ولا بد من مرجح ، وهو أعني ابن أبي شيبة قد قرن مع
أبي معاوية مروان بن معاوية وهو ثقة حافظ كما في (( التقريب)) فأوقفه أيضاً ، ولم يختلف عليه
فيه ، فروايته أولى ، لا سيما مع موافقة إحدى الروايتين عن أبي معاوية له ، وهذا ظاهر لا يخفى
إن شاء الله تعالى .
ومما يرجح أن الحديث موقوف على أنس ، وليس بمرفوع ، ما روى ابن أبي شيبة أيضا:
قال مروان بن معاوية: عن عاصم عن ابن سيرين قال : كان عثمان بن أبي العاص يقول في
ذلك مثل قول أنس بن مالك .
قلت : وهذا سند صحيح أيضا موقوفاً .
فتبين أن الصواب في هذا الحديث الوقف ، وأنه شاذ مرفوعاً، ولعل هذا هو السرفي عدم
وروده في شيء من كتب ((السنن)) و((المسانيد)) وغيرها، ككتب التخريجات، مثل ((نصب
الراية)) الزيلعي، و((تلخيص الحبير)) للعسقلاني ، ونحوها .
وقد اختلف العلماء ، في صوم رمضان في السفر على أقوال معروفة ، ولا شك أن الإفطار
فيه رخصة ، والأخذ بها أحب إلينا إذا كان الممفطر لا يتحرج من القضاء ، وإلا فا لأحب لدينا
٣٣٦

حينئذ الصيام ، والله أعلم. ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليراجع (( نيل الأوطار))، أو غيره
من كتب أهل العلم والتحقيق .
٩٣٣ - ( سارعوا إلى تعليم العلم والسنة والقرآن ، واقتبسوهن
من صادق ، من قبل أن يخرج أقوام في أمتي من بعدي يدعونكم إلى
تأسيس البدعة والضلالة ، فوالذي نفسي بيده لباب من العلم من صادق
خير لكم من الذهب والفضة تنفقونها في سبيل اللّه تعالى بغير هدى من
الله، من مشى في تعليم العلم والسنة والقرآن فعمل بما أمر الله وسن
رسول اللّه ◌َوِ ◌ّله ، فإذا عمل بذلك فله بكل خطوة يخطوها حسنة ،
وتحط عنه سيئة ، وترفع له درجة في الجنة ) .
موضوع. رواه الخطيب في ((تلخيص المتشابه)) (٢/٥١/٢) عن محمد بن عبيدة المروزي:
حدثنا حسان بن إبراهيم : حدثنا سعيد بن مسروق الثوري : حدثنا يزيد بن حيان : حدثنا زيد
ابن أرقم قال : سمعت علي ابن أبي طالب يقول : فذكره مرفوعا .
قلت : وهذا حديث موضوع ، ولوائح الوضع عليه ظاهرة ، وآفته محمد بن عَبيدة المروزي .
قال الذهبي :
(( قال ابن ماكولا : صاحب مناكير)) . وأورد قبله
((محمد بن عبيدة عن ( بياض في الأصل) وضع أحاديث، قاله أبوسعيد النقاش)).
قال الحافظ في ((اللسان)).
((وأنا أظنه الذي بعده )).
قلت : يعني المروزي المذكور.
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) و((الكبير)) من رواية الرافعي في ((تاريخه))
عن جابر بلفظ :
(( سارعوا في طلب العلم، فالحديث من صادق خير من الدنيا وما عليها من ذهب وفضة)).
قلت : وسكت عليه المناوي .
٩٣٤ - ( لا تَبُلْ قائما ) .
ضعيف . رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ( ١٣٥) عن هشام بن يوسف عن ابن جريج
عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه حَ له: فذكره .
قلت : وهذا سند ظاهره الصحة ، فإن رجاله ثقات ، لكنه معلول بعنعنة ابن جريج فإنه
كان مدلساً، وقد تبين أنه إنما تلقاه عن بعض الضعفاء، فقال الترمذي في ((سننه)) (١ /١٧):
٣٣٧

(( وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر
عن عمر قال: رآني النبي ◌َّ له وأنا أبول قائما فقال: (( يا عمر لا تبل قائما)). فما بلت قائما
بعده )). قال الترمذي :
(( وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث ،
ضعفه أيوب السختياني )) .
قلت: وقد أخرجه ابن ماجه (١٣٠/١) وتمام في ((الفوائد)) (ق ٢/١٢٣) والبيهقي
في ((السنن الكبرى)) (١٠٢/١) عن عبد الرزاق ثنا ابن جريج عن عبد الكريم أبي أمية به.
وعبد الكريم أبوأمية هوابن أبي المخارق، قال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٢/٢٣):
((وهذا إسناد ضعيف ، عبد الكريم متفق على تضعيفه ، وقد تفرد بهذا الخبر، وعارضه
خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبته ، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان هذا الخبر،
فإنه قال بعده : أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع . وقد صح ظنه ، فإن ابن جريج
إنما سمعه من ابن أبي المخارق كما ثبت من رواية ابن ماجه والحاكم في ((المستدرك))، واعتذر
عن تخريجه بأنه إنما أخرجه في المتابعات ، وحديث عبيد الله العمري أخرجه أبوبكر بن أبي
شيبة في مصنفه والبزار في مسنده )) .
قلت: ولم أعرف حديث عبيد الله الذي أشار إليه، و((المصنف)) لا أطوله الآن، فإني
أكتب هذا وأنا في المدينة المنورة ، وهو في المكتبة الظاهرية بدمشق ، لكن الظاهر أنه يعني مثل
حديث عبد الله بن دينارانه رأى عبد الله بن عمر بال قائما .
أخرجه البيهقي ( ١ /١٠٢) وقال:
(( وهذا يضعف حديث عبد الكريم ، وقد روينا البول قائماً عن عمر وعلي وسهل بن سعد
وأنس بن مالك )) .
وإذا عرفت ضعف الحديث فلا شيء في البول قائما إذا أمن الرشاش ، وقد قال الحافظ
في ((الفتح)):
((ولم يثبت عن النبي عَ ل في النهي عنه شيء)).
ثم وقفت على حديث عبيد الله العمري في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ١٢٤ - طبع
الهند) و((مسند البزار)) (ص ٣١ - زوائده)، فإذا هولا يعارض حديث الترجمة - كما ادعى
البوصيري - فانه رواه عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال :
.٠
(( ما بُلت قائماً منذ أسلمت)) . وإسناده صحيح .
فالأولى المعارضة بأثر عبد اللّه بن دينار المتقدم عن ابن عمر ، على اعتبار أنه هو الذي روي
الحديث عنه كما هو ظاهر ، ثم بما روى ابن أبي شيبةٍ أيضاً قبيل الموضع المشار إلى صفحته آنفا
من طريق أخرى عن زيد قال: ((رأيت عمر بال قائماً)). وزيد هذا هوابن وهب الكوفي ، وهو
٣٣٨

ثقة كسائر من دونه ، فالاسناد صحيح أيضا . ولعل هذا وقع من عمر رضي الله عنه بعد قوله المتقدم،
وبعد ما تبين له أنه لا شيء في البول قائما .
٩٣٥ - ( خيار أمتي في كل قرن خمسمائة ، والأبدال أربعون ،
فلا الخمسمائة ينقصون ، ولا الأربعون ، كلما مات رجل أبدل الله
عز وجل من الخمسمائة مكانه ، وأدخل من الأربعين مكانه . قالوا :
يا رسول الله! دلنا على أعمالهم، قال : يعفون عمن ظلمهم ، ويحسنون
إلى من أساء إليهم ، ويتواسون فيما آتاهم الله عز وجل ) .
موضوع. أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/١) من طريق الطبراني ، وعنه ابن الجوزي
في ((الموضوعات)) (١٥١/٣): عن سعيد بن أبي زيدون: حدثنا عبد الله بن هارون الصّوري:
حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا .
· قلت : وهذا سند مظلم ، سعيد بن أبي زيد وعبد الله بن هارون لم أعرفهما ، إلا أن الثاني
منهما أورده الذهبي في (( الميزان )) وقال :
((عن الأوزاعي ، لا يعرف ، والخبر كذب في أخلاق الأبدال )).
قلت: وهو هذا، وأقره الحافظ ابن حجر في ((اللسان)).
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) فأساء ، لا سيما وقد وقع في بعض النسخ
مرموزاً له بالحسن! واغتر بذلك بعض المتأخرين (١) فقال: ((حديث حسن))!
وأما المناوي فقد تنبه لعلته ، فقال بعد نقل كلام الذهبي السابق :
(( ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه، ووافقه عليها المؤلف في ((مختصر الموضوعات))
فأقره ولم يتعقبه )) .
واعلم أن أحاديث الأبدال لا يصح منها شيء ، وكلها معلولة ، وبعضها أشد ضعفاً من
بعض ، وأنا ذاكرلك بعضها ، وكاشف عن عللها ؛ إن شاء الله تبارك وتعالى .
٩٣٦ - ( الأبدال في هذه الأمة ثلاثون ، مثل إبراهيم خليل
الرحمن عزوجل ، كلَّمامات رجل أبدل الله تبارك وتعالى مكانه رجلاً) .
(١) هو السيد إسماعيل بن مهدي الغرباني اليماني في كتابه ((نفس الرحمن فيما لأحباب اللّه من علو الشأن))، ينتصر فيه
لمستغثين بغير الله، ويرد على المنكرين عليهم، وما رايت أجهل منه فيمن كتب في هذه المواضيع ؛ إلا أن يكون الشامي! فإنه
يظن أن ((الخلال في كرامات الأولياء)) كتاب ألفه الإمام أحمد! أنظر تعليقه على الصفحة (٢٤) من الكتاب المذكور. وإنما هو
کتاب للخلال باسم « کرامات الا ولياء )» كما ستراه في الحديث الآتي .
٣٣٩

منكر. رواه الإمام أحمد (٣٢٢/٥) والهيثم بن كليب في ((مسنده)) (١/١٥٩ - ٢)
والخلال في ((كرامات الأولياء)) (ق ٢/١) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ /١٨٠) وعنه
ابن عساكر في ((التاريخ)) (٢/٦٧/١) عن الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن
عبادة بن الصامت مرفوعا ، وقال أحمد عقبه :
(( هو حديث منكر)).
قلت : وفيه علتان :
الأولى : عبد الواحد بن قيس ، مختلف فيه ، فوثقه ابن معين في رواية وأبوزرعة . وقال
ابن معين في رواية أخرى : لم يكن بذاك ولا قريب ، وقال أبو حاتم : ليس بالقوي ، وكذا
قال صالح بن محمد البغدادي وزاد :
((روى عن أبي هريرة ولم يسمع منه)). وقال الذهبي:
(لم يلق أبا هريرة، إنما روايته عنه مرسلة، إنما أدركَ عروة ونافعاً)).
قلت : فعلى هذا فهو لم يدرك عبادة بن الصامت ، فالسند مع ضعفه منقطع !
الثانية : الحسن بن ذكوان ، مختلف فيه أيضاً ، وقد ضعفه الجمهور، وقال أحمد :
(( أحاديثه أباطيل )). وقال ابن معين :
((كان صاحب أوابد))، وقال ابن حجر في ((التقريب)):
((صدوق يخطىء، وكان يدلس )). ورمز له بأنه من رجال البخاري .
قلت : وقد عنعن هنا .
ومما تقدم تعلم ما في قول الهيثمي من الإيهام؛ فقال في ((مجمع الزوائد ( ١٠ / ٦٢ )
وقلده السيوطي في ((الحاوي)) (٢/ ٤٦١) :
(( رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ، غير عبد الواحد بن قيس ، وقد وثقه العجلي
وأبوزرعة وضعفه غيرهما)). ولم يذكر السيوطي: ((وضعفه غيرهما))!
فقد أوهم شيئين :
الأول : أنْ لا انقطاع بين عبد الواحد وعبادة ، وليس كذلك كما بينا .
الثاني : أن الحسن بن ذكوان ثقة ؛ لوصفه إياه بأنه من رجال الصحيح ، وسكوته عما
قيل فيه من التضعيف ، والوصف بالتدليس !
قلت: وبهذا التحقيق يتبين لك خطأ قول السيوطي في ((اللآلي)) (٣٣٢/٢):
((وسنده حسن ))! وقول ابن عراق (٣٠٧/٢ - طبع مصر) :
((وسنده صحيح )) ! !
وقد روي الحديث عن عُبادة بلفظ آخروهو :
((لا يزال في أمتي ثلاثون ، بهم تقوم الأرض ، وبهم تمطرون ، وبهم تنصرون )) .
قلت : وهو ضعيف أيضاً فيه من لا يعرف ، فقد قال الهيثمي ( ١٠ /٦٣):
٣٤٠