النص المفهرس

صفحات 281-300

فكيف يثبت ضبطه وليس له من الحديث إلا القليل بحيث لا يمكن سبره وعرضه على أحاديث
الثقات ليحكم له بالضبط أو بخلافه ، أو بأنه وسط بين ذلك . كما هو طريق من طرق الأئمة
النقاد في نقد الرواة الذين لم يُروَفيهم جرح أو تعديل ممن قبلهم من الأئمة .
ويكفي في إبطال هذا القول مع عدم وروده في ((علم المصطلح )) أنه مباين لما جاء فيه:
أن أقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين كما تقدم عن الخطيب . ولما تعقبه بعضهم بأن البخاري
روى عن مرداس الأسلمي، ومسلماً عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنهما غير واحد . رده
النووي في ((التقريب)) بقوله ( ص ٢١١).
(( والصواب نقل الخطيب ، ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة فإنهما صحابيان مشهوران ،
والصحابة كلهم عدول )) .
وأيده السيوطي في ((التدريب )) فقال عقبه ؛
(( فلا يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعداد الرواة ، قال العراقي : هذا الذي قاله النووي
متجه إذا ثبتت الصحبة ، ولكن بقي الكلام في أنه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أولا
تثبت إلا برواية اثنين عنه ، وهو محل نظر واختلاف بين أهل العلم . والحق أنه إن كان معروفا
بذكره في الغزوات أوفي من وفد من الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته )) .
قلت : فتأمل كلام العراقي هذا يتبين لك بطلان قول الكوثري ، لأنه تساهل في إثبات
عدالة التابعي الكبير فلم يشترط فيه ما اشترطه العراقي في إثبات الصحبة المستلزمة لثبوت العدالة !
فإنه اشترط مع رواية الواحد عنه أن يكون معروفاً بذكره في الغزوات أو الوفود . وهذا ما لم يشترط
الكوثري مثله في التابعي ! فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولعله قد وضح لك أنه لا فرق بين التابعي
الكبير ومن دونه في أنه لا تقبل روايتهم ما لم تثبت عدالتهم . وتثبت العدالة بتنصيص عدلين
عليها أو بالاستفاضة . كما هو معلوم .
٦ - قال: (( أما من بعدهم فلا تقبل روايتهم ما لم تثبت عدالتهم وهكذا)).
قلت : بل والتابعي الكبير كذلك كما حققناه في الفقرة السابقة .
٧ - قال: ((والحارث هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وإن جهله العقيلي وابن
الجارود وأبو العرب )).
قلت : فيه أمران :
الأول : أنه تغافل عن أئمة آخرين جهلوه ؛ منهم الامام البخاري والذهبي والعسقلاني
وغرضه من ذلك واضح وهو الحط من شأن هذا التجهيل !
والآخر : اعتداده بتوثيق ابن حبان هنا خلاف مذهبه الذي يصرح في بعض تعليقاته (١)
بأن ابن حبان يذكر في (( الثقات من لم يطلع على جرح فيه ، فلا يخرجه ذلك عن حد الجهالة
عند الآخرين ، وقد رد شذوذ ابن حبان هذا في ( لسان الميزان))).
(١) انظر ((مقالات الكوثري)) (ص ٣٠٩) و((شروط الآئمه الخمسه)) (ص ٤٥).
٢٨١

وهذا من تلاعبه في هذا العلم الشريف ، فتراه يعتد بتوثیق ابن حبان حیث کان له هوی
في ذلك كهذا الحديث ، وحديث آخر في التوسل كنت خرجته فيما تقدم برقم (٢٣) ، ولا يعتد
به حين يكون هواه على نقيضه كحديث الأوعال وغيره ، وقد شرحت حاله هذا هناك بما
فيه كفاية .
ولكن لا بد لي هنا من أن أنقل كلامه في راوي حديث الأوعال وهو عبد الله بن عميرة
راويه عن العباس بن عبد المطلب ، فهو تابعي كبير ؛ لتتأكد من وجود التشابه التام بينه وبين الحارث
بن عمروالراوي للحديث عن معاذ ، ومع ذلك يوثق هذا بذاك الأسلوب الملتوي ، ويجهل ذاك
وهو فيه على الصراط السوي! قال في ((مقالاته)) (ص ٣٠٩):
((وقال مسلم في ((الوحدان)) (ص ١٤): ((انفرد سماك بن حرب بالرواية عن عبد الله
بن عميرة)). فيكون ابن عميرة مجهول العين عنده ، ( يعني مسلماً ) لأن جهالة العين لا تزول
إلا برواية ثقتين ، ( تأمل ) وقال إبراهيم الحربي - أجل أصحاب أحمد - عن ابن عميرة
: لا أعرفه. وقال الذهبي في ((الميزان)) عن عبد الله بن عميرة: فيه جهالة)) ..
قلت : ثم وصفه الكوثري بأنه شيخ خيالي ! وبأنه مجهول عيناً وصفة !
ونحوه قوله في ((النكت الطريفة)) ( ص ١٠١ ) وقد ذكر حديثاً في سنده عبد الرحمن
ابن مسعود :
((وهو مجهول. قال الذهبي: ((لا يعرف)) وإن ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته
في التوثيق))! وقال في (قابوس). ((وإنما وثقه ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل
إذا لم يبلغه عنهم جرح ، وهذا غاية التساهل)) ! ! (ص ٤٨ منه )
فقابل كلامه هذا بالقاعدة التي وضعها من عند نفسه في قبول حديث التابعي الكبير
حتى ولونص الأئمة على جهالته تزداد تأكداً من تلاعبه المشار إليه . نسأل الله السلامة . ولوكانت
القاعدة الموضوعة صحيحة لكان قبول حديث ابن عميرة هذا أولى من حديث الحارث ، لأنه
روى عن العباس فهو تابعي كبير قطعاً؛ ولذلك جعله ابن حجر من الطبقة الثانية ، بينما الحارث
إنما يروي عن بعض التابعين كما سبق ، ولكن هكذا يفعل الهوى بصاحبه . نسأل الله العافية .
٨ - قال أخيراً: ((وقد روى هذا الحديث عن أبي عون عن الحارث - أبو إسحاق
الشيباني ، وشعبة بن الحجاج المعروف بالتشدد في الرواية ، والمعترف له بزوال الجهالة وصفاً
عن رجال یکونون في سند روایته » !
قلت : فيه مؤاخذتان :
الأولى : أن كون شعبة معروفاً بالتشدد في الرواية لا يستلزم أن يكون كل شيخ من شيوخه
ثقة ، بله من فوقهم ، فقد وجد في شيوخه جمع من الضعفاء ، وبعضهم ممن جزم الكوثري
نفسه بضعفه ! ولا بأس من أن أسمي هنا من تيسرلي منهم ذكره :
١ - إبراهيم بن مسلم الهَجَري .
٢٨٢

٢
-
اشعٹ بن سوار.
٣
-
ثابت بن هرمز.
٤
تُوير بن أبي فاختة .
-
جابر الجُعفي .
٥
- داود بن فَراهیجٍ
٦
٧ - داود بن يزيد الأودي .
٨ - عاصم بن عبيد الله (قال الكوثري في ((النكت )) ( ص ٧٤ ) : ضعيف
لا يحتج به ) .
٩ - عطاء بن أبي مسلم الخراساني .
١٠ - علي بن زيد بن جدعان .
١١ - ليث بن أبي سُلَيم .
١٢ - مجالد بن سعيد . - قال الكوثري في ((النكت)) ( ص ٦٣): (( ضعيف بالاتفاق )» وضعف به
١٣ - مسلم الأعور.
حديث : (( زکاة الجنین ز کاة أمه )) ! ثم ضعف به فیه ( ص ٩٥ ) حديث ((تعر
الله المحلل والمحلل له)) !! فلم يتجه من تضعيفه إياه أنه من شيوخ شعبه! (١) .
١٤ - موسى بن عبيدة .
١٥ - يزيد بن أبي زياد .
١٦ - يزيد بن عبد الرحمن الدالاني .
١٧ - يعقوب بن عطاء .
١٨ - يونس بن خبّاب.
من أجل ذلك قالوا في علم المصطلح : وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلا عند
الأكثرين ، وهو الصحيح كما قال النووي في ((التدريب)) ( ص ٢٠٨) وراجع له شرحه
((التقريب)) وإذا كان هذا في شيوخه فبالأولى أن لا يكون شيوخ شيوخه عدولاً إذا سموا ، فكيف
إذا لم يسموا ؟ !
الأخرى: قوله: ((والمعترف له بزوال الجهالة ... )).
أقول : إن كان يعني أن ذلك معترف به عند المحدثين ، فقد كذب عليهم ، فقد عرفت
مما سردناه آنفاً طائفة من الضعفاء من شيوخ شعبة مباشرة، فبالأولى أن يكون في شيوخ شيوخه من
هو ضعيف أو مجهول ، وكم من حديث رواه شعبة ، ومع ذلك ضعفه العلماء بمن فوقه من مجهول
أو ضعيف ، من ذلك حديثه عن أبي التّاح: ثني شيخ عن أبي موسى مرفوعاً بلفظ :
((إذا أراد أحد كم أن يبول فلْيَرْتَدْ لبوله موضعاً)) ، فضعفوه بجهالة شيخ أبي التياح كما سيأتي
برقم (٢٣٢٠)، ومن ذلك حديث ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخضة ... )) الحديث.
رواه شعبة باسناده عن أبي المطوس عن أبي هريرة مرفوعاً : فضعفه البخاري وغيره بجهالة أبي
(١) ولا يفوتني التنبيه على أن الحديثين المذكورين صحيحان رغم أنف الكوثري وتعصبه المذهبي ، وهما
مخرجان في إرواء الغليل » ( ٢٦٠٦ و١٩٥٥).
٢٨٣

المطوس فراجع ((الترغيب والترهيب)) (٧٤/٢) و((المشكاة)) (٢٠١٣) و((نقد الكتاني)) (٣٥).
وإن كان يعني بذلك نفسه ، أي أنه هو المعترف بذلك ، فهو كاذب أيضاً - مع ما فيه
من التدليس والإيهام - ؛ لان طريقته في إعلال الأحاديث بالجهالة تناقض ذلك ، وإليك
بعض الأمثلة :
١ - عبد الرحمن بن مسعود، صرح في ((النكت الطريفة)) (ص ١٠١) بأنه ((مجهول))
مع أنه من رواية شعبة عنه بالواسطة ! وقد قمت بالرد عليه عند ذكر حديثه الآتي برقم ( ٢٥٥٦)
وبيان تناقضه ، وإن كان الرجل فعلاً مجهولاً .
٢ - عمرو بن راشد الذي في حديث وابصة في الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى وراء
الصف وحده. قال الكوثري في ((النكت)) (ص ٢٨): ((ليس معروفاً بالعدالة فلا يحتج
بحديثه)). مع أنه يرويه شعبة بإسناده عنه، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) ( ٦٨٣ ) ،
و((إرواء الغليل)) (٥٣٤). وراجع تعليق أحمد شاكر على الترمذي (٤٤٨/١ - ٤٤٩))).
٣ - وكيع بن حُدُس الراوي عن أبي رَزِين العُقَيلي حديث ((كان في عماء ما فوقه
هواء، وما تحته هواء ... )) قال الكوثري في تعليقه على ((الأسماء)) (ص ٤٠٧ ):
((مجهول الصفة)). مع أنه يعلم أن شعبة قد روى له حديثاً آخر عند الطيالسي ( ١٠٩٠)
وأحمد ( ٤ /١١ ) .
فما الذي جعل هؤلاء الرواة مجهولين عند الكوثري ، وجعل الحارث بن عمرو معروفاً
عنده وكلهم وقعوا في إسناد فيه شعبة ؟ !
الحق ، والحق أقول : إن هذا الرجل لا يخشى الله ، فإنه يتبع هواه انتصاراً لمذهبه ، فيبرم
أمراً أو قاعدة من عند نفسه لينقضها في مكان آخر متجاوباً مع مذهبه سلباً أو إيجاباً . وفي ذلك
من التضليل وقلب الحقائق ما لا يخفى ضرره على أهل العلم . نسأل الله العصمة من الهوى .
وبعد ، فقد أطلت النفس في الرد على هذا الرجل لبيان ما في كلامه من الجهل والتضليل
نصحاً للقراء وتحذيراً ، فمعذرة إليهم
١
هذا ولا يهو لَنَّك اشتهار هذا الحديث عند علماء الأصول ، واحتجاجهم به في إثبات
القياس ، فان أكثرهم لا معرفة عندهم بالحديث ورجاله ، ولا تمييز لديهم بين صحيحه وسقيمه .
شأنهم في ذلك شأن الفقهاء بالفروع ، إلا قليلا منهم ، وقد مربك كلام إمام الحرمين في هذا
الحديث - وهو من هو في العلم بالأصول والفروع ، فماذا يقال عن غيره ممن لا يساويه في ذلك
بل لا يدانيه ، كما رأيت نقد الحافظ ابن طاهر إياه ، ثم الحافظ ابن حجر من بعده ، مع إنكاره
على ابن طاهر سوء تعبيره في نقده .
ثم وجدت لكل منهما موافقا ، فقد نقل الشيخ عبد الوهاب السبكي في ترجمة الإمام من
((طبقاته)) عن الذهبي أنه قال فيه .
(( وكان أبو المعالي مع تبحره في الفقه وأصوله ، لا يدري الحديث ! ذكر في كتاب
٢٨٤

((البرهان)) حديث معاذ في القياس فقال: هو مدون في ((الصحاح)) متفق على صحته . كذا
قال ، وأنى له الصحة، ومداره على الحارث بن عمرو وهو مجهول ، عن رجال من أهل حمص
لا یدری من هم؟ عن معاذ» .
ثم تعقبه السبكي بنحوما سبق من تعقب الحافظ لابن طاهر. ولكنه دافع عنه بوازع من التعصب
المذهبي ، لا فائدة كبرى من نقل كلامه وبيان ما فيه من التعصب ، فحسبك أن تعلم أنه ذكر
أن الحديث رواه أبو داود والترمذي، والفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ. ((الصحاح)) عليها .
فكأن السبكي يقول : فللإمام أسوة بهؤلاء الفقهاء في هذا الاطلاق ! فيقال له : أولوكان
ذلك أمراً منكراً عند العلماء بالحديث ؟ ! وفي الوقت نفسه فقد تجاهل السبكي قول الإمام
في الحديث (( متفق على صحته))؛ فإنه خطأ محض لا سبيل إلى تبريره أو الدفاع عنه بوجه من
الوجوه ، ولذلك لم يدندن السبكي حوله ولو بكلمة . ولكنه كان منصفاً حين اعترف بضعف
الحديث ، وأن الإمام صحح غيره من الأحاديث الضعيفة فقال :
(( وما هذا الحديث وحده ادّعى الإمام صحته وليس بصحيح ، بل قد ادعى ذلك في
أحاديث غيره ، ولم يوجب ذلك عندنا الغض منه )).
وأقول أخيراً : إن وصف الرجل بما فيه ليس من الغض منه في شيء ، بل ذلك من باب
النصح للمسلمين ، وبسبب تجاهل هذه الحقيقة صار عامة المسلمين لا يفرقون بين الفقيه والمحدث ،
فيتوهمون أن كل فقيه محدث ، ويستغربون أشد الاستغراب حين يقال لهم الحديث الفلاني
ضعيف عند المحدثين وإن احتج به الفقهاء ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً ، تجدها مبثوثة في
تضاعيف هذه ((السلسلة))، وحسبك الآن هذا الحديث الذي بين يديك .
وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده لإرساله ، وجهالة راويه الحارث بن عمرو،
فمن كان عنده من المعرفة بهذا العلم الشريف ، وتبين له ذلك فيها ، وإلا فحسبه أن يستحضر
أسماء الأئمة الذين صرحوا بتضعيفه ، فيزول الشك من قلبه ، وها أنها ذا أسردها وأقربها إلى
القراء الكرام :
١ - البخاري
٦ - ابن طاهر
٧ - ابن الجوزي
- الترمذي
٢
٨ - الذهبي
- العقيلي
٣
٩ - السبكي
٥ - ابن حزم
- الدارقطني
٤
١٠ - ابن حجر
كل هؤلاء - وغيرهم ممن لا نستحضرهم - قد ضعفوا هذا الحديث ، ولن يضل بإذن
الله من اهتدى بهديهم ، كيف وهم أولى الناس بالقول المأثور: ( هم القوم لا يشفى جليسهم ) .
هذا ولما أنكر ابن الجوزي صحة الحديث أتبع ذلك بقوله :
((وإن كان معناه صحيحاً)) كما تقدم .
٢٨٥

فأقول : هو صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص ، وهذا مما لا خلاف
فيه ، ولكنه ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن وإنزاله إياه معه ، منزلة
الاجتهاد منهما . فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة ، فكذلك لا يأخذ
بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب . وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم ، بل الواجب النظر
في الكتاب والسنة معا وعدم التفريق بينهما ، لما علم من أن السنة تبين مجمل القرآن ، وتقيد
مطلقه ، وتخصص عمومه كما هو معلوم . ومن رام الزيادة في بيان هذا فعليه برسالتي (( منزلة
السنة في الاسلام ، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن)) . وهي مطبوعة ، وهي الرسالة الرابعة
من (( رسائل الدعوة السلفية)). والله ولي التوفيق .
٨٨٢ - ( لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ، فإنكم إن لا تعجلوها
قبل نزولها ، لا ينفك المسلمون ، وفيهم إذا هي نزلت من إذا قال وفق
وسدد ، وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء ، فتأخذوا هكذا
وهكذا ، وأشاربين يديه وعلى يمينه وعن شماله ) .
ضعيف. أخرجه الدارمي في ((سنته)) (٤٩/١) عن أبي سلمة الحمصي أن وهب بن
عمرو الجمحي حدثه أن النبي ◌َّ اللّهِ قال : فذكره .
ثم روى عن أبي سلمة أيضا أن النبي ◌َ ◌ِّ سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا
سنة ؟ فقال :
((ينظر فيه العابدون من المؤمنين))
قلت : وهذا معضل ؛ لأن أبا سلمة واسمه سليمان بن سُلَيم الكلبي الشامي من أتباع
التابعين ، والأول مرسل ضعيف ؛ لأن وهب بن عمرو الجمحي لم أعرفه ، ويحتمل أنه وهب
بن عمير. قال ابن أبي حاتم: (٢٤/٢/٤) :
((روى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، روى عنه عطاء بن أبي ميمونة)). ولم يذكر
فيه غير ذلك فهو مجهول .
وقد روى نحوه من حديث علي وسيأتي برقم (٤٨٥٤ ) .
قلت : وهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد ، فالعمل عليه عند السلف ، فقد صح عن
مسروق أنه قال :
((سألتُ أبيَّ بن كعب عن شيء ؟ فقال: أكان هذا؟ قلت: لا ، قال: فأجِمَّنا حتى
يكون ، فإذا كان ؛ اجتهدنا لك رأينا )) .
أخرجه ابن عبد البرفي ((الجامع)) (٥٨/٢). وإسناده صحيح.
وروى الدارمي عن زيد المنقري قال :
٢٨٦

(« جاء رجل يوماً إلى ابن عمر فسأله عن شيء لا أدري ما هو؟ فقال له ابن عمر: لا تسأل
عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن .
أخرجه الدارمي (١ /٥٠) باسناد صحيح عنه، وهو والد حماد بن زيد بن درهم الأزدي
الحافظ ، وقد وثقه ابن حبان ، وروى عنه إبناه حماد هذا وسعيد .
ثم روى الدارمي بإسناده الصحيح عن طاوس قال : قال عمر: على المنبر :
((أُخَرِّج بالله على رجل سأل عما لم يكن ؛ فإن الله قد بين ما هوكائن)).
وعن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول : إذا سئل عن الأمر؟ :
أكان هذا؟ فإن قالوا : نعم قد كان ، حدث فيه بالذي يعلم والذي يرى ، وإن قالوا : لم يكن ،
قال : فذرون حتى يكون .
وإسناده إلى الزهري صحيح .
وعن عامٍ ( هو الشعبي ) قال : سئل عماربن ياسر عن مسئلة ؟ فقال : هل كان هذا بعد؟
قالوا : لا ، قال :
دعونا حتى تكون ، فإذا كانت تَجشَّناها لكم . وإسناده صحيح .
وعن ابن عون قال : قال القاسم : إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها ، وَنُّرون عن
أشياء ما كنا نتقرعنها ، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي ؟ ، ولو علمناها ما حل لنا أن
تلكتمكموها . وإسناده صحيح .
قلت : ولذلك كان مما أخذه الأئمة على أبي حنيفة رحمه الله فرضه المسائل التي لا تقع
أولما تقع ، وجوابه عليها ، ثم قلده أتباعه على ذلك ، فشحنوا كتبهم العديدة بها ، ولذلك قال
الحافظ ابن عبد البرفي ((باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير
أصله وعيب الإكثار من المسائل دون اعتبار)) من ((كتابه الجامع)) (١٤٥/٢ ):
((وسئل رقبة بن مصقلة عن أبي حنيفة؟ فقال: ((هو أعلم الناس بما لم يكن ، وأجهلهم
بما قد كان)). وقد روي هذا القول عن حفص بن غياث في أبي حنيفة ، يريد أنه لم يكن له علم
بآثار من مضى . والله أعلم )) .
وانظر ما يشبه هذا الكلام في أبي حنيفة وأصحابه في (ص ١٤٨ منه).
٨٨٣ - ( قال ربكم عزوجل: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم
المطر بالليل ، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولما أسمعتهم صوت
الرعد ) .
ضعيف . رواه الطيالسي (٢٥٨٦) وعنه أحمد (٣٥٩/٢) وكذا الحاكم (٢٥٦/٤)
من طريق صدقة بن موسى السلمي الرقيقي : ثنا محمد بن واسع عن شَتّيربن نهار عن أبي هريرة
مرفوعا . وقال الحاكم :
٢٨٧

((صحيح الإسناد))! وتعقبه الذهبي بقوله:
(( قلت : صدقة ضعفوه)).
قلت: وشُتير ويقال فيه سُمير، قال الذهبي في ((الميزان)):
(( نكرة )).
قلت : وصدقة بن موسى السلمي الدقيقي ، أورده الذهبي في ((الضعفاء )) وقال أيضاً:
((ضعفوه)). وقال في ((الميزان)):
(( ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما ، وقال أبوحاتم : يكتب حديثه وليس بالقوي )).
ثم ساق له مما أنكر عليه ثلاثة أحاديث ، هذا أحدها .
٨٨٤ - ( ما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره ،
ولا تصعد روحه إلى اللّه ، فلو ضمن رجل دينه قمت فصليت عليه ،
فإن صلاتي تنفعه ) .
ضعيف. رواه البيهقي في ((سننه)) (٦ /٧٥) من طريق أبي الوليد الطيالسي : ثنا عيسى
ابن صدقة عن عبد الحميد بن أبي أمية قال :
شهدت أنس بن مالك وهو يقول : الحمد لله الذي حبس السماء أن تقع على الأرض إلا
بإذنه . فقال له رجل : يا أبا حمزة : لو حدثتنا حديثاً عسى الله أن ينفعنا به ، قال : من استطاع
منكم أن يموت وليس عليه دين فليفعل ؛ فإني شهدت رسول اللّه عَ لّه وأتِيَ بجنازة رجلٍ ليصلي
عليه، فقال: عليه دين؟ قالوا: ((نعم)) قال: فما ينفعكم .. ))
ثم روى عن البخاري أنه قال :
((قال أبوالوليد ( يعني الطيالسي): هوضعيف، يعني عيسى بن صدقة هذا)).
قلت : وكذا ضعفه أبوحاتم . وقال الدارقطني :
((متروك)). وقال ابنٍ حبان (١١٧/٢):
((منكر الحديث جدا ، لا يجوز الاحتجاج به لغلبة المناكير عليه)).
قلت : وعبد الحميد بن أبي أمية قال الدارقطني :
« لا شيء)).
وبه أعل الحديث الهيثمي فقال في ((مجمع الزوائد)) (٤٠/٣ ) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه عبد الحميد بن أمية ـــ كذا الأصل ـ- وهو ضعيف)).
قلت : وهذا إعلال قاصر لما عرفت من حال ابن صدقة ، لا سيما وأن بعض الرواة عنه
قد أسقط عبد الحميد هذا من الإسناد ، وجعله من رواية ابن صدقة عن أنس ! أخرجه البيهقي
من طريق يونس بن محمد : ثنا عيسى بن صدقة قال :
٢٨٨

دخلت أنا وأبي وإمام الحي على أنس بن مالك ، فقالوا له : حدثنا حديثاً سمعته من
رسول اللّه ◌َ لّه ينفعنا الله به، قال:
مات رجل فجاء رسول اللّه ◌َ له، فقلنا: يا رسول اللّه أتصلي عليه؟ فقال: هل عليه دين.
الحديث، دون قوله: ((ولا تصعد روحه ... )) وزاد ((حتى يبعثه الله يوم القيامة فيحاسبه)).
وقد تابعه على إسقاطه عبيد الله بن موسى إلا أنه قلب اسم عيسى بن صدقة فقال :
عن صدقة بن عيسى قال سمعت أنساً يقول :
أتي النبي ◌َّ له برجل يصلي عليه، فقال: عليه دين؟ قالوا: نعم ، قال:
(((إن ضمنتم دينه صليت عليه)).
أخرجه البيهقي ، فهذا يرجح رواية إسقاط عبد الحميد من الإسناد لاتفاق ثقتين عليه ،
وتنحصر علة الحديث في عيسى بن صدقة هذا ، وهو الصحيح في اسمه كما قال أبو حاتم
والذهبي وغيرهما، وقول عبيد اللّه فيه: ((صدقة بن عيسى)) خطأ انقلب عليه ، والله أعلم.
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) (١/١٩٨/٢) للباوَرْدي والبيهقي. وسقط
(البيهقي ) من ((كنز العمال)) (٢٣٥/٣). والله أعلم.
واعلم أن في ضمان الدين عن الميت أحاديث صحيحة في البخاري والسنن وغيرها وكذلك
في ترك الصلاة على من عليه دين وعلى الغالّ . وإنما حملني على تخريج هذا وبيان ضعفه أنني
رأيت ابن الجوزي جزم بنسبته إلى النبي ◌َّ طفل في كتابه ((صيد الخاطر)) (ص ٣٥٠)!
٨٨٥ - ( لا تمنوا الموت ، فإن هول المطلع شديد ، وإن من
السعادة أن يطول عمر العبد ، ويرزقه الله الإنابة ).
ضعيف. رواه أحمد (٣٣٢/٣) عن الحارث بن يزيد ( وفي رواية : الحارث بن أبي
يزيد ) قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : فذكره مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد فيه ضعف، الحارث هذا لم يوثقه غير ابن حبان، وقد اضطرب في اسمه
على الوجهين المذكورين، وثمة وجه ثالث فقيل فيه ((سلمة بن أبي يزيد)) بدل ((الحارث))،
قال البخاري: ((ولا يصح)).
فالسند ضعيف عندي ، واما المنذري فقال (١٣٦/٤ ):
((رواه أحمد بإسناد حسن، والبيهقي)).
٨٨٦ - ( يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه ،
فيقول : عبدي ! إني أمرتك أن تدعوني ، ووعدتك أن أستجيبَ
لك ، فهل كنت تدعوني ؟ فيقول : نعم يا ربِّ! فيقول : أما إنك
لم تَدعُني بدعوة إلا استجِيبَ لك ، فهل ليس دعوتني يوم كذا وكذا
٢٨٩

لغمر نزل بك أن أُفرج عنك ، ففرجت عنك ؟ فيقول : نعم يا رب !
فيقول : فإني عَجلتُها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم
نزل بك أن أفرج عنك ، فلم ترفرجاً ؟ قال : نعم يارب ! فيقول :
إني ادَّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ، قال رسول اللّه عند الهرم: فلا
يَدَعُ اللّه دعوةَ دعا بها عبدُه المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عَجْلَ له
في الدنيا ، وإما أن يكون ادَّخر له في الآخرة ، قال : فيقول المؤمن
في ذلك المقام ، يا ليته لم يكن عجل له في شيء من دعائه ) .
ضعيف. أخرجه الحاكم (١ /٤٩٤) عن الفضل بن عيسى عن محمد بن المنكدر عن جابر
رضي الله عنهما مرفوعا . وقال :
(( هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي ، ومحله محل من لا يتهم بالوضع )) . وأقره
الذهبي ، ووافقه من قبله المنذري ( ٢ / ٢٧٢).
قلت : ولم يصنعا شيئاً ، فإنه إن لم يكن متهما فقد اتفقوا على تضعيفه ، والذهبي نفسه
أورده في ((الميزان)) وقال فيه: ((ضعفوه)). ثم ساق أقوال الأئمة في تجريحه وقال في كتابه
((المغني)) :
((مجمع على ضعفه)). وقال فيه الحافظ في ((التقريب)):
(( منكر الحديث)).
قلت: فمثله لا يحسن إيراد حديثه في (( المستدرك على الصحيحين)) كما لا يخفى .
والحديث رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٨/٦) من هذا الوجه بلفظ: ((إن الله يدعو
بعبده يوم القيامة ... )) الحديث مختصراً وفي آخره: (( حتى يقول العبد ليته لم يستجب لي في
الدنيا دعوة)) .
٨٨٧ - (كان فيمن كان قبلكم رجل مسرف على نفسه ، وكان
مسلماً ، كان إذا أكل طعامه طرح تفالة طعامه على مزبلة ، فكان يأوي
إليها عابد ، فإن وجد كسرة أكلها ، وإن وجد بقْلة أكلها ، وإن وجد
عرقاً تعرفه ... ( الحديث وفيه ): فأمر الله عز وجل بذلك الملك فأخرج
من النار جمرةً ينفض ، فأعيد كما كان ، فقال : يا رب هذا الذي كنت
أكل من مزبلته قال : فقال الله عزوجل : خذ بيده فأدخله الجنة من
معروف كان منه إليك لم يعلم به ، أما لو علم به ما أدخلته النار) .
٢٩٠

باطل. رواه تمام في ((الفوائد)) (٢٣٢٩) من طريق منصوربن عبد الله الوراق : حدثني
علي بن جابربن بسر الأودي : ثنا حسين بن حسن بن عطية : ثنا أبي عن مسعربن كدام عن عطية
عن أبي سعيد مرفوعا .
قلت : وهذا إسناد واه جدا ، وفيه علل :
الأولى : عطية وهو ابن سعد العوفي ضعيف ، وكان يدلس تدليسا خبيثا ، فكان يقول :
عن أبي سعيد يوهم أنه الخدري وهو يعني الكلبي الكذاب ، وقد سبق تفصيل ذلك في الحديث
( ٢٤ ص ٣٢ ج ١).
الثانية : حسن بن عطية وهو ابن العوفي المذكور آنفا ، قال البخاري :
((ليس بذاك)). وقال ابن حبان (٢٢/١/١):
((منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من ابنه أو منهما معاً)).
الثالثة : ابنه الحسين بن الحسن بن عطية ، قال أبو حاتم :
((ضعيف الحديث)). كما في ((الجرح والتعديل)) (٤٨/٢/١). وقال ابن معين : كان
ضعيفاً في القضاء، ضعيفاً في الحديث)). وله ترجمة واسعة في ((تاريخ بغداد)) (٢٩/٨ -
٣٢) ، وذكر له أخباراً طريفة في لحيته التي كانت تبلغ إلى ركبته !
الرابعة : علي بن جابر ومنصور الوراق لم أجد من ترجمهما .
والحديث مع ضعف إسناده الشديد ، فهو منكر بل باطل ظاهر البطلان ، يشهد القلب
بوضعه ، ولعله من الإسرائيليات التي تلقاها الكلبي من أهل الكتاب ثم دلَّسَهُ عنه عطية العوفي،
فإن من غير المعقول أن يثاب ذلك الرجل المجرم بعمل عمله لا يقصد به نفع الناس ولو قصده لم
ينفعه حتى يبتغي به وجه الله ، كما هو معلوم ، مع أن العمل نفسه قد يمكن إدخاله في باب
الإسراف وتضييع المال ، فتأمل .
وإن مثل هذا الحديث ليفتح باباً كبيراً على الناس من التواكل والتكاسل عن القيام بما أمر
الله به ، والانتهاء عما نهى عنه، والاعتماد على الأعمال العادية التي لا يقصد بها التقرب إلى
الله ، متعللين بأنه عسى أن ينتفع بها بعض الناس فيغفر الله لنا !!
٨٨٨ - (مصركنانة الله في أرضه، ما طلبها عدو إلا أهلكه
الله ) !
لا أصل له. أورده السخاوي في ((المقاصد)) (١٠٢٩) وقال :
(( لم أره بهذا اللفظ في مصر، ولكن عند أبي محمد الحسن بن زولاق في ((فضائل مصر))
له بمعناه ، ولفظه :
((مصر خزائن الأرض كلها، من يردها بسوء قصمه الله)).
وعزاه المقريزي في ((الخطط)) لبعض الكتب الإلهية)). قلت ، وابن زولاق هذا لا أعرف
عنه شيئاً ، ولا عن كتابه ، وهل هو على طريقة المحدثين في سوق الأحاديث بالأسانيد أم هو
٢٩١

على طريقة المتأخرين في ذكر الأحاديث تعليقاً بدون إسناد ؟ فإذا كان الأول ، فلا أدري لماذا
سكت عليه الحافظ السخاوي ، ولقد كان من الواجب عليه أن يسوق إسناده على الأقل ليمكن
النظر فيه والحكم على الحديث به ، وإن كان يغلب على الظن أنه لا يصح ، بل هو مأخوذ من بعض
أهل الكتاب كما أشار إلى ذلك المقريزي، فهو مثل حديث ((الشام كنانتي ... )) وقد تقدم
برقم ( ١٥).
٨٨٩ - ( الجيزة روضة من رياض الجنة ، ومصر خزائن اللّه
في الأرض ) .
موضوع. أخرجه أبونعيم في ((نسخة نُبَيْط بن شَرِيط)) (ق ٢/١٥٨) عن أحمد بن إبراهيم
ابن نبيط بن شريط أبي جعفر الأشجعي قال : حدثني أبي إسحق بن إبراهيم بن نُبيط قال :
حدثني أبي إبراهيم بن نبيط عن جده نبيط بن شريط مرفوعا .
وأورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) ( ص ٨٧ ) من طريق أبي نعيم ،
ثم قال :
((قال في («الميزان)): أحمد هذا حدث عن أبيه عن جده بنسخة فيها بلايا ، منها هذا
الحديث ، لا يحل الاحتجاج به فإنه كذاب )) .
وأقره ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٥٧/٢)، وذكر العجلوني هذا الحديث في
(( كشف الخفاء)) (ص ٢١٢) وقال :
((قال في ((اللآلى)): كذب)). والله أعلم .
٨٩٠ - ( من لم يكثر ذكر الله تعالى فقد برىء من الإيمان).
موضوع. قال المنذري في ((الترغيب)) (٢٣١/٢) :
(( رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) من حديث أبي هريرة، وهو حديث غريب)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ( ٧٩/١٠) :
((رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) عن شيخه محمد بن سهل بن المهاجر عن
مؤمَّل بن إسماعيل ، وفي ((الميزان)) :
((محمدّ بن سهل عن مؤمل بن إسماعيل يروي الموضوعات)).
فإن كان هو ابن المهاجر فهو ضعيف ، وإن كان غيره فالحديث حسن )) !
قلت : وعلق عليه الحافظ ابن حجر بما نصه :
((بل هو موضوع على الحالين، والمجهول إذا انفرد ( الأصل إذ ) لم يكن حديثه حسناً
بحال )) .
. وهذا كلام جيد. وما قاله الذهبي في ((الميزان)) في ابن سهل هذا أقره عليه الحافظ
في ((اللسان)). وزاد عليه أنه ساق له هذا الحديث ، وهو ظاهر الوضع .
٢٩٢

ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث لم يروه الطبراني في ((الصغير)) بهذا اللفظ ، خلافا
لما يوهمه صنيع المنذري ثم الهيثمي ، بل بلفظ :
((من أكثر ذكر الله فقد برىء من النفاق )) . ص ٢٠٣
وفرق ظاهر بين اللفظين ، وإن كان مدارهما على إسناد واحد عند الطبراني ، يرويهما
عن شيخ واحد هو محمد بن سهل هذا المتهم ، ولكنه لم ينفرد باللفظ الثاني ، فقد أخرجه أبو محمد
المخلدي في ((الفوائد المنتخبة)) (٢/١/٣) ومحمد بن الحسن الأزدي في ((أحاديث منتقاة))
(ق ١/٢ -٢) وأبو موسى المديني في ((اللطائف)) (ق ٢/٨١) من طرق أخرى عن مؤمل
بن إسماعيل به . فبرئت عهدة ابن سهل من هذا اللفظ الثاني ، وانحصرت التهمة به في اللفظ
الأول .
وعلة اللفظ الثاني هو هذا الذي دارت عليه الطرق : مؤمل بن إسماعيل ؛ فإنه ضعيف
لسوء حفظه وكثرة خطاه ، قال أبو حاتم :
((صدوق شديد في السنة، كثير الخطأ)) . وقال البخاري :
((منكر الحديث)). وقال أبو زرعة:
((في حديثه خطأ كثير)) .
ومن هذا التحقيق يتلخص أن الحديث بلفظه الأول موضوع ، كما قال الحافظ ابن حجر،
وبلفظه الثاني ضعيف، ولقد أحسن السيوطي صنعاً حيث أورده في ((الجامع الصغير)) من رواية
((صغير الطبراني)) دون اللفظ الآخر. والله الموفق.
وفي باب ذكر الله تعالى والإكثار منه وفضله أحاديث كثيرة مجموعة في (( الترغيب )) وغيره
تغني عن مثل هذا الحديث .
٨٩١ - (كان بلال إذا أراد أن يقيم الصلاة قال: السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، يرحمك الله ).
موضوع. رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ١/٢٧/١ - مجمع البحرين ) : حدثنا
مقدام بن داود : ثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة : ثنا كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي
هريرة به . وقال :
(( لم يروه عن كامل إلا عبد الله)).
قلت : وهذا موضوع ، آفته ابن المغيرة هذا ، فقد ساق له الذهبي أحاديث وقال :
(( هذه موضوعات )) .
ومقدام بن داود ليس بثقة كما قال النسائي :
وفي مجمع ((الزوائد)) ( ٧٥/٢):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه عبد الله بن محمد بن المغيرة، وهو ضعيف)).
٢٩٣

قلت : وهذا إعلال قاصر من جهتين :
الأولى : أنه ألان القول في تضعيف ابن المغيرة وقد عرفت أنه صاحب موضوعات . وقد
قال النسائي :
((روى عن الثوري ومالك بن مغول أحاديث كانا أتقى لله من أن يحدثا بها)).
الأخرى : أنه عصب التهمة بابن المغيرة مع أن الراوي عنه المقدام مثله أو قريب منه .
وهذا الحديث كأنه الأصل لتلك البدعة الفاشية التي رأيناها في حلب وإدلب وغيرها من
بلاد الشّمال ، وهي الصلاة والسلام على النبي صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم جهراً قبيل الإقامة .
وهي كالبدعة الأخرى وهي الجهر بها عقب الأذان كما بينه العلماء المحققون ، - وذكرناه في
الرسالة الأولى من ((تسديد الإصابة)).
على أن الظاهر من الحديث - لوصح - أن بلالاً كان يدخل على النبي صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم وهو في حجرته ليخبره بأنه يريد أن يقيم حتى يخرج عليه الصلاة والسلام فيقيم
بلال ، أو لعله لا يسمع الإقامة فيخبر بها .
(تنبيه) : إن العلماء إذا أنكروا مثل هذه البدعة ، فلا يتبادرَنّ إلى ذهن أحد أنهم ينكرون
أصل مشروعية الصلاة على النبي مَ لله! بل إنما ينكرون وضعها في مكان لم يضعها رسول
اللّه ◌َ له فيه، أو أن تقترن بصفات وهيئات لم يشرعها الله على لسان نبيه ، كما صح عن ابن عمر
رضي الله عنه أن رجلاً عطس فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللّه عَ له. فقال
ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللّه ◌َ الله، ولكن ما هكذا علمنا
رسول اللّه ◌ٍَّ ! قل: الحمد لله رب العالمين أوقال: على كل حال .
فانظر كيف أنكر ابن عمر رضي الله عنه وضع الصلاة بجانب الحمد بحجة أنهم له لم
يصنع ذلك، مع تصريحه بأنه يصلي على النبي ◌َّ له دفعاً لما عسى أن يرد على خاطر أحد أنه أنكر
الصلاة عليه ◌َ له جملة ! كما يتوهم ذلك بعض الجهلة حينما يرون أنصار السنة ينكرون هذه
البدعة وأمثالها ، فيرمونهم بأنهم ينكرون الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، هداهم
اللّه تعالى إلى اتباع السنة .
٨٩٢ - ( من أحب أن يحيا حياتي ، ويموت موتتي ، ويسكنٍ
جنة الخلد التي وعدني ربي عزوجل ، غرس قضبانها بيديه ، فلَيَتَوَلّ
علي بن أبي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم
في ضلالة ) .
موضوع. رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٩/٤ - ٣٥٠ و٣٥٠) والحاكم (١٢٨/٣)
وكذا الطبراني في «الكبير)) وابن شاهين في ((شرح السنة)) (١٨ /٢/٦٥) من طرق عن يحيى
٢٩٤

ابن يعلى الأسلمي قال : ثنا عماربن رزيق عن أبي إسحاق عن زياد بن مطرق عن زيد بن أرقم
- زاد الطبراني: وربما لم يذكرزيد بن أرقم - قال: قال رسول اللّه مَ له: فذكره. وقال أبو نعيم:
(( غريب من حديث أبي إسحاق ، تفرد به يحيى )).
قلت : وهو شيعيٌّ ضعيف ، قال ابن معين :
(( ليس بشيء)). وقال البخاري :
((مضطرب الحديث)). وقال ابن أبي حاتم (١٩٦/٢/٤) عن أبيه:
(( ليس بالقوي ، ضعيف الحديث)).
والحديث قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٨/٩):
((رواه الطبراني، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف)).
قلت: وأما الحاكم فقال: ((صحيح الإسناد))! فرده الذهبي بقوله:
(( قلت : أننى له الصحة والقاسم متروك ، وشيخه ( يعني الأسلمي) ضعيف ، واللفظ
ركيك ، فهو إلى الوضع أقرب )) .
وأقول : القاسم - وهو ابن شيبة - لم يتفرد به ، بل تابعه راويان آخران عند أبي نعيم،
فالحمل فيه على الأسلمي وحده دونه .
نعم للحديث عندي علتان أخريان :
الأولى : أبو إسحاق ، وهُو السَّبيعي فقد كان اختلط مع تدليسه ، وقد عنعنه .
الأخرى : الاضطراب في إسناده منه أو من الأسلمي ، فانه يجعله تارة من مسند زيد
بن أرقم ، وتارة من مسند زياد بن مطرف ، وقد رواه عنه مطين والباوردي وابن جرير وابن شاهين ..
في ((الصحابة)) كما ذكر الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) وقال :
((قال ابن منده: ((لا يصح)). قلت: في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي، وهوواهٍ)).
قلت: وقوله ((المحاربي)) سبق قلم منه، وإنما هو الأسلمي كما سبق ويأتي.
( تنبيه ) لقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث ونقده ، والكشف عن علته ، أسباب
عدة ، منها أنني رأيت الشيخ المدعو بعبد الحسين الموسوي الشيعي قد خرج الحديث في
((مراجعاته)) (ص ٢٧) تخريجاً أوهم به القراء أنه صحيح كعادته في أمثاله ، واستغل في سبيل
ذلك خطأً قلمياً وقع للحافظ ابن حجر رحمه الله ، فبادرت إلى الكشف عن إسناده ، وبيان
ضعفه ، ثم الرد على الإيهام المشار إليه ، وكان ذلك منه على وجهين ، فأنا أذكرهما ، معقباً
على كل منهما ببيان ما فيه فأقول :
الأول : أنه ساق الحديث من رواية مطين ومن ذكرنا معه نقلاً عن الحافظ من رواية
زياد بن مطرف، وصدره برقم (٣٨). ثم قال :
((ومثله حديث زيد بن أرقم ... )) فذكره، ورقم له بـ (٣٩). ثم علق عليهما مبيناً
٢٩٥

مصادر كل منهما ، فأوهم بذلك أنهما حديثان متغايران إسناداً ! والحقيقة خلاف ذلك ، فان
كلاً منهما مدار إسناده على الأسلمي ، كما سبق بيانه ، غاية ما في الأمر أن الراوي كان يرويه
تارة عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم . وتارة لا يذكر فيه زيد بن أرقم ، ويوقفه على زياد
ابن مطرف ، وهو مما يؤكد ضعف الحديث لاضطرابه في إسناده كما سبق .
والآخر : أنه حكى تصحيح الحاكم للحديث دون أن يتبعه بيان علته ، أو على الأقل دون
أن ينقل كلام الذهبي في نقده. وزاد في إيهام صحته أنه نقل عن الحافظ قوله في ((الإصابة )):
((( قلت : في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهوواه )).
فتعقبه عبد الحسين (! ) بقوله :
((أقول : هذا غريب من مثل العسقلاني ، فان يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتفاق ،
وقد أخرج له البخاري ... ومسلم ... )).
فأقول : أغرب من هذا الغريب أن يدير عبد الحسين كلامه في توهيمه الحافظ في توهينه
للمحاربي ، وهو يعلم أن المقصود بهذا التوهين إنما هو الأسلمي وليس المحاربي ، لأن هذا مع
كونه من رجال الشيخين ، فقد وثقه الحافظ نفسه في ((التقريب)) وفي الوقت نفسه ضعف
الأسلمي ، فقد قال في ترجمة الأول :
(( يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي الكوفي ثقة ، من صغار التاسعة مات سنة ست
عشرة)) . وقال بعده بترجمة :
((يحيى بن يعلى الأسلمي الكوفي شيعي ضعيف ، من التاسعة )) .
وكيف يعقل أن يقصد الحافظ تضعيف المحاربي المذكوروهو متفق على توثيقه ، ومن رجال
((صحيح البخاري)) الذي استمر الحافظ في خدمته وشرحه وترجمة رجاله قرابة ربع قرن من
الزمان؟! كل ما في الأمر أن الحافظ في ((الإصابة)) أراد أن يقول (( ... الأسلمي وهو واهٍ))
فقال واهماً: ((المحاربي وهوواه)) ! .
فاستغل الشيعي هذا الوهم أسوأ الاستغلال ، فبدل أن ينبه أن الوهم ليس في التوهين ،
وإنما في كتب ((المحاربي)) مكان ((الأسلمي))، أخذ يوهم القراء عكس ذلك وهو أن راوي
الحديث إنما هو المحاربي الثقة وليس هو الأسلمي الواهي ! فهل في صنيعه هذا ما يؤيد من
زكاه في ترجمته في أول الكتاب بقوله :
((ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة ... وأمانة النقل)).
أين أمانة النقل يا هذا وهو ينقل الحديث من ((المستدرك)) وهو يرى فيه يحيى بن يعلى
موصوفاً بأنه ((الأسلمي)) فيتجاهل ذلك، ويستغل خطأ الحافظ ليوهم القراء أنه المحاربي
الثقة . وأين أمانته أيضاً وهو لا ينقل نقد الذهبي والهيثمي للحديث بالأسلمي هذا؟! فضلاً عن
أن الذهبي أعلَّه بمن هو أشد ضعفاً من هذا كما رأيت، ولذلك ضعفه السيوطي في ((الجامع
الكبير)) على قلة عنايته فيه بالتضعيف فقال :
((وهو واه )) .
٢٩٦

وكذلك وقع في ((كنز العمال)) برقم (٢٥٧٨)، ومنه نقل الشيعي الحديث ، دون أن ينقل
تضعيفه هذا مع الحديث . فأين الأمانة المزعومة أين ؟ ! .
( تنبيه ) أورد الحافظ ابن حجر الحديث في ترجمة زياد بن مطرف في القسم الأول من
((الصحابة))، وهذا القسم خاص كما قال في مقدمته: ((فيمن وردت صحبته بطريق الرواية
عنه أو عن غيره ، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ، أو وقع ذكره بما يدل على
الصحبة بأي طريق كان ، وقد كنت أولاً ــ رتَّبت هذا القسم الواحد على ثلاثة أقسام ، ثم بدا لي
أن أجعله قسماً واحداً ، وأميز ذلك في كل ترجمة )).
قلت : فلا يستفاد إذن من إيراد الحافظ للصحابي في هذا القسم أن صحبته ثابتة ، ما دام
أنه قد نص على ضعف إسناد الحديث الذي صرح فيه بسماعه من النبي بَ له وهو هذا الحديث ،
ثم لم يتبعه بما يدل على ثبوت صحبته من طريق أخرى ، وهذا ما أفصح بنفيه الذهبي في
((التجريد)) بقوله: ( ١٩٩/١ ):
((زياد بن مطرف ، ذكره مطين في الصحابة ، ولم يصح)).
وإذا عرفت هذا فهو بأن يذكر في المجهولين من التابعين ، أولى من أن يذكر في الصحابة
المكرمين ، وعليه فهو علة ثالثة في الحديث .
ومع هذه العلل كلها في الحديث يريدنا الشيعي أن نؤمن بصحته عن رسول اللّه حَ له غير
عابئ بقوله عَ له: ((من حدث عني بحديث وهويرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) . رواه مسلم
في مقدمة ((صحيحه)). فالله المستعان .
وكتاب ((المراجعات)) للشيعي المذكور محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل
علي رضي الله عنه ، مع كثير من الجهل بهذا العلم الشريف ، والتدليس على القراء والتضليل عن
الحق الواقع، بل والكذب الصريح، مما لا يكاد القاريء الكريم يخطر في باله أن أحداً من المؤلفين
يحترم نفسه يقع في مثله ، من أجل ذلك قويت الهمة في تخريج تلك الأحاديث - على كثرتها -
وبيان عللها وضعفها ، مع الكشف عما في كلامه عليها من التدليس والتضليل ، وذلك مما سيأتي
بإذن الله تعالى برقم (٤٨٨١ - ٤٩٧٥).
٨٩٧ - ( من سره أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويتمسك
بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده، ثم قال لها: ((كوني فكانت))
فَلْتَوَلَّ علي بن أبي طالب من بعدي ) .
موضوع. رواه أبو نعيم (١ /٨٦ ١٧٤/٤) من طريق محمد بن زكريا الغلابي : ثنا بشربن
مهران : ثنا شريك عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة مرفوفا . وقال :
((تفرد به بشرعن شريك)).
٢٩٧

قلت : هوابن عبد اللّه القاضي وهو ضعيف لسوء حفظه .
وبشربن مهران قال ابن أبي حاتم :
((ترك أبي حديثه)). قال الذهبي:
((قد روى عنه محمد بن زكريا الغلاّبي ، لكن الغلابي متهم)).
قلت : ثم ساق هذا الحديث . والغلابي قال فيه الدارقطني :
((يضع الحديث)) . فهو آفته .
والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٨٧/١) من طرق أخرى ، وأقره
السيوطي في ((اللآلي)) (٣٦٨/١ - ٣٦٩)، وزاد عليه طريقين آخرين أعلَّهما، هذا
أحدهما وقال :
(( الغلابي متهم )) .
وقد روي بلفظ أتم منه ، وهو
٨٩٤ - ( من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن
جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد
بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً
وعلماً ، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ،
لا أنالهم الله شفاعتي)).
موضوع . أخرجه أبو نعيم (٨٦/١ ) من طريق محمد بن جعفر بن عبد الرحيم : ثنا أحمد
ابن محمد بن يزيد بن سليم : ثنا عبد الرحمن بن عمران بن أبي ليلى - أخو محمد بن عمران -:
ثنا : يعقوب بن موسى الهاشمي عن ابن أبي روّاد عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن
عباس مرفوعا . وقال :
((وهو غريب)).
قلت : وهذا إسناد مظلم ، كل من دون ابن أبي رواد مجهولون ؛ لم أجد من ذكرهم ،
غير أنه يترجح عندي أن أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم إنما هو ابن مسلم الأنصاري الأطرابلسي
المعروف بابن أبي الحناجر، قال ابن أبي حاتم (٧٣/١/١): ((كتبنا عنه وهو صدوق)). وله
ترجمة في (( تاريخ ابن عساكر)) (٢/ ق ١١٣ - ١/١١٤).
وأما سائرهم فلم أعرفهم فأحدهم هو الذي اختلق هذا الحديث الظاهر البطلان والتركيب ،
وفضل علي رضي الله عنه أشهر من أن يستدل عليه بمثل هذه الموضوعات ، التي يتشبث الشيعة
بها ، ويسودون كتبهم بالعشرات من أمثالها ، مجادلين بها في إثبات حقيقة لم يبق اليوم أحد
يجحدها ، وهي فضيلة علي رضي الله عنه .
٢٩٨

ثم الحديث عزاه في ((الجامع الكبير)) (١/٢٥٣/٢) الرافعي أيضا عن ابن عباس. ثم
رأيت ابن عساكر أخرجه في ((تاريخ دمشق)) (٢/١٢٠/١٢) من طريق أبي نعيم ثم
قال عقبه :
(( هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجهولين)).
قلت: وكيف لا يكون منكراً وفيه مثل ذاك الدعاء ! ((لا أنا لهم اللّه شفاعتي)) الذي
لا يعهد مثله عن النبي ◌َ ◌ّه، ولا يتناسب مع خلقه مَ له ورأفته ورحمته بأمته .
وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها صاحب ((المراجعات )) عبد الحسين الموسوي
نقلا عن كنز العمال (١٥٥/٦ و٢١٧ - ٢١٨) موهماً أنه في مسند الإمام أحمد، معرضاً عن
تضعيف صاحب الكنز إياه تبعاً للسيوطي ! .
وكم في هذا الكتاب ((المراجعات)) من أحاديث موضوعات ، يحاول الشيعي أن يوهم
القراء صحتها ، وهو في ذلك لا يكاد يراعي قواعد علم الحديث حتى التي هي على مذهبهم !
إذ ليست الغاية عنده التثبت مما جاء عنه عَ لّم في فضل علي رضي الله عنه ، بل حشر كل ما روي
فيه ! وعلي رضي الله عنه كغيره من الخلفاء الراشدين والصحابة الكاملين أسمى مقاماً من أن يمدحوا
بما لم يصح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
ولو أن أهل السنة والشيعة اتفقوا على وضع قواعد في ((مصطلح الحديث)) يكون التحاكم
إليها عند الاختلاف في مفردات الروايات ، ثم اعتمدوا جميعا على ما صح منها ، لو أنهم فعلوا
ذلك لكان هناك أمل في التقارب والتفاهم في أمهات المسائل المختلف فيها بينهم ، أما والخلاف
لا يزال قائماً في القواعد والأصول على أشده فهيهات هيهات أن يمكن التقارب والتفاهم معهم ،
بل كل محاولة في سبيل ذلك فاشلة . والله المستعان .
٨٩٥ - ( لا تسبوا علياً ؛ فإنه ممسوس في ذات الله تعالى ).
ضعيف جداً. رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦٨/١): حدثنا سليمان بن أحمد: ثنا
هارون بن سليمان المصري : ثنا سعد بن بشر الكوفي : ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن يزيد
ابن أبي زياد عن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه مرفوعا .
قلت : وهذا سند واه جداً ، مسلسل بعلل عدة :
الأولى : إسحاق بن كعب فإنه
((مجهول الحال)) كما قال ابن القطان والحافظ .
الثانية : يزيد بن أبي زياد وهو الدمشقي ، قال الحافظ :
((متروك)).
الثالثة : سعد بن بشر الكوفي لم أعرفه ، وأخشى أن يكون وقع في اسمه تحريف ، فقد
أورد الحديث الهيثمي في ((مجمع الزوائد » (٩ /١٣٠) وقال :
((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه سفيان بن بشر أوبشير، متأخر، ليس
٢٩٩

هو الذي روى عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، ولم أعرفه ، وبقية رجاله وثقوا ، وفي بعضهم
ضعف )) .
الرابعة : هارون بن سليمان المصري لم أجد من ذكره .
ومما سبق تعلم تقصير الهيثمي في الكلام عليه ، وإلافصاح عن علله التي تقضي على
الحديث بالضعف الشديد ، إن سلم من الوضع الذي يشهد به القلب ، والله أعلم .
٨٩٦ - ( جددوا إيمانكم ، قيل : يا رسول اللّه وكيف نجدد
إيماننا ؟ قال : أكثروا من قول : لا إله إلا الله) .
ضعيف. أخرجه الحاكم (٢٥٦/٤) وأحمد (٣٥٩/٢) من طريق صدقة بن موسى
السلمي الدقيقي : ثنا محمد بن واسع عن شُقَير بن نهار عن أبي هريرة مرفوعا . وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد ))! ورده الذهبي بقوله :
(« قلت : صدقة ضعفوه)).
قلت: وشتير نكرة كما في ((الميزان))، فقول المنذري في ((الترغيب)) (٢٣٩/٢):
((رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن)) ليس بحسن ، وكذا قول الهيثمي
(٨٢/١٠ ) :
((رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات)). وفي موضع آخر (١ /٥٢ ):
((رواه أحمد وإسناده جيد، وفيه سميربن نهاروثقه ابن حبان)).
فقد تبين منه أن توثيقه في الموضع الأول لبعض رجاله إنما عمدته في ذلك توثيق
ابن حبان ، وقد بينا في ((ردنا على الشيخ الحبشي )) وفي غيره أن توثيق ابن حبان مما لا ينبغي
الاعتماد عليه ؛ لأن من قاعدته فيه توثيق المجهولین !
٨٩٧ - ( أعظم الناس هماً المؤمن الذي يهتم بأمر دنياه وآخرته ).
ضعيف. رواه ابن ماجه (٢١٤٣/٢) وابن أبي الدنيا في ((الهم والحزن)) (٢/٧٤)
عن إسماعيل بن بهرام : ثنا الحسن بن محمد بن عثمان ــ زوج بنت الشعبي - : ثنا سفيان عن
الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعا . وقال ابن ماجه :
(( غريب ، تفرد به إسماعيل)).
قلت: وهو صدوق كما في ((التقريب))، لكن شيخه الحسن بن محمد بن عثمان لم يوثقه
أحد ، وقال الأزدي :
((منكر الحديث)).
ويزيد الرقاشي ضعيف كما في ((التقريب)). وقال المناوي في ((الفيض)):
((قال في ((الميزان)) عن النسائي وغيره : متروك، وعن شعبة: لأن أزني أحب إلي من
أن أحدث عنه! انتهى. ورواه عن أنس أيضاً البخاري في ((الضعفاء))، فكان ينبغي للمصنف
٣٠٠