النص المفهرس

صفحات 501-520

((قال الزيلعي وابن حجر في ((تخريج الكشاف)): لم نجده بهذا اللفظ)).
قلت: الحديث في ((التخريج)) (٤ / ١٤١)، ونص ابن حجر فيه:
((قلت: بيض له - يعني : الزيلعي - وقد أخرجه)).
قلت: كذا قال، والظاهر أنه ترك بياضاً في الأصل بعد قوله: ((أخرجه))؛ لإِملائه
فيما بعد، فلم يتمكن، وكأنه كان يظن أن له أصلاً، فلم يجده، والله أعلم.
وقد وجدت الحاكم قد علق هذا الحديث مجزوماً بنسبته إلى النبي وَالر، فقال
في ((المستدرك)) (٢ / ٥٥٩) بعد أن روى أثرين عن ابن عباس وابن مسعود أن الذبيح
هو إسحاق :
((وقد كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفي سائر المدن التي طلبنا الحديث فيه،
وهم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل، وقاعدتهم فيه قول النبي وَلّى: ((أنا ابن
الذبيحين))، إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل، وأن الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبدالله
ابن عبدالمطلب، والآن؛ فإني أجد مصنفي هذه الأدلة يختارون قول من قال: إنه
إسحاق».
قلت: فلعل الحاكم يشير بالحديث المذكور إلى ما أخرجه قبل صفحات
(٢ / ٥٥١) من طريق عبدالله بن محمد العتبي: ثنا عبدالله بن سعيد [عن]
الصنابحي قال:
حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني
إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل. وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح. فقال
معاوية: سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله وَالفقر، فأتاه الأعرابي، فقال: يا رسول
الله! خلفت البلاد يابسة، والماء يابساً، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليَّ بما أفاء
الله عليك يا ابن الذبيحين! فتبسم رسول الله وَلقره، ولم ينكر عليه، فقلنا: يا أمير
المؤمنين! وما الذبيحان؟ قال: إن عبدالمطلب لما أمر بحفر زمزم؛ نذر لله إن سهل
٥٠١

الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم، فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد
ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا: أرْضِ ربَّك، وأَفْدٍ ابنك. قال: ففذاه
بمئة ناقة. قال: فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني .
وسكت عليه الحاكم. لكن تعقبه الذهبي بقوله :
«قلت : إسناده واه)).
وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٤ / ١٨) بعد أن ذكره من هذا الوجه من
رواية ابن جرير:
((وهذا حديث غريب جداً)).
وأما ما في ((الكشف)) نقلًا عن ((شرح الزرقاني)) على ((المواهب)):
((والحديث حسن، بل صححه الحاكم والذهبي لتقوِّيه بتعدد طرقه))!
فوهم فاحش، فإنما قال الزرقاني هذا في حديث: ((الذبيح إسحاق))، وفيه مع
ذلك نظر كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالی .
ثم إن صاحب ((الكشف)) عقب على ما سبق بقوله :
((وأقول: فحينئذ لا ينافيه ما نقله الحلبي في ((سيرته)) عن السيوطي أن هذا
الحدیث غریب، وفي إسناده من لا يُعرف)).
قلت: وقد عرفت أن الطرق المشار إليها في كلام الزرقاني ليست لهذا
الحديث، فقد اتفق الذهبي والسيوطي على تضعيفه.
ومن جهل الدكتور القلعجي أنه جزم بنسبة حديث الترجمة إلى النبي وع لل في
تعليقه على ((ضعفاء العقيلي)) (٣ / ٩٤)، ثم ساق عقبه حديث الحاكم، وسكت عنه
متجاهلاً تعقُّب الذهبي! وبناء على جزمه؛ ذكره في ((فهرس الأحاديث الصحيحة))
الذي وضعه في آخر الكتاب (ص ٥٠٥)!
٥٠٢
:

٣٣٢ - (الذَّبیحُ إسحاقُ).
ضعيف. عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) للدارقطني في ((الأفراد)) عن ابن
مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس بن عبدالمطلب، وابن مردويه عن أبي هريرة.
قلت: حديث ابن مسعود؛ رواه الطبراني أيضاً، وفيه مدلس وانقطاع، ولفظه:
((أكرم الناس ... ))، وسيأتي بتمامه قريباً، وقد رواه الحاكم (١ / ٥٥٩) عنه مرفوعاً
بلفظ ((الجامع))، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين)).
وتعقبه الذهبي بأن فيه سنيد بن داود، ولم يكن بذاك.
قلت: قال الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) (٤ / ١٧) بعد أن ذكره موقوفاً عليه:
((وهذا صحيح عن ابن مسعود)).
قلت: فلعله جاء من طريق غير سنيد .
وحديث العباس؛ رواه البزار في ((مسنده)) (٣ / ١٠٣ / ٢٣٥٠)، وأبو الحسن
الحربي في ((الثاني من الفوائد)) (١٧٠ / ٢) عن المبارك بن فضالة عن الحسن عن
الأحنف بن قيس عن العباس مرفوعاً باللفظ المذكور أعلاه.
وهذا سند ضعيف، الحسن مدلس وقد عنعنه، والمبارك فيه ضعف؛ كما تقدم
مراراً، وبه أعله الهيثمي، فقال:
((رواه البزار، وفيه مبارك بن فضالة، وقد ضعفه الجمهور)).
قلت: ومع ضعفه فقد اضطرب في روايته، فمرة رفعه؛ كما في هذه الرواية،
ومرة أوقفه على العباس؛ كما رواه البغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (١٣ / ١٤٣
/ ٢)، وابن أبي حاتم، وكذلك رواه جماعة عن المبارك به عن العباس موقوفاً؛ كما
قال البزار.
٥٠٣

وقال الحافظ ابن كثير (٤ / ١٧):
((وهذا أشبه وأصح)).
قال الزرقاني (١ / ٩٧):
((وتعقبه السيوطي بأن مباركاً قد رفعه مرة، فأخرجه البزار عنه مرفوعاً)).
قلت: وهذا تعقُّب ضعيف؛ لأن مباركاً ليس بالحافظ الضابط حتى تُقبل زيادته
علی نفسه، بل اضطرابه في روايته دليل على ضعفه؛ كما لا يخفى .
وقد روي من طريق أخرى عن العباس، وسيأتي قريباً برقم (٣٣٥) بلفظ:
((قال داود وَلَه: أسألك بحق آبائي ... )).
وحديث أبي هريرة؛ رواه ابن أبي حاتم أيضاً، والطبراني في حديث طويل
سیأتي مع بيان علته قريباً.
وروي من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً. أخرجه العقيلي (٢٦١) وقال:
((إنه غير محفوظ)).
وسوف يأتي إن شاء الله بلفظ :
((إن داود سأل ربه ... )).
وبالجملة؛ فطرق هذا الحديث كلها ضعيفة؛ ليس فيها ما يصلح أن يحتج به،
وبعضها أشد ضعفاً من بعض، والغالب أنها إسرائيليات رواها بعض الصحابة
ترخصاً، أخطأ في رفعها بعض الضعفاء.
وقد أشار لضعفه القسطلاني في ((المواهب))؛ بقوله :
((إن صح)).
وتعقبه الزرقاني بهذه الطرق، وزعم أن حديث العباس رواه الحاكم من طرق
٥٠٤

عنه، وصححه على شرطهما، وقال الذهبي: صحيح.
وفي هذا الزعم أوهام كثيرة، سيأتي التنبيه عليها عند الكلام على حديث
العباس باللفظ الآخر رقم (٣٣٦).
ثم قال الزرقاني (١ / ٩٨):
((فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضاً، فأقل مراتب الحديث أنه حسن، فكيف
وقد صححه الحاکم والذهبي»!
قلت: الذهبي لم يصححه. والحاكم وهِمَ في تصحيحه كما سيأتي بيانه.
والطرق فيها ضعف، واضطراب، واحتمال كون متونها إسرائيليات، بل هو الغالب؛
كما سبق، فهذا كله يمنع من القول بأن بعضها يعضد بعضاً، ولا سيما وقد ذهب
المحققون من العلماء؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم
إلى أن الصواب في الذبيح أنه إسماعيل عليه السلام، قال ابن القيم في ((الزاد))
(١ / ٢١) :
((وأما القول بأنه إسحاق؛ فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ
الإِسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقَّى عن أهل الكتاب،
مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ:
وحيده. ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده ... وكيف
يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب،
فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإِبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا
إلى قومٍ لوطٍ وامرأتُهُ قائِمَةٌ فضَحِكَتْ فبَشَّرْناها بإسحاقَ ومِن وراءِ إِسْحَاقَ يَعقوبَ﴾
[هود: ٧١]، فمحال أن يبشرها بأنه يكون له ولد، ثم يأمر بذبحه ... )).
ثم ذكر وجوهاً أخرى في إيطال أنه إسحاق، وتصويب أنه إسماعيل، فليراجعها
من شاء .
-
٥٠٥

٣٣٣ - (إنَّ الله تباركَ وتعالى خَيَّرني بينَ أنْ يَغْفِرَ لِصْفِ أمَّتي،
وبينَ أنْ يُجيبَ شفاعَتي، فاخْتَرْتُ شفاعتي، ورجوتُ أنْ تكونَ أَعَمَّ
لأَمَّتي، ولولا الذي سبقَني إليهِ العبدُ الصالحُ؛ لتَعَجَّلْتُ فيها دَعْوتي،
إنَّ الله تعالى لمَّا فرَّجَ عن إسْحاقَ كَرْبَ الذَّبْحِ ؛ قيلَ لهُ: يا إسحاقُ!
سَلْ تُعْطَ، فقالَ: أما والذي نَفسي بيدِهِ لأَتَعَجَّلَنَّها قبلَ نَزَغاتِ
الشَّيطانِ: اللهُمَّ مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بكَ شيئاً؛ فاغْفِرْ لهُ، وأدْخِلْهُ
الجَنَّةَ).
منكر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي :
حدثنا الوليد بن مسلم: حدثنا عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار
عن أبي هريرة مرفوعاً. كذا في ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٦)، وقال:
((هذا حديث غريب منكر، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث،
وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: إن الله لما فرج عن
إسحاق ... إلخ، والله أعلم)).
قلت: وما خشي ابن كثير بعيد، فإن الزيادة المذكورة لها صلة تامة بقوله قبلها:
((ولولا الذي ... ))، فهي كالبيان له، والله أعلم.
وعبدالرحمن بن زيد ضعيف جداً؛ قال الحاكم:
«روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن
الحمل فيها عليه)).
قلت: وهو راوي حديث توسل آدم بالنبي ويثير، وهو حديث موضوع؛ كما سبق
بيانه في الحدیث (رقم ٢٥).
وذكرت هناك احتمال كونه من الإِسرائيليات، أخطأ في روايته عبدالرحمن بن
٥٠٦

زيد، فرفعه إلى النبي ◌َّ﴾. وأقول هنا:
إن هذه الزيادة في الحديث هي من الإسرائيليات أيضاً، بدليل أن كعب الأحبار
حدث بها أبا هريرة؛ كما أخرجه الحاكم (٢ / ٥٥٧) بسنده إلى كعب، ثم قال عقبه :
«هذا إسناد صحيح، لا غبار عليه)).
ووافقه الذهبي .
وأصرح من هذه الرواية رواية عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري : أخبرنا
القاسم قال:
اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي ص1 12،
وجعل كعب يحدث عن الكتب، فقال أبو هريرة: قال النبي ◌َّر:
((إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)).
فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله وَلَه؟ قال: نعم. قال: أفلا
أخبرك عن إبراهيم عليه السلام؟ إنه لما رأى ذبح ابنه إسحاق ...
قلت: فذكر القصة، وليس فيها هذه الزيادة؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير بعد
أن ذكر بعض الآثار عن بعض الصحابة في أن الذبيح إسحاق:
((وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في
الدولة العمرية؛ جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتب قديمة، فربما استمع له
عمر رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده منها وسميتها،
وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده)).
والحديث أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من هذا الوجه (٢ / ١٣٨ / ٢ /
٧١٣٦)، وهو دليل على أن الذبيح إسحاق عليه السلام، وبه قال بعضهم، وهو
باطل، والصواب أنه أسماعيل؛ كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله، ومثله ما يأتي :
٥٠٧

٣٣٤ - (أكرَمُ النَّاسِ يوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ؛ ذبيحِ اللهِ).
منكر. بهذا اللفظ رواه الطبراني في ((كبيره)) (١٠٢٧٨) من طريق أبي عبيدة
عن أبيه عبدالله بن مسعود عن النبي وَلّ أنه سُئل: من أكرم الناس؟ قال: يوسف بن
يعقوب ... الحديث.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨ / ٢٠٢):
((وفيه بقية؛ مدلس، وأبو عبيدة؛ لم يسمع من أبيه)).
قلت: ولكن بقية قد توبع عليه، فقد رواه ابن المظفر في ((غرائب شعبة))
(١٣٨ / ١) عن معاوية بن حفص وبقية معاً عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة
عن ابن مسعود به .
ورواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود موقوفاً عليه. وهو
الصواب .
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٨ /١).
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساقه في ((تفسيره)) (٤ / ١٧):
((وهذا صحيح عن ابن مسعود)).
قلت: والحديث صحيح مرفوعاً دون قوله: ((إن إسحاق ذبيح الله))، فإن هذه
الزيادة منكرة، فقد أخرج الحديث البخاري (٦ / ٣٢٣ - ٣٢٤)، ومسلم (٧ / ١٠٣)
من حديث أبي هريرة: سُئل رسول الله پر: من أکرم الناس؟ قال:
((أتقاهم لله)).
قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال:
((فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله ...
الحديث))؛ ليس فيه: ((ذبيح الله))، فدل على نكارتها.
٥٠٨

وقد جاءت أحاديث في أن إسحاق هو الذبيح، ولكنها كلها ضعيفة؛ كما سبق
بيانه قريباً. ومن ذلك الحديثان الآتيان:
٣٣٥ - (قال داودُ اَلِّ: أسألُكَ بحَقٌّ آبائي؛ إبراهيمَ وإسحاقَ
ءُ
ويَعقوبَ. فقالَ: أَمَّا إبراهيمُ؛ فَأُلقي في النّارِ، فصَبَرَ مِن أجلي، وتلكَ
بَلِيَّةٌ لم تَتَلْكَ، وأمَّا إسحاقُ؛ فَبَذَلَ نفسَهُ لِيُذْبَحَ، فصَبَرَ مِن أَجْلي،
وتلكَ بَلِيَّةٌ لم تَتَلْكَ وأمَّا يعقوبُ؛ فغاب عنه يوسُفَ، وتلكَ بَليَّةٌ لم
تَنَلْكَ).
ضعيف جداً. قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٢٠٢):
(رواه البزار عن العباس من رواية أبي سعيد عن علي بن زيد، وأبو سعيد لم
أعرفه، وعلي بن زيد ضعيف، وقد وُثِّق)).
قلت: أبو سعيد هذا هو الحسن بن دينار، وهو واهٍ بمرة، فقد أخرج الحديث
ابن جرير من طريق زيد بن الحباب عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد بن جدعان
عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن المطلب. ذكره ابن كثير (٤ / ١٧)،
وقال :
((لا يصح، في إسناده ضعيفان، وهما الحسن بن دينار البصري؛ متروك،
وعلي بن زيد بن جدعان؛ منكر الحديث)).
قلت: والحسن بن دينار؛ كنيته أبو سعيد؛ كما في ((الميزان))، ولكنه لم يتفرد
به، بل توبع عليه مختصراً؛ كما في الحديث الآتي بعده.
والحديث رواه ابن مردويه أيضاً؛ كما في ((شرح المواهب)) للزرقاني (١ /
٩٧)، وذكر ابن تيمية في ((القاعدة الجليلة)) أنه من الإِسرائيليات، وهو الأشبه
٥٠٩

بالصواب .
قلت: وإن مما يؤكد ذلك أنه لا يشرع في ديننا التوسل بحق الآباء؛ كما تقدم
بيانه تحت الأحاديث المتقدمة (٢٢ - ٢٥).
٣٣٦ - (قالَ نبيُّ اللهِ داودُ: يا رَبِّ! أسْمَعُ الناسَ يقولونَ: رَبَّ
إسحاقَ؟ قالَ: إِنَّ إسحاقَ جادَ لي بنَفْسِهِ).
ضعيف. أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢ / ٥٥٦) من طريق زيد بن
الحباب عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن
العباس بن عبدالمطلب مرفوعاً. وقال:
((هذا حديث صحيح، رواه الناس عن علي بن زيد بن جدعان، تفرد به)).
قلت: وسكت عليه الذهبي، ولم يزد على قوله :
((رواه الناس عن ابن جدعان)).
وابن جدعان ضعيف منكر الحديث؛ كما تقدم عن ابن كثير في الحديث الذي
قبله .
وأما قول الزرقاني في ((شرح المواهب)) (١ / ٩٧):
(رواه الحاكم من طرق عن العباس، وقال: صحيح على شرطهما. وقال
الذهبي: صحيح. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة؛ قال ابن كثير: وفيه الحسن بن
دينار؛ متروك. وشيخه منکر)).
ففيه أوهام :
الأول: أنه ليس له عند الحاكم إلا هذه الطريق.
الثاني: أنه إنما صححه مطلقاً، لم يقل: على شرطهما.
٥١٠

الثالث: أن ابن كثير إنما أعل بما نقله الزرقاني عنه حديثَ العباس الذي قبل
هذا، وأما علة حديث أبي هريرة؛ فهي عبدالرحمن بن زيد بن أسلم؛ كما تقدم قبل
ثلاثة أحاديث.
٣٣٧ - (إنّ جبريلَ ذَهَبَ بإبراهيمَ إلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَعَرَضَ لهُ
الشيطانُ، فرماهُ بسبع حَصَياتٍ، فساخَ، فلما أرادَ إبراهيمُ أَنْ يَذْبَحَ
ابنَهُ إِسحاقَ؛ قالَ لأبيهِ: يا أبتِ! أوثِقْني لا أضطَرِبُ، فَيَنْتَضِحُ عليكَ
مِن دَمي إذا ذَبَحْتَنِي، فشدَّهُ، فلما أخَذَ الشَّفْرَةَ، فأرادَ أنْ يَذْبَحَهُ؛ نودِيَ
مِن خَلْفِهِ ﴿أَنْ يا إبراهيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا﴾(١)).
ضعيف بهذا السياق. أخرجه أحمد (رقم ٢٧٩٥) من طريق حماد بن سلمة عن
عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات، وعلته أن عطاء بن السائب كان قد
اختلط، وسمع منه حماد في هذه الحالة، وقبلها أيضاً، فقول الزرقاني في ((شرح
المواهب)) (١ / ٩٨)، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)): ((إسناده
صحیح))؛ غير مسلّم.
ومن المعروف عن الشيخ أحمد أنه يحتج في تصحيح هذا السند بأن حماداً
سمع من عطاء قبل الاختلاط، ذكر ذلك في غير ما موضع من تعليقه على ((المسند))
وغيره، وهو ذهول عما ذكره الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) عن بعض الأئمة أنه سمع
منه في الاختلاط أيضاً، فلا يجوز حينئذ تصحيح حديثه إلا بعد تبيّن أنه سمعه منه
قبل الاختلاط.
(١) الصافات: ١٠٥.
٥١١

والحديث أخرجه الحاكم (١ / ٤٦٦) من طريق أخرى عن ابن عباس رفعه
دون قصة الذبح، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد (رقم ٢٧٠٧) من طريق ثالث عنه أتم منه، وفيه القصة، وفيه
تسمية الذبيح إسماعيل، وهو الصواب؛ لما تقدم بيانه في حديث: ((الذبيح إسحاق))
(رقم ٣٣٢).
٣٣٨ - (إنَّ الله عزَّ وجلَّ خَلَقَ السماواتِ سبعاً، فاختارَ العُلْيا
منها، فسَكَنَها، وأَسْكَنَ سائِرَ سماواتِهِ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، وخَلَقَ
الأرضينَ سبعاً، فاختارَ العُلْيا منها فأسْكَنها مَن شاءَ مِن خلْقِهِ، ثم خَلَقَ
الخَلْقَ، فاختارَ مِن الخَلْقِ بَني آدَمَ، واختارَ مِن بَنِي آدَمَ العربَ، واختارَ
مِن العرب مُضَرَ، واختارَ مِن مُضَرَ قريشاً، واختارَ مِن قريشٍ بني
هاشمٍ ، واختارني مِن بني هاشِمٍ ، فأنا مِن خيارٍ إلى خِيارٍ، فمَنْ أحبَّ
العربَ فبحُبِّي أحبَّهُم، ومَنْ أَبْغَضَ العَرَبَ فبُبُغْضي أَبْغَضَهُم).
منكر. رواه الطبراني (٣ / ٢١٠ /١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤٥٨)، وابن
عدي (٧٤ / ٢ / ٣٠١ / ٢)، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (ص ١٢)، وكذا الحاكم
(٤ / ٧٣ - ٧٤)، وابن قدامة المقدسي في ((العلو)) (١٦٥ - ١٦٦)، والعراقي في
((محجة القرب إلى محبة العرب)) (٢ / ٢٠١) من طريقين عن محمد بن ذكوان عن
عمرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً:
محمد بن ذكوان؛ قال النسائي :
((ليس بثقة)).
٥١٢

وضعفه الدارقطني، وغيره. وقد قال العقيلي :
«إنه لا پُتابع علیه)).
لكن أخرجه الحاكم من طريق أخرى عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله
عن ابن عمر مرفوعاً مختصراً.
قلت: وفي سنده أبو سفيان زياد بن سهيل الحارثي، ولم أجد له ترجمة.
والحديث أورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨) من الطريق
الأول، وقال عن أبيه :
«إنه حدیث منکر».
وأقره الذهبي في ترجمة ابن ذكوان من ((الميزان)).
ومما ينبغي أن يُعلم أن القطعة الأخيرة من الحديث المتضمنة فضل العرب
وفضل الرسول ول* ثابتة في أحاديث صحيحة، قد ذكرنا بعضها عند الكلام على
الحديث الموضوع: ((إذا ذلت العرب؛ ذل الإِسلام))، وتكلمنا هناك عن مسألة أفضلية
العرب على العجم، وحقيقتها بشيء من التفصيل، فراجع الحديث (١٦٣)، والذي
بعده .
٣٣٩ - (إِنَّ إِدْرِيسَ وَ كَانَ صَديقاً لمَلَكِ الموتِ، فسألَهُ أنْ يُرِيَهُ
الجنةَ والنَّارَ، فصَعِدَ بإدريسَ، فأراهُ النارَ، فَزِعَ منها، وكادَ يُغْشى
عليهِ، فالتَفَّ عليهِ مَلَكُ الموتِ بجناحِهِ، فقالَ مَلَكُ المَوْتِ: أليس قد
رأيْتَها؟ قالَ: بلى، ولم أرَ كاليومٍ قطُّ. ثم انْطَلَقَ بِهِ حتى أراهُ الجَنَّةَ،
فدَخَلَها، فقالَ مَلَكُ الموتِ: انطَلِقْ قد رأيتَها. قالَ: إلى أينَ؟ قالَ
ملَكُ الموتِ: حيثُ كنتَ. قالَ إدريسُ: لا واللهِ! لا أخرُجُ منها بعدَ أنْ
٥١٣

دَخَلْتُها. فقيلَ لَمَلَكِ الموتِ: أليسَ أنتَ أدْخَلْتَهُ إِيَّها؟ وإنّه ليسَ لأحدٍ
دَخَلَها أنْ يَخْرُجَ منها).
موضوع. رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢ / ١٧٧ / ١ / ٧٤٠٦) من طريق
إبراهيم بن عبدالله بن خالد المصيصي: ناحجاج بن محمد عن أبي غسان محمد بن
مطرف عن زيد بن أسلم عن عبيدالله بن أبي رافع عن أم سلمة مرفوعاً.
قال الهيثمي (٨ / ١٩٩ - ٢٠٠):
((وفيه إبراهيم بن عبدالله بن خالد المصيصي، وهو متروك)).
قلت: قال الذهبي في ((الميزان)):
((قلت: هذا رجل كذاب. قال الحاكم: أحاديثه موضوعة)).
٣٤٠ - (سَوُّوا بينَ أولادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، فلو كُنْتُ مُفَضِّلاً أحداً؛
لفضَّلْتُ النساءَ).
ضعيف. أخرجه أبو بكر الآجري في ((الفوائد المنتخبة)) (١ / ١٠٣ / ١)،
والطبراني (٣ / ١٤٢ / ٢)، والحارث بن أبي أسامة في ((المسند)) (ص ١٠٦ - من
زوائده)، والبيهقي (٦ / ١٧٧) من طرق أربعة قالوا: ثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد
بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا سند ضعيف؛ ابن يوسف هذا متفق على تضعيفه، وقال الحافظ ابن
عدي بعد أن أخرج له هذا (٣ / ٣٨١):
((ليس له أنكر من هذا الحديث)).
ولذا قال ابن حجر في ((التقريب)) في ترجمته:
(ضعيف)) .
٥١٤

ومنه تعلم أن قوله في ((الفتح)) (٥ / ١٦٣): ((وإسناده حسن))؛ غیر حسن.
والشطر الأول من الحديث صحيح، روى معناه الشيخان وغيرهما من حديث
النعمان بن بشير، بلفظ :
((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). وهو مخرج في ((الإِرواء)) (١٥٩٨).
ومن أوهام الهيثمي في ((مجمعه)) (٤ / ١٥٣) أنه أعلَّه بعبدالله بن صالح فقط،
وذكر الخلاف فيه، وهو متابع من سائر الجمع، ولعله سبب وهم الحافظ!
ثم وجدت الحديث قد رواه أبو محمد الجوهري في ((الفوائد المنتقاة))
(٧ / ٢)، وعنه ابن عساكر (٧ / ١٨٤ / ٢) من طريق الأوزاعي قال: حدثني يحيى
بن أبي كثير قال: قال رسول الله وَله: فأذكره.
وهذا إسناد معضل، وهذا هو أصل الحديث، فإن الأوزاعي ثقة ثبت،
فمخالفة سعيد بن يوسف إياه؛ إنما هو من الأدلة على وهنه وضعفه .
٣٤١ - (كانَ يَرِى في الظُّلْمَةِ كَما يَرى في الضَّوْءِ).
موضوع. رواه تمام في ((الفوائد)) (٢٠٧ / ١ - ٢ / رقم ٢٢١٠ - من نسختي)،
وابن عدي (٢٢١ / ٢)، وعنه البيهقي في ((الدلائل)) (٦ / ٧٥)، والخطيب في
((التاريخ)) (٤ / ٢٧٢)، ومكي المؤذن في ((حديثه)) (٢٣٦ / ١)، والضياء المقدسي
في ((المنتقى من حديث أبي علي الأوَقي)) (١ / ٢) عن عبد الله بن المغيرة عن المعلى
ابن هلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. وقال البيهقي :
(وهذا إسناد فيه ضعيف)).
قلت: بل هو ضعيف جداً، وآفته ابن المغيرة هذا، ويقال فيه: عبدالله بن
محمد بن المغيرة؛ قال العقيلى :
«یحدث بما لا أصل له)). وقال ابن يونس :
٥١٥

((منكر الحديث)).
وساق له الذهبي أحاديث هذا أحدها، ثم قال:
((وهذه موضوعات))، ومع ذلك أورده السيوطي في ((الجامع الصغير))!
ثم استدركت فقلت: الحمل فيه على شيخ ابن المغيرة - وهو المعلى بن
هلال - أولى؛ ذلك لأنه اتفق النقاد على تكذيبه؛ كما قال الحافظ في ((التقريب)).
وتابعه محمد بن المغيرة المزني عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً به.
أخرجه ابن عساكر (١٧ / ١٢٨ / ٢) من طريق مخلص بن موحد بن عثمان
التنوخي : نا أبي: نا محمد بن المغيرة به. ولم يذكر في موحد هذا جرحاً ولا تعديلاً.
ومحمد بن المغيرة هذا لم أعرفه، ولعله سقط من النسخة اسم ابنه عبدالله ؛
كما في الطريق الأول. ثم قال البيهقي :
((وروي ذلك من وجه آخر ليس بالقوي، أخبرناه أبو عبدالله الحافظ قال:
حدثني أبو عبد الله محمد بن الخليل النيسابوري: حدثنا صالح بن عبدالله
النيسابوري: حدثنا عبدالرحمن بن عمار الشهيد: حدثنا المغيرة بن مسلم عن عطاء
عن ابن عباس مرفوعاً نحوه .
قلت: وهذا إسناد مظلم، فإن مَنْ دونَ المغيرة هذا لم أجد لهم ترجمة .
٣٤٢ - (لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ؛ طافَ بها إبليسُ - وكانَ لا يعيشُ لها
ولَدٌ - فقال: سَمِّيهِ عبدَ الحارِثِ، فسَمَّتْهُ عبدَ الحارِثِ، فعاشَ، وكانَ
ذلك مِن وحي الشيطانِ وأمرهِ).
ضعيف. أخرجه الترمذي (٢ / ١٨١ - بولاق)، والحاكم (٢ / ٥٤٥)، وابن
بشران في ((الأمالي)) (١٥٨ / ٢)، وأحمد (٥ / ١١)، وغيرهم من طريق عمر بن
٥١٦

إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب مرفوعاً! وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة)).
وقال الحاكم :
(صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي!
قلت: وليس كما قالوا، فإن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم
هو مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة. وقال الذهبي في ترجمته من («الميزان)):
((كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: ((عن فلان))؛ ضعف
احتجاجه)).
قلت: وأعله ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٠١/٣) بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال:
«وحدیثه عن قتادة مضطرب، وهو مع ضعفه یکتب حديثه)).
ومما يبين ضعف هذا الحديث الذي فُسر به قوله تعالى: ﴿فلمَّا آتاهُما صالِحاً
جَعلا لهُ شُركاءَ فيما آتاهُما ... ) الآية(١)؛ أن الحسن نفسه فسر الآية بغير ما في
حديثه هذا، فلو كان عنده صحيحاً مرفوعاً؛ لما عدل عنه. فقال في تفسيرها:
((كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم)).
ذكر ذلك ابن كثير (٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥) من طرق عنه، ثم قال:
((وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن
التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية)). وانظر تمام كلامه، فإنه نفیس.
ونحوه في ((التبيان في أقسام القرآن)) (ص ٢٦٤) لابن القيم.
(١) الأعراف: ١٩٠، وراجع موقف الشيخ الأنصاري الحقود وتردُّده بين المضعفين
للحديث والمصححين له كالشاة العائرة (ص ٣٦ - ٣٧) من المقدمة.
٥١٧

٣٤٣ - (ما ماتَ رسولُ اللهِوَِّ حَتَّى قرأْ وَكَتَبَ).
موضوع. رواه أبو العباس الأصم في ((حديثه)) (ج٣ رقم ١٥٣ من نسختي)،
والطبراني من طريق أبي عقيل الثقفي عن مجاهد: حدثني عون بن عبدالله بن عتبة
عن أبيه قال ... فذكره. قال الطبراني:
«هذا حديث منكر، وأبو عقيل ضعيف الحديث، وهذا معارض لكتاب الله عز
وجل)).
نقله السيوطي في ((ذيل الموضوعات)) (ص ٥).
وأما ما جاء في ((صحيح البخاري)) (٧ / ٤٠٣ - ٤٠٩) من حديث البراء رضي
الله عنه في قصة صلح الحديبية :
((فلما كُتب الكتاب؛ كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. قالوا: لا نُقر
لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله؛ ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبدالله .
فقال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبدالله، ثم قال لعلي: امحُ ((رسول الله)). قال
علي: والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله وَ ل الكتاب - وليس يحسن يكتب -
فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبدالله ... ))؛ فليس على ظاهره، بل هو من باب
((بنى الأمير المدينة))، أي: أمر.
والدليل على هذا رواية البخاري أيضاً (٩ / ٣٥١ - ٣٨١) في هذه القصة من
حديث المسور بن مخرمة بلفظ :
((والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبدالله)).
ومثله في ((صحيح مسلم)) (٥ / ١٧٥) من حديث أنس، ولهذا قال السهيلي :
((والحق أن معنى قوله: ((فكتب))، أي: أمر علياً أن يكتب)).
نقله الحافظ في ((الفتح)) (٧ / ٤٠٦)، وأقره، وذكر أنه مذهب الجمهور من
٥١٨

العلماء، وأن النكتة في قوله: ((فأخذ الكتاب ... ))؛ لبيان أن قوله: ((أرني إياها))؛ أنه
ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه لا يحسن
الكتابة .
٣٤٤ - (ما مِن عبدٍ يُحِبُّ أنْ يَرْتَفعَ في الدنيا درجَةً، فارْتَفَعَ؛ إلا
وَضَعَهُ الله في الآخِرَةِ درجَةً أكبرَ منها وأطولَ، ثم قال: ﴿وللآخرَةُ أكبرُ
دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفضيلًا﴾(١)).
موضوع. أخرجه الطبراني (٦ / ٢٣٤)، وأبو نعيم (٤ / ٢٠٣ - ٢٠٤) من
طريق عبدالغفور بن سعد الأنصاري عن أبي هاشم الرُّمَّاني عن زاذان عن سلمان
الفارسي مرفوعاً .
وهذا سند موضوع؛ قال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٢ / ١٤٨):
((عبدالغفور كان ممن يضع الحديث)). وقال ابن معين :
((ليس حديثه بشيء)). وقال البخاري :
ءُ
((تركوه)) .
وبه أعله في ((المجمع)) (٧ / ٤٩)، ومع ذلك ذكره في ((الجامع))!
٣٤٥ - (يقومُ الرَّجُلَ الرَّجُلِ؛ إلا بني هاشِمٍ ؛ فإنّهُم لا يقومونَ
لأحدٍ).
موضوع. رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢٨٩ / ٧٩٤٦)، وأبو
جعفر الرزاز في ((ستة مجالس من الأمالي)) (ق ٢٣٢ / ٢) عن جعفر بن الزبير عن
(١) الإسراء: ٢١.
٥١٩

القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً .
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٤٠) بعدما عزاه للطبراني :
(«وفيه جعفر بن الزبير، وهو متروك)».
قلت: بل هو كذاب وضاع، وقد سبقت له عدة أحاديث هو المتهم بها، ولذلك
كذبه شعبة، وقال :
((وضع على رسول الله وَّ ل أربع مئة حديث)).
ومما يدل على وضع هذا الحديث أنه يقرر عادة تخالف ما كان عليه الصحابة
مع النبي ◌َّ - وهو سيد بني هاشم - فإنهم كانوا لا يقومون له وي لر لما يعلمون من
كراهيته لذلك؛ كما سيأتي في الحديث الذي بعده، وخير الهدي هدي محمد الثلتر .
على أنه قد جاء ما يخالف هذا الحديث نصاً، ولكن إسناده ضعيف عندنا، فلا
يحتج به، وهو الآتي بعده.
ثم وجدت للحديث طريقاً آخر، فقال ابن قتيبة في ((كتاب العرب أو الرد على
الشعوبية)) (٢٩٢ - من رسائل البلغاء): وحدثني يزيد بن عمرو عن محمد بن يوسف
عن أبيه عن إبراهيم عن مكحول مرفوعاً نحوه.
قلت: وهذا سند ضعيف، لا تقوم به حجة، وفيه علتان:
الأولى: الإِرسال، فإن مكحولاً تابعي .
والأخرى: يزيد بن عمرو شيخ ابن قتيبة؛ فلم أعرفه .
ثم وجدت له طريقاً ثالثاً بلفظ:
((لا يقومنَّ أحد ... )).
وسيأتي .
ويعارضه الحديث الآتى :
٥٢٠