النص المفهرس
صفحات 361-380
قلت: ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن حبان أنه قال:
((هذا باطل موضوع)).
وأقره في (تهذيب التهذيب)» (٢ / ٣٢٧)، وكذلك نقله عنه الذهبي في
((الميزان)) في ترجمة الخشني هذا، وقال:
((إنه انفرد به، أخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات)).
وأقره أيضاً.
وأما السيوطي؛ فخالفهم جميعاً! فتعقّب ابن الجوزي في ((اللآلىء)) (١ /
٢٨٥)؛ قائلاً:
((قلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني، وأبو نعيم في ((الحلية))، وله شواهد
يرتقي بها إلى درجة الحسن، والخشني من رجال ابن ماجه، ضعفه الأكثر، ولم ينسب
إلى وضع ولا كذب، وقال دُحيم: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق سيىء الحفظ.
وقال ابن عدي: تحتمل رواياته. ومَن هذا حاله لا يحكم على حديثه بالوضع)).
قلت: قد علمت مما نقلناه في الحديث السابق (رقم ١٩٨) عن أئمة الجرح
والتعديل أن هذا الرجل - أعني: الحسن بن يحيى الخشني - متروك، منكر الحديث،
ولا يلزم منه أن يكون ممِّن يتعمد الكذب، بل قد يقع منه ذلك لكثرة غفلته وشدة سوء
حفظه، فلا يَرِدُ على هذا قولُ السيوطي: ((إنه لم ينسب إلى وضع ولا كذب))؛ إن كان
يقصد به الوضع والكذب مطلقاً، وإلا فعبارة ابن حبان المتقدمة: (( ... يروي عن
الثقات ما لا أصل له))؛ ظاهرة في نسبة الكذب إلیه، ولا سيما بعد حكمه على حديثه
الذي نحن بصدد الكلام علیه بأنه موضوع. ولکن عبارته هذه لا تفید اتهامه بأنه یضع
قصداً، فتأمل.
ثم إن ما نقله السيوطي عن ابن عدي يوهم أن روايات هذا الرجل كلها تحتمل،
وهذا ما لم يقصد إليه ابن عدي، فإن الحافظ ابن حجر بعد أن نقل عبارة ابن عدي
٣٦١
السابقة عقّبَها بقوله:
((قلت: قال ذلك بعد أن ساق له عدة مناكير. وقال: هذا أنكر ما رأيت له)).
وهذا في ((كامل ابن عدي)) (٩٠ / ١)، فجزى الله ابن حجر خيراً، حيث
كشف لنا بهذه الكلمة عن حقيقة قصد ابن عدي من عبارته المتقدمة. ومنه يتبين أن
ابن عدي من جملة المضعفين للخشني، فلا يجوز حشر ابن عدي في جملة الموثقين
له؛ كما فعل السيوطي عفا الله عنا وعنه، وسيأتي له نحو هذا الخطأ في الحديث (٢٣٣).
ثم لو سلمنا أنه وثّقه مثل دُحیم؛ فلا قيمة تذکر لهذا التوثيق إذا ما استحضرنا
القاعدة التي تقول: إن الجرح المفسر مقدم على التعديل.
ثم وجدت ما يؤيد الذي ذهبت إليه مما فهمته من عبارة ابن حبان المنقولة آنفاً،
وهو أن الرجل قد يكذب بدون قصد منه، فإن نصها بتمامها في ((ضعفائه)) (١ /
٢٣٥) :
((منكر الحديث جداً، ويروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن المتقنين ما لا
يُتابع عليه، [وقد سمعتُ ابن جوصاء يوثّقه ويحكيه عن أبي زرعة]، وكان رجلاً
صالحاً يحدث من حفظه، كثير الوهم فيما يرويه، حتى فحشت المناكير في أخباره
التي يرويها عن الثقات، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، فلذلك استحق
الترك)).
فهذا نص في أنه كان لا يتعمد الكذب، وإنما يقع ذلك منه وهماً، فهو على
كل حال ساقط الاعتبار، ضعيف جداً، فحديثه قد يُحكم عليه بالوضع لأدنى شبهة .
وأنا أرى أن هذا الحدیث یعارض قوله ێ :
٠
((ما من أحد يسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)).
رواه أبو داود (١ / ٣١٩)، والبيهقي (٥ / ٢٤٥)، وأحمد (٢ / ٥٢٧) بإسناد
حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر؛ ((الصحيحة)) (٢٢٦٦).
٣٦٢
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه وَ له ليست مستقرة في جسده الشريف،
بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه وَالر، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر
صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحاً من وفاته، فلو صح هذا؛ فكيف
تردُّ روحه وَّه إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض،
فلا بد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر، حتى يسلم الحديث القوي
من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان
صواباً فمن الله، وإلا فمن نفسي .
ومما يدل على بطلان هذا الحديث بهذا اللفظ أن رؤيته و الر لموسى يصلي في
قبره صحيح، لكن ليست فيه هذه الزيادة: ((بين عائلة وعويلة))!
أخرجه مسلم (٧ / ١٠٢) من حديث أنس مرفوعاً:
(«مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في
قبره)» .
وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٢٦٢٧).
فدل هذا على بطلان هذه الزيادة في الحديث؛ كما دل حديث أبي هريرة على
بطلان الشطر الأول منه، ومع هذا كله فقد ذكره في ((الجامع)»!
ثم إنه سبق في كلام السيوطي أن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن!
فلا بد من النظر في ذلك؛ لتتبين الحقيقة لكل من ينشدها، فأول ذلك أن ليس هناك
شواهد، وإنما هما شاهدان فقط؛ ذكرهما السيوطي نفسه، لم يزد عليهما.
ثم إن أحدهما من طريق أبي المقدام ثابت بن هرمز الكوفي - صدوق يهم -
عن سعيد بن المسيب قال:
((ما مكث نبي في قبره من الأرض أكثر من أربعين يوماً)).
زاد في روايةٍ :
٣٦٣
«حتی یرفع)).
وهذا سند قوي، ولكنه مقطوع؛ فلا حجة فيه؛ لاحتمال كونه من
الإِسرائيليات.
ثم إن هذه الزيادة يبطلها حديث:
((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسادَ الأنبياء)).
وهو حديث صحيح، رواه أبو داود، وابن حبان في «صحيحه))، والحاكم،
وغيرهم. (انظر ((فضل الصلاة على النبي (وَلّز)) بتحقيقي رقم ٢٢، ٢٣)، فإنه صريح
في أن من خصوصيات الأنبياء أن الأرض لا تُبلي أجساد الأنبياء، وهذه الخصوصية
تنتفي إذا أثبتنا رفعهم بأجسادهم من قبورهم؛ كما هو مفاد هذه الزيادة، فثبت بذلك
بطلانها، ولو ثبتت لانتفت خصوصية أخرى لعيسى عليه السلام، وهي كونه في
السماء حياً بروجه وجسده، فتأمل مفاسد وآثار الأحاديث الواهية!
ثم إن هذه الزيادة لو صحت؛ لعادت بالنقض على الحديث؛ لأنه صريح في
أن الروح تعود إليه وهو في قبره، بينما هذه الزيادة تفيد أن الجسد يُرفع، فكيف يصح
أن يجعل النقيض شاهداً لنقيضه؟!
وأما الشاهد الآخر؛ فيحسن أن نفرده بالكلام عليه، وهو:
٢٠٢ - (إنَّ الأنبياءَ لا يُتْرَكونَ في قبورِهِم بعد أربعينَ ليلَةً،
ولكنَّهُم يصلُّونَ بينَ يديِ اللهِ حتى يُنْفَغَ فِي الصُّورِ).
موضوع. أخرجه البيهقي في ((كتاب حياة الأنبياء)) (ص ٤)؛ قال: أنبأنا أبو
عبدالله الحافظ: حدثنا أحمد بن علي الحسنوي إملاءً: حدثنا أبو عبدالله بن محمد
العباسي الحمصي: حدثنا أبو الربيع الزهراني : حدثنا إسماعيل بن طلحة بن يزيد عن
محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن ثابت عن أنس مرفوعاً. وقال البيهقي :
٣٦٤
((وهذا؛ إن صح بهذا اللفظ، فالمراد به - والله أعلم - لا يتركون يصلون هذا
المقدار، ثم یکونون مصلین فیما بین یدي الله عز وجل)).
قلت: وهذا إسناد موضوع؛ الحسنوي هذا متهم، وهو شيخ الحاكم، وقد
ضعفه هو، فقال :
((هو في الجملة غير محتج بحديثه)).
وقال الخطيب :
((لم يكن بثقة)).
وقال فيه محمد بن يوسف الجرجاني الكُشِّي :
«هو كذاب)).
ونحوه عن أبي العباس الأصم.
ومحمد بن العباس هذا؛ لم أعرفه، ويُراجع له «تاريخ دمشق)» لابن عساكر،
وكذا شيخه إسماعيل بن طلحة بن يزيد؛ لم أجد له ترجمة .
وابن أبي ليلى؛ ضعيف، سيىء الحفظ، معروف بذلك.
والحديث أورده السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٢٨٥) شاهداً للذي قبله؛ كما
سبق، ولا يصلح لذلك من وجھین :
الأول: أنه موضوع؛ لما تقدم بيانه آنفاً، وهو سكت عليه، فأساء! وليته على
الأقل نقل كلام البيهقي الذي سبق في تضعيفه! وأسوأ منه أنه ذكره في ((الجامع))!
الآخر: أنه مخالف للمشهود له، فإنه صريح في أن الأنبياء لا يتركون في
قبورهم بعد أربعين، وذلك - وهو موضوع أيضاً - يقول بأن الروح تعود إليه وهو في
قبره! فأين هذا من ذاك؟!
ثم إن الحديث يعارض حديثاً صحيحاً سبق ذكره في الحديث الذي قبله، فدل
٣٦٥
ذلك على وضعه أيضاً.
ويعارضه أيضاً قوله ميلان :
((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)).
وهو حديث صحيح؛ كما تبين لي بعد أن وقفت على مُتابع له، قال البيهقي :
إنه تفرد به، فكتبت بحثاً حقَّقت فيه صحة الحديث، وأن التفرد المشار إليه غير
صحيح، وأودعت ذلك في السلسلة الأخرى برقم (٦٢١).
٢٠٣ - (مَنْ صَلَّى عليَّ عندَ قَبْري؛ سمِعْتُهُ، ومَن صلَّى عليّ
نائياً؛ وُكِلَ بها مَلَكُ يُبلِّغُني، وكُفِيَ بها أمرَ دنياهُ وآخِرَتِهِ، وكنتُ له
شَهِيداً أو شفيعاً).
موضوع بهذا التمام. أخرجه ابن سمعون في ((الأمالي)) (٢ / ١٩٣ / ٢)،
والخطيب في ((تاريخه)) (٣ / ٢٩١ - ٢٩٢)، وابن عساكر (١٦ / ٧٠ / ٢) من طريق
محمد بن مروان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرج طرفه الأول أبو بكر بن خلاد في الجزء الثاني من ((حديثه)) (١١٥ / ٢)،
وأبو هاشم السيلقي فيما انتقاه على ابن بشرويه (٦ / ١)، والعقيلي في ((الضعفاء))
(٤ / ١٣٦ - ١٣٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢ / ٢١٨)، وقال العقيلي:
((لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه،
يعني ابن مروان هذا)).
ثم روى الخطيب بإسناده عن عبدالله بن قتيبة قال: سألت ابن نمير عن هذا
الحديث؟ فقال:
((دع ذا، محمد بن مروان ليس بشيء)).
٣٦٦
قلت: ومن طريقه أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ٣٠٣) من رواية
العقيلي، ثم قال:
((لا يصح، محمد بن مروان هو السدي الصغير؛ كذاب، قال العقيلي: لا
أصل لهذا الحدیث)).
وتعقبه السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٢٨٣) بقوله:
((قلت: أخرجه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) من هذا الطريق، وأخرج له
شواهد)).
قلت: ثم ساقها السيوطي، وبعضها صحيح، مثل قوله يتالتر :
((إن لله ملائكة سيَّاحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)).
وقوله ◌َێت :
((ما من أحد يسلم علي ... )). الحديث، وتقدم ذكره قريباً (ص ٣٦٢).
وهي كلها إنما تشهد للحديث في الجملة، وأما التفصيل الذي فيه، وأنه من
صلى عليه عند قبره وَالر؛ فإنه يسمعه، فليس في شيء منها شاهد عليه، وأما نصفه
الآخر، فلم يذكر السيوطي ولا حديثاً واحداً يشهد له، نعم قال السيوطي :
((ثم وجدت لمحمد بن مروان متابعاً عن الأعمش، أخرجه أبو الشيخ في
((الثواب)): حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأعرج: حدثنا الحسن بن الصباح: حدثنا أبو
معاوية عن الأعمش به)).
قلت: ورجال هذا السند كلهم ثقات معروفون، غير الأعرج هذا، والظاهر أنه
الذي أورده أبو الشيخ نفسه في ((طبقات الأصبهانيين)) (ص ٣٤٢ / ٤٦٣)، فقال:
((عبدالرحمن بن أحمد الزهري أبو صالح الأعرج)).
ثم روى عنه حديثين، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول، وسيأتي
٣٦٧
تخريج أحدهما برقم (٥٨٣٥)، وسوف يأتي له ثالث برقم (٦٢٤٦) بإذن الله.
فقول الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ٣٧٩): ((سنده جيد))؛ غير مقبول، ولهذا قال
ابن القيم في هذا السند: إنه غريب؛ كما نقله السخاوي عنه في ((القول البديع في
الصلاة على الحبيب الشفيع)) (ص ١١٦).
وقال ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) (ص ١٩٠):
((وقد روى بعضهم هذا الحديث من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ
فاحش، وإنما هو محمد بن مروان تفرد به، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب)).
على أن هذه المتابعة ناقصة، إذ ليس فيها ما في رواية محمد بن مروان:
((وكُفي بها أمر دنياه ... )).
كذلك أورده الحافظ ابن حجر والسخاوي من هذا الوجه؛ خلافاً لما يوهمه فعل
السيوطي حين قال:
(( ... عن الأعمش به)).
يعني بسنده ولفظه المذكور في رواية السدي؛ كما لا يخفى على المشتغلين
بهذا العلم الشريف.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الرد على الأخنائي)) (ص ٢١٠ - ٢١١):
((وهذا الحديث وإن كان معناه صحيحاً (لعله يعني في الجملة) فإسناده لا
يحتج به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يُعرف إلا من حديث محمد بن
مروان السدي الصغير عن الأعمش وهو عند أهل المعرفة بالحديث موضوع على
الأعمش».
وقال في ((مختصر الرد المذكور) (٢٧ / ٢٤١ - مجموع الفتاوى):
((حديث موضوع، وإنما يرويه محمد بن مروان السدي عن الأعمش، وهو
٣٦٨
كذاب بالاتفاق، وهذا الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم)).
وجملة القول؛ أن الشطر الأول من الحديث ينجو من إطلاق القول بوضعه؛
لهذه المتابعة التي خفيت على ابن تيمية وأمثاله، وأما باقيه فموضوع؛ لخلوه من
الشاهد، وبالشطر الأول أورده في ((الجامع)) من رواية البيهقي!
(فائدة): قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث:
((وهو لو كان صحيحاً؛ فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائياً، ليس فيه
أنه يسمع ذلك؛ كما وجدته منقولاً عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم
يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض
المتأخرين الجهال؛ يقولون :
((إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه)).
فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين [عليه] باطل، وإنما في الأحاديث
المعروفة أنه يبلغ ذلك، ويُعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة)).
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله {چ :
((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني ... )). الحديث،
وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤)، فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه
ولا يسمعها من المصلي عليه والآ .
٢٠٤ - (مَنْ حَجَّ حجَّةَ الإِسلامِ، وزارَ قَبْري، وغَزا غزوَةً، وصلَّى
عليَّ في المقدسِ ؛ لم يسألُهُ الله فيما افْتَرَضَ عليهِ).
موضوع. أورده السخاوي في ((القول البديع)) (ص ١٠٢)، وقال:
((هكذا ذكره المجد اللغوي، وعزاه إلى أبي الفتح الأزدي في الثامن من
((فوائده))، وفي ثبوته نظر)).
٣٦٩
قلت: لقد تساهل السخاوي رحمه الله، فالحديث موضوع ظاهر البطلان،
فکان الأحری به أن يقول فيه كما قال في حديث آخر قبله:
((لوائح الوضع ظاهرة عليه، ولا أستبيح ذكره إلا مع بيان حاله)).
ذلك لأنه يوحي بأن القيام بما ذكر فيه من الحج والزيارة والغزو يسقط عن فاعله
المؤاخذة على تساهله بالفرائض الأخرى، وهذا ضلال، وأي ضلال! حاشا رسول
اللّه ◌َلّ أن ينطق بما يوهم ذلك، فكيف بما هو صريح فيه؟!
ثم رأيت الحدیث قد نقله ابن عبدالهادي في رده على السبكي (ص ١٥٥) عنه
بسنده إلى أبي الفتح الأزدي محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الحافظ: حدثنا
النعمان بن هارون بن أبي الدلهاث: حدثنا أبو سهل بدر بن عبدالله المصيصي :
حدثنا الحسن بن عثمان الزيادي: حدثنا عمار بن محمد: حدثني خالي سفيان عن
منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً به. ثم قال ابن عبدالهادي
رحمه الله تعالى :
((هذا الحديث موضوع على رسول الله وَ ل بلا شك ولا ريب عند أهل المعرفة
بالحديث، وأدنى من يعد من طلبة هذا العلم يعلم أن هذا الحديث مختلق مفتعل
على سفيان الثوري، وأنه لم يطرق سمعه قط، قال: والحمل في هذا الحديث على
بدر بن عبدالله المصيصي؛ فإنه لم يعرف بثقة ولا عدالة ولا أمانة، أو على صاحب
الجزء أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فإنه متهم بالوضع، وإن كان من
الحفاظ)».
ثم ذکر أقوال العلماء فیه، ثم قال:
((ولا يخفى أن هذا الحديث الذي رواه في ((فوائده)) موضوع مركب مفتعل، إلا
على من لا يدري علم الحديث، ولا شم رائحته)).
قلت: الأزدي هذا ترجمه الذهبي في ((الميزان))، وذكر تضعيفه عن بعضهم،
٣٧٠
ولم يذكر عن أحد اتهامه بالوضع، وكذلك الحافظ في ((اللسان))، ولم يزد على ما في
((الميزان))، بل قال الذهبي في ((تذكره الحفاظ)) (٣ / ١٦٦):
«ووهَّاه جماعة بلا مستند طائل)).
فالظاهر أنه بريء العهدة من هذا الحديث، فالتهمة منحصرة في المصيصي
هذا، وهو الذي أشار إليه الذهبي في ترجمته في ((الميزان))، فقال:
((بدر بن عبدالله أبو سهل المصيصي عن الحسن بن عثمان الزيادي بخبر
باطل، وعنه النعمان بن هارون)).
قال الحافظ في «اللسان»:
((والخبر المذكور أخرجه أبو الفتح الأزدي ... )).
ثم ذكر هذا الحديث، وقد ذكره السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (رقم
٥٧١)، وقال (ص ١٢٢):
((قال في ((الميزان)): هذا خبر باطل؛ آفته بدر)).
٢٠٥ - (ما مِنْ مسلمٍ يُسَلَّمُ عليَّ في شرقٍ ولا غرب؛ إلا أنا
وملائِكَةُ رَبِّي نَرُدُّ عليهِ السلامَ، فقالَ لهُ قائِلٌ: يا رسولَ اللهِ! فَما بالُ
أهل المدينَةِ؟ فقالَ لهُ: وما يُقالُ لكريمٍ في جيرَتِهِ وجيرانِهِ مما أمرَ الله
بِهِ مِن حفظِ الجِوارِ وحفظِ الجيرانِ؟).
موضوع. أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٦ / ٣٤٩): حدثنا سليمان بن أحمد
(هو الطبراني): ثنا عبيدالله بن محمد العمري: ثنا أبو مصعب: ثنا مالك عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال أبو نُعيم:
((غريب من حديث مالك، تفرد به أبو مصعب)).
٣٧١
قلت: واسم أبي مصعب هذا أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري
المدني أحد رواة ((الموطأ)) عن مالك، وهو ثقة فقيه، فالحمل في الحديث على
الراوي عنه عبيدالله بن محمد العمري، وهو القاضي؛ قال في ((الميزان)):
«رماه النسائي بالكذب)).
قلت: ومن طريقه أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك))، ثم قال:
(ليس بصحيح، تفرد به العمري، وكان ضعيفاً))؛ كما في ((اللسان))، وقال
السخاوي في ((القول البديع)) (ص ١١٧):
((وفي سنده عبيدالله بن محمد العمري، واتَّهمه الذهبي بوضعه)).
وقال ابن عبدالهادي في ((الصارم المنكي)) (ص ١٧٦):
((هو حديث موضوع على رسول الله وَلاير، ليس له أصل، والمتهم بوضعه هذا
الشيخ العمري المدني، ويكفي في افتضاحه روايته هذا الحديث بمثل هذا الإِسناد
الذي كالشمس، ويجوز أن يكون وضع له وأدخل عليه فحدث به، نعوذ بالله من
الخذلان)».
٢٠٦ - (مَن سبَّ الأنبياءَ؛ قُتِلَ، ومَنْ سَبَّ أَصْحابي؛ جُلِدَ).
موضوع. أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (ص ١٣٧)، و ((الأوسط)) (١ / ٢٨١
/ ٤٧٣٩ - بترقيمي): ثنا عبيدالله بن محمد العمري القاضي - بمدينة طبرية - سنة
سبع وسبعين ومائتين: ثنا إسماعيل بن أبي أويس: ثنا موسى بن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جده علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً.
قلت: وهذا الإِسناد رجاله كلهم ثقات، إلا العمري؛ كما قال الحافظ في
((اللسان))، والعمري متهم بالكذب والوضع؛ كما تقدم في الحديث الذي قبله. قال
الحافظ :
٣٧٢
«ومن مناکیره هذا الخبر)».
والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٦ / ٢٦٠)، وقال:
((رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) عن شيخه عبيدالله بن محمد
العمري، رماه النسائي بالكذب)).
٢٠٧ - (أفضلُ الأيامِ يومُ عَرَفَةَ إذا وافَقَ يومَ الجُمُعَةِ، وهو أفضلُ
من سبعينَ حِجَّةً في غيرِ جُمُعَةٍ).
باطل لا أصل له. وأما قول الزيلعي - على ما في ((حاشية ابن عابدين)) (٢ /
٣٤٨) -:
((رواه رزين بن معاوية في تجريد الصحاح)).
فاعلم أن كتاب رزين هذا جمع فيه بين الأصول الستة: ((الصحيحين))،
و ((موطأ مالك))، و((سنن أبي داود))، و((النسائي))، و((الترمذي))، على نمط كتاب ابن
الأثير المسمى ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)»، إلا أن في كتاب ((التجريد»
أحاديث كثيرة لا أصل لها في شيء من هذه الأصول؛ كما يعلم مما ينقله العلماء عنه
مثل المنذري في ((الترغيب والترهيب))، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإنه لا أصل
له في هذه الكتب، ولا في غيرها من كتب الحديث المعروفة، بل صرح العلامة ابن
القيم في ((الزاد)) (١ / ١٧) ببلاطنه، فإنه قال بعد أن أفاض في بيان مزية وقفة الجمعة
من وجوه عشرة ذكرها :
((وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة؛ فباطل،
لا أصل له عن رسول الله وَ لجر، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين)).
وأقره المناوي في ((فيض القدير)) (٢ / ٢٨)، ثم ابن عابدين في ((الحاشية)).
٣٧٣
٢٠٨ - (ما قُبِلَ حَجُّ امرىءٍ؛ إلا رُفِعَ حَصاهُ. يعني حصى
الجمارِ).
ضعيف. قال في ((المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة)):
(رواه الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً))!
قلت: واقتصاره في العزو على الديلمي إشارة منه - على ما فيه من قصور - إلى
ضعف الحديث، وقد صرح بذلك الإِمام البيهقي كما يأتي، فقد أخرجه الديلمي
(٤ / ٥٠) من طريق عبدالرحمن بن خراش عن العوام عن نافع عن ابن عمر،
وعبدالرحمن هذا والعوام لم أعرفهما، لكن أخشى أن يكون في ((المصورة)) خطأ
نسخي، فقد رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٧ / ٢٥٥٥) من طريق عبد الله بن خراش
عن واسط بن الحارث عن نافع به. وقال:
((واسط؛ عامة أحاديثه لا يُتابع عليها)).
وذكر له في ((الميزان)) مناكير هذا منها .
وأخرج البيهقي في ((سننه الكبرى)) (٥ / ١٢٨)، والدارقطني (ص ٢٨٩)،
والحاكم (١ / ٤٧٦)، وكذا الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٢١ / ١) من طريق يزيد
ابن سنان عن يزيد بن أبي أنسية عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن أبي سعيد
الخدري عن أبيه أبي سعيد قال:
قلنا: يا رسول الله! هذه الحجارة التي يُرمى بها كل عام، فنحتسب أنها تنقص؟
فقال :
((إنه ما تقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال)).
ضعفه البيهقي بقوله :
«یزید بن سنان لیس بالقوي في الحدیث، وروي من وجه آخر ضعیف عن ابن
٣٧٤
عمر مرفوعاً)).
قلت: وخالفه شيخه الحاكم، فقال:
((صحيح الإسناد، يزيد بن سنان ليس بالمتروك)).
والحق قول البيهقي، وهو أعلم من شيخه بالجرح والتعديل، إلا أن الحاكم
يستلزم من كون يزيد هذا ليس بالمتروك؛ أن حديثه صحيح، مع أن هذا غير لازم،
فإنه قد يكون الراوي ضعيفاً، وهو غير متروك، فيكون ضعيف الحديث، ويزيد من
هذا القبيل، على أنه قد تركه النسائي، ولهذا تعقبه الذهبي في ((تلخيص المستدرك))
بقوله :
((قلت: يزيد؛ ضعَّفوه)).
والحديث ذكره الهيثمي (٣ / ٢٦٠)، وقال:
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه يزيد بن سنان التميمي، وهو ضعيف)).
قلت: وقد ورد موقوفاً:
أخرجه الأزرقي في ((تاريخ مكة)) (ص ٤٠٣)، والدولابي في ((الكنى)) (٢ /
٥٦) من طريق ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال:
((ما تُقُبِّلَ من الحصارُفِعَ)).
وسنده صحيح .
وابن أبي النعم؛ اسمه عبدالرحمن.
وكذلك أخرجه موقوفاً عن ابن عباس الأزرقي والبيهقي بسند صحيح أيضاً،
فالصواب في الحديث الوقف، ولينظر هل هو في حكم المرفوع؟ فإنه لم
يتبيَّن لي .
٣٧٥
٢٠٩ - (حَلَّتْ شفاعتي لأمَّتي؛ إلا صاحِبَ بدعةٍ).
منكر. أخرجه ابن وضَّاح القرطبي في كتابه القيم: ((البدع والنهي عنها)) (ص
٣٦) من طريق أبي عبدالسلام قال: سمعت بكر بن عبدالله المزني أن النبي وَّ قال:
فذكره .
قلت: فهذا مرسل، بكر هذا تابعي لم يدرك النبي وَّر، ومع إرساله، فالسند
إليه ضعيف؛ لأن أبا عبدالسلام - واسمه صالح بن رستم الهاشمي - مجهول؛ كما
قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)).
ومع ضعف إسناد الحديث، فهو مخالف لظاهر قوله الآلية:
((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).
وهو حديث صحيح، خلافاً لمن يظن ضعفه من المغرورين بآرائهم، المتبعين
لأهوائهم! وهو مخرج من طرق في ((ظلال الجنة)) (٨٣٠ - ٨٣٢)، و((الروض النضير))
(٣ و ٦٥)، و((المشكاة)) (٥٥٩٨).
٢١٠ - (مِنْ تَمامِ الحَجِّ أن تُحْرِمَ من دُوَيْرَةِ أهلِكَ).
منكر. أخرجه البيهقي (٥ / ٣١) من طريق جابر بن نوح عن محمد بن عمرو
عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَّهَ في قوله عز وجل: ﴿وَأْتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ
اللّهِ﴾(١). قال: فذكره.
وهذا سند ضعيف، ضعفه البيهقي بقوله :
((فيه نظر)).
قلت: ووجهه أن جابراً هذا متَّفق على تضعيفه، وأورد له ابن عدي (٥٠ / ٢)
(١) البقرة: ١٩٦.
٣٧٦
هذا الحدیث، وقال:
((لا يُعرف إلا بهذا الإِسناد، ولم أرله أنكر من هذا)).
وقد خفي هذا على الشوكاني، فقال في ((نيل الأوطار)) (٤ / ٢٥٤):
((ثبت هذا مرفوعاً من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن عدي والبيهقي))!
، قلت: وقد رواه البيهقي من طريق عبدالله بن سلمة المرادي عن علي موقوفاً،
ورجاله ثقات، إلا أن المرادي هذا كان تغير حفظه، وعلى كل حال، هذا أصح من
المرفوع . .
وقد روى البيهقي كراهة الإِحرام قبل الميقات عن عمر وعثمان رضي الله
عنهما، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت.
وما أحسن ما ذكر الشاطبي رحمه الله في ((الاعتصام)) (١ / ١٦٧)، ومن قبله
الهروي في ((ذم الكلام)) (٣ / ٥٤ / ١) عن الزبير بن بكار قال: حدثني سفيان بن
عيينة قال :
((سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبدالله! من أين أحرم؟ قال:
من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صل. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد
من عند القبر. قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة في هذه؟
إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر
عنها رسول الله ◌َآلية؟! إني سمعت الله يقول:
﴿ فَلْيَحْذَرِ الذينَ يُخالِفُونَ عنْ أمْرِهِ أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصيبَهُم عذابٌ أليمٌ﴾(١)!
فانظر مبلغ أثر الأحاديث الضعيفة في مخالفة الأحاديث الصحيحة والشريعة
المستقرة، ولقد رأيت بعض مشايخ الأفغان هنا في دمشق في إحرامه، وفهمت منه أنه
(١) النور: ٦٣ .
٣٧٧
أحرم من بلده! فلما أنكرت ذلك عليه احتج عليَّ بهذا الحديث! ولم يدر المسكين
أنه ضعيف لا يحتج به، ولا يجوز العمل به لمخالفته سنة المواقيت المعروفة، وهذا
مما صرح به الشوكاني في ((السيل الجرار)) (٢ / ١٦٨).
ونحو هذا الحديث الآتي :
٢١١ - (مَنْ أهَلَّ بِحَجَّةٍ أو عُمرةٍ مِن المسجدِ الأقصى إلى
المسجدِ الحَرامِ ؛ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبهِ وما تأخّرَ، أو وجَبَتْ لهُ
الجنَّةُ).
ضعيف. أخرجه أبو داود (١ / ٢٧٥)، وابن ماجه (٢ / ٢٣٤ - ٢٣٥)،
والدارقطني (ص ٢٨٢)، والبيهقي (٥ / ٣٠)، وأحمد (٦ / ٢٩٩) من طريق حكيمة
عن أم سلمة مرفوعاً. قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (٢ / ٢٨٤):
((قال غير واحد من الحفاظ: إسناده غير قوي)).
قلت: وعلته عندي حكيمة هذه، فإنها ليست بالمشهورة، ولم يوثقها غير ابن
حبان (٤ / ١٩٥)، وقد نبهنا مراراً على ما في توثيقه من التساهل، ولهذا لم يعتمده
الحافظ، فلم يوثقها، وإنما قال في ((التقريب)):
((مقبولة)).
يعني عند المتابعة، وليس لها متابع ها هنا، فحديثها ضعيف غير مقبول.
هذا وجه الضعف عندي، وأما المنذري؛ فأعله بالاضطراب، فقال في
(مختصر السنن)) (٢ / ٢٨٥):
((وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافاً كثيراً».
وكذا أعله بالاضطراب الحافظ ابن كثير؛ كما في ((نيل الأوطار)) (٤ / ٢٣٥).
٣٧٨
ثم إن المنذري كأنه نسي هذا، فقال في ((الترغيب والترهيب)) (٢ / ١١٩ -
١٢٠) :
(رواه ابن ماجه بإسناد صحيح))!
وأنى له الصحة، وفيه ما ذكره هو وغيره من الاضطراب، وجهالة حكيمة عندنا؟!
ثم إن الحديث؛ قال السندي، وتبعه الشوكاني :
((يدل على جواز تقديم الإِحرام على الميقات)).
قلت: كلا، بل دلالته أخص من ذلك، أعني أنه إنما يدل على أن الإِحرام من
بيت المقدس خاصة أفضل من الإِحرام من المواقيت، وأما غيره من البلاد؛ فالأصل
الإِحرام من المواقيت المعروفة، وهو الأفضل؛ كما قرره الصنعاني في ((سبل السلام))
(٢ / ٢٦٨ -٢٦٩)، وهذا على فرض صحة الحديث، أما وهو لم يصح كما رأيت؛
فبيت المقدس كغيره في هذا الحكم، لما سبق بيانه قبل حديث، ولا سيما أنه قد
روي ما يدل عليه بعمومه، وهو:
٢١٢ - (ليسْتَمْتِعْ أحدُكُم بحِلِّهِ ما اسْتطاعَ؛ فإنَّهُ لا يَدْري ما
يَعْرضُ في إحرامِهِ).
ضعيف. أخرجه الهيثم بن كليب في ((مسنده)) (١٣٢ / ١)، والبيهقي في
(سننه)) (٥ / ٣٠ - ٣١) من طريق واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سورة عن عمه
أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً. وقال:
((هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث، قاله البخاري وغيره)).
قلت: وأبو سورة ضعيف؛ كما في ((التقريب)).
ثم رواه البيهقي من طريق الشافعي: أنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء مرفوعاً
٣٧٩
نحوه. وأعله بقوله :
((وهذا مرسل)).
قلت: ومسلم شيخ الشافعي هو ابن خالد الزنجي الفقيه، وهو صدوق کثیر
الأوهام؛ كما في ((التقريب)).
وابن جريج مدلس، وقد عنعنه.
٢١٣ - (إِنِّي لأعلَمُ أرضاً يُقالُ لها: عُمان، ينضَحُ بجانبها البحرُ،
الحجةُ منها أفضلُ مِن حجَّتينِ من غيرِها).
ضعيف. أخرجه الإِمام أحمد في ((المسند)) (رقم ٤٨٥٣)، والثقفي في
((مشيخة النيسابوريين)) (١٨٤ - ١٨٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٤ / ٣٣٥) من طريق
الحسن بن هادیة قال:
لقيتُ ابن عمر، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل عُمان. قال: من أهل
عمان؟ قلت: نعم. قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول الله وصار؟ قلت: بلى.
فقال: سمعت رسول الله وَ ل و يقول: فذكره.
قلت: ورجاله كلهم ثقات معروفون، غير ابن هادية هذا، فقد ذكره ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١ / ٢ / ٤٠)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وأما قول الحافظ في ((اللسان)»:
((قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أعرفه)).
فأخشى أن يكون انتقل نظره إلى ترجمة أخرى عقب هذه. روى ابن أبي حاتم
فيها عن أبيه ما نقله الحافظ عنه. والله أعلم.
وأما ابن حبان، فقد ذكره في ((الثقات)) (٤ / ١٢٣)، وهذا منه على عادته في
٣٨٠