النص المفهرس

صفحات 181-200

«كذاب)).
وبهذا أعله المناوي في ((الفيض)) نقلاً عن ابن الجوزي، وبه تبين خطأ
السيوطي في إيراده لهذا الحديث في ((الجامع الصغير)).
قلت: ومما يدل على كذب هذا الحديث أنه مخالف لقوله وَلات:
((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)).
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن ماجه (٢ / ٥١٩)، والحاكم (٤ /
٥٥٧)، وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (٩٩ - ١٠٠)، وكذا العقيلي
(١٣٩ و ٣٠٠) من طريق زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن
أم سلمة مرفوعاً.
وهذا سند جید رجاله كلهم ثقات، وله شواهد کثیرة، فهو دلیل واضح علی رد
هذا الحديث.
ومثله :
٨١ - (يا عباسُ! إِنَّ اللّه فَتَحَ هذا الأمرَ بي، وسيخْتِمُهُ بغَلامٍ من
ولَدَِ، يملؤها عدلاً؛ كما مُلِئتْ جوراً، وهو الذي يصلي بعيسى).
موضوع. أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤ / ١١٧)، ومن طريقه ابن
الجوزي في ((الواهيات)) (١٤٣٧) في ترجمة أحمد بن الحجاج بن الصلت قال:
حدثنا سعيد بن سليمان: حدثنا خلف بن خليفة عن مغيرة عن إبراهيم عن عقلمة عن
عمار بن ياسر مرفوعاً.
قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم غير أحمد بن
الحجاج هذا، ولم يذكر فيه الخطيب جرحاً ولا تعديلاً، وقد اتَّهمه الذهبي بهذا
الحدیث، فقال:
١٨١

(رواه بإسناد الصحاح مرفوعاً، فهو آفته! والعجيب أن الخطيب ذكره في
((تاريخه))، ولم يضعفه، وكأنه سكت عنه لانتهاك حاله)).
ووافقه الحافظ في ((لسان الميزان)).
والحديث أورده السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (١ / ٤٣١ - ٤٣٤)،
وسكت عليه! ومن هنا يتبيَّن لك الفرق بين الذهبي والسيوطي، فإن الأول حافظ نقاد،
والآخر جمَّاع نقَّال، وهذا هو السر في كثرة خطئه وتناقضه في كتبه .
والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٣٧) من حديث ابن
عباس نحوه، وقال :
((موضوع، المتهم به الغلابي محمد بن زكريا)).
وأقره السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٤٣٥).
ورواه الخطيب في ((التاريخ)) (٣ / ٣٢٣ - ٣٢٤)، وعنه ابن الجوزي في
((العلل المتناهية)) (٢ / ٣٧٥ / ١٤٣٨) من طريق أخرى، ثم قال ابن الجوزي
(٢ / ٣٧٨):
((لا بأس بإسناده))!
کذا قال، وهو منه عجيب، فإن فیه علتین :
إحداهما: عبدالصمد بن علي - وهو الهاشمي - ضعفه العقيلي (٣ / ٨٤ /
١٠٥٣)، وساق له حديثاً استنكره الذهبي، وسيأتي برقم (٢٨٩٨).
والأخرى: محمد بن نوح بن سعيد المؤذن، أورده الذهبي وقال:
«خبره كذب (يعني هذا)، وأبوه مجهول)).
(تنبيه): اختلط هذا الإِسناد على بعض الطلبة، فظن أنه من رواية الغلابي،
وليس هو فیه!
١٨٢

وأما صلاة المهدي بعيسى عليه السلام؛ فصحيح ثابت في أحاديث كثيرة.
ومثل هذا الحديث:
٨٢ - (ألا أُبَشِّرُكَ يا أبا الفضل؟ إنَّ الله عزَّ وجلَّ افَتَتَحَ بي هذا
الأمرَ، وبذريتِكَ يختِمُهُ).
موضوع. أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١ / ١٣٥) من طريق لاهز بن جعفر
التيمي: ثنا عبدالعزيز بن عبدالصمد العمي: أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال:
((تفرد به لاهز بن جعفر، وهو حديث عزيز)).
قلت: وهو متهم، قال فيه ابن عدي :
«بغدادي مجهول، یحدث عن الثقات بالمناکیر)) .
ثم ساق له حديثاً في فضل علي، ثم قال ابن عدي :
((وهذا باطل)).
قال الذهبي :
((إي والله! هذا من أكبر الموضوعات، وعلي؛ فلعن الله من لا يحبه).
والحديث أورده في ((كنز العمال)) (رقم ٣٨٦٩٣) برواية أبي نعيم في ((الحلية))
عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ، ولم أعثر عليه الآن في ((الحلية))، فالله أعلم.
(تنبيه): إذا علمت حال هذا الحديث والذي قبله، فلا يليق نصب الخلاف
بينهما وبين الحديث الصحيح المتقدم قريباً: ((المهدي من ولد فاطمة))؛ لصحته،
وشدة ضعف مخالفه، وعليه: لا مسوِّغ لمحاولة التوفيق بينهما كما فعل بعض
المتقدمين، والأستاذ المودودي رحمه الله في ((البيانات)) (ص ١١٥، ١٦٥)، والله
تعالى هو الموفق، لا إله سواه.
١٨٣

٨٣ - (نِعْمَ المُذَكِّرُ السبحةَ، وإنَّ أفضلَ ما يُسْجَدُ عليهِ الأرضُ،
وما أُنْبَتْهُ الأرضُ).
موضوع. أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٤ / ٩٨ - مختصره)؛ قال:
أنا عبدوس بن عبدالله: أنا أبو عبدالله الحسين بن فنجُويه الثقفي: ثنا علي بن محمد
ابن نصرويه: ثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي: حدثني محمد بن
علي بن حمزة العلوي : حدثني عبدالصمد بن موسى : حدثتني زينب بنت سليمان
ابن علي: حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي
مرفوعاً.
ذكره السيوطي في رسالته ((المنحة في السبحة)) (٢ / ١٤١ - من الحاوي)،
ونقله عنه الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢ / ١٦٦ - ١٦٧)، وسكتا عليه!
قلت: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، جل رواته مجهولون، بل
بعضهم متهم :
أم الحسن بنت جعفر بن الحسن، لم أجد مَن ترجمها .
وزينب بنت سليمان بن علي ترجمها الخطيب في ((تاريخه)) (١٤ / ٣٣٤)،
وقال :
((كانت من فضائل النساء)).
وعبدالصمد بن موسى، هو الهاشمي، ترجمه الخطيب (١٤ / ٤١)، ولم يذكر
فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكن نقل الذهبي في ((الميزان)) عن الخطيب أنه قال فيه:
((قد ضعفوه)) .
فلعل ذلك في بعض كتبه الأخرى، ثم استدركت فقلت: بل ذلك في حديث
آخر سيأتي برقم (٢٨٩٨).
١٨٤

ثم قال الذهبي :
((يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام)».
قلت: فلعله هو آفة هذا الحديث.
ومحمد بن علي بن حمزة العلوي ترجمه الخطيب أيضاً (٣ / ٦٣)، وقال:
((قال ابن أبي حاتم: سمعت منه وهو صدوق، مات سنة ٢٨٦)).
ومحمد بن هارون هو محمد بن هارون بن العباس بن أبي جعفر المنصور،
كذلك أورده الخطيب (٣ / ٣٥٦)، وقال:
((كان من أهل الستر والفضل والخطابة، وولي إمامة مسجد المدينة ببغداد
خمسين سنة، وكانت وفاته سنة ٣٠٨)).
وأبو عبدالله بن الحسين بن فنجويه الثقفي ثقة مترجم في ((سير أعلام النبلاء))
(١٧ / ٣٨٣)، و((شذارت الذهب)) (٣ / ٢٠٠).
ومثله عبدوس بن عبدالله؛ له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) (١٩ / ٩٧)،
و ((لسان الميزان)) (٤ / ٩٥).
ومما سبق يتبين لك أن الإِسناد ضعيف، لا تقوم به حجة .
ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
الأول: أن السبحة بدعة لم تكن في عهد النبي ◌َّر، إنما حدثت بعده وَلايَ(١)،
فكيف يُعقل أن يحض عليه الصلاة والسلام أصحابه على أمر لا يعرفونه؟! والدليل
على ما ذكرت ما روى ابن وضاح القرطبي في ((البدع والنهي عنها)) (ص ١٢) عن
(١) ويؤيد ذلك قول علماء اللغة :
((إن لفظة: (السبحة) مولدة، لا تعرفها العرب)).
انظر (ص ١٣) من الرد على الحبشي.
١٨٥

الصلت بن بهرام قال :
((مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به، فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح
بحصى، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم! ركبتم بدعة ظلماً! ولقد غلبتم أصحاب
محمد ◌َ ◌ّ علماً!)).
وسنده إلى الصلت صحيح، وهو ثقة من أتباع التابعين (١)، فالسند منقطع.
ثم روى عن أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن عن النظام (خيط ينظم فيه
لؤلؤ وخرز ونحوهما) من الخرز والنوى ونحو ذلك يُسبَّح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد
من نساء النبي ◌َّر، ولا المهاجرات.
لکن سنده ضعيف جداً.
الثاني: أنه مخالف لهديه وَ له؛ قال عبدالله بن عمرو:
((رأيت رسول الله وَلّ يعقد التسبيح بيمينه)).
رواه أبو داود (١ / ٢٣٥)، والترمذي (٤ / ٢٥٥) وحسنه، وابن حبان (٢٣٣٤
- موارد)، والحاكم (١ / ٥٤٧)، والبيهقي (٢ / ٢٥٣)، وإسناده صحيح كما قال
الذهبي، ثم خرجته في ((صحيح أبي داود)) (١٣٤٦).
ثم هو مخالف لأمره وَلقر، حيث قال لبعض النسوة:
((عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد (وفي رواية:
الرحمة)، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات ومستنطقات)).
وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي، وحسنه
النووي والعسقلاني كما في ((أمالي الأذكار)) (١ / ٨٤)، وله شاهد عن عائشة موقوف،
انظر ((صحيح أبي داود)) (١٣٤٥).
(١) وأما قول الشيخ الحبشي: (إنه مجهول))؛ فمن عندياته! انظر ردنا عليه (ص ٤١).
١٨٦

ولذلك ضعف الحديثَ جماعة؛ كما ذكره الشيخ محمد خليل القاوقجي في
((شوارق الأنوار الجليلة)) (ق ١١٣ / ١).
ثم تبين لي فيما بعد أن السند أشد ضعفاً مما ذكرنا، وأن آفته محمد بن هارون
ابن عيسى بن المنصور الهاشمي، فإنه كان يضع الحديث كما يأتي، وقولي أولاً: ((هو
محمد بن هارون بن العباس ... إلخ)) وهم، سببه أنني ذهلت عن الترجمة التي بعد
ابن العباس هذا في ((تاريخ الخطيب))، فقد قال:
((محمد بن هارون بن عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور،
يكنى: أبا إسحاق، ويُعرف بـ (ابن بُريه) ... وفي حديثه مناكير كثيرة، وقال
الدارقطني : لا شيء)).
وقال ابن عساکر في «تاریخ دمشق»:
((يضع الحديث)).
ثم ساق له حديثاً، ثم قال:
«هذا من موضوعاته)).
وكذلك اتهمه الخطيب، فقال عقب الحديث المشار إليه (٧ / ٤٠٣):
((والهاشمي يعرف بابن بُريه، ذاهب الحديث، يتهم بالوضع)).
وإنّما جزمتُ بأن هذا هو راوي الحدیث؛ لأن السند فيه أنه محمد بن هارون
ابن عيسى، وليس فيه أنه محمد بن هارون بن العباس، فهما شخصان اتفقا في
اسمهما واسم أبيهما، واختلفا في اسم جدهما، فالأول اسم جده: عيسى، والآخر
اسم جده: العباس، وهذا مستور، والأول متهم كما عرفت، فانحصرت شبهة وضع
الحديث فيه، وبرئت ذمة عبدالصمد بن موسى منه على ضعفه وروايته المناکیر.
نوال
والفضل في تنُّهي لهذه الحقيقة يعودُ إلى مقال لي قديم في الكلام على هذا
الحدیث، فالحمد لله على توفيقه.
١٨٧

هذا معنى ما كنت أوردته في ردِّي على ((التعقب الحثيث)) للشيخ الحبشي
(ص ١٤ - ١٥).
فإن قيل: قد جاء في بعض الأحاديث التسبيح بالحصى، وأنه وَلّ أقره، فلا
فرق حينئذ بينه وبين التسبيح بالسبحة كما قال الشوكاني؟
قلت: هذا قد يسلم لو أن الأحاديث في ذلك صحيحة، وليس كذلك، فغاية
ما رُوي في ذلك حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها، فلا بد من
ذكرهما، وبيان علتهما:
الأول: عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله وَلّ على امرأة، وبين
یدیها نوی أو حصی تسبح به، فقال:
((أخبركِ بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟)).
فقال :
((سبحان الله عدد ما خلق في السماء ... )) الحديث.
رواه أبو داود (١ / ٢٣٥)، والترمذي (٤ / ٢٧٧ - ٢٧٨)، وابن حبان (٢٣٣٠
- زوائده)، والدورقي في ((مسند سعد)) (١٣٠ / ١)، والمخلص في ((الفوائد)) (٩ /
١٧ / ٢)، والحاكم (١ / ٥٤٧ - ٥٤٨) (١) من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن
أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها. وقال
الترمذي :
(١) وعزاه السيوطي في ((المنحة)) للنسائي وابن ماجه، وتبعه الشوكاني، وفيه نظر من
وجهين :
الأول: أنه لم يروه ابن ماجه مطلقاً .
الثاني: أن النسائي إنما رواه في ((اليوم والليلة))؛ كما في ((التحفة)) (٣ / ٣٢٥)، فكان ينبغي
تقییده، ولم أره في المطبوعة منه .
١٨٨

(حديث حسن)).
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي، فأخطأ؛ لأن خزيمة هذا مجهول، قال الذهبي نفسه في
((الميزان)):
«خزيمة؛ لا يُعرف، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال)).
وكذا قال الحافظ في ((التقريب)):
«إنه«لا يُعرف)».
وسعيد بن أبي هلال مع ثقته؛ حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وكذلك
وصفه بالاختلاط يحيى كما في ((الفصل)) لابن حزم (٢ / ٩٥)، ولعله مما يؤيد ذلك
روايته لهذا الحديث، فإن بعض الرواة الثقات عنه لم يذكروا في إسناده خزيمة، فصار
الإِسناد منقطعاً، ولذلك لم يذكر الحافظ المزي عائشة بنت سعد في شيوخ ابن أبي
هلال، فلا يخلو هذا الإِسناد من علة الجهالة أو الانقطاع، فأنى للحديث الصحة أو
الحسن؟!
وجهل ذلك أو تجاهله بعض من ألف في سنية السبحة! من أهل الأهواء من
المعاصرين، مقلداً في ذلك شيخه عبدالله الغماري الذي تجاهل هذه الحقائق،
فأورد هذا الحديث في ((كنزه)) (١٠٣)؛ ليتوصل منه إلى تجويز السبحة لمريديه! ثم
إلى تجوزير تعليقها على العنق كما يفعل بعض مشايخ الطرق.
انظر الرد عليه في مقدمة المجلد الثالث من هذه ((السلسلة)) (ص ٣٧)؛ ترى
العجب العجاب.
الآخر: عن صفية قالت:
١٨٩

((دخل عليَّ رسول الله وَّ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: يا بنتَ
حُبِيّ! ما هذا؟! قلت: أسبِّحُ بهنَّ. قال: قد سبحتُ منذ قمتُ على رأسك أكثر من
هذا. قلت: علمني يا رسول الله! قال: قولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من
شيء . .. )).
أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧٤)، وأبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٧٣/ ٢٥٥/
١)، والحاكم (١ / ٥٤٧) من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها.
وضعفه الترمذي بقوله :
((هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد
الكوفي، وليس إسناده بمعروف، وفي الباب عن ابن عباس)).
وأما الحاكم فقال:
«صحیح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي(١)، وهذا منه عجب، فإن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في
((الميزان))، وقال:
((قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه)).
ولهذا قال الحافظ في ((التقريب)):
((ضعيف)) .
وکنانة هذا مجهول الحال، لم یوثقه غیر ابن حبان .
ثم استدرکت فقلت: لکن قد روی عن کنانة جمع، منهم زهیر وحُدیج ابنا
معاوية، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وسعدان بن بشير الجهني، وكل هؤلاء الأربعة
ثقات، يضم إليهم يزيد بن مغلس الباهلي، وثقه جماعة وضعفه آخرون، فسبيل من
(١) وتبعه السيوطي في ((المنحة))، واغتر به الشوكاني!
١٩٠

روى عنه مثل هؤلاء أن يُحشر في زمرة من قيل فيه: ((صدوق))؛ كما حققته أخيراً في
بحث مستفيض فريد في ((تمام المنة)) (ص ٢٠٤ - ٢٠٦)، فلا تغتر ببعض الجهلة؛
كالسقاف وغيره، وعليه؛ فعلَّة الحديث هاشم فقط.
ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون
ذکر الحصی، ولفظه؛ قال:
عن جويرية أن النبي والثر خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في
مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي
فارقتك عليها؟ قالت: نعم. قال النبي وَلِّ:
((لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزِنت بما قلت منذ اليوم
لوزنتهن: سبحان الله وبحمده؛ عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد
كلماته)» .
أخرجه مسلم (٨ / ٨٣ - ٨٤)، والترمذي (٤ / ٢٧٤) وصححه، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (١٦١ - ١٦٥)، وابن ماجه (١ / ٢٣)، وأحمد (٦ / ٣٢٥ و
٤٢٩ - ٤٣٠).
فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين:
الأول: أن صاحبة القصة هي جُويرية؛ لا صفية كما في الحديث الثاني!
الآخر: أن ذكر الحصى في القصة منكر، ويؤيد هذا إنكار عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه علی الذین رآهم یعدون بالحصى، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق
أحدها(١)، ولو كان ذلك مما أقرَّهُ وَّ لما خفي على ابن مسعود إن شاء الله، وقد تلقَّى
هذا الإِنكار منه بعض من تخرَّج من مدرسته، ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه
(١) وقد أنكر الشيخ الحبشي هذه الطرق المشار إليها! فرددتُ عليه بذكر طريق واحد منها
بسند صحيح. انظر (ص ٤٤ - ٤٧) من (الرد على التعقب الحثيث)).
١٩١

الكوفي، فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يُسبح بها!
رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ٨٩ / ٢) بسند جيد(١).
قد يقول قائل: إن العدَّ بالأصابع كما ورد في السنة لا يمكن أن يُضبط به العدد
إذا كان كثيراً.
فالجواب: إنما جاء هذا الإِشكال من بدعة أخرى، وهي ذكر الله في عدد
محصور كثير، لم يأت به الشارع الحكيم، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى، وهي
السبحة! فإن أكثر ما جاء من العدد في السنة الصحيحة فيما ثبت لدي إنما هو مئة،
وهذا يمكن ضبطه بالأصابع بسهولة لمن كان ذلك عادته.
وأما حديث: ((من قال في يوم مئتي مرة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... ))
الحديث، فالمراد: مئة إذا أصبح، ومئة إذا أمسى؛ كما جاء مصرحاً به في بعض
الروايات الثابتة، وبيان ذلك في ((الصحيحة)) (٢٧٦٢).
وأما ما رواه ابن أبي شيبة (٢ / ٣٩١) عن وِقاء عن سعيد بن جبير قال: رأى
عمر بن الخطاب رجلاً يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول:
سبحان الله ... إلخ، فهو منكر لوجوه، منها الانقطاع بينه وبين سعيد، وضعف وقاء،
وهو ابن إياس، وهو لين الحدیث.
ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة، وهي أنها قضت على سنة العد
بالأصابع، أو كادت، مع اتفاقهم على أنها أفضل؛ لكفى! فإني قلما أرى شيخاً يعقد
التسبيح بالأنامل!
ثم إن الناس قد تفنّنوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإِحدى
(١) وفي هذا وما قبله رد صريح على الشيخ الحبشي في زعمه أنه لم يسبقني أحد إلى إنكار
السبحة. انظر ردي عليه (ص ٤٤ - ٥٤).
١٩٢

الطرق يطوق عنقه بالسبحة (١)! وبعضهم يعدُّ بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك!
وآخِرُ ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلاً على دراجة عادية، يسير
في بعض الطرق المزدحمة بالناس، وفي إحدى يديه سبحة !! يتظاهرون للناس بأنهم
لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين! وكثيراً ما تكون هذه البدعة سبباً لإضاعة ما هو
واجب، فقد اتفق لي مراراً - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم، فردَّ عليَّ السلام
بالتلويح بها! دون أن يتلفظ بالسلام! ومفاسد هذه البدعة لا تحصى، فما أحسن ما
قال الشاعر:
وكُلُّ شرِّ في ابْتِداعِ مَن خَلَفْ
وكُلُّ خَيْرِ في اتِّبَاعِ من سَلَفْ
ثم وقفتُ على حديث ثالث عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
((كان يسبح بالحصا)).
ولكن إسناده واهٍ جداً، فيه مَن روى عن مالك أحاديث موضوعة، وسيأتي بيان
ذلك برقم (١٠٠٢) من هذه ((السلسلة)) إن شاء الله تعالى.
٨٤ ۔ (کُلّگُم أفضلُ منهُ).
ضعيف. لم أجده في شيء من كتب السنة، وإنما أخرجه ابن قتيبة في ((عيون
الأخبار)) (١ / ٢٦) بسند ضعيف، فقال:
((حدثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن خالد الحذاء
(١) ويشجعهم على ذلك الشيخ عبدالله الغماري شيخ الطريقة الدرقاوية و ... بقوله:
((وتعليق السبحة في العنق ليس فيه شيء، وهو نظير وضع الكاتب القلم على أذنه))!
لله دره من فقيه يحسن القياس! فإنه من أبطل القياس على وجه الأرض؛ لأنه بناه على حديث
موضوع .
انظر مقدمة المجلد الثالث من هذه ((السلسلة)) (ص ٣٧).
١٩٣

عن أبي قلابة عن مسلم بن يسار أن رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا
قالوا: يا رسول الله! ليس أحد بعد رسول الله أفضل من فلان، يصوم النهار، فإذا نزلنا
قام يصلي حتى يرتحل! قال: من كان يمهن له أو يعمل له؟ قالوا: نحن. قال: كلكم
أفضل منه)).
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات، لكنه مرسل، فإن مسلم بن يسار هذا
- وهو البصري الأموي - تابعي، ثم إنهم ذكروا في ترجمته أن أكثر روايته عن أبي
الأشعث الصنعاني، وأبي قلابة، وهذا الحديث من رواية أبي قلابة عنه، وقد كانت
وفاتهما بعد المئة ببضع سنين، ولكن أبا قلابة مدلس. قال الذهبي في ترجمته من
«الميزان»:
((إمام شهير، من علماء التابعين، ثقة في نفسه، إلا أنه مدلس عمن لحقهم
وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس)).
ولهذا أورده الحافظ برهان الدين العجمي الحلبي في رسالته «التبيين لأسماء
المدلسين)» (ص ٢١)، وكذا الحافظ ابن حجر في ((طبقات المدلسين)) (ص ٥)،
وقال:
((وصفه بذلك الذهبي والعلائي)).
فلو أن الحديث سلم من الإِرسال، لما سلم من عنعنة أبي قلابة، فالحديث
ضعیف علی کل حال.
ثم رأيت الحديث في ((مصنف عبدالرزاق)) (٢٠٤٤٢) عن معمر عن أيوب عن
أبي قلابة قال : ... فذكره نحوه، ولم یذکر فیه مسلم بن يسار.
وهذا مرسل أيضاً.
ویغني عنه حديث أنس قال:
((كنا مع النبي ◌َّه في السفر، فمنًّا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في
١٩٤

يوم حار، أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط
الصوَّام، فقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله رَالآن:
«ذهب المفطرون اليوم بالأجر)».
رواه البخاري (٦ / ٦٤)، ومسلم (٣ / ١٤٤)، واللفظ له، والنسائي في
((الكبرى)) (ق ٢٠ / ١).
٨٥ - (يُقْتَلُ عندَ كنزِكُم ثلاثةٌ؛ كلُّهُم ابنُ خليفةٍ، ثم لا يصيرُ إلى
واحدٍ منهُم، ثم تطلعُ الراياتُ السودُ من قِبَلِ المشرقِ، فيقتلونَكُم قتلاً
لم يُقتَلَّهُ قومٌ، ثم ذكرَ شيئاً لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه؛ فبايعوه،
ولو حبواً على الثلج ، فإنه خليفةُ الله المهدي).
(وفي رواية :
إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان؛ فاتوها، ولو
ءُ
حبواً ... إلخ).
منكر. أخرجه ابن ماجه (٥١٨ - ٥١٩)، والحاكم (٤ / ٤٦٣ - ٤٦٤) من
طريقين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان مرفوعاً بالرواية
الأولى. وأخرجه أحمد (٥ / ٢٧٧) عن علي بن زيد، والحاكم أيضاً (٤ / ٥٠٢) من
طريق عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة به، لکن علي بن زيد - وهو
ابن جدعان - لم يذكر أبا أسماء في إسناده، وهو من أوهامه. ومن طريقه أخرجه ابن
الجوزي في كتاب ((الأحاديث الواهية)) (١٤٤٥) مختصراً، وابن حجر في ((القول
المسدد في الذب عن المسند» (ص ٤٥)، وقال:
((وعلي بن زيد فيه ضعف)).
١٩٥

وبه أعله المناوي في ((فيض القدير))، فقال:
((نقل في ((الميزان)) عن أحمد وغيره تضعيفه، ثم قال الذهبي: ((أراه حديثاً
منكراً)). وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))، قال ابن حجر:
ولم يصب، إذ ليس فيهم متهم بالكذب. انتهى)).
قلت: وفي هذا الكلام أخطاء يجب التنبيه عليها :
١ - إعلاله الحديث بابن جدعان يوهم أنه تفرد به، وليس كذلك، فقد تابعه
خالد الحذاء عند الحاكم وابن ماجه؛ كما تقدم، وهو ثقة من رجال ((الصحيحين)).
٢ - إنه یوهم أن ابن الجوزي أورده من طريق ابن جدعان، وليس كذلك، فإنما
أورده في ((الموضوعات)) (٢ / ٣٩) من طريق عمرو بن قيس عن الحسن عن أبي
عبيدة عن عبدالله - يعني ابن مسعود - مرفوعاً نحو الرواية الثانية عن ثوبان. ثم قال ابن
الجوزي :
((لا أصل له، عمرولا شيء، ولم يسمع من الحسن، ولا سمع الحسن من أبي
عبيدة)) .
قلت: ولا أبو عبيدة سمع من أبيه ابن مسعود.
وتعقبه السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٤٣٧) بحديث ابن ثوبان هذا، وقد قال
في ((الزوائد)) (ق ٢٤٩ / ٢):
((إسناده صحيح، ورجاله ثقات)).
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي! مع أنه يقول في ((الميزان)):
((أراه منكراً))؛ كما تقدم.
١٩٦

وهذا هو الصواب، وقد ذهل من صححه عن علته، وهي عنعنة أبي قلابة، فإنه
من المدلسين؛ كما تقدم نقله عن الذهبي وغيره في الحديث السابق، ولعله لذلك
ضعف الحديث ابن علية من طريق خالد كما حكاه عنه أحمد في ((العلل)) (١ /
٣٥٦)، وأقره .
لكن الحديث صحيح المعنى؛ دون قوله: ((فإن فيها خليفة الله المهدي)).
فقد أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥١٧ - ٥١٨) من طريق علقمة عن ابن مسعود
مرفوعاً نحو رواية ثوبان الثانية.
وإسناده حسن بما قبله، فإن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو مختلف فيه، فيصلح
للاستشهاد به، وليس فيه أيضاً ذكر ((خليفة الله))، ولا ((خراسان)).
وهذه الزيادة: ((خليفة الله))؛ ليس لها طريق ثابت، ولا ما يصلح أن يكون
شاهداً لها، فهي منكرة؛ كما يفيده كلام الذهبي السابق، ومن نكارتها أنه لا يجوز في
الشرع أن يُقال: فلان خليفة الله. لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص
والعجز، وقد بيَّن ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال في ((الفتاوى))
(٢ / ٤٦١) :
((وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي، أن الخليفة هو الخليفة عن الله،
مثل نائب الله، والله تعالى لا يجوز له خليفة، ولهذا ((قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله!
فقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله ( لفر، حسبي ذلك))(١)، بل هو سبحانه
يكون خليفة لغيره، قال النبي وقال :
((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١ / ١٠ -١١) نحوه، ولذلك كان الصحابة لا ینادونه إلا بـ ((يا
خليفة رسول الله!))؛ كما رواه الحاكم (٣ / ٧٩ - ٨٠) من طرق، وصحح بعضها، ووافقه الذهبي.
١٩٧
٠

سفرنا، واخلفنا في أهلنا))(١).
وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له
شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم
المستخلف؛ بموت، أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف، وسمي خليفة؛ لأنه خلف
عن الغزو وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها،
فإنه حي قيوم، شهيد، لا يموت ولا يغيب ... ولا يجوز أن يكون أحد خلفاً منه، ولا
يقوم مقامه، إنه لا سَميَّ له، ولا كفء، فمن جعل له خليفة، فهو مشرك به)).
٨٦ - (الطَّاعونُ وَخْزُ إِخوانِكُم مِن الجِنِّ).
لا أصل له بهذا اللفظ. وإن أورده ابن الأثير في مادة (وخز) من ((النهاية))؛ تبعاً
لغريبي الهروي، وإنما هو مرکب من حدیثین صحیحین كما يأتي بيانه .
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ١٤٧):
((لم أره بهذا اللفظ بعد التتُّع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث
المسندة، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضھم لـ ((مسند
أحمد))، و((الطبراني))، و((كتاب الطواعين)) لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد
منها)).
قلت: والحديث في ((مسند)) أحمد (٤ / ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٧)، وكذا
الطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ٧١)، والحاكم أيضاً (١ / ٥٠) من طرق عن
أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ :
((الطاعون وخز أعدائكم من الجن)).
(١) قلت: أخرجه بهذا اللفظ الدارمي (٢ / ٢٨٧) من حديث ابن عمر، وأحمد (٥ / ٨٣)،
وابن خزيمة (٢٥٣٣) من حديث عبدالله بن سرجس، وسندهما صحيح .
وأصلهما في ((مسلم))، وهما مخرَّجان في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٣٩).
١٩٨

وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)).
ووافقه الذهبي .
قلت: هو صحيح، أما على شرط مسلم؛ فلا، فإن فيه عند الحاكم، وكذا
أحمد في بعض طرقه أبا بلج، واسمه يحيى بن سليم، وهو ثقة، إلا أنه ليس من رجال
مسلم، وله عند أحمد طريق أخرى بسند صحيح أيضاً، وصححه الحافظ.
فهذا هو المحفوظ في الحديث: ((وخز أعدائكم)).
وأما لفظ: ((إخوانكم))، فإنما هو في حديث آخر، وهو قوله والتر:
((فلا تستنجوا بهما (يعني العظم والبقر)، فإنهما طعام إخوانكم من الجن)).
رواه مسلم وغيره، انظر ((نيل الأوطار)).
فكأنه اختلط على بعضهم هذا بالأول. قال السيوطي في ((الحاوي)):
((وأما تسميتهم إخواناً في حديث العظم؛ فباعتبار الإِيمان، فإن الأخوة في
الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس)).
وقد أطال الكلام على طرق الحديث، وبيان أنه لا أصل لهذه اللفظة:
((إخوانكم)) في شيء من طرقه الحافظ ابن حجر في كتابه القيم ((بذل الماعون في
فضل الطاعون)) (ق ٢٦ / ١ - ٢٨ / ٢).
٨٧ - (إذا صَعِدَ الخَطيبُ المِنْبَرَ؛ فلا صلاةَ، ولا كلامَ).
باطل. قد اشتهر بهذا اللفظ على الألسنة، وعُلق على المنابر، ولا أصل له!
وإنما رواه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عمرو مرفوعاً بلفظ:
(إذا دخل أحدكم المسجد، والإِمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى
١٩٩

يفرغ الإِمام)».
وفيه أيوب بن نهيك، قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١ / ١ /
٢٥٩):
(«سمعتُ أبي يقول: هو ضعيف الحديث، سمعت أبا زرعة يقول: لا أحدث
عن أيوب بن نهيك، ولم يقرأ علينا حديثه، وقال: وهو منكر الحديث)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢ / ١٨٤):
((وهو متروك، ضعفه جماعة ... )).
ولهذا قال الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٣٢٧):
((إنه حديث ضعيف)).
وأخرجه البيهقي في «سننه» (٣ / ١٩٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
((خروج الإِمام يوم الجمعة للصلاة يقطع الكلام)).
وقال :
((رفعه خطأ فاحش، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، أو الزهري)).
وأقره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٠١).
وإنما حكمت على الحديث بالبطلان؛ لأنه - مع ضعف سنده - يخالف
حدیثین صحيحين :
الأول: قوله {آلِنهي :
((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين)).
أخرجه البخاري ومسلم في ((صحيحهما)) من حديث جابر، وفي رواية أخرى
عنه قال :
جاء سليك الغطفاني ورسول الله وسلم يخطب، فقال له: ((يا سليك! قم فاركع
٢٠٠