النص المفهرس
صفحات 161-180
مرفوعاً: ((لا تذبحوا إلا مسنة ... ))، وتصحيح الحافظ ابن حجر إياه. ثم بدا لي أني كنت واهماً في ذلك؛ تبعاً للحافظ، وأن هذا الحديث الذي صححه هو وأخرجه مسلم كان الأحرى به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة، لا أن تتأول به الأحاديث الصحيحة، ذلك لأن أبا الزبير هذا مدلس، وقد عنعنه، ومن المقرر في ((علم المصطلح)) أن المدلس لا يُحتج بحديثه إذا لم يصرح بالتحديث، وهذا هو الذي صنعه أبو الزبير هنا، فعنعن، ولم يصرح، ولذلك انتقد المحققون من أهل العلم أحاديث يرويها أبو الزبير بهذا الإِسناد، أخرجها مسلم، اللهم إلا ما كان من رواية الليث بن سعد عنه، فإنه لم يرو عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فقال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي الزبير - واسمه محمد بن مسلم بن تدرُس - بعد أن ذكر فيه طعن بعض الأئمة بما لا يقدح في عدالته : «وأما أبو محمد بن حزم، فإنه یردُّ من حديثه ما يقول فیه ((عن جابر)) ونحوه؛ لأنه عندهم ممن يدلس، فإذا قال: ((سمعت))، و (أخبرنا))؛ احتجَّ به، ويحتج به ابن حزم إذا قال: ((عن)) مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة، وذلك لأن سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا الليث قال: جئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو أنني عاودته، فسألته أسَمِعَ هذا من جابر؟ فسألته، فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حدثت به، فقلت: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي)». ثم قال الذهبي : ((وفي ((صحيح مسلم)) عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء)). وقال الحافظ في ترجمته من ((التقريب»: «صدوق، إلا أنه یدلس)). ١٦١ وأورده في المرتبة الثالثة من كتابه ((طبقات المدلسين)) (ص ١٥)، وقال: ((مشهور بالتدليس، ووهم الحاكم في كتاب ((علوم الحديث))، فقال في سنده: ((وفيه رجال غير معروفين بالتدليس))! وقد وصفه النسائي وغيره بالتدليس)). وقال في مقدمة الكتاب في صدد شرح مراتبه : ((الثالثة: مَن أكثرَ من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من ردَّ حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم، كأبي الزبير المكي)). قلت: والصواب من ذلك المذهب الأول، وهو قبول ما صرحوا فیه بالسماع، وعليه الجمهور؛ خلافاً لابن حزم، فإنه يرد حدثهم مطلقاً، ولو صرحوا بالتحديث؛ كما نص عليه في أول كتابه ((الإِحكام في أصول الأحكام)) على ما أذكر، فإن يدي لا تطوله الآن، وأرى أنه قد تناقض في أبي الزبير منهم خاصة، فقد علمت مما نقلته لك عن الذهبي آنفاً أن ابن حزم يحتج به إذا قال: ((سمعت)). وهذا ما صرح به في هذا الحديث ذاته، فقال في ((المحلى)) في صدد الرد على المخالفين له (٣٦٣/٧ -٣٦٤): («هذا حجة على الحاضرين من المخالفين؛ لأنهم يجيزون الجذع من الضأن، مع وجود المسنات، فقد خالفوه، وهم يصححونه، وأما نحن فلا نصححه؛ لأن أبا الزبير مدلس ما لم يقل في الخبر إنه سمعه من جابر، هو أقر بذلك على نفسه، روینا ذلك عنه من طریق الليث بن سعد». انظر: ((الإِحكام)) (١ / ١٣٩ - ١٤٠)، ومقدمتي لـ ((مختصر مسلم)) (المكتبة الإِسلامية). وجملة القول؛ أن كل حديث يرويه أبو الزبير عن جابر أو غيره بصيغة ((عن)) ونحوها، وليس من رواية الليث بن سعد عنه، فينبغي التوقف عن الاحتجاج به، حتى یتبین سماعه، أو نجد ما یشهد له، ويعتضد به .. هذه حقيقة يجب أن يعرفها كل محب للحق، فطالما غفل عنها عامة الناس، ١٦٢ وقد كنت واحداً منهم، حتى تفضل الله علي، فعرفني بها، فله الحمد والشكر، وكان من الواجب علي أن أنبه على ذلك، فقد فعلت، والله الموفق، لا رب سواه. وإذا تبيَّن هذا، فقد كنت ذكرت قبل حديث جابر هذا حديثين ثابتين في التضحية بالجذع من الضأن، أحدهما حديث عقبة بن عامر، والآخر حديث مجاشع ابن مسعود السلمي، وفيه: ((أن الجذع يوفي مما يوفي الثني))، وكنت تأولتهما بما يخالف ظاهرهما توفيقاً بينهما وبين حديث جابر، فإذ قد تبين ضعفه، وأنه غير صالح للاحتجاج به، ولتأويل ما صح من أجله؛ فقد رجعت عن ذلك، إلى دلالة الحديثين الظاهرة في جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة، وحديث مجاشع، وإن كان بعمومه يشمل الجذع من المعز، فقد جاء ما يدل على أنه غير مراد، وهو حديث البراء قال : ((ضخَّى خالي أبو بُردة قبل الصلاة، فقال رسول الله بَله: تلك شاة لحم. فقال: يا رسول الله! إن عندي جَذَعَة من المعز، فقال: ضحِّ بها، ولا تصلح لغيرك)). وفي رواية : ((اذبحها، ولن تجزىء عن أحد بعدك)). وفي أخرى: ((ولا تجزىء جذعة عن أحد بعدك)). أخرجه مسلم (٦ / ٧٤ - ٧٦)، والبخاري نحوه. ويبدو جلياً من مجموع الروايات أن المراد بـ ((الجذعة)) في اللفظ الأخير الجذعة من المعز، فهو في ذلك كحديث عقبة المتقدم من رواية البخاري، وأما فهم ابن حزم من هذا اللفظ ((جذعة)) العموم، فيشمل عنده الجذعة من الضأن، فمن ظاهريته وجموده على اللفظ دون النظر إلى ما تدل عليه الروايات بمجموعها، والسياق والسباق، وهما من المقيِّدات؛ كما نص على ذلك ابن دقيق العيد وغيره من ١٦٣ المحققين. ذلك هو الجواب الصحيح عن حديث جابر رضي الله عنه، وأما قول الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٣٨٥): ((تنبيه: ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزىء إلا إذا عجز عن المسنة، والإِجماع على خلافه، فيجب تأويله بأن يُحمل على الأفضل، وتقديره: المستحب أن لا تذبحوا إلا مسنة)» . قلت: هذا الحمل بعيد جداً، ولو سلم فهو تأويل، والتأويل فرع التصحيح، والحديث ليس بصحيح كما عرفت، فلا مسَوِّغ لتأويله . وقد تأوله بعض الحنابلة بتأويل آخر، لعله أقرب من تأويل الحافظ، ففسر المسنة بما إذا كانت من المعز(١)! ويرد هذا ما في رواية لأبي يعلى في ((مسنده)) (ق ١٢٥ / ٢) بلفظ : ((إذا عز عليك المسان من الضأن، أجزأ الجذع من الضأن)). وهو وإن كان ضعيف السند كما بينته في ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) (رقم ١١٣١)، فمعناه هو الذي يتبادر من اللفظ الأول. ولعل الذي حمل الحافظ وغيره على ارتكاب مثل هذا التأويل البعيد هو الاعتقاد بأن الإِجماع على خلاف ظاهر الحديث، وقد قاله الحافظ كما رأيت. فينبغي أن يعلم أن بعض العلماء كثيراً ما يتساهلون في دعوى الإِجماع في أمور الخلاف فيها معروف، وعذرهم في ذلك أنهم لم يعلموا بالخلاف، فينبغي التثبت في هذه الدعوى في مثل هذه المسألة التي لا يستطيع العالم أن يقطع بنفي الخلاف فيها، كما أرشدنا الإِمام أحمد رحمه الله بقوله : (١) انظر ((منار السبيل)) (١ / ٢٧٠). ١٦٤ ((مَن ادَّعى الإِجماع فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا!)). أو كما قال. رواه ابنه عبدالله بن أحمد في «مسائله)). فمما يبطل الإِجماع المزعوم في هذه المسألة ما روى مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٤٨٢ / ٢) عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يتَّقي من الضحايا والبدن التي لم تُسن. ورواه عبدالرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر؛ قال: ((لا تجزىء إلا الثنية فصاعداً)). ذكره ابن حزم (٧ / ٣٦١)، وذكر بمعناه آثاراً أخرى، فليراجعها من شاء الزيادة . وختاماً أقول: نستطيع أن نستخلص مما سبق من التحقيق أن حديث هلال هذا: ((نعمت الأضحية الجذع من الضأن))، وكذا الذي قبله، وإن كان ضعيف المبنى، فهو صحيح المعنى، يشهد له حديث عقبة ومجاشع، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لما أوردتهما في هذه ((السلسلة))، ولأوردت بدیلهما حديث جابر هذا، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولله في خلقه شؤون. ٦٦ - (مَن عَرَفَ نَفْسَهُ؛ فقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ). لا أصل له. قال في ((المقاصد)) للحافظ السخاوي (ص ١٩٨): ((قال أبو المظفر بن السمعاني: لا يُعرف مرفوعاً، وإنما يُحكى عن يحيى بن معاذ الرازي من قوله. وكذا قال النووي: إنه ليس بثابت)). ونقل السيوطي في ((ذيل الموضوعات)) (ص ٢٠٣) كلام النووي هذا، وأقره، وقال في ((القول الأشبه)) (٢ / ٣٥١) من ((الحاوي للفتاوي)). (هذا الحدیث ليس بصحيح)). ((ونقل الشيخ القاري في ((موضوعاته)) (ص ٨٣) عن ابن تيمية أنه قال: ١٦٥ ((موضوع)). وقال العلامة الفيروزابادي - صاحب ((القاموس)) - في ((الرد على المعترضين على الشيخ ابن عربي)) (ق ٣٧ / ٢): (ليس من الأحاديث النبوية، على أن أكثر الناس يجعلونه حديثاً عن النبي وَله، ولا يصح أصلاً، وإنما يُروى في (الإِسرائيليات): یا إنسان! اعرف نفسك؛ تعرف ربك)). قلت: هذا حكم أهل الاختصاص على هذا الحديث، ومع ذلك فقد ألف بعض الفقهاء المتأخرين من الحنفية رسالة في شرح هذا الحديث! وهي محفوظة في مكتبة الأوقاف الإِسلامية في حلب، وكذلك شرح أحدهم حديث: ((كنت كنزاً مخفياً ... )) في رسالة خاصة أيضاً موجودة في المكتبة المذكورة برقم (١٣٥)، مع أنه حديث لا أصل له أيضاً! كما سيأتي (٦٠٢٣)، وذلك مما يدل على أن هؤلاء الفقهاء لم يحاولوا - مع الأسف الشديد - الاستفادة من جهود المحدثين في خدمة السنة وتنقيتها مما أُدخل فيها، ولذلك كثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم، والله المستعان . ٦٧ - (مَن قرَأَ في الفجرِ بـ ﴿أَلَمْ تَشْرَحْ﴾(١)، و﴿أَلَمْ تَرَ کیف﴾(٢)؛ لم يرمد). لا أصل له. قال السخاوي (ص ٢٠٠): ((لا أصل له، سواء أُريد بالفجر هنا سنة الصبح أو الصبح، لمخالفته سنة القراءة فيهما)). (١) سورة الانشراح. (٢) سورة الفيل. ١٦٦ يُشير إلى أن السنة في سنة الفجر: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرونَ﴾(١)، و﴿قُلْ هُو الله أحدٌ﴾(٢)، وفي فرض الفجر قراءة ستين آية فأكثر على ما هو مفصل في كتابي ((صفة صلاة النبي (مَلآ)). ٦٨ - (قراءةُ سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (٣) عقبَ الوُضوءِ). لا أصل له. كما قال السخاوي. قال: ((ورأيته في المقدمة المنسوبة للإمام أبي الليث من الحنفية، فالظاهر إدخاله فيها من غيره، وهو مفوِّت سنة)). قلت: يعني سنة القول بعد الوضوء: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)». وهو في مسلم والترمذي، واللفظ له. أو يقول: ((سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). رواه الحاكم وغيره بسند صحيح . قلت: وقوله: ((لا أصل له)) يوهم أنه لا إسناد له، وليس كذلك، كما سيأتي (١٤٤٩). ٦٩ - (مَسْحُ الرقبةِ أمانٌ مِن الغِلِّ). موضوع. قال النووي في ((المجموع شرح المهذب)) (١ / ٤٦٥): «هذا موضوع ليس من كلام النبي وَات)). (١) سورة الكافرون. (٢) سورة الإِخلاص. (٣) سورة القدر. ١٦٧ ونقله السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (ص ٢٠٣) عن النووي وأقره. وقال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٤٣٣) ما مختصره: ((أورده أبو محمد الجويني، وقال: لم يرتض أئمة الحديث إسناده، وأورده الغزالي في ((الوسيط))، وتعقبه ابن الصلاح، فقال: هذا الحديث غير معروف عن النبي ◌َّر، وهو من قول بعض السلف)). قال الحافظ : ((يحتمل أن يريد به ما رواه أبو عبيد في كتاب ((الطهور)) عن عبدالرحمن بن مهدي عن المسعودي عن القاسم بن عبدالرحمن عن موسى بن طلحة قال: ((من مسح قفاه مع رأسه وُقِي الغل يوم القيامة)). قلت: فُيُحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفاً، فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل)). قلت: لكن المسعودي كان قد اختلط، فلا حجة في حديثه لو كان مرفوعاً، فکیف وهو موقوف؟ ثم قال الحافظ (١ / ٤٣٤ - ٤٣٥): ((قال أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)): ثنا محمد بن أحمد: ثنا عبدالرحمن بن داود: ثنا عثمان بن خُرَّزاذ: ثنا عمر بن محمد بن الحسن: ثنا محمد ابن عمرو الأنصاري عن أنس بن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال رسول الله الة : ((مَن توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة)). وفي ((البحر)) للروياني: ((قرأت جزءاً رواه أبو الحسين بن فارس بإسناده عن فليح بن سليمان عن نافع ١٦٨ عن ابن عمر أن النبي ◌َّ قال: (من توضأ ومسح بيديه على عنقه وُقِي الغل يوم القيامة)). وقال : (هذا إن شاء الله حديث صحيح)). قلت (هو الحافظ): بين ابن فارس وفليح مفازة، فينظر فيها)). قلت: وحديث ابن عمر في ((تاريخ أصبهان)) (٢ / ١١٥)، وعزاه الشيخ علي القاري في ((الموضوعات)) (ص ٧٣) لـ ((مسند الفردوس)) بسند ضعيف. قلت: وعلته محمد بن عمرو الأنصاري هذا، وهو أبو سهل البصري، متفق على تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يضعفه جداً، ويقول: ((روى عن الحسن أوابد!)). وشيخ أبي نُعيم ضعيف أيضاً، وهو محمد بن أحمد بن علي بن المُحْرِمِ، قال الذهبي في ((الميزان)): ((هو من كبار شيوخ أبي نُعيم الحافظ، روى عنه الدارقطني وضعفه، وقال البرقاني : لا بأس به. وقال ابن أبي الفوارس: لم يكن عندهم بذاك، وهو ضعيف)). ثم رأيت ابن عراق قال في ((تنزيه الشريعة)) (٢ / ٧٥) بعد أن ذكر الحديث من رواية أبي نُعيم في ((التاريخ)): ((وفيه أبو بكر المفيد شيخ أبي نعيم، قال الحافظ العراقي: وهو آفته)). وسيأتي الكلام على الحديث مع زيادة تحقيق برقم (٧٤٤) أو نحوه إن شاء الله تعالی . قلت: فمثل هذا الحديث يعد منكراً، ولا سيما أنه مخالف لجميع الأحاديث الواردة في صفة وضوئه وَّ، إذ ليس في شيء منها ذكرٌ لمسحِ الرقبة، اللهم إلا في ١٦٩ حدیث طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جده قال: ((رأيت رسول الله وقليل يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال، وهو أول القفا)). وفي رواية : «ومسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج یدیه من تحت أذنيه)). أخرجه أبو داود وغيره، وذكر عن ابن عيينة أنه كان ينكره، وحُقَّ له ذلك، فإنَّ له ثلاث علل، كل واحدة منها كافية لتضعيفة، فكيف بها وقد اجتمعت، وهي : الضعف، والجهالة، والاختلاف في صحبة والد مُصَرِّف. ولهذا ضعفه النووي وابن تيمية والعسقلاني وغيرهم، وقد بينْتُ ذلك في ((ضعيف سنن أبي داود)) (رقم ١٥). ٧٠ - (مَنْ أَطْعَمَ أخاهُ خُبْزاً حتى يُشْبِعَهُ، وسقاهُ ماءً حتى يَرْوِبَهُ؛ بَعَّده الله عن النارِ سبعَ خنادِقَ، بُعد ما بين خندقينِ مسيرةُ خمسٍ مئةٍ سنهِ) . موضوع. أخرجه الدولابي في ((الكنى)) (١ / ١١٧)، ويعقوب الفسوي في ((التاريخ)) (٢ / ٥٢٧)، وابن عبدالحكم في ((فتوح مصر)) (ص ٢٥٤)، والحاكم (٤ / ١٢٩)، وكذا الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٩٥ / ١ - من زوائد المعجمين)، وابن عساكر (٦ / ١١٥ / ٢) من طريق إدريس بن يحيى الخولاني : حدثني رجاء بن أبي عطاء عن واهب بن عبدالله الكعبي عن عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعاً. وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد))! ووافقه الذهبي! وهذا من أغلاطهما الفاحشة، فإن رجاءاً هذا لم يوثقه أحد، بل هو متهم، فاسمع ما قال فيه الحاكم نفسه! فيما ذكره الذهبي نفسه في ((الميزان))! قال: ((صويلح (!) قال الحاكم: مصري صاحب موضوعات (!) وقال ابن حبان: ١٧٠ يروي الموضوعات، ثم ساق له الحديث الذي وقع لنا مسلسلاً بالمصريين)). قلت: يعني هذا. وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ١٧٢)، وأقره السيوطي في ((اللآلىء)) (٢ / ٨٧)، وعزاه في ((الجامع الكبير)) و ((الزيادة)) لـ (ن)؛ أي: النسائي، وهو وهم أو تحريف. ثم ساق الذهبي إسناده إلى رجاء به، ثم قال: «هذا حديث غريب منكر؛ تفرد به إدريس؛ أحد الزهاد)). قلت: إدريس هذا صدوق كما قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٦٥)، فالتهمة منحصرة في رجاء هذا. وزاد الحافظ في ((لسان الميزان)): ((وهذا الحديث أورده ابن حبان، وقال: إنه موضوع. وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد. فما أدري ما وجه الجمع بين كلاميه (يعني تصحيحه للحديث، وقوله في راويه: صاحب موضوعات)! كما لا أدري كيف الجمع بين قول الذهبي : صويلح. وسكوته على تصحيح الحاكم في ((تلخيص المستدرك)) مع حكايته عن الحافظين (يعني الحاكم وابن حبان) أنهما شهدا عليه برواية الموضوعات))! قلت: والحديث عزاه الهيثمي في ((المجمع)) (٢ / ١٣٠) للطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط))؛ قال: ((وفيه رجاء بن أبي عطاء، وهو ضعيف)). كذا قال، ورجاء أشد ضعفاً مما ذكر؛ كما تقدم، ومع هذا، فالهيثمي أقرب إلى الصواب من المنذري، فإنه أورد الحديث في ((الترغيب)) (٢ / ٤٨ - رقم ١٤)، ثم قال : ((رواه الطبراني في ((الكبير))، وأبو الشيخ ابن حيان في ((الثواب))، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد)). ١٧١ فأقرَّ الحاكم على تصحيحه، فأوهم أنه صحيح، وليس كذلك! وهذا هو الحامل لي على نشر هذا الحديث، وتحقيق القول في وضعه؛ كي لا يغتر أحد بزلة هؤلاء الأفاضل، فيقع الكذب على رسول الله وَالر، صاننا الله من ذلك بمنِّه وفضله. ٧١ - (التَّكبيرُ جَزْمٌ). لا أصل له. كما قال الحافظ ابن حجر، والسخاوي، وكذا السيوطي، وله رسالة خاصة في الحديث في كتابه ((الحاوي للفتاوي)) (٢ / ٧١)، وقد بيَّن فيها أنه من قول إبراهيم النخعي، وأن معنى قوله: ((جزم)): ((لا يمد))، ثم ذكر قول مَن فسره بأنه لا يُعرَبُ، بل يسكن آخره، ثم ردَّه من وجوه ثلاثة أوردها، فليراجعها من شاء. ثم إن الحديث؛ مع كونه لا أصل له مرفوعاً، وإنما هو من قول إبراهيم، فإنما يُريد به التكبير في الصلاة؛ كما يُستفاد من كلام السيوطي في الرسالة المشار إليها، فلا علاقة له بالأذان كما توهم بعضهم، فإنَّ هناك طائفة من المنتمين للسنة في مصر وغيرها تؤذن كل تكبيرة على حدة: (الله أكبر)، (الله أكبر)؛ عملاً بهذا الحديث زعموا! والتأذين على هذه الصفة مما لا أعلم له أصلاً في السنة، بل ظاهر الحديث الصحيح خلافه، فقد روى مسلم في ((صحيحه)) (٢ / ٤) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعاً: ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله ... الحديث)). ففيه إشارة ظاهرة إلى أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين، وأن السامع يجيبه كذلك. وفي ((شرح صحيح مسلم)) للنووي ما يؤيد هذا، فليراجعه من شاء. ومما يؤيد ذلك ما ورد في بعض الأحاديث أن الأذان كان شفعاً شفعاً(١). (١) انظر ((صحيح مسلم)) (٢ / ٣)، و((صحيح أبي داود)) (٥١٥ - ٥٢٢). ١٧٢ ٧٢ - (أَذَّبَنِي رَبِّي، فَأَحْسَنَ تَأْديبي). ضعيف. قال ابن تيمية في ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (٢ / ٣٣٦): «معناه صحیح، ولکن لا يُعرف له إسناد ثابت)). وأيده السخاوي والسيوطي، فراجع ((كشف الخفاء)) (١ / ٧٠). ٧٣ - (مَسْحُ العينين بباطِن أنملتي السبابتين عندَ قولِ المؤذنِ : أشهَدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ ... إلخ، وأن مَن فعل ذلك؛ حلت له شفاعته ◌َّلة) . لا يصح. رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أبي بكر رضي الله عنه مرفوعاً. قال ابن طاهر في ((التذكرة)): ((لا یصح)). كذا في ((الأحاديث الموضوعة)) للشوكاني (ص ٩)، وكذلك قال السخاوي في ((المقاصد)). ٧٤ - (عَظِّموا ضَحايكُم؛ فإنَّها على الصِّراطِ مَطايكُم). لا أصل له بهذا اللفظ. قال ابن الصلاح: ((هذا حديث غير معروف، ولا ثابت)). نقله الشيخ إسماعيل العجلوني في ((الكشف))، ومن قبله ابن الملقن في ((الخلاصة)) (١٦٤ / ٢)، وزاد : ((قلت: وأسنده صاحب الفردوس بلفظ: (استفرهوا) بدل (عظموا)؛ أي : ١٧٣ ضخُوا بالثمينة القوية السمينة)). قلت: وسنده ضعيف جداً، وسوف يأتي تحقيق الكلام عليه بإذن الله (٢٦٨٧). ٧٥ - (عَجِّلوا بالصَّلاةِ قبلَ الفَوْتِ، وعَجِّلوا بالتّوْبَةِ قبلَ المَوْتِ). موضوع. ومعناه صحيح، أورده الصغاني في ((الأحاديث الموضوعة)) (ص ٤ - ٥). ٧٦ - (النَّاسُ كلُّهُم مَوْتِى؛ إِلا العالِمونَ، والعالِمونَ كُلُّهم هَلْكى؛ إلا العاملونَ، والعامِلونَ كلُّهُم غَرْقِى؛ إِلا المُخْلِصونَ، والمُخْلِصونَ على خطرٍ عظيمٍ). موضوع. أورده الصغاني (ص ٥)، وقال: ((وهذا الحديث مُفترى ملحون، والصواب في الإِعراب: (العالمين)، و (العاملين)، و(المخلصين))). قلت: وهو شبيه بكلام الصوفية، ومثله قول سهل بن عبدالله التَّستَري : ((الناس كلهم سكارى إلا العلماء، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه)). رواه الخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (رقم ٢٢ - بتحقیقي)، ثم روی من طریق أخری عنه قال: ((الدنيا جهل وموات إلا العلم، والعلم كله حجة إلا العمل به، والعمل كله هباء إلا الإِخلاص، والإِخلاص على خطر عظيم حتى يختم به)). قلت: وهذا أقرب إلى هذا الحديث، فلعله هو أصله، رفعه بعض جهلة الصوفية . ١٧٤ ٧٧ - (لا مهدي إلا عیسی). منكر. أخرجه ابن ماجه (٢ / ٤٩٥)، والحاكم (٤ / ٤٤١)، وابن الجوزي في ((الواهيات)) (١٤٤٧)، وابن عبدالبر في ((جامع العلم)) (١ / ١٥٥)، وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (٣ / ٣ / ٢، ٤ /٥،١/٩ / ٢٢ / ٢)، والسِّلَفي في ((الطيوريات)) (٦٢ / ١)، والخطيب (٤ / ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجَنَدي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس مرفوعاً بلفظ: ((لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحاً، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم)). قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث : الأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد کان یدلس. الثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي، فإنه مجهول؛ كما قال الحافظ في ((التقريب)) تبعاً لغيره كما يأتي. الثالثة : الاختلاف في سنده. قال البيهقي: قال أبو عبدالله الحافظ : ((محمد بن خالد مجهول، واختلفوا عليه في إسناده، فرواه صامت بن معاذ؛ قال: ثنا يحيى بن السكن: ثنا محمد بن خالد ... فذكره. قال صامت: عدلت إلى الجَنَد مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فوجدت هذا الحديث عنده عن محمد بن خالد عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلاً. قال البيهقي : فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد الجندي، وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، عن الحسن عن النبي ◌َّر، وهو منقطع، والأحاديث في .التنصيص على خروج المهدي أصح البتة إسناداً)). نقله في ((التهذيب)). ١٧٥ وقال الذهبي في ((الميزان)): ((إنه خبر منكر)). ثم ساق الرواية الأخيرة عن ابن أبي عياش عن الحسن مرسلاً، ثم قال: «فانکشف ووهی)). وقال الصغاني : ((موضوع))؛ كما في ((الأحاديث الموضوعة)) للشوكاني (ص ١٩٥). ونقل السيوطي في ((العرف الوردي في أخبار المهدي)) (٢ / ٢٧٤ - من الحاوي) عن القرطبي أنه قال في ((التذكرة)): (إسناد ضعيف، والأحاديث عن النبي بَليل في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة؛ أصح من هذا الحدیث، فالحكم بها دونه)). وقد أشار الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ٣٨٥) إلى رد هذا الحديث لمخالفته لأحادیث المهدي . وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم؛ ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادَّعى النبوة، ثم ادَّعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناءً على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم من يتبنّاها ويدعو إليها، وقد ألَّفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضُّلَّال، ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودي رحمه الله في الرد عليها، وكتابه الآخر الذي صدر أخيراً بعنوان ((البيانات))، فقد بيَّن فيهما حقيقة القاديانيين، وأنهم مرقوا من دين المسلمين بأدلة لا تقبل الشك، فليرجع إليهما من شاء. (تنبيه): قوله في هذا الحديث: ١٧٦ ((ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)). هذه الجملة منه صحيحة ثابتة عنه وهو من حديث عبدالله بن مسعود! خرجه مسلم وأحمد. ٧٨ - (سُؤرُ المُؤْمِن شِفاءٌ). لا أصل له. قال الشيخ أحمد الغَزِّي العامري في ((الجد الحثيث)) (رقم ١٦٨ - من نسختي): «لیس بحدیث)). وأقرَّ الشيخ العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١ / ٤٥٨). قلت: وأما قول الشيخ علي القاري في ((موضوعاته)) (ص ٤٥): ((هو صحيح من جهة المعنى؛ لرواية الدارقطني في ((الأفراد)) من حديث ابن عباس مرفوعاً ((من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه))، أي: المؤمن)). فيقال له كما تعلمنا منه في مثل هذه المناسبة: ((ثَبِّتِ العرشَ ثم انْقُش))! فإن هذا الحديث غير صحيح أيضاً، وبيانه فيما بعد، على أنه لو صح لما كان شاهداً له! كيف وليس فيه أن سؤر المؤمن شفاء؛ لا تصريحاً ولا تلويحاً. فتأمل. ٧٩ - (مِن التَّواضُعِ أنْ يشرَبَ الرَّجُلُ مِن سؤرِ أخيهِ، ومَن شَرِبَ مِن سؤرِ أخيهِ ابتغاءَ وجْهِ اللهِ تعالى؛ رُفِعَتْ لهُ سَبعونَ درجةً، ومُحِيَتْ عنهُ سبعونَ خطيئةً، وكُتِبَ له سبعونَ درجةً). موضوع. أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣ / ٤٠) برواية الدارقطني من طريق نوح بن أبي مريم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً به. وقال ابن الجوزي : ١٧٧ «تفرَّد به نوح، وهو متروك)). وتعقّبه السيوطي في ((اللآلىء المصنوعة)) (٢ / ٢٥٩ - طبع المكتبة الحسينية) بقوله : ((قلت: له متابع، قال الإِسماعيلي في ((معجمه)) (ق ١٢٣ / ٢ - مصورة الجامعة الإِسلامية): أخبرني علي بن محمد بن حاتم أبو الحسن القومسي : حدثنا جعفر بن محمد الحداد القومسي : حدثنا إبراهيم بن أحمد البلخي: حدثنا الحسن ابن رشيد المروزي عن ابن جريج، وعنه (يعني المروزي هذا) ثلاثة أنفس، فيه لين)). (الأصل: ((فيهم))، وهو خطأ). قلت: بل الحسن هذا منكر الحديث، فقد قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١ / ٢ / ١٤) بعد أن نقل عن أبيه أنه مجهول: ((يدل حديثه على الإِنكار، وذلك أنه روى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: من صبر في حر مكة ساعة؛ باعد الله عز وجل منه جهنم سبعين خريفاً، ومَن مشى في طريق مكة ساعة؛ كل قدم يضعها ترفع له درجة، والأخرى حسنة)). وفي ((اللسان)): «وقال العقيلي فيه: «في حديثه وهم، ویحدث بمناکیر))، ثم ساق حديث ابن عباس الذي استنكره ابن أبي حاتم، وقال: هذا حديث باطل لا أصل له)). والحديث رواه السهمي الجرجاني في ((تاريخ جرجان)) (٢٦٢) من طريق شيخه أبي بكر الإسماعيلي قال: حدثنا علي بن محمد بن حاتم بن دينار أبو الحسن القومسي، وكان صدوقاً ... إلخ، وقال: ((قال شيخنا أبو بكر الإسماعيلي: إبراهيم بن أحمد، والحسن بن رشيد مجهولان)) . ١٧٨ ومما أوردنا يتبين أن هذه المتابعة لا تُسمن ولا تغني من جوع؛ لشدة ضعفها، وجهالة الراوي عنها، فلا قيمة لتعقُّب السيوطي على ابن الجوزي، ولعله يشير لهذا صنيع الشوكاني في ((الأحاديث الموضوعة)) (ص ٦٨)، حيث ساق الحديث، ثم اکتفی في تخريجه علی قوله : ((رواه الدارقطني، وفي إسناده متروك)). فلم يتعرض للمتابعة المزعومة بذکر! قلت: ونوح هذا كان من أهل العلم، وكان يسمى : الجامع، لجمعه فقه أبي حنيفة، ولكنه متَّهم في الرواية، قال أبو علي النيسابوري : ((كان كذاباً)). وقال أبو سعيد النقاش : ((روى الموضوعات)). وقال الحاكم : ((هو مقدَّم في علومه، إلا أنه ذاهب الحديث بمرة، وقد أفحش أئمة الحديث القول فيه ببراهين ظاهرة)). وقال أيضاً: ((لقد كان جامعاً، رُزق كُلَّ شيء إلا الصدق! نعوذ بالله تعالى من الخذلان)). وكذا قال ابن حبان، وقد أورد الحافظ برهان الدين الحلبي في رسالة ((الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث))؛ كما في ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية)) (ص ٢٢١). ثم إن للحديث علة أخرى لم أرَ مَن تنَّه لها، وهي عنعنة ابن جريج، فإنه على جلالة قدره كان مدلساً. ١٧٩ قال الإِمام أحمد : ((بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها. يعني قوله: أخبرت، وحدثت عن فلان)). كذا في ((الميزان)). وقال الدارقطني : «تجنّب تدلیس ابن جريج فإنه قبیح التدلیس، لا یدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما)). كذا في ((التهذيب)). فإن سلم الحديث من ابن أبي مريم والحسن بن رشيد، فلن يسلم من تدليس ابن جريج . ٨٠ - (المَهْدِيُّ مِن وَلَدِ العَبَّاسِ عَمِّي). موضوع. أخرجه الدارقطني في ((الأفراد)) (ج ٢ رقم ٢٦ من أصلي المنقول عن مخطوطة الظاهرية)، وعنه الديلمي (٤ / ٨٤)، وابن الجوزي في ((الواهيات)) (١٤٣١) من طريق محمد بن الوليد القرشي: ثنا أسباط بن محمد وصِلة بن سليمان الواسطي عن سليمان التيمي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان مرفوعاً. وقال الدارقطني : ((غريب، تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم بهذا الإِسناد)). قلت: وهو متهم بالكذب. قال ابن عدي : ((كان يضع الحديث)). وقال أبو عَروبة : ١٨٠