النص المفهرس

صفحات 141-160

ومما سبق تعلم أن السيوطي لم يحسن صنعاً بإيراده هذه الأحاديث الثلاثة في
((الجامع الصغير))؛ خلافاً لشرطه الذي ذكرته أكثر من مرة.
٥٧ - (اختلافُ أُمَّتي رحمَةٌ).
لا أصل له. ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند، فلم يوفّقوا، حتى
قال السيوطي في ((الجامع الصغير)):
((ولعله خُرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا))!
وهذا بعيد عندي، إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه وَصَلَّ، وهذا
مما لا يليق بمسلم اعتقاده .
ونقل المناوي عن السبكي أنه قال :
((وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا
موضوع)).
وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على ((تفسير البيضاوي)) (ق ٩٢ / ٢).
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن
حزم في ((الإِحكام في أصول الأحكام)) (٥ / ٦٤) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:
((وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة؛ لكان الاتفاق
سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو
سخط)) .
وقال في مكان آخر:
((باطل مكذوب))؛ كما سيأتي في كلامه المذكور عند الحديث (٦١).
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيراً من المسلمين يقرُّون بسببه
١٤١

الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبداً الرجوع بها إلى
الكتاب والسنة الصحيحة، كما أمرهم بذلك أئمتهم رضي الله عنهم، بل إن أولئك
ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة(١)! يقولون هذا
مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها
المخالف للدليل، وقبول بعضها الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون! وبذلك فقد
نسبوا إلى الشريعة التناقض! وهو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا
يتأملون قوله تعالى في حق القرآن: ﴿ولوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجدوا فيهِ اخْتِلافاً
كَثِيراً﴾(٢)، فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله
شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟!
وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم
مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف
شر؛ كما قال ابن مسعود وغيره رضي الله عنهم، ودلت على ذمه الآيات القرآنية،
والأحاديث النبوية الكثيرة؛ لَسَعَوْا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل
بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من
الباطل، ثم عذر بعضهم بعضاً فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم
يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة؟!
وإن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف، والإِصرار عليه، فانظر إلى كثير من
المساجد؛ تجد فيها أربعة محاريب، يصلي فيها أربعة من الأئمة! ولكل منهم جماعة
ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة! وكيف لا وعالمهم يقول:
إن مذاهبهم کشرائع متعددة! يفعلون ذلك، وهم يعلمون قوله ێ :
(١) كما صرح المناوي في ((فيض القدير)) (١ / ٢٠٩) !!
(٢) النساء: ٨٢.
١٤٢

((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاةً إلا المكتوبة)).
٤
رواه مسلم وغيره(١).
ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب؛
كأن المذهب معظّم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه عليه الصلاة والسلام!
وجملة القول؛ أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص
منه ما أمكن؛ لأنه من أسباب ضعف الأمة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعوا فَتَفْشَلوا
وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(٢)، أما الرضا به، وتسميته رحمة، فخلاف الآيات الكريمة
المصرحة بذمه، ولا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله وَلتر .
وهنا قد یرد سؤال، وهو:
إن الصحابة قد اختلفوا - وهم أفاضل الناس - أفيلحقهم الذم المذكور؟!
وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى، فقال (٥ / ٦٧ - ٦٨):
((كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كل امرىءٍ منهم تحرَّى سبيل الله،
ووجهته الحق، فالمخطىء منهم مأجور أجراً واحداً، لنيته الجميلة في إرادة الخير،
وقد رُفع عنهم الإِثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا
بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خَفِيَ
عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق
بحبل الله تعالى وهو القرآن، وكلام النبي وسير بعد بلوغ النص إليه، وقيام الحجة به
عليه، وتعلق بفلان وفلان، مقلداً عامداً للاختلاف، داعياً إلى عصبية وحمية
الجاهلية، قاصداً للفُرقة، متحرياً في دعواه برد القرآن والسنة إليها؛ فإن وافقها النص
أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ◌َّ؛ فهؤلاء هم
(١) وهو مخرَّج في ((الإِرواء)) (٤٩٧)، و((صحيح أبي داود)) (١١٥).
(٢) الأنفال: ٤٦ .
١٤٣

المختلفون المذمومون .
وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق
أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين له
غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسوله وَ ﴿)). اهـ.
ويشير في آخر كلامه إلى ((التلفيق)) المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم
بدون دليل، وإنما اتباعاً للهوى، أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه، والحق تحريمه
لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحى من هذا الحديث، وعليه استند من
قال :
((من قلد عالماً؛ لقي الله سالماً)!
وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن في حذر منها إن كنت ترجو النجاة
﴿وَيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنونَ إِلَّ مَن أَتَى اللّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(١).
٥٨ - (أصْحابي كالنجوم ،
بأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُم؛ اهْتَدَيْتُم).
موضوع. رواه ابن عبدالبر في ((جامع العلم)) (٢ / ٩١)، وابن حزم في
((الإِحكام)) (٦ / ٨٢) من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن غصين حن
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبدالبر:
((هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول)).
وقال ابن حزم :
((هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب
الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك)).
(١) الشعراء: ٨٨ - ٨٩.
١٤٤

قلت: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم - ويقال: ابن سليمان وهو
الطويل - أولى، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش:
((كذاب)).
وقال ابن حبان :
((روى أحاديث موضوعة)).
وأما أبو سفيان، فليس ضعيفاً كما قال ابن حزم، بل هو صدوق؛ كما قال
الحافظ في ((التقريب))، وأخرج له مسلم في ((صحيحه)).
والحارث بن غصين مجهول كما قال ابن حزم، وكذا قال ابن عبدالبر، وإن ذكره
ابن حبان في ((الثقات))، ولهذا قال أحمد :
((لا يصح هذا الحديث))؛ كما في ((المنتخب)) لابن قدامة (١٠ / ١٩٩ / ٢).
وأما قول الشعراني في ((الميزان)) (١ / ٢٨):
((وهذا الحديث، وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل
الكشف))؛ فباطل،، وهراء لا يلتفت إليه! ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق
الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل
لها، کهذا الحدیث؛ لأن الکشف أحسن أحواله ۔ إن صح ۔ أن یکون کالرأي، وهو
يخطىء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا
یرضیه .
وروي الحديث عن أبي هريرة بلفظ :
((مثل أصحابي))، وسيأتي (برقم ٤٣٨).
وروي نحوه عن ابن عباس، وعمر بن الخطاب، وابنه عبدالله .
أما حديث ابن العباس، فهو:
١٤٥
٠

٥٩ - (مَهْما أُوتِيتُم مِن كتابِ اللهِ؛ فالعملُ بِهِ لا عُذرَ لأحدِكُم في
تركِهِ، فإنْ لم يكُنْ في كتابِ اللهِ؛ فسنةٌ مني ماضيةٌ، فإن لم يكن سنةٌ
منِّي ماضيةٌ؛ فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلةِ النجومِ في
السماءِ، فأيها أخذتُم بهِ؛ اهتَدَيْتُم، واختلافُ أصحابي لكُم رحمةٌ).
موضوع. أخرجه الخطيب في ((الكفاية في علم الرواية)) (ص ٤٨)، ومن قبله
أبو العباس الأصم في الثاني من ((حديثه رقم ١٤٢ من نسختي))، وعنه البيهقي في
((المدخل)) (رقم ١٥٢)، والديلمي (٤ /٧٥)، وابن عساكر (٧ / ٣١٥ / ٢) من
طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ سليمان بن أبي كريمة؛ قال ابن أبي حاتم
(٢ / ١ / ١٣٨) عن أبيه :
((ضعيف الحديث)).
وجويبر؛ هو ابن سعيد الأزدي، متروك، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما،
وضعفه ابن المديني جداً.
والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي، لم يلق ابن عباس، وقال البيهقي عقبه :
((هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد)).
والحديث أورد منه الجملة الأخيرة الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١ /
٢٥)، وأورده السيوطي بتمامه في أول رسالته ((جزيل المواهب في اختلاف المذاهب))
من رواية البيهقي في ((المدخل)).
ثم قال العراقي :
((وإسناده ضعيف)).
والتحقيق أنه ضعيف جداً؛ لما ذكرنا من حال جويبر، وكذلك قال السخاوي
١٤٦

في ((المقاصد))، ولكنه موضوع من حيث معناه، لما تقدم ويأتي .
فإذا عرفت هذا، فمن الغريب قول السيوطي في الرسالة المشار إليها:
((في هذا الحديث فوائد، منها إخباره ومسليه باختلاف المذاهب بعده في الفروع،
وذلك من معجزاته؛ لأنه من الإخبار بالمغيبات، ورضاه بذلك وتقريره علیه، حيث
جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء ... ))!
فيُقال له: أثبت العشر ثم انقش، وما ذكره من التخيير باطل، لا يمكن لمسلم
أن يلتزم القول والعمل به على إطلاقه؛ لأنه يؤدي إلى التحلل من التكاليف الشرعية
كما لا يخفى .
وانظر الكلام على الحديث الآتي (٦٣).
ومما سبق؛ تعلم أن تصحيح الشيخ مهدي حسن الشاهجهانبوري لهذا
الحديث في كتابه ((السيف المجلى على المحلى)) (ص ٣)، وقوله: إنه حديث
مشهور؛ ليس بصحيح، بل هو مخالف لأقوال أهل العلم بهذا الفن كما رأيت.
وله مثله كثير، فانظر الحديث (٨٧).
وأما حديث عمر بن الخطاب، فهو:
٦٠ - (سألتُ رَبِّي فيما اخْتَلَفَ فيهِ أصْحابي مِن بعدي، فأوْحى
الله إليَّ: يا محمد! إنَّ أصحابَكَ عندي بمنزلَةِ النجومِ في السماءِ،
بعضُها أضْوَأُ مِن بعضٍ ، فَمَنْ أَخَذَ بشيءٍ ممَّا همْ عليهِ مِن اختلافِهِم؛
فهو عندي علی هُدى).
موضوع. رواه ابن بطة في ((الإبانة)) (٤ / ١١ / ٢)، والخطيب أيضاً، ونظام
الملك في ((الأمالي)) (١٣ / ٢)، والديلمي في («مسنده)) (٢ / ١٩٠)، والضياء في
١٤٧

((المنتقى من مسموعاته بمرو)) (١١٦ / ٢)، وكذا ابن عساكر (٦ / ٣٠٣ / ١) من
طريق نعيم بن حماد: ثنا عبدالرحيم بن زيد العَمِّي عن أبيه عن سعيد بن المسيب
عن عمر بن الخطاب مرفوعاً .
١
وهذا سند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف؛ قال الحافظ :
((يخطىء كثيراً)).
وعبدالرحيم بن زيد العمي كذاب؛ كما تقدم (٥٣)، فهو آفته، وأبوه خير منه.
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) برواية السجزي في ((الإِبانة))،
وابن عساکر عن عمر. وقال شارحه المناوي :
((قال ابن الجوزي في ((العلل)): هذا لا يصح، نعيم مجروح، وعبدالرحيم؛
قال ابن معين: كذاب. وفي ((الميزان)): هذا الحديث باطل)).
ثم قال المناوي :
((ظاهر صنيع المصنف أن ابن عساكر أخرجه ساكتاً عليه، والأمر بخلافه، فإنه
تعقبه بقوله: قال ابن سعد: زيد العَمِّي أبو الحواري كان ضعيفاً في الحديث. وقال
ابن عدي: عامة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء. ورواه عن عمر أيضاً البيهقي. قال
الذهبي: وإسناده واه)).
قلت: وروى ابن عبدالبر عن البزار أنه قال في هذا الحديث:
((وهذا الكلام لا يصح عن النبي ◌َّر، رواه عبدالرحيم بن زيد العمي عن أبيه
عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي ◌ُّر، وربما رواه عبدالرحيم عن أبيه عن
ابن عمر (كذا في الموضعين: ابن عمر، والظاهر أن لفظة (ابن) مقحمة من الناسخ
في الموضع الأول)، وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد؛ لأن
أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي ◌َّ، وقد رُوِيَ
عن النبي ﴾ بإسناد صحيح:
١٤٨

((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ))(١).
وهذا الكلام يعارض حديث عبدالرحيم لو ثبت، فكيف ولم يثبت؟! والنبي وَل
لا يُبیح الاختلاف بعده من أصحابه)).
ثم روى عن المزني رحمه الله أنه قال:
((إن صح هذا الخبر؛ فمعناه: فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن
على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم؛ فلو كان عند أنفسهم
كذلك ما خطَّأ بعضهم بعضاً، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى
قول صاحبه، فتدبر».
قلت: الظاهر من ألفاظ الحديث خلاف المعنى الذي حمله عليه المزني رحمه
الله، بل المراد ما قالوه برأيهم، وعليه يكون معنى الحديث دليلاً آخر على أن الحديث
موضوع؛ ليس من كلامه ولا*، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصور أن النبي وَل يجيز لنا أن
نقتدي بكل رجل من الصحابة، مع أن فيهم العالم، والمتوسط في العلم، ومن هو
دون ذلك! وكان فيهم مثلاً مَن يرى أن البَرَدّ لا يفطر الصائم بأكله! كما سيأتي ذكره
بعد حدیث.
وأما حديث ابن عمر؛ فھو:
٦١ - (إِنَّما أصْحابي مثلُ النُّجومِ، فَأَيُّهُم أخَذْتُم بقولِهِ؛
اهْتَدَيْتُم).
موضوع. ذكره ابن عبدالبر معلقاً (٢ / ٩٠)، وعنه ابن حزم من طريق أبي
شهاب الحناط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً به .
(١) وهو من حديث العرباض بن سارية، وقد خرجته في ((الإِرواء)) (٢٤٥٥)، و((ظلال
الجنة)) (٣١ و٥٤).
١٤٩

وقد وصله عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٨٦ / ١): أخبرني أحمد
ابن یونس : حدثنا أبو شهاب به .
ورواه ابن بطة في ((الإبانة)» (٤ / ١١ / ٢) من طريق آخر عن أبي شهاب به .
ثم قال ابن عبدالبر:
((وهذا إسناد لا يصح، ولا يرويه عن نافع من يحتج به)).
قلت: وحمزة هذا هو ابن أبي حمزة؛ قال الدارقطني :
((متروك)).
وقال ابن عدي :
((عامة مروياته موضوعة)).
وقال ابن حبان :
(ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية
عنه)) .
وقد ساق له الذهبي في ((الميزان)) أحاديث من موضوعاته، هذا منها.
قال ابن حزم (٦ / ٨٣):
((فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلاً، بل لا شك أنها مكذوبة؛ لأن الله
تعالى يقول في صفة نبيه وَ له: ﴿وما يَنْطِقُ عن الهَوَى. إنْ هُو إِلاَ وَحْيٌ يوحِى﴾(١)؛
فإذا كان كلامه عليه الصلاة والسلام في الشريعة حقاً كله وواجباً؛ فهو من الله تعالى
بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه؛ لقوله تعالى : ﴿ولَوْ كانَ مِن عنْدِ غیرِ
اللهِ لَوَجِدوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾(٢).
(١) النجم: ٣ - ٤.
(٢) النساء: ٨٢.
١٥٠

وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله: ﴿ولا تَنَازَعوا﴾(١)، فمن المحال
أن يأمر رسوله وَ له باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم من يحلل
الشيء، وغيره يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً؛ اقتداء بسمرة بن
جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً؛ اقتداء بأبي طلحة، وحراماً اقتداء بغيره
منهم، ولكان ترك الغسل من الإِكسال واجباً اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب
وأبي بن كعب، وحراماً اقتداء بعائشة وابن عمر، وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد
الصحيحة)).
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطؤوا فيها السنة،
وذلك في حياته وَلير، وبعد مماته، ثم قال (٦ / ٨٦):
((فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟!)).
وقال قبل ذلك (٥ / ٦٤) تحت (باب: ذم الاختلاف):
((وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين
الإِسلام، وما صح عن رسول الله وَلا ير الذي أمره الله تعالى ببيان الدين ... فصح أن
الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلاً، وقد غلط قوم، فقالوا: الاختلاف رحمة.
واحتجوا بما رُوي عن النبي ◌َلتر: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. قال:
وهذا الحديث باطل مكذوب، من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضرورية :
أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل.
والثاني: أنه وَّ لم يُجِزْ أن يأمر بما نهى عنه، وهو عليه السلام قد أخبر أن أبا
بكر قد أخطأ في تفسيرِ فسره، وكذَّب (٢) عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطًأ أبا
السنابل في فتيا أفتى بها في العدة، فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون
(١) الأنفال: ٤٦ .
(٢) قلتُ: يعني: خطَّه؛ كما في بعض لغات العرب.
١٥١

عليه السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ تعالى الله عن
ذلك، وحاشا له وَلّ من هذه الصفة، وهو عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنهم
يخطئون، فلا يجوز أن يأمرَنا باتباع من يخطىء؛ إلا أن يكون عليه السلام أراد نقلهم
لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم رضي الله عنهم كلهم ثقات، فمن أيهم نقل، فقد
اهتدى الناقل .
والثالث: أن النبي و ل# لا يقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه
للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد جهة مطلع الجدي؛ فأمَّ
جهة مطلع السرطان؛ لم يهتد، بل قد ضل ضلالاً بعيداً، وأخطأ خطأ فاحشاً، وليس
كل النجوم يُهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك
الحديث وسقوطه وضوحاً ضرورياً)). اهـ.
ونقل خلاصته ابن الملقن في ((الخلاصة)) (١٧٥ / ٢)، وأقره، وبه ختم كلامه
على الحديث، فقال:
((وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصح قط)).
وروي هذا الحديث بلفظ آخر:
٦٢ - (أهْلُ بَيْتِي كالنُّجومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُم؛ اهْتَدَيْتُم).
موضوع. وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذاب، وقد وقفت عليها، وهي من
رواية أبي نعيم الأصبهاني؛ قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن القاسم بن الريان
المصري المعروف بـ (اللَّكِّي)(١) - بالبصرة في نهر دبيس قراءة عليه في صفر سنة سبع
وخمسين وثلاث مئة، فأقر به؛ - قال: نا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط ابن
شريط أبو جعفر الأشجعي بمصر - سنة اثنتين وسبعين ومئتين - قال: حدثني أبي
(١) نسبة إلى (اللُّك)، بُليدة في برقة المغرب.
١٥٢

إسحاق بن إبراهيم بن نبيط قال: ثني أبي إبراهيم بن نبيط عن جده نبيط بن شريط
مرفوعاً.
قلت: فذكر أحاديث كثيرة؛ هذا منها (ق ١٥٨ / ٢).
وقد قال الذهبي في هذه النسخة :
((فيها بلايا! وأحمد بن إسحاق لا يحل الاحتجاج به، فإنه كذاب)).
وأقره الحافظ في ((اللسان)).
قلت: والراوي عنه أحمد بن القاسم اللَِّّي ضعيف.
والحديث أورده ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٢ / ٤١٩) تبعاً لأصله ((ذيل
الأحاديث الموضوعة)) للسيوطي (ص ٢٠١)، وكذا الشوكاني في ((الفوائد المجموعة
في الأحاديث الموضوعة)) (ص ١٤٤)؛ نقلاً عن ((المختصر))، لكن وقع فيه: ((نسخة
نبيط الكذاب))، فكأنه سقط من النسخة لفظة (ابن)، وهو أحمد بن إسحاق نسب إلى
جده، وإلا فإن نبيطاً صحابي .
٦٣ - (إِنَّ البَرَدَ ليسَ بِطعامٍ ولا بِشرابٍ).
منكر. أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٣٤٧)، وأبو يعلى في
(«مسنده)) (ق ١٩١ / ٢)، والسِّلَفي في ((الطيوريات)) (٧ / ١ -٢)، وابن عساكر
(٦ / ٣١٣ / ٢) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال:
((مطرت السماء بَرَداً، فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل
وهو صائم، وذلك في رمضان! فقلت: أتأكل البرد وأنت صائم؟ فقال: إنما هو برد
نزل من السماء، نطهر به بطوننا، وإنه ليس بطعام ولا بشراب! فأتيتُ رسول الله وَه،
فأخبرته بذلك، فقال: خذها عن عمك)).
قلت: وهذا سند ضعيف، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف؛ كما قال الحافظ
١٥٣

في ((التقريب))، وقال شعبة بن الحجاج:
((حدثنا علي بن زيد، وكان رَفَّاعاً)).
يعني أنه كان يخطىء، فيرفع الحديث الموقوف، وهذا هو علة هذا الحديث،
فإن الثقات رووه عن أنس موقوفاً على أبي طلحة، خلافاً لعلي بن زيد الذي رفعه إلى
النبي وَليز، فأخطأ، فرفعه منكر، فقد أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٩)، وابن عساكر (٦ /
٣١٣ / ٢) من طريق شعبة عن قتادة، وحميد عن أنس قال:
((مُطرنا برداً، وأبو طلحة صائم، فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟!
فقال: إنما هذا بركة)»!
وسنده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حزم في ((الإِحكام))
وأخرجه الطحاوي من طريق خالد بن قيس عن قتادة، ومن طريق حماد بن
سلمة عن ثابت، كلاهما عن أنس به نحوه.
:
(٦ / ٨٣).
ورواه البزار موقوفاً، وزاد:
((فذكرتُ ذلك لسعيد بن المسيب، فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ)».
قال البزار:
((لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة)).
فثبت أن الحديث موقوف ليس فيه ذكر النبي ◌َليو، وإنما أخطأ في رفعه ابن
جدعان كما جزم بذلك الطحاوي .
والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ١٧١ - ١٧٢) مرفوعاً، ثم قال:
(رواه أبو يعلى، وفيه علي بن زيد، وفيه كلام، وقد وُثُّقَ، وبقية رجاله رجال
الصحیح)).
١٥٤

وأورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (ص ١١٦) من رواية الديلمي
بإسناد يقول فيه كل من رواته: «أصَمَّ الله هاتين إن لم أكن سمعتُه من فلان)».
ولكن ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (١ / ١٥٩) رد عليه حكمه عليه بالوضع، ونقل
عن الحافظ ابن حجر أنه قال في ((المطالب العالية)):
((إسناده ضعيف)).
ثم ختم ابن عراق كلامه بقوله :
((ولعل السيوطي إنما عنى أنه موضوع بهذه الزيادة من التسلسل، لا مطلقاً.
والله أعلم)).
قلت: وهذا الحديث الموقوف من الأدلة على بطلان الحديث المتقدم:
«أصحابي كالنجوم بأيهم اقدیتم اهتدیتم))؛ إذ لو صح هذا لكان الذي يأكل البرَد في
رمضان لا يفطر اقتداء بأبي طلحة رضي الله عنه، وهذا مما لا يقوله مسلم اليوم فيما
أعتقد .
٦٤ - (نِعْمَ أو نِعْمَتِ الأُضْحِيَةُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ).
ضعيف. أخرجه الترمذي (٢ / ٣٥٥)، والبيهقي (٩ / ٢٧١)، وأحمد (٢ /
٤٤٤ - ٤٤٥) من طريق عثمان بن واقد عن كدام بن عبدالرحمن عن أبي كباش قال:
(«جلبت غنماً جذعاناً إلى المدينة، فكسدت علي، فلقيت أبا هريرة، فسألته؟
فقال: سمعت رسول الله وَ ليل يقول: (فذكر الحديث). قال: فانتهبه الناس)).
وقال الترمذي :
((حديث غريب)).
يعني ضعيف، ولذا قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ١٢):
«وفي سنده ضعف)).
١٥٥

وبين علته ابن حزم، فقال في ((المحلى)) (٧ / ٣٦٥):
((عثمان بن واقد مجهول، وكدام بن عبدالرحمن لا ندري من هو، عن أبي
كباش الذي جلب الكباش الجذعة إلى المدينة، فبارت عليه، هكذا نص حديثه،
وهنا جاء ما جاء أبو كباش، وما أدراك ما أبو كباش، ما شاء الله كان!)).
کأنه یتهم أبا کباش بهذا الحديث، وهو مجهول مثل الراوي عنه كدام، وقد
صرح بذلك الحافظ في ((التقريب)).
وأما عثمان بن واقد؛ فليس بمجهول، فقد وثقه ابن معين وغيره، وقال أبو داود:
ضعيف.
وللحديث علة أخرى، وهي الوقف، فقال البيهقي عقبه:
((وبلغني عن أبي عيسى الترمذي قال: قال البخاري: رواه غير عثمان بن واقد
عن أبي هريرة موقوفاً)).
وله طريق اخر بلفظ :
((جاء جبريل إلى النبي ول# يوم الأضحى، فقال: كيف رأيت نسكنا هذا؟ قال:
لقد باهى به أهل السماء، واعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من الثنية من الإِبل
والبقر، ولو علم الله ذبحاً أفضل منه لفدى به إبراهيم عليه السلام)).
وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني. قال البيهقي :
«تفرد به، وفي حديثه ضعف)).
قلت: وهو متفق على ضعفه، وقد أورده العقيلي في ((الضعفاء))، وساق له
حديثاً، وقال:
«لا أصل له)).
ثم ساق له هذا الحدیث، ثم قال:
١٥٦
1

(یروي عن زياد بن ميمون - وكان يكذب - عن أنس)).
ومن أوهى التعقّب ما تعقّب به ابن التركماني قول البيهقي المتقدم، فقال:
((قلت: ذكر الحاكم في ((المستدرك)» هذا الحدیث من طريق إسحاق المذكور،
ثم قال: صحيح الإِسناد))!
قلت: وكل خبير بهذا العلم الشريف يعلم أن الحاكم متساهل في التوثيق
والتصحيح، ولذلك لا يلتفت إليه، ولا سيما إذا خالف، ولهذا لم يقره الذهبي في
((تلخيصه)) على تصحيحه، بل قال (٤ / ٢٢٣):
«قلت: إسحاق هالك، وهشام لیس بمعتمد، قال ابن عدي : مع ضعفه یکتب
حديثه)) .
وليس يخفى هذا على مثل ابن التركماني لولا الهوى! فإن هذا الحديث يدل
على جواز الجذع في الأضحية، وهو مذهب الحنفية، وابن التركماني منهم، ولما
كانت الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة لا يحتج بها، أراد أن يقوي بعضها بالاعتماد
علی تصحیح الحاكم! ولو أن تصحیحه کان على خلاف ما یشتهیه مذهبه لبادر إلى
ردِّه متذرعاً بما ذكرناه من التساهل! وهذا عيب كبير في مثل هذا العالم النِّحرير،
وعندنا على ما نقول أمثلة أخرى كثيرة لا فائدة كبيرة من ذكرها.
:
ومن الأحاديث المشار إليها :
٦٥ - (يجوزُ الجذعُ مِن الضّانِ أُضحِيَةً).
Qu
ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢ / ٢٧٥)، والبيهقي، وأحمد (٦ / ٣٣٨) من
طريق محمد بن أبي يحيى مولى الأسلميين عن أمه عن أم بلال بنت هلال عن أبيها
مرفوعاً.
وهذا سند ضعيف من أجل أم محمد بن أبي يحيى، فإنها مجهولة كما قال ابن
١٥٧

حزم (٧ / ٣٦٥)، وقال:
((وأم بلال مجهولة، ولا ندري لها صحبة أم لا)).
قال السُّنْدي :
((قال الدَّميري: أصاب ابن حزم في الأول، وأخطأ في الثاني، فقد ذكر أم بلال
في الصحابة ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبدالبر. ثم قال الذهبي في ((الميزان)): إنها
لا تعرف. ووثقها العجلي)).
قلت: الحق ما قاله ابن حزم فيها، فإنها لا تُعرف إلا في هذا الحديث، ومع
أنه ليس فيه التصريح بصحبتها، ففي الإِسناد إليها جهالة كما علمت، فأَنَّى ثبوت
الصحبة لها؟!
ثم من الغرائب أن يسكت الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤ / ٢١٧ -٢١٨) على
هذا الحدیث مع ثبوت ضعفه!
وفي الباب أحاديث أخرى أوردها ابن حزم في ((المحلى)) (٧ / ٣٦٤ - ٣٦٥)،
وضعفها كلها، وقد أصاب إلا في تضعيفه لحديث عقبة بن عامر، قال:
((ضحينا مع رسول الله وَ لو بجذع من الضأن)).
أخرجه النسائي (٢ / ٢٠٤)، والبيهقي (٩ / ٢٧٠) من طريق بكير بن الأشج
عن معاذ بن عبدالله بن خبیب عنه .
وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، وإعلال ابن حزم له بقوله :
((ابن خبيب هذا مجهول))؛ غير مقبول، فإن معاذاً هذا وثقه ابن معين، وأبو
داود، وابن حبان، وقال الدارقطني :
((ليس بذاك)).
ولهذا قال الحافظ في ((الفتح)) بعد أن عزاه للنسائي:
١٥٨

«سنده قوي)).
لكن رواه أحمد (٤ / ١٥٢) من طريق أسامة بن زيد عن معاذ به بلفظ :
((سألت رسول الله وغ فر عن الجذع؟ فقال: (ضح به، لا بأس به))).
وإسناده حسن، وهو يخالف الأول في أنه مطلق، وذاك خاص في الضأن،
وعلى الأول فيمكن أن يُراد به الجذع من المعز، وتكون خصوصية لعقبة؛ لحديثه
الآخر قال :
((قسم النبي والر بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول
الله! صارت لي جذعة (وفي رواية: ((عتود))، وهو الجذع من المعز) قال: ضح بها)).
أخرجه البخاري (١٠ / ٣ - ٤ و٩ - ١٠)، والبيهقي (٩ / ٢٧٠)، وزاد:
((ولا أرخصه(١) لأحد فيها بعد)).
ويمكن أن يُحمل المطلق على الضأن أيضاً، بدليل حديث أسامة، وعليه
يحتمل أن يكون ذلك خصوصية له أيضاً، أو كان ذلك لعذر مثل تعذر المسنة من
الغنم، وغلاء سعرها، وهذا هو الأقرب؛ لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال:
((كنا نؤمر علينا في المغازي أصحاب محمد يسير، وكنا بفارس، فغلت علينا يوم
النحر المسان، فكنا نأخذ المسنة بالجذعين والثلاثة، فقام فينا رجل من مزينة، فقال:
(كنا مع رسول الله وَلير، فأصبنا مثل هذا اليوم، فكنا نأخذ المسنة بالجذعين والثلاثة،
فقال رسول الله ( *: إن الجذع يوفي مما يوفي الثني)).
أخرجه النسائي، والحاكم (٤ / ٢٢٦)، وأحمد (٢٦٨)، وقال الحاكم:
«حدیث صحیح)).
وهو كما قال.
(١) كذا الأصل، ولعل الصواب: ((ولا رخصة)).
١٥٩

وقال ابن حزم (٧ / ٢٦٧):
((إنه في غاية الصحة)).
ورواه أبو داود (٢ / ٣)، وابن ماجه (٢ / ٢٧٥)، والبيهقي (٩ / ٢٧٠)
مختصراً، وفي روايتهم تسمية الصحابي بـ ((مجاشع بن مسعود السلمي))، وهو رواية
للحاكم .
فهذا الحديث يدل بظاهره على أن الجذعة من الضأن إنما تجوز عند غلاء سعر
المسانِّ وتعسُّرها.
ويؤيده حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعاً:
((لا تذبحوا إلا مسنَّة، إلا أن يعسُر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)).
أخرجه مسلم (٦ / ٧٢)، وأبو داود (٢ / ٣) (٣ / ٣١٢، ٣٢٧)، وقال
الحافظ في ((الفتح)):
((إنه حديث صحيح)).
وخلاصة القول؛ أن حديث الباب لا يصح، وكذا ما في معناه، وحديث جابر
وعاصم بن كليب على خلافها، فالواجب العمل بهما، وتأويلهما من أجل أحاديث
الباب لا يسوغ؛ لصحتهما وضعف معارضهما. والله أعلم.
(فائدة): المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم، وهي من الغنم
والبقر ما دخل في السنة الثالثة، ومن الإِبل ما دخل في السادسة .
والجذع من الضأن ما له سنة تامة على الأشهر عند أهل اللغة وجمهور أهل
العلم؛ كما قال الشوكاني وغيره.
(استدراك): ذلك ما كنت كتبته سابقاً منذ نحو خمس سنوات، وكان محور
اعتمادي في ذلك على حديث جابر المذكور من رواية مسلم عن أبي الزبير عنه
١٦٠