النص المفهرس
صفحات 101-120
أصبهان)) (٢ / ٧)، والخطيب في ((الموضح)) (٢ / ٥٠) عن درید بن نافع عن أبي
منصور الفارسي مرفوعاً به .
وهذا سند ضعيف، فإن أبا منصور هذا مختلف في صحبته، وقد قال البخاري :
«حدیثه مرسل)).
والراوي عنه دريد؛ قال أبو حاتم :
((هو شيخ))؛ كما في ((الجرح والتعديل)) لابنه (١ / ٢ / ٤٣٨).
وقال ابن حبان في ((الثقات)) (٢ / ٨٢):
((هو مستقيم الحدیث)).
وقد اضطرب عليه فيه، فرواه من ذكرنا عنه هكذا، ورواه الخطيب من طريق
أخرى عنه عن منصور مولى ابن عباس مرفوعاً. والله أعلم.
وقد رُوي الحديث بألفاظ وطرق أخرى لا تخلو من كذاب، أذكر ثلاثة منها:
٢٧ - (الحِدَّةُ تَعْتَرِي حَمَلَةَ القُرآنِ؛ لِعِزَّةِ القُرآنِ في أجْوافِهِم).
موضوع. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٧ / ٢٥٢٩ - بيروت)(١) من طريق
وهب بن وهب بسنده عن معاذ بن جبل مرفوعاً به. وقال:
((وهب يضع الحديث)). وقال العقيلي (٤ / ٣٢٥ - دار الكتب):
((أحاديثه كلها بواطيل)).
وأورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) برواية ابن عدي عن معاذ، فقال المناوي :
((وفيه وهب بن وهب بن كثير؛ قال في الميزان: قال ابن معين: يكذب. وقال
أحمد: يضع. ثم سرد له أخباراً ختمها بهذا، ثم قال: وهذه أحاديث مكذوبة)).
ومنها :
(١) هذه الطبعة فيها أخطاء كثيرة عجيبة، مع ادعاء الناشر أنه قام على تحقيقها لجنة من
المختصين بإشراف الناشر! ومن هذه الأخطاء في هذا الحديث أنه وقع فيها (لقوة) مكان (لعزة)!
١٠١
٢٨ - (الحِدَّةُ لا تَكونُ إِلا في صالحي أُمَّتي وأبرارِها، ثم تفيء).
موضوع. رواه ابن بشران في ((الأمالي)) (٢٣ / ٦٩ / ٢) عن بشر بن الحسين
عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعاً .
قلت: وبشر هذا كذاب، والحديث ذكره السيوطي برواية الديلمي في ((مسند
الفردوس» عن أنس، وقال شارحه المناوي :
((رواه الديلمي من حديث بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس. وبشر
هذا قال الذهبي : قال الدارقطني: متروك)).
قلت: وزاد الذهبي في ترجمته من ((الميزان)):
((وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير. وقال ابن حبان: يروي بشر بن الحسين
عن نسخة موضوعة شبيهاً بمئة وخمسين حديثاً)).
قلت: ومنها هذا الحديث كما نقله الذهبي في ترجمته، لكن بلفظ :
((ليس أحد أحق بالحدة من حامل القرآن؛ لعزة القرآن في جوفه)).
وبهذا اللفظ رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (١ / ١٤١) من طريق بشر، وساق له
أحاديث أخرى، وقال:
((وله غير حديث من هذا النحو، مناكير كلها)).
وقد أورده السيوطي برواية أبي نصر السجزي في ((الإِبانة))، والديلمي في
«مسند الفردوس)) عن أنس.
وتعقبه المناوي هنا بما نقلناه عن الذهبي من تكذيب أبي حاتم لبشر هذا، وزاد :
((وفي ((اللسان)) عن ابن حبان: لا ينظر في شيء رواه عن الزبير إلا على جهة
التعجب، وكذبه الطيالسي)).
ومن الغرائب أن السيوطي أورد حديث معاذ وحديث أنس بلفظيه في ((ذيل
الأحاديث الموضوعة)) (ص ٢٤) مستدركاً لهما على ابن الجوزي، ثم أوردهما في
١٠٢
((الجامع الصغير)) الذي نص في مقدمته أنه صانه عما تفرَّد به كذاب أو وضاع! وهذه
كلها من رواية الكذابين! ونحوه في المناوي في ((التيسير))؛ فإنه قال في حديث أنس :
«إسناده ضعيف))!
ومنها :
٢٩ - (خِيارُ أُمَّتي أَحِدَّاؤهم، إذا غَضِبوا؛ رجَعوا).
باطل. رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٢١٧ - الظاهرية)، وتمام في
((الفوائد)) (٢٤٩ / ٢)، وابن شاذان في ((فوائد ابن قانع وغيره)) (١٦٣ / ٢)، والسِّلَفي
في ((الطيوريات)) (١٤٠ / ٢) من طريق عبد الله بن قنبر: حدثني أبي قنبر عن علي
مرفوعاً. وقال العقيلي عقبه:
((عبدالله لا يُتابع على حديثه من جهة تثبت)).
قلت: وعبدالله هذا؛ قال الأزدي :
((تركوه)). وساق له الذهبي في ترجمته هذا الحديث، وقال:
((خبر باطل)). وأقره العسقلاني .
والحديث رواه الطبراني في ((الأوسط)) بسند فيه يغنم بن سالم بن قنبر، وهو
كذاب؛ كما قال الهيثمي (٨ / ٦٨)، والسخاوي (ص ١٨٧)، وعزاه للبيهقي أيضاً
في ((الشعب))، واقتصر الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣ / ١٤٦) على
تضعيف سند الحديث، وهو قصور، إلا أن يلاحظ أن الحديث الموضوع من أنواع
الضعيف، فلا إشكال.
وخلاصة القول: إن هذه الأحاديث في الحدة كلها موضوعة إلا حديث دوید
عن أبي منصور الفارسي الذي تقدم لفظه برقم (٢٦)؛ فضعيف لإِرساله. والله أعلم.
ومن آثار هذه الأحاديث السيئة أنها توحي للمرء بأن يظل على حدته، وأن لا
١٠٣
يعالجها؛ لأنها من خلق المؤمن! وقد وقع هذا، فإني ناظرت شيخاً متخرجاً من الأزهر
في مسألة لا أذكرها الآن، فاحتد في أثنائها، فأنكرت عليه حدته، فاحتج عليَّ بهذا
الحديث! فأخبرته بأنه ضعيف، فازداد حدة، وافتخر عليَّ بشهادته الأزهرية، وطالبني
بالشهادة التي تؤهلني لأن أنكر عليه! فقلت: قوله {يَّلة: ((مَن رأى منكم منكراً ... ))
الحديث! رواه مسلم. وهو مخرج في ((تخريج مشكلة الفقر)) (٦٦)، و((صحيح أبي
داود)» (١٠٣٤)، وغيرهما .
٣٠ - (الخيرُ فيَّ وفي أُمَّتي إلى يومِ القِيامَةِ).
لا أصلَ له. قال في ((المقاصد)»:
((قال شيخنا - يعني: ابن حجر العسقلاني -: لا أعرفه)).
وقال ابن حجر الهيتمي الفقيه في ((الفتاوى الحديثية)) (١٣٤):
((لم يرد هذا اللفظ)).
قلت: ولذلك أورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (رقم ١٢٢٠
بترقیمي)، ویغني عن هذا الحدیث قوله {الآن :
((لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي
أمر الله وهم كذلك)).
أخرجه مسلم، والبخاري بنحوه، وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة،
وهو مخرج في ((الصحيحة))، فانظر ((صحيح الجامع)) (٧١٦٤-٧١٧٣).
٣١ - (الدُّنيا خطوةُ رجلٍ مُؤمِنٍ).
لا أصلَ له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (١ / ١٩٦):
((لا يعرف عن النبي ◌ََّ، ولا [عن] غيره من سلف الأمة، ولا أئمتها)).
وأورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعات)) برقم (١١٨٧).
١٠٤
٣٢ - (الدُّنيا حرامٌ على أهل الآخرةِ، والآخرةُ حَرامُ على أهل
الدُّنيا، والدُّنيا والآخرةُ حرامٌ على أهلِ اللهِ).
موضوع. وهو من الأحاديث التي شوه بمثلها السيوطي ((الجامع الصغير))،
وعزاه للديلمي في ((مسند الفردوس)) عن ابن عباس. وقد تعقبه المُناوي بقوله:
((وفيه جبلة بن سليمان؛ أورده الذهبي في ((الضعفاء))، وقال: قال ابن معين:
ليس بثقة)).
قلت: حريٌّ بمن روى هذا الخبر أن يكون غير ثقة، بل هو كذاب أشر، فإنه
خبر باطل لا يشك في ذلك مؤمن عاقل، إذ كيف يحرم رسول الله ير على المؤمنين
أهل الآخرة ما أباحه الله لهم من التمتع بالدنيا وطيباتها؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُو
الذي خَلَقَ لكم ما في الأرضِ جَميعاً﴾(١)، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللهِ التي أُخْرَجَ
لعبادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ قُلْ هِيَ للذينَ آمَنوا في الحَياةِ الدُّنيا خالصةً يومَ القيامةِ﴾(٢).
ثم كيف يجوز أن يقال: إن رسول الله و لل حرم الدنيا والآخرة معاً على أهل الله
تعالى، وما أهل الله إلا أهل القرآن؛ القائمين به، والعاملين بأحكامه، وما الآخرة إلا
جنة أو نار، فتحريم النار على أهل الله مما أخبر به الله تعالى، كما أنه تعالى أوجب
الجنة للمؤمنين به، فكيف يقول هذا الكذاب: إن رسول الله وَ ل﴿ حَرَّم عليهم الآخرة،
وفيها الجنة التي وُعد المتقون، وفيها أعز شيء عليهم، وهي رؤية الله؛ كما قال سبحانه:
وجوهُ يومَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾(٣). وهل ذلك إلا في الآخرة؟ وقال ◌َله :
((إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون:
ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فما
أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿للذينَ أَحْسَنُوا
الحُسْنى وزيادة﴾(٤)). رواه مسلم وغيره.
(١) البقرة: ٢٩.
(٢) الأعراف: ٣٢.
(٣) القيامة: ٢٢ - ٢٣ .
(٤) يونس: ٢٦.
١٠٥
والذي أراه أن واضع هذا الحديث هو رجل صوفي جاهل، أراد أن يبث في
المسلمين بعض عقائد المتصوفة الباطلة، التي منها تحريم ما أحل الله بدعوى تهذيب
النفس، كأن ما جاء به الشارع الحكيم غير كاف في ذلك حتى جاء هؤلاء يستدركون
على خالقهم سبحانه وتعالى! ومن شاء أن يطلع على ما أشرنا إليه من التحريم
فليراجع كتاب ((تلبيس إبليس)) للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، ير العجب العجاب.
ثم وقفتُ على إسناد الديلمي في ((مسنده)) (٢ / ١٤٨) فرأيته قد أخرجه من
طريق عبد الملك بن عبدالغفار: حدثنا جعفر بن محمد الأبهري: حدثنا أبو سعيد
القاسم بن علقمة الأبهري : حدثنا الحسن بن علي بن نصر الطوسي : حدثنا محمد
ابن حرب: حدثنا جبلة بن سليمان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً.
أقول: فإن لم تكن العلة من جبلة، أو عنعنة ابن جريج، فهي من أحد الثلاثة
الذين دون الطوسي، فإني لم أعرفهم. والله أعلم.
٣٣ - (الدُّنيا ضَرَّةُ الآخِرَةِ).
لا أصل له عن النبي ◌َر. كما في ((الكشف)) وغيره، وإنما يُروى من كلام
عيسى عليه السلام نحوه .
٣٤ - (احْذَروا الدُّنيا؛ فإِنَّها أَسْحَرُ مِن هاروتَ وماروتَ).
منكر لا أصل له. قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣ / ١٧٧):
((رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في ((الشعب)) من طريقه من رواية أبي الدرداء
الرهاوي مرسلاً، وقال البيهقي: إن بعضهم قال: عن أبي الدرداء عن رجل من
الصحابة. قال الذهبي: لا يُدرى من أبو الدرداء؟ قال: وهذا منكر لا أصل له)).
قلت: وقد أقره الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (٦ / ٣٧٥).
ومَن ظن أن أبا الدرداء هذا هو الصحابي فقد أخطأ، وعليه جرى فيما يظهر
١٠٦
السيوطي في ((الجامع)) وفي ((الدر المنثور)) (١ / ١٠٠)، حيث قال: ((عن أبي
الدرداء))، فأطلقه ولم يقيده، وتبعه في ذلك المناوي، حيث لم يتعقبه بشيء في
((الفيض))، وإنما قال:
((ولم يرمز له بشيء، وهو ضعيف؛ لأن فيه هشام بن عمار (الأصل: كمال،
وهو تحريف). قال الذهبي: قال أبو حاتم: صدوق، وقد تغير، وكان كلما لقن
يتلقن. وقال أبو داود: حدث بأرجح من أربع مئة حديث لا أصل لها)).
وهذا الإِعلال فيه نظر، فإن للحديث طريقين عن أبي الدرداء كما يستفاد من
اللسان، فالعلة الحقيقية هي جهالة أبي الدرداء هذا .
ورواه ابن عساكر (٢ / ٣٣٣ / ٢) من قول أرطاة بن المنذر، فالظاهر أنه من
الإِسرائيليات.
(تنبيه): كنت قد خرجت الحديث مسلّماً بما قاله الحافظ معزوّاً لابن أبي الدنيا
والبيهقي، ثم طبع الكتابان والحمد لله، ووقفت على إسناده وقول البيهقي عقبه: إن
فيه علة أخرى، وإنه ليس له طريق أخرى؛ خلافاً لقول الحافظ، فرأيت أنه لا بدَّ لي
من بیان ذلك، فأقول:
١ - أما العلة؛ فتتبين بعد سوق السند، فقال ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٥٤
/ ١٣٢) - ومن طريقه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧ / ٣٣٩ / ١٠٥٠٤) -: حدثني
أبو حاتم الرازي: ثنا هشام بن عمار: ثنا صدقة - يعني : ابن خالد - عن عتبة بن أبي
حكيم: ثنا أبو الدرداء الرهاوي ...
وقال البيهقي: ((وقال غيره: عن هشام بإسناده عن رجل من أصحاب النبي
. ((3
قلت: فالعلة عتبة هذا؛ فقد قال الحافظ: ((صدوق يخطىء كثيراً)).
٢ - وأما الطريق؛ فقد قال الذهبي في ((الميزان)): ((أبو الدرداء الرهاوي عن
١٠٧
رجل له صحبة بحديث: ((اتقوا الدنيا ... ))؛ لا يُدرَى مَن ذا؟ والخبر منكر لا أصل
له».
فقال الحافظ عقبه: ((أخرجه البيهقي في ((الشعب)) من روايته عن أبي الدرداء
به، وأخرجه أيضاً من طريق أخرى عن أبي الدرداء مرسلاً، وهو عند ابن أبي الدنيا في
((ذم الدنيا)) من هذا الوجه)).
قلت: إذا تأملت الإِسناد المذكور من رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي؛ علمت
أنها ليست طريقاً أخرى، وإنما هي الأولى عن أبي الدرداء الرهاوي مرسلاً؛ فهو من
أوهام الحافظ رحمه الله، ويؤكد ذلك قول البيهقي المتقدم: ((وقال غيره: عن
هشام ... )) إلخ، ومن الواضح أنه يعني بضمير (غيره) أبا حاتم الرازي، فهذه طريق
أخرى مع كونها معلقة، ولكنها عن هشام وليست عن أبي الدرداء كما وهم الحافظ،
فالطريق عنه في الحقيقة واحدة، غاية ما في الأمر أن أبا حاتم الحافظ رواه عن هشام
بإسناده الضعيف عنه مرسلاً، ورواه غيره - وهو مجهول - عنه به عن أبي الدرداء عن
الصحابي، والمرسل هو الصحيح على ضعفه، فهذا ما لزم بيانه .
٣٥ - (مَنْ أَذَّنَ؛ فَلْيُقِمْ).
لا أصل له بهذا اللفظ. وإنما روي بلفظ: ((من أذن فهو يقيم)).
رواه أبو داود، والترمذي، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ / ٢٦٥ - ٢٦٦)،
وابن عساكر (٩ / ٤٦٦ - ٤٦٧)، وغيرهم من طريق عبدالرحمن بن زياد الإِفريقي
عن زياد بن نعيم الحضرمي عن زياد بن حارث الصدائي مرفوعاً .
وهذا سند ضعيف من أجل الإِفريقي هذا. قال الحافظ في ((التقريب)):
((ضعيف في حفظه)). وضعفه الترمذي، فقال عقب الحدیث:
((إنما نعرفه من حديث الإِفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث)).
١٠٨
وضعف الحديث أيضاً البغوي في ((شرح السنة)) (٢ / ٣٠٢)، وارتضاه الإِمام
النووي في ((المجموع)) (٣ / ١٢١)، وأشار لتضعيفه البيهقي في ((سننه الكبرى)) (١
/ ٤٠٠).
وأما قول ابن عساكر: ((هذا حديث حسن))؛ فلعله يعني حسن المعنى.
وقد ذهب إلى توثيق الإفريقي المذكور بعض الفضلاء المعاصرين، وبناء عليه
ذهب إلى أن حديثه هذا صحيح! وذلك ذهول منه عن قاعدة: ((الجرح مقدم على
التعديل إذا تبين سبب الجرح))، وهو بيِّن هنا، وهو سوء الحفظ.
وقد أنكر عليه هذا الحديث وغيره سفيان الثوري .
وروي الحديث عن ابن عمر، ولكنه ضعيف أيضاً، رواه عبد بن حميد في
((المنتخب من مسنده)) (٨٨ / ٢)، وأبو أمية الطرسوسي في ((مسند ابن عمر)) (٢٠٢
/ ١)، وابن حبان في ((الضعفاء)) (١ / ٣٢٤)، والبيهقي، والطبراني (٣ / ٢٧ /٢)،
والعقيلي في ((الضعفاء)) (ص ١٥٠).
وضعفه البيهقي أيضاً، فقال:
((تفرد به سعيد بن راشد، وهو ضعيف)).
وكذا قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) (٣ / ١٠)؛ قال:
((وضعف حديثه هذا أبو حاتم الرازي، وابن حبان في (الضعفاء)).
وعنه رواه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((أربعون حديثاً)) (ص ٢٤).
قلت: ونص كلام أبي حاتم كما في ((علل الحديث)) لابنه، قال (رقم ٣٢٦):
((وقال أبي: هذا حديث منكر، وسعيد ضعيف الحديث، وقال مرة: متروك
الحديث)).
وقد بسطت الكلام على ضعف هذا الحديث في كتابي ((ضعيف سنن أبي داود))
١٠٩
(رقم ٨٣).
وأما قول العقيلي عقب حديث ابن عمر:
((وقد رُوي هذا المتن بغير هذا الإِسناد من وجه صالح)).
فإن أراد طريق الإِفريقي، فهو غير مسلّم؛ لما عرفت من ضعفه، والعقيلي نفسه
أورده في ((الضعفاء)) (٢٣٢).
وإن أراد طريقاً ثالثاً فلم أعرفه .
ورواه ابن عدي (٢٩٥ / ١) من حديث ابن عباس، وفيه محمد بن الفضل بن
عطية، وهو متهم بالكذب - كما تقدم -.
وقال ابن عدي :
((عامة حديثه لا يتابعه الثقات عليه)).
ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه سبب لإِثارة النزاع بين المصلين، كما وقع
ذلك غيرما مرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ویرید بعض
الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلا أن يعترض عليه محتجاً بهذا
الحديث، ولم يدر المسكين أنه حديث ضعيف لا يجوز نسبته إليه وية، فضلاً عن أن
يمنع به الناس من المبادرة إلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إقامة الصلاة.
٣٦ - (حُبُّ الوطن من الإِيمانِ).
موضوع. كما قال الصَّغاني (ص ٧) وغيره.
ومعناه غیر مستقیم، إذ إن حب الوطن کحب النفس والمال ونحوه، كل ذلك
غريزي في الإِنسان، لا يمدح بحبه، ولا هو من لوازم الإِيمان، ألا ترى أن الناس
كلهم مشتركون في هذا الحب، لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟!
١١٠
٣٧ - (يأتي على الناسِ زمانٌ هم فيه ذِئابٌ، فَمَنْ لمْ يَكُنْ ذِئباً؛
أَكَلَتْهُ الذِّئابُ).
ضعيف جداً. أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣ / ٨٠) من طريق
الدارقطني بسنده إلى زياد بن أبي زياد الجصاص: حدثنا أنس بن مالك مرفوعاً.
وقال :
((قال الدارقطني: تفرد به زياد، وهو متروك)).
وقال السيوطي في ((اللآلىء)) (٢ / ١٥٦):
((قلت: قال في ((الميزان)): هو مجمع على تضعيفه، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: ربما يهم. والحديث أخرجه الطبراني في (الأوسط)).
قلت: وبرواية الطبراني أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٧ / ٢٨٧، ٨ /٨٩)،
وأعله بقوله :
((وفيه من لم أعرفهم)).
٣٨ - (مَن أَخْلَصَ للهِ أربعينَ يَوماً؛ ظَهَرَتْ يَنابيعُ الحِكْمَةِ على
لِسانِهِ).
ضعيف. أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥ / ١٨٩) من طريق محمد بن
إسماعيل: ثنا أبو خالد يزيد الواسطي: أنبأنا الحجاج عن مكحول عن أبي أيوب
الأنصاري مرفوعاً به. وقال أبو نعيم:
((كذا رواه يزيد الواسطي متصلاً، ورواه أبو معاوية عن الحجاج فأرسله)).
قلتُ: ثم ساقه من طريق هنَّاد بن السري: ثنا أبو معاوية عن حجاج عن
مکحول مرسلاً.
١١١
وكذلك رواه الحسين المروزي في ((زوائد الزهد)) (٢٠٤ / ١ من الكواكب /
٥٧٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣ / ٢٣١)، وهناد في ((الزهد)) (رقم ٦٧٨)
من طريقه عن حجاج به .
فالحدیث إذاً عن حجاج عن مکحول مرسل، ووصله لا يصح، وقد أورده ابن
الجوزي في ((الموضوعات)) (٣ / ١٤٤) من طريق أبي نعيم الموصول، ثم قال:
((لا يصح، يزيد بن أبي يزيد عبدالرحمن الواسطي كثير الخطأ، وحجاج
مجروح، ومحمد بن إسماعيل مجهول، ولا يصح سماع مكحول لأبي أيوب)).
وتعقبه السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (٢ / ١٧٦) بقوله:
((قلت: اقتصر العراقي في ((تخريج الإحياء)) على تضعيف الحديث، وله طريق
عن مكحول مرسل، ليس فيه محمد بن إسماعيل ولا يزيد)).
قلت: ثم ذكره من طريق أبي نعيم وغيره عن حجاج عن مکحول مرسلًا،
وسكت عليه، وهو ضعيف؛ لأن حجاجاً - وهو ابن أرطاة - مدلس، وقد عنعنه، ثم هو
مرسل، والحديث أورده الصغاني في ((الأحاديث الموضوعة)) (ص ٧).
ثم وجدت له طريقاً آخر، رواه القضاعي (٣٠ / ١) عن عامر بن سيار قال: نا
سوار بن مصعب عن ثابت عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً، وقال:
((كأنه يريد بذلك من يحضر العشاء الآخرة والفجر في جماعة، ومن حضرها
أربعين يوماً يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان)).
لكنْ سوار هذا متروك؛ كما قال النسائي وغيره.
٣٩ - (مَن نامَ بْدَ العَصْرِ، فاخْتُلِسَ عقلُهُ؛ فلا يَلومَنَّ إِلا نَفْسَهُ).
ضعيف. أخرجه ابن حبان في ((الضعفاء والمجروحين)) (١ / ٢٨٣) من طريق
خالد بن القاسم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة
١١٢
مرفوعاً. أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣ / ٦٩)، وقال:
((لا يصح، خالد كذاب، والحديث لابن لهيعة، فأخذه خالد، ونسبه إلى
اللیث)).
قال السيوطي في ((اللآلىء)) (٢ / ١٥٠):
((قال الحاكم وغيره: كان خالد يُدخِل على الليث من حديث ابن لهيعة)).
ثم ذكره السيوطي من طريق ابن لهيعة، فمرة قال: عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده مرفوعاً، ومرة قال عن ابن شهاب عن أنس مرفوعاً .
وابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه، وقد رواه على وجه ثالث؛ أخرجه ابن عدي
في ((الكامل)) (ق ٢١١ / ١)، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (٥٣) عنه عن عقيل عن
مكحول مرفوعاً مرسلاً، أخرجاه من طريق مروان، قال: قلت لليث بن سعد - ورأيته
نام بعد العصر في شهر رمضان -: يا أبا الحارث! ما لك تنام بعد العصر وقد حدثنا
ابن لهيعة ... ؟ فذكره. قال الليث: لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل!
ثم رواه ابن عدي من طريق منصور بن عمار: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده.
قلت: ولقد أعجبني جواب الليث هذا، فإنه يدل على فقه وعلم، ولا عجب،
فهو من أئمة المسلمين، والفقهاء المعروفين، وإني لأعلم أن كثيراً من المشايخ اليوم
يمتنعون من النوم بعد العصر، ولو كانوا بحاجة إليه، فإذا قيل له: الحديث فيه
ضعيف. أجابك على الفور: ((يُعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال))!
فتأمل الفرق بين فقه السلف، وعلم الخلف!
والحديث رواه أبو يعلى، وأبو نعيم في ((الطب النبوي)) (١٢ / ٢ - نسخة
السفرجلاني) عن عمرو بن حصين عن ابن علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة
عن عائشة مرفوعاً.
١١٣
وعمرو بن الحصين هذا كذاب؛ كما قال الخطيب وغيره، وهو راوي حديث
العدس، وهو:
٤٠ - (عليكُمْ بالقَرْعِ ؛ فإنَّهُ يَزِيدُ في الدِّماغِ ، وعَهُمْ
بالعَدَس ؛ فإنّه قُدِّسَ على لسانٍ سبعينَ نبيًّا).
موضوع. رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٢ / ٦٢ - رقم ١٥٢) من طريق عمرو
المذكور آنفاً عن ابن علائة عن ثور عن مكحول عن واثلة.
وقال السيوطي في ((اللآلىء)) (٢ / ١٥١) بعد أن ساقه من هذا الوجه:
(وعمرو وشيخه متروکان)).
قلت: ومع هذا فقد أورده في ((الجامع الصغير))!
قال الزركشي في ((اللآلىء المنثورة في الأحاديث المشهورة)) (رقم ١٤٣ -
نسختي) :
((ووجدت بخط ابن الصلاح أنه حديث باطل ... سُئل عنه ابن المبارك؟
فقال: ولا على لسان نبي واحد! إنه لمؤذ ينفخ!)).
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢٩٤ - ٢٩٥) من عدة طرق،
وحكم عليه بالوضع. قال المناوي :
((ودندن عليه المؤلف ولم يأت بطائل)).
وكذلك أورد حديث العدس هذا الصغاني في ((الأحاديث الموضوعة)) (ص
٩)، وكذا ابن القيم، فقال في ((المنار)) (ص ٢٠):
((ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى
وأشباههم!)).
١١٤
وأقره علي القاري في ((موضوعاته)) (ص ١٠٧).
وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٢٧ / ٢٣):
((حديث مكذوب مختلق باتفاق أهل العلم، ولكن العدس هو مما اشتهاه
اليهود، وقال الله لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلونَ الذي هُو أَدْنى بالذي هُو خيرٌ﴾(١))).
ومن أحاديث عمرو بن الحصين هذا الكذاب :
٤١ - (مَن أصابَ مالاً مِن نهاوش؛ أُذْهَبَهُ الله في نهابر).
لا يصح. رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (ق ٣٧ / ٢)، والرامهرمزي في
((الأمثال)) (ص ١٦٠) عن عمرو بن الحصين قال: نا محمد بن عبدالله بن علاثة قال:
نا أبو سلمة الحمصي مرفوعاً .
قلت: وهذا إسناد ساقط، عمرو هذا كذاب كما سبق مراراً، وقال السخاوي
في ((المقاصد)) (رقم ١٠٦١):
«عمرو متروك، وأبو سلمة؛ واسمه سلیمان بن سلم، وهو کاتب يحيى بن جابر
قاضي حمص، لا صحبة له، فهو مع ضعفه مرسل، وقد عزاه الدیلمي لیحیی بن جابر
هذا، وهو أيضاً ليس بصحابي)).
وقال التقي السبكي في ((الفتاوى)) (٢ / ٣٦٩): ((إنه لا يصح))، وله كلام طويلٌ
في نقضه! وقد ذكر العسكري في ((التصحيفات)) (١ / ٢٢٩) عن أبي عبيد أنه غير
محفوظ .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع)) لابن النجار عن أبي سلمة الحمصي.
وتعقبه المناوي بأن أبا سلمة هذا تابعي مجهول. قاله في ((التقريب)) كأصله، وبأن
عمراً متروك.
(١) البقرة: ٦١ .
١١٥
(نهاوش) بالنون؛ من نهش الجثة، جمع (نهواش)، أو (هواش)؛ من
(الهوش) الجمع: وهو كل مال أصيب من غير حله، و(الهواش): ما جمع من مال
حرام .
(نهابُر) بنون أوله، أي: مهالك، وأمور مبددة، جمع (نهبر)، وأصل النهابر
مواضع الرمل إذا وقعت بها رجل بعير لا تكاد تخلص. والمراد أن من أخذ شيئاً من
غير حله، كنهب، أذهبه الله في غير حله. كذا في ((فيض القدير)).
٤٢ - (الأنبياءُ قادةٌ، والفقهاءُ سادةٌ، ومجالِسُهم زيادةَ).
٠
موضوع. أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (ص ٣٢٢)، والقضاعي في ((مسند
الشهاب)) (٢٣ / ١) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب
مرفوعاً.
وهذا سند ضعيف جداً، الحارث هو ابن عبدالله الهمداني الأعور، وقد ضعفه
الجمهور.
وقال ابن المديني :
((كذاب)).
وقال شعبة :
((لم يسمع أبو إسحاق منه إلا أربعة أحاديث)).
وفي ((الكشف)) (١ / ٢٠٥):
((قال القاري : هو موضوع كما في (الخلاصة)).
وأورده السيوطي في ((الجامع)) من رواية القضاعي، وبيض له المناوي! ولوائح
الوضع عليه ظاهرة.
١١٦
٤٣ - (شَهْرُ رمضانَ معلقٌ بينَ السماءِ والأَرْضِ ، ولا يُرْفَعُ إلى
اللهِ؛ إلا بزكاةِ الفِطْرٍ).
ضعيف. عزاه في ((الجامع الصغير)) لابن شاهين في ((ترغيبه))، والضياء عن
جرير، ورمز له بالضعف.
وبيّن سببه المناوي في ((شرحه)»، فقال:
((أورده ابن الجوزي في ((الواهيات))، وقال: لا يصح، فيه محمد بن عبيد
البصري، مجهول)).
قلت: وتمام كلام ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٨٢٤):
((لا يتابع علیه)).
وأقره الحافظ عليه في ((اللسان)).
وأما قول المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ١٠٠):
(رواه أبو حفص بن شاهين في ((فضائل رمضان))، وقال: حديث غريب جيد
الإسناد)).
ففیه نظر من وجهین :
الأول: ثبوت هذا النص في كتاب ابن شاهين المذكور، فإني قد راجعت
((فضائل رمضان)) له في نسخة خطية جيدة في المكتبة الظاهرية بدمشق(١)، فلم أجد
الحديث فيه مطلقاً، ثم إنني لم أره تكلم على حديث واحد مما أورده فيه بتصحيح أو
تضعيف .
ثم رأيت الحديث رواه أحمد بن عيسى المقدسي في ((فضائل جرير)) (٢ / ٢٤
(١) مجموع (٢٠) ورقة (١٩٥ -٢٠٣).
١١٧
/ ٢) من هذا الوجه، وقال:
((رواه أبو حفص بن شاهين، وقال: حديث غريب جيد الإِسناد. قال: ومعناه
لا يرفع إلى الله عز وجل بغفران مما جني فيه إلا بزكاة الفطر))!
فلعل ابن شاهين ذكر ذلك في غير ((فضائل رمضان))، أو في نسخة أخرى منه،
فيها زيادات على التي وقفت عليها .
الآخر: على افتراض ثبوت النص المذكور عن ابن شاهين، فهو تساهل منه،
وإلا فأنَّى للحديث الجودة، مع جهالة راويه، وقد تفرد به؛ كما قال ابن الجوزي،
وتبعه الحافظ ابن حجر العسقلاني كما سبق؟!
وروي من حديث أنس؛ أخرجه الخطيب (٩ / ١٢١)، وعنه ابن الجوزي في
((العلل)) (٨٢٣)، وابن عساكر (١٢ / ٢٣٩ / ٢) عن بقية بن الوليد: حدثني
عبدالرحمن بن عثمان بن عمر عنه مرفوعاً.
قلت: وعبدالرحمن هذا لم أعرفه، والظاهر أنه من شيوخ بقية المجهولين،
وزعم ابن الجوزي أنه البکراوي الذي قال أحمد فیه: ((طرح الناس حديثه)) مردود،
فإن هذا متأخر الوفاة، مات سنة (١٩٥هـ)، فهو من طبقة بقية!
ثم إن الحديث لو صح لكان ظاهر الدلالة على أن قبول صوم رمضان متوقف
على إخراج صدقة الفطر، فمن لم يخرجها لم يُقبل صومه، ولا أعلم أحداً من أهل
العلم يقول به، والتأويل الذي نقلته آنفاً عن المقدسي بعيد جداً عن ظاهر الحديث،
على أن التأويل فرع التصحيح، والحديث ليس بصحيح .
أقول هذا، وأنا أعلم أن بعض المفتين ينشر هذا الحديث على الناس كلما أتى
شهر رمضان، وذلك من التساهل الذي كنا نطمع في أن يحذّروا الناس منه، فضلاً
عن أن يقعوا فيه هم أنفسهم!
١١٨
٤٤ - (مَن أَحدَثَ ولم يَتَوَضَّأُ؛ فقد جَفاني، ومَن تَوَضَّأَ ولمْ يُصَلِّ؛
فقدْ جَفاني، ومَن صَلَّى ولَمْ يَدْعُني؛ فقدْ جَفاني، ومَن دَعاني فَلَمْ
أُجِبْهُ؛ فقد جفيتُه، ولستُ بربِّ جافٍ).
موضوع. قاله الصغاني (٦)، وغيره.
ومما يدل على وضعه أن الوضوء بعد الحدث، والصلاة بعد الوضوء؛ إنما ذلك
من المستحبات، والحديث يفيد أنهما من الواجبات؛ لقوله: ((فقد جفاني))، وهذا لا
يقال في الأمور المستحبة كما لا يخفى .
ومثله :
٤٥ - (مَن حَجَّ البَيْتَ، ولَمْ يَزُرْني؛ فَقَدْ جَفاني).
موضوع. قاله الحافظ الذهبي في ((الميزان)) (٣ / ٢٣٧)، وأورده الصغاني في
((الأحاديث الموضوعة)) (ص ٦)، وكذا الزركشي، والشوكاني في ((الفوائد المجموعة
في الأحاديث الموضوعة)) (ص ٤٢).
قلت: وآفته محمد بن محمد بن النعمان بن شبل أو جده قال: حدثنا مالك عن
نافع عن ابن عمر مرفوعاً.
أخرجه ابن عدي (٧ / ٢٤٨٠)، وابن حبان في ((الضعفاء)) (٢ / ٧٣)، وعنه
ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢١٧)، وقالا :
((يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات)). قال ابن الجوزي عقبه:
((قال الدارقطني: الطعن فيه من محمد بن محمد بن النعمان)).
ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي وَلّ من الكبائر؛ إن لم يكن كفراً، وعليه فمن
ترك زيارته وسيم يكون مرتكباً لذنب كبير، وذلك يستلزم أن الزيارة واجبة كالحج، وهذا
مما لا يقوله مسلم، ذلك لأن زيارته ◌َ ل﴿ وإن كانت من القربات، فإنها لا تتجاوز عند
العلماء حدود المستحبات، فكيف يكون تاركها مجافياً للنبي وَلّ ومعرضاً عنه؟!
١١٩
٤٦ - (مَن زارَني وزارَ أَبي إِبراهيمَ في عامٍ واحدٍ؛ دَخَلَ الجنَّةَ).
موضوع. قال الزركشي في ((اللآلىء المنثورة)) (رقم ١٥٦ - نسختي):
((قال بعض الحفاظ: هو موضوع، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث.
وكذا قال النووي: هو موضوع لا أصل له)).
وأورده السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (رقم ١١٩)، وقال:
«قال ابن تيمية والنووي : إنه موضوع لا أصل له)).
وأقره الشوكاني (ص ٤٢).
٤٧ - (مَن حَجَّ، فَزَارَ قَبْري بعدَ مَوْتي؛ كانَ کَمَنْ زارَني في
حياتي).
٧ موضوع. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٢٠٣ / ٢)، وفي
((الأوسط)) (١ / ١٢٦ / ٢ من زوائد المعجمين الصغير والأوسط)، وابن عدي في
((الكامل))، والدارقطني في ((سننه)) (ص ٢٧٩)، والبيهقي (٥ / ٢٤٦)، والسلفي في
((الثاني عشر من المشيخة البغدادية)) (٥٤ / ٢)؛ كلهم من طريق حفص بن سليمان
أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبدالله بن عمر مرفوعاً به. وزاد ابن
عدي :
((وصحبني)).
قلت: وهذا سند ضعيف جداً، وفيه علتان:
الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم؛ فإنه كان قد اختلط كما تقدم بيانه في
الحدیث (٢).
الأخرى: أن حفص بن سليمان هذا - وهو القارىء، ويقال له: الغاضري -
١٢٠