النص المفهرس
صفحات 81-100
((وفي بعض حديثه نكرة)). فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيف هذا الرجل، وبيَّنوا أن السبب روايته المناكير، فمثله إذا تفرد بالحديث يكون منكراً لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض. ومما تقدم يتبين للمنصف أن الشيخ زاهداً الكوثري ما أنصف العلم حين تكلم على هذا الحديث محاولاً تقويته، حيث اقتصر على ذكر التوثيق السابق في روح بن صلاح، دون أن يشير أقل إشارة إلى أن هناك تضعيفاً له ممَّن هم أكثر وأوثق ممن وثقه! انظر (ص ٣٧٩) من «مقالات الکوثري» نفسه! ومن عجيب أمر هذا الرجل؛ أنه - مع سعة علمه - يغلب عليه الهوى والتعصب للمذهب ضد أنصار السنة، وأتباع الحديث، الذين يرميهم ظلماً بـ ((الحشوية))(١)، فتراه هنا يميل إلى تقوية هذا الحديث معتمداً على توثيق ابن حبان ما دام هذا الحديث يعارض ما عليه أنصار السنة! فإذا كان الحديث عليه لا له؛ فتراه يردُّه، وإن كان ابن حبان صححه، أو وثق رواته! فانظر إليه مثلاً يقول في حديث مضيه وَّر في صلاته بعد خلع النعل النجسة، وقد أخرجه ابن حبان والحاكم في ((صحيحيهما))؛ قال: ((وتساهل الحاكم وابن حبان في التصحيح مشهور)) !! انظر (ص ١٨٥) من ((مقالاته)). والحديث صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود))، وإعلاله بتساهل (١) وقد رأيت الإِمام ابن أبي حاتم الرازي - رحمه الله - يقول في خاتمة رسالته ((أصول السنة واعتقاد الدين»: ((سمعت أبي - رضي الله عنه - يقول: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية؛ يريدون إبطال الآثار ... )). وهى رسالة نافعة، سنسعى قريباً لنشرها إن شاء الله. ٨١ المذكورين تدليس خبيث؛ لأنه ليس فيه من لم يوثقه غيرهما، بل رجاله كلهم رجال مسلم . وانظر إليه في كلامه على حديث الأوعال، وتضعيفه إياه، وهو في ذلك مصيب(١)؛ تراه يعتمد في ذلك على أن راويه عبدالله بن عميرة مجهول، ثم يستدرك في التعليق، فيقول (ص ٣٠٩): ((نعم، ذكره ابن حبان في الثقات، لكن طريقته في ذلك أن يذكر في الثقات من لم يطلع على جرح فيه، فلا يخرجه ذلك عن حد الجهالة عند الآخرين، وقد رد ابن حجر شذوذ ابن حبان هذا في (لسان الميزان))). قلت: فقد ثبت بهذه النقول عن الكوثري أن من مذهبه عدم الاعتماد على توثيق ابن حبان والحاكم؛ لتساهلهما في ذلك، فكيف ساغ له أن يصحح الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه لمجرد توثيقهما لراويه روح بن صلاح، ولا سيما أنه قد صرح غيرهما ممن هو أعلم منهما بالرجال بتضعيفه؟! اللهم لولا العصبية المذهبية لم يقع في مثل هذه الخطيئة، فلا تجعل اللهم تعصُّبنا إلا للحق حيثما كان. ومن الأحاديث الضعيفة في التوسل، وهي في الوقت نفسه تدل على تعصب الكوثري، الحديث الآتي : ٢٤ - (مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إِلى الصَّلاةِ، فقالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسَلُكَ بحَقِّ السائِلِينَ عليكَ، وأَسأَلُكَ بحَقِّ ممشاَ هذا، فإِنِّي لم أخْرُجْ أَشَراً ولا بَطَراً ... ؛ أقبلَ اللهُ عليهِ بوجهه، واستغفَرَ له ألفُ ملكٍ). ضعيف. أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٦١ - ٢٦٢)، وأحمد (٣ / ٢١)، والبغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (٩ / ٩٣ / ٣)، وابن السني (رقم ٨٣) من طريق فضيل (٢) وقد بيَّنْتُ ضعف حديث الأوعال هذا في جواب سؤال عنه نشر في مجلة ((المسلمون)) = ٨٢ ابن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً به. وهذا سند ضعیف من وجهين : الأول: فضيل بن مرزوق؛ وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وقول الكوثري في بعض مقالاته (٣٩٣): (وقال أبو حاتم: ضعیف الحدیث، ولم يضعفه سواه، وجرحه غیر مفسر، بل وثقه البستي)). فيه أخطاء مکشوفة : أولاً: قوله: ((لم يضعفه غير أبي حاتم)). فإنه باطل، وما أظن هذا يخفى على مثله، فإن في ترجمته من ((التهذيب)) بعد أن حکی أقوال الموثقين له ما نصه: ((وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، صدوق، يهم كثيراً، يُكتب حديثه. قلت: يحتج به؟ قال: لا. وقال النسائي: ضعيف ... قال مسعود عن الحاكم: ليس هو من شرط الصحيح. وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه. قال ابن حبان في ((الثقات)): يخطىء. وقال في ((الضعفاء)): كان يخطىء على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات)). فأنت ترى أنه قد ضعفه مع أبي حاتم النسائيُّ، والحاكمُ، وابن حبان؛ مع أنهما من المتساهلين في التوثيق كما تقدم. ثانياً: قوله: ((وجرحه غیر مفسر)) . = (العدد ٧ من المجلد ٧ / ٦٨٨ - ٦٩٣). ثم خرجته في ((ظلال الجنة في تخريج السنة)) (٥٧٧)، ثم فيما يأتي برقم (٢٢٤٧) من المجلد الخامس إن شاء الله تعالى . ٨٣ فهذا غير مسلَّم به، بل هو مفسر في نفس كلام أبي حاتم الذي نقلته، وهو قوله: ((يهم كثيراً))، وقد اعتمد الحافظ ابن حجر هذا القول، فقال في ترجمته : ((صدوق يهم)) . فمن كان يهم في حديثه كثيراً، فلا شك أنه لا يحتج به؛ كما هو مقرر في محله من علم المصطلح . ثالثاً: قوله: ((بل وثقه البستي)) . قلت: البستي هو ابن حبان، وإنما عدل الكوثري عن التصريح باسم (ابن حبان) إلى ذكر نسبته (البستي) تدليساً وتمويهاً، وقد علمت أن ابن حبان كان له فيه قولان، فمرة أورده في ((الثقات)) (٧ / ٣١٦)، وأخرى في ((الضعفاء)) (٢ / ٢٠٩)، والاعتماد على هذا أولى من الأول؛ لأنه بيَّن فيه سبب ضعفه، فهو جرح مفسر، يُقدم على التعديل؛ كما تقرر في المصطلح أيضاً. الوجه الثاني في تضعيف الحديث أنه من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف أيضاً. قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، يخطىء كثيراً، كان شيعياً مدلساً)). فهذا جرح مفسر، يُقدم على قول من وثقه، مع أنهم قلة، وقد خالفوا جمهور الأئمة الذين ضعفوه، وتجد أقوالهم في ((تهذيب التهذيب)). وعبارة الحافظ التي نقلتها عن ((التقريب)) هي خلاصة هذه الأقوال؛ كما لا يخفى على البصير بهذا العلم، فلا نطيل الكلام بذكرها، ولهذا جزم الذهبي في ((الميزان)) بأنه ((ضعيف)). أما تدليسه؛ فلا بد من بيانه ها هنا؛ لأنه به تزول شبهة يأتي حكايتها، فقال ابن حبان في ((الضعفاء)) ما نصه: ٨٤ ((سمع من أبي سعيد أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبي؛ يحضر بصُفَّته، فإذا قال الكلبي : قال رسول الله مي كذا، فيحفظه، وکناه أبا سعيد، ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك هذا؟ فيقول: حدثني أبو سعید. فیتوهمون أنه یرید أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي! قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب)). فهل تدري أيها القارىء الكريم ما كان موقف الشيخ الكوثري تجاه تلك الأقوال المشار إليها في تضعيف الرجل؟ إنه لم يشر إليها أدنى إشارة، واكتفى بذكر أقوال القلة الذين وثقوه، الأمر الذي ينكره على خصومه. انظر (ص ٣٩٢) من ((مقالاته)). وليته وقف عند هذا، بل إنه أوهم أن سبب تضعيفه أمر لا يصلح أن يكون جرحاً، فقال (ص ٣٩٤): ((وعطية جرح بالتشيع، لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث)). وقصده من هذا إفساح المجال لتقديم أقوال الموثقين؛ بإيهام أن المضعفين إنما ضعفوه بسبب تشيعه، وهو سبب غير جارح عند المحققين، مع أن السبب في الحقيقة إنما هو خطؤه كثيراً؛ كما تقدم في كلام الحافظ ابن حجر. فانظر كم يبعد التعصب بصاحبه عن الإِنصاف والحق! وأما تحسين الترمذي له فلا حجة فيه بعد قيام المانع من تحسين الحديث، والترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، وهذا شيء لا يخفى على الشيخ - عفا الله عنا وعنه - فقد نقل هو نفسه في كلامه على حديث الأوعال الذي سبقت الإِشارة إليه عن ابن دحية أنه قال : ((كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة، وأسانيد واهية؟!)). وعن الذهبي أنه قال: ((لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي)). انظر (ص ٣١١) من ((مقالات الكوثري)). ٨٥ فانظر كيف يجعل كلام الرجل في موضعٍ حجةً، وفي آخر غير حجة !! ثم أجاب عن شبهة التدليس بقوله: ((وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس، ولا سيما مع المتابعة)). يعني أن عطية قد صرح بأن أبا سعيد في هذا الحديث هو الخدري، فاندفعت شبهة كونه هو الكلبي الكذاب. قلت: وهذا دفع هزيل، فالشبهة لا تزال قائمة؛ لأن ابن حبان صرَّح - كما تقدم نقله عنه - أن عطية لما كان يحدث عن الكلبي، ويكنيه بأبي سعيد؛ كان الذين يسمعون الحديث عنه يتوهمون أنه يريد الخدري، فمن أين للشيخ الكوثري أن التصريح بـ «الخدري)» إنما هو من عطیة ولیس من توهم الراوي عنه، أو من وهمه، فقد علمت أنه كان سيىء الحفظ؟! هذان احتمالان لا سبيل إلى ردهما، وبذلك تبقى شبهة التدليس قائمة . وأما المتابعة التي أشار إليها، فهي ما فسره بقوله قبل : ((ولم ينفرد عطية عن الخدري، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبدالحكم ابن ذكوان، وهو ثقة عند ابن حبان، وإن أعله به أبو الفرج في (علله)). قلت: لقد عاد الشيخ إلى الاعتداد بتوثيق ابن حبان مع اعترافه بشذوذه في ذلك كما سبق النقل عنه، هذا مع قول ابن معين في ابن ذكوان هذا: ((لا أعرفه)). فإذا لم يعرفه إمام الجرح والتعديل، فأنَّى لابن حبان أن يعرفه؟! فتبين أن لا قيمة لهذا المتابع؛ لجهالة الراوي عنه، فإعلال أبي الفرج للحديث به؛ حق لا غبار علیه عند من ینصف! ثم بدا لي وجه ثالث في تضعيف الحديث، وهو اضطراب عطية أو ابن مرزوق ٨٦ في روايته، حيث إنه رواه تارة مرفوعاً كما تقدم، وأخرى موقوفاً على أبي سعيد؛ كما رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢ / ١١٠ / ١) عن ابن مرزوق به موقوفاً، وفي رواية البغوي من طريق فضيل قال : ((أحسبه قد رفعه)). وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ١٨٤): «موقوف أشبه)). ثم إن الشيخ حاول أن يشد من عضد الحديث بأن أوجد له طريقاً أخرى، فقال : ((وأخرج ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) بسند فيه الوازع عن بلال، (كذا) وليس فيه عطية، ولا ابن مرزوق)). قلت: ولم يزد الشيخ على هذا، فلم يبين ما حال هذا الوازع، وهل هو ممن يصلح أن يُستشهد به، أو هل عنده وازع يمنعه من رواية الكذب؟ ولو أنه بيَّن ذلك لظهر لكل ذي عينين أن روايته لهذا الحديث وعدمها سواء، ذلك لأنه ضعيف بمرة عند أئمة الحديث بلا خلاف عندهم، حتى قال أبو حاتم : «ضعيف الحديث جداً، ليس بشيء)). وقال لا بنه : ((اضرب على أحاديثه، فإنها منكرة)). بل قال الحاکم ۔ علی تساهله -: ((روى أحاديث موضوعة))! وكذا قال غيره، وهو الوازع بن نافع العقيلي. فمن كان هذا حاله في الرواية؛ لا يعتضد بحديثه، ولا كرامة، حتى عند الشيخ نفسه، فاسمع إن شئت كلامه في ذلك (ص ٣٩) من ((مقالاته)): ٨٧ ((إن تعدد الطرق إنما يرفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره إذا كان الضعف في الرواة من جهة الحفظ والضبط فقط، لا من ناحية تهمة الكذب، فإن كثرة الطرق لا تفيد شيئاً إذ ذاك)). ومن هنا يتبيَّن للقارىء اللبيب لِمَ سكت الشيخ عن بيان حال الوازع هذا! وجملة القول؛ أن هذا الحديث ضعيف من طريقيه، وأحدهما أشد ضعفاً من الآخر، وقد ضعفه البوصيري والمنذري وغيرهما من الأئمة، ومن حسنه فقد وهم، أو تساهل، وقد تكلمت على حديث بلال هذا، وكشفت عن تدليس الكوثري فيما سيأتي (٦٢٥٢). ومن الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة في التوسل : ٢٥ - (لمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطيئةَ؛ قالَ: يا رَبِّ! أسألُكَ بحَقِّ محمدٍ لما غفَرْتَ لي. فقال الله: يا آدمُ! وكيف عَرَفْتَ محمداً، ولم أخْلُقْهُ؟ قالَ: يا ربِّ! لمَّا خَلَقْتَني بيدَِ، ونفخْتَ فيَّ من روحِكَ؛ رفعْتُ رأسي، فرأيْتُ على قوائِمِ العَرْشِ مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسولُ اللهِ، فعَلِمْتُ أنَّكَ لَمْ تُضِفْ إلى اسمِكَ إِلا أَحَبَّ الخَلْقِ إليكَ. فقالَ الله: صدَقْتَ يا آدَعُ! إِنَّهُ لأحَبُّ الخَلْقِ إلَّ، ادْعُني بحَقٌّه، فقدْ غَفَرْتُ لكَ، ولولا محمدٌ ما خَلَقْتُكَ). موضوع. أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢ / ٦١٥)، وعنه ابن عساكر (٢/ ٣٢٣ / ٢)، وكذا البيهقي في (باب: ما جاء فيما تحدث به ێ بنعمة ربه) من (دلائل النبوة)) (٥ / ٤٨٨) من طريق أبي الحارث عبدالله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل ابن مسلمة: نبأ عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. وقال الحاكم : ٨٨ ((صحيح الإِسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب)). فتعقبه الذهبي بقوله : ((بل موضوع، وعبدالرحمن واهٍ، وعبدالله بن مسلم الفهري لا أدري من هو)). قلت: والفهري هذا أورده في ((ميزان الاعتدال)) لهذا الحديث، وقال: ((خبر باطل، رواه البيهقي في (دلائل النبوة)). وقال البيهقي : ((تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف)). وأقره ابن كثير في ((تاريخه)) (٢ / ٣٢٣)، ووافقه الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) أصلَه («الميزان)) على قوله: ((خبر باطل)). وزاد عليه قوله في هذا الفهري : ((لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله، فإنه من طبقته)). قلت: والذي قبله هو عبدالله بن مسلم بن رشيد؛ ذكره ابن حبان، فقال: («متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدبة نسخة كأنها معمولة)). والحديث أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير)) (٢٠٧) من طريق أخرى عن عبدالرحمن بن زيد، ثم قال: ((لا يُروى عن عمر إلا بهذا الإِسناد)). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٢٥٣): ((رواه الطبراني في ((الأوسط))، و ((الصغير))، وفيه من لم أعرفهم)). ٨٩ قلت: وهذا إعلال قاصر ما دام فيه عبد الرحمن بن زيد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة)) (ص ٦٩): ((ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب ((المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم)): «عبدالرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)). قلت: وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم، يغلط كثيراً)). اهـ. وصدق شيخ الإِسلام في نقله اتفاقهم على ضعفه، وقد سبقه إلى ذلك ابن الجوزي، فإنك إذا فتشت كتب الرجال، فإنك لن تجد إلا مضعفاً له، بل ضعفه جداً علي بن المديني، وابن سعد، وقال الطحاوي : ((حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف)). وقال ابن حبان : ((كان يقلب الأخبار، وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك)). وقال أبو نعيم نحو ما سبق عن الحاكم: ((روى عن أبيه أحاديث موضوعة)). قلت: ولعل هذا الحديث من الأحاديث التي أصلها موقوف، ومن الإِسرائيليات، أخطأ عبدالرحمن بن زيد فرفعها إلى النبي وَلّر، ويؤيد هذا أن أبا بكر الآجري أخرجه في ((الشريعة)) (ص ٤٢٧) من طريق الفهري المتقدم بسند آخر له عن عبدالرحمن بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب موقوفاً عليه. ورواه (ص ٤٢٢ - ٤٢٥) من طريق أبي مروان العثماني قال: حدثني أبي (في الأصل: ابن، وهو خطأ) عثمان بن خالد عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ٩٠ ((من الكلمات التي تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام أنه قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك ... الحديث)) نحوه، وليس فيه: ادعني بحقه ... إلخ. وهذا موقوف، وعثمان وابنه أبو مروان ضعيفان لا يحج بهما لو رويا حديثاً مرفوعاً، فكيف وقد رويا قولاً موقوفاً على بعض أتباع التابعين، وهو قد أخذه - والله أعلم - من مُسلمة أهل الكتاب، أو غير مُسلمتهم، أو عن كتبهم التي لا ثقة لنا بها؛ كما بينه شيخ الإِسلام في كتبه . وكذلك رواه ابن عساكر (٢ / ٣١٠ / ٢) عن شيخ من أهل المدينة من أصحاب ابن مسعود من قوله موقوفاً علیه، وفيه مجاهيل. وجملة القول؛ أن الحديث لا أصل له عنه وَسير، فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني؛ كما تقدم النقل عنهما. ومما يدل على بطلانه أن الحديث صريح في أن آدم عليه السلام عرف النبي وَيّ عقب خلقه، وكان ذلك في الجنة، وقبل هبوطه إلى الأرض، وقد جاء في حديث إسناده خير من هذا - على ضعفه - أنه لم يعرفه إلا بعد نزوله إلى الهند، وسماعه باسمه في الأذان! انظر الحديث (٤٠٣). ومع هذا كله، فقد جازف الشيخ الكوثري وصححه؛ مع اعترافه بضعف عبدالرحمن بن زيد، لكنه استدرك (ص ٣٩١)، فقال: ((إلا أنه لم یتهم بالكذب، بل بالوهم، ومثله ینتقی بعض حديثه)). قلت: لقد بلغ به الوهم إلى أنه روى أحاديث موضوعة كما تقدم عن الحاكم وأبي نعيم، فمثله لا يصلح أن ينتقى من حديثه حتى عند الكوثري؛ لولا العصبية والهوى، فاسمع إن شئت ما قاله (ص ٤٢) في صدد حكمه بالوضع على حديث: ((إياكم وخضراء الدمن ... ))، وقد تقدم برقم (١٤). ((وإنما مدار الحكم على الخبر بالوضع، أو الضعف الشديد من حيث الصناعة ٩١ الحديثية؛ هو انفرادُ الكذاب، أو المتهم بالكذب، أو الفاحش الخطأ به)). وقد علمت مما سبق أن مدار الحديث على عبدالرحمن بن زيد الفاحش الخطأ، فيكون حديثه ضعيفاً جداً على أقل الأحوال عنده لو أنصف! ومن عجيب أمره أنه يقول عقب عبارته السابقة (ص ٣٩١): ((وهذا هو الذي فعله الحاكم، حيث رأى أن الخبر مما قَبِلَه مالك فيما روى ابن حميد عنه، حيث قال لأبي جعفر المنصور: وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام)). فمن أين له أن الحاكم رأى أن الخبر مما قبله مالك؟! فهل يلزم من كون الرجل كان حافظاً أنه كان يحفظ كل شيء عن أي إمام؟! هذا ما لا يقوله إنسان! فمثل هذا لا بد فيه من نقل يصرح بأن الحاكم رأى ... وإلا فمن ادَّعى ذلك فقد قفی ما ليس له به علم. ثم هب أن مالكاً قبِلَ الخبر، فهل ذلك يلزم غيره أن يقبله وهو لم يذكر إسناده المتصل منه إلى النبي وَله. أفلا يجوز أن يكون ذلك من الإِسرائيليات التي تساهل العلماء في روايتها عن بعض مُسلمة أهل الكتاب، مثل كعب الأحبار، فقد كان يروي عنه بعضها ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة؛ باعتراف الكوثري نفسه (ص ٣٤ - مقالة كعب الأحبار والإِسرائيليات)، فإذا جاز هذا لهؤلاء، أفلا يجوز ذلك لمالك؟ بلی، ثم بلی . فثبت أن قول مالك المذكور لا يجوز أن يكون شاهداً مقوياً للحديث المروي عن النبي وَلّ . وهذا كله يقال لو ثبت ذلك عن مالك، كيف ودون ثبوته خرط القتاد؟! فإنه يرويه عنه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي في الراجح عند الكوثري، ثم اعتمد هو على توثيق ابن معين إياه، وثناء أحمد والذهلي عليه، وتغافل عن تضعيف ٩٢ جمهور الأئمة له، بل وعن تكذيب كثيرين منهم إياه، مثل أبي حاتم، والنسائي، وأبي زرعة، وصرح هذا أنه كان يتعمد الكذب، ومثل ابن خراش، فقد حلف بالله أنه كان یکذب، وقال صالح بن محمد الأسدي : «كل شيء کان یحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه)). وقال في موضع آخر: ((كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه)). وقال أيضاً: ((ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين؛ سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حمید، کان یحفظ حديثه كله)). وقال أبو علي النيسابوري : ((قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً)). فهذه النصوص تدل على أن الرجل كان مع حفظه كذاباً، والكذب أقوى أسباب الجرح، وأبينها، فكيف ساغ للشيخ تقديم التعديل على الجرح المفسر مع أنه خلاف معتقده؟! علم ذلك عند من يعرف مبلغ تعصبه على أنصار السنة وأهل الحديث، وشدة عداوته إياهم، سامحه الله، وعفا عنه. فتبين مما ذكرناه أن هذه القصة المروية عن مالك قصة باطلة موضوعة، وقد حقق القول في ذلك على طريقة أخرى شيخ الإِسلام في ((القاعدة الجليلة)) (١ / ٢٢٧ - ضمن مجموع الفتاوى)، وابن عبدالهادي في ((الصارم المنكي))، فليراجعهما من أراد المزيد من الاطلاع على بطلانها، فإن فيما أوردت كفاية. وبذلك ثبت وضع حديث توسل آدم بالنبي وََّ، وخطأ من خالف. ٩٣ ولقد أطلت كثيراً في تحقيق الكلام عليه، وعلى الأحاديث التي قبله، وما كنت أود ذلك لولا أني وجدت نفسي مضطراً لذلك، لما وقفت على مغالطات الشيخ الكوثري، فرأيت من الواجب الكشف عنها لئلا يغتر بها مَن لا علم له بما هنالك! فمعذرة إلى القراء الكرام(١). هذا وإن من الآثار السيئة التي تركتها هذه الأحاديث الضعيفة في التوسل؛ أنها صرفت كثيراً من الأمة عن التوسل المشروع إلى التوسل المبتدع، ذلك لأن العلماء متفقون - فيما أعلم - على استحباب التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته تعالى، وعلی توسل المتوسل إليه تعالى بعمل صالح قدمه إليه عز وجل. ومهما قيل في التوسل المبتدع، فإنه لا يخرج عن كونه أمراً مختلفاً فيه، فلو أن الناس أنصفوا لانصرفوا عنه؛ احتياطاً، وعملًا بقوله وَلير: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) إلى العمل بما أشرنا إليه من التوسل المشروع، ولكنهم - مع الأسف - أعرضوا عن هذا، وتمسكوا بالتوسل المختلف فيه، كأنه من الأمور اللازمة التي لا بد منها، ولازموها ملازمتهم للفرائض! فإنك لا تكاد تسمع شيخاً أو عالماً يدعو بدعاء يوم الجمعة وغيره إلا ضمنه التوسل المبتدع، وعلى العكس من ذلك؛ فإنك لا تكاد تسمع أحدهم يتوسل بالتوسل المستحب، كأن يقول مثلاً: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، یا بدیع السماوات والأرض، یا ذا الجلال والإكرام، يا حي، يا قيوم، إني أسألك ... مع أنَّ فيه الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى؛ كما قال ◌َّ فيما صحَّ عنه(٢). (١) ثم جمعتُ هذه الأحاديث ونحوها مما يُحتَجُّ به على التوسل المبتدع في رسالة خاصة، وهي السادسة والأخيرة من رسائل كتابنا: ((تسديد الإصابة إلى مَن زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة))، أسأل الله تعالى أن ييسر لنا نشرها مع رسالة ((البدعة)) التي قبلها. ثم نشرت الرسالة تحت عنوان: ((التوسل: أنواعه وأحكامه)). (٢) انظر كتابنا ((صفة صلاة النبي وَليلة)) (ص ١٦٧ - الطبعة الثالثة / المكتب الإسلامي). ٩٤ فهل سمعت أيها القارىء الكريم أحداً يتوسل بهذا أو بغيره مما في معناه؟ أما أنا فأقول آسفاً: إنني لم أسمع ذلك، وأظن أن جوابك سيكون كذلك، فما السبب في هذا؟ ذلك هو من آثار انتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس، وجهلهم بالسنة الصحيحة، فعليكم بها أيها المسلمون علماً وعملاً؛ تَهْتَدوا وَتَعِزُّوا. وبعد طبع ما تقدم اطّلعت على رسالة في جواز التوسل المبتدع لأحد مشايخ الشمال المتهورين، متخمة بالتناقض الدال على الجهل البالغ، وبالضلال والأباطيل والتأويلات الباطلة والافتراء على العلماء، بل الإِجماع! مثل تجويز الاستغاثة بالموتى، والنذر لهم، وزعمه أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان! وغير ذلك مما لا يقول به عالم مسلم، كما أنه حشاها بالأحاديث الضعيفة والواهية؛ كما هي عادته في كل ما له من رسائل، وليته سكت عنها، بل إنه صحح بعض ما هو معروف منها بالضعف، كقوله (ص ٤٢): ((وفي الأحاديث الصحيحة: إن أحبَّ الخلق إلى الله أنفعهم لعباده)). وغير ذلك مما لا يمكن البحث فيه الآن، وإنما القصد أن أنبه القراء على ما وقع في كلامه على الأحاديث المتقدمة في التوسل من التدليس، بل الكذب المكشوف؛ ليوهمهم صحتها، كي يكونوا في حذر منه ومن أمثاله من الذين لا يتقون الله فيما يكتبون؛ لأن غرضهم الانتصار لأهوائهم، وما وجدوا عليه آباءهم وأمهاتهم. فحديث أنس (رقم ٢٣) الذي بينا ضعف إسناده، أوهم هو أنه صحيح بتمسكه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح! وقد أثبتنا ضعف هذا الراوي، وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين، فتذكر. كما أثبتنا عدم أمانة الكوثري في النقل، واتِّباعه للھوی. وقد جرى على طريقته هذه مؤلف هذه الرسالة، بل زاد عليه! فإنه بعد أن ساق الحديث موهماً القارىء أنه صحيح، قال عقبه (ص ١٥): ٩٥ ((ولهذا طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في ((المعرفة))، والديلمي في ((الفردوس)) بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطي)). فهذا كذب منه على ابن عباس رضي الله عنه - وربما على السيوطي أيضاً - فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس، وهو قوله: ((بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي، فإنك أرحم الراحمين))(١)، وذلك مما يوهن هذه الزيادة، ولا يقويها؛ خلافاً لمحاولة المؤلف الفاشلة المغرضة! وأما حديث عمر (رقم ٢٥)، فقال في تخريجه (ص ١٥): ((وأخرج البيهقي في ((دلائل النبوة))، وقد التزم أن لا يذكر في هذا الكتاب حديثاً موضوعاً)) . قلت: والجواب من وجهين : الأول: أن الالتزام المذكور غير مسلم به، فقد أخرج فيه غيرما حديث موضوع، وقد نص على ذلك بعض النقاد، ومن يتتبع مقالاتنا هذه في الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ يجد أمثلة على ذلك. وحسبك دليلاً الآن هذا الحديث، فقد حكم عليه الحافظان الذهبي والعسقلاني بأنه حديث باطل كما سبق، فما بال المؤلف يتغاضى عن حكمهما، وهما المرجع في هذا الشأن؛ ويتعلق بالمتشابه من الكلام؟! الآخر: أن البيهقي الذي أخرجه في ((الدلائل)) قد ضعف الحديث فيه كما سبق نقله عنه، فإن لم يكن الحديث عنده موضوعاً، فهو على الأقل ضعيف، فهو حجة على الشيخ الذي يحاول بتحريف الكلام أن يجعله صحيحاً؟! ثم نقل المؤلف تخريج الحاكم للحديث، وتصحيحه إياه، وتغاضى أيضاً عن تعقب الذهبي إياه، الذي سبق أن ذكرناه، والذي يصرح فيه أنه حديث موضوع! كما تغاضى عن حال راويه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، الذي اتهمه الحاكم نفسه (١) راجع ترجمة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها في ((أسد الغابة)). ٩٦ بالوضع! وعن غيره ممن لا يعرف حاله، أو هو متهم، وعن قول الحافظ الهيثمي في الحديث: ((فيه من لم أعرفهم»! عجباً من هذا المؤلف وأمثاله! إنهم يزعمون أن باب الاجتهاد قد أُغلق على الناس، فليس لهم أن يجتهدوا؛ لا في الحديث؛ تصحيحاً وتضعيفاً، ولا في الفقه؛ ترجيحاً وتفريعاً، ثم هم يجتهدون فيما لا علم لهم فيه البتة، وهو علم الحديث، ويضربون بکلام ذوي الاختصاص عرض الحائط! ثم هم إن قلدوا قلدوا دون علم، متبعين أهواءهم، وإلا فقل لي بالله عليك: إذا صحح الحاكم حديثاً - وهو معروف بتساهله في ذلك - ورده عليه أمثال الذهبي والهيثمي والعسقلاني، أفيجوز والحالة هذه التعلق بتصحيح الحاكم؟! اللهم إن هذا لا يقول به إلا جاهل أو مغرض! اللهم فاحفظنا من اتباع الهوى، حتى لا يضلنا عن سبيلك. ثم زعم المؤلف (ص ١٦) أن الإِمام مالكاً قد صح عنده محل الشاهد من هذا الحديث، حيث قال للخليفة العباسي : ((ولِمَ تصرِفُ وجهك عنه (وَ ل﴿ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؟)). وقد بيَّنًّا فيما سلف بطلان نسبة هذه القصة إلى مالك، وأما المؤلف فلا يهمه التحقق من ذلك، وسيان عنده أثبتت أو لم تثبت، ما دام أنها تؤيد هواه وبدعته، إذ الغاية عنده تسوِّغ الوسيلة! ومن تهور هذا المؤلف وجهله أنه یصرح (ص ١٢): ((أن التوسل برسول الله وَليل وسائر الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم ... مما أجمعت عليه الأمة قبل ظهور هذا المبتدع ابن تيمية الذي جاء في القرن الثامن الهجري(١) وابتدع بدعته))! (١) وهذا مما يدل على جهل المؤلف بحياة ابن تيمية رحمه الله وجزاه عن الإِسلام خيراً، فإنه إنما جاء في القرن السابع، وتوفي في أول القرن الثامن سنة (٧٢٨هـ). ٩٧ فإن إنكار التوسل بغير الله تعالى مما صرح به بعض الأئمة الأولين المعترف بفضلهم وفقههم، وقد نقلنا نص أبي حنيفة في ذلك (ص ٧٧) من الكتب الموثوق بها من كتب الحنفية، وفيها عن صاحبيه؛ الإِمام محمد وأبي يوسف نحو ذلك مما يعتبر قاصمة الظهر لهؤلاء المبتدعة، فأين الإِجماع المزعوم أيها المتهور؟! وإن من أكبر الافتراء على الإِجماع أن ينسب إليه هذا المؤلف جواز الاستغاثة بالأموات من الصالحين؟ وهذه ضلالة كبرى لم يقل بها - والحمد لله - أحد من سلف الأمة وعلمائها، ونحن نتحدى المؤلف وغيره من أمثاله أن يأتينا ولو بشبه نص عنهم في جواز ذلك. بل المعروف في كتب أتباعهم خلاف ذلك، ولولا ضيق المجال لنقلنا بعض النصوص عنهم. وأما حديث أبي سعيد الخدري (رقم ٢٤) فاكتفى المؤلف (ص ٣٦) بأن نقل تحسينه عن بعض العلماء، وقد بينا خطأ ذلك من وجوه بما لا مرد لها، فأغنى عن الإِعادة. والمؤلف لا يهمه مطلقاً التحقيق العلمي؛ لأنه ليس من أهله، بل هو يتعلق في سبيل تأييد هواه بالأوهام، ولو كانت كخيوط القمر، أو مدد الأموات! وبهذه المناسبة أريد أن أقول كلمة وجيزة من جهة استدلال المؤلف بهذا الحديث وأمثاله على التوسل المبتدع، فأقول: إن حق السائلين على الله تعالى هو أن يجيب دعاءهم، فلو صح هذا الحديث، وما في معناه، فليس فيه توسل ما إلى الله بالمخلوق، بل هو توسل إليه بصفة من صفاته، وهي الإِجابة، وهذا أمر مشروع خارج عن محل النزاع، فتأمل منصفاً. وبهذا يسقط قول هذا المؤلف عقب الحديث: ((فالنبي ◌َّلر توسل بالسائلين الأحياء والأموات)). لأننا نقول: هذا من تحريف الكلم، فإننا نقول: إنما توسل - لوصح الحديث - ٩٨ بحق السائلين، وعرفت المعنى الصحيح، وبحق الممشى، وهو الإِثابة من الله لعبده، وذلك أيضاً صفة من صفاته تعالى، فأين التوسل المبتدع، وهو التوسل بالذات؟! وأنهي هذا الرد السريع بتنبيه القراء الكرام إلى أمرين آخرين وردا في الرسالة المذكورة : الأمر الأول: ذكر (ص ١٦) حديث الأعمى، وقد سبق بيان معناه، ثم أتبعه بذکر قصة عثمان بن حنیف مع الرجل صاحب الحاجة، وکیف أنه شکی إليه أنه يدخل على عثمان بن عفان، فلا يلتفت إليه! فأمره ابن حنيف أن يدعو بدعاء الأعمى ... فدخل على عثمان بن عفان، فقضى له حاجته! احتج المؤلف بهذه القصة على التوسل به وَل بعد وفاته. وجوابنا من وجھین : الأول: أنها قصة موقوفة، والصحابة الآخرون لم يتوسلوا مطلقاً به وصلته بعد وفاته؛ لأنهم يعلمون أن التوسل به معناه التوسل بدعائه، وهذا غير ممكن كما سبق بيانه . الآخر: أنها قصة لا تثبت عن ابن حنيف، وبيان ذلك في رسالتنا الخاصة ((التوسل؛ أنواعه وأحكامه))، وقد سبقت الإِشارة إليها . ونحو ذلك : أنه ذكر (ص ٢٥) قصة مجيء بلال بن الحارث المزني الصحابي رضي الله عنه لما قُحِط الناس في عهد عمر إلى قبر النبي ◌َّر، ومناداته إياه: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا. فهذه أيضاً قصة غير ثابتة، وأوهم المؤلف صحتها محرفاً لكلام بعض الأئمة، مقلداً في ذلك بعض ذوي الأهواء قبله، وتفصيل ذلك في الرسالة المومىء إليها . ٩٩ ٢٦ - (الحِدَّةٌ تَعْتَري خِيارَ أُمَّتي). ضعيف. أخرجه الطبراني (٣ / ١١٨ / ١ و١٢٣ / ١)، وابن عدي (١٦٣ / ١)، والمخلِّص في ((الفوائد المنتقاة)) (٦ / ٤٤ / ٢) عن سلام الطويل عن الفضل ابن عطية عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً. وقال المخلص: ((قال البغوي: هذا حديث منكر، وسلام الطويل ضعيف الحديث جداً)). فأشار إلى أن الآفة من سلام هذا، وهو الصواب؛ خلافاً لما ذكره ابن الجوزي في ((الواهيات)) على ما نقله المناوي عنه في ((الفيض))، حيث قال: ((لا يصح، وفيه آفات، سلام الطويل متروك، و[كذا] الفضل بن عطية، والبلاء فیه منه)) . قلت: هو وإن كان ضعيفاً؛ فإنه لم يتهم، بخلاف سلام الطويل؛ فقد اتهمه غیر واحد بالكذب والوضع، فالحمل فیه علیه أولى . نعم، لم یتفرد به، بل تابعه محمد بن الفضل عن أبيه به . أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٦١)، والخطيب في ((تاريخه)) (١٤ / ٧٣)، إلا أن محمد بن الفضل هذا كذاب أيضاً، فلا يُفرح بمتابعته! كذبه ابن معين، والفلاس وغيرهما . وكأن الحافظ السخاوي لم يطلع على هذه المتابعة، فقد اقتصر في ((المقاصد الحسنة)) (رقم ٣٩٧) على إعلال الحديث بسلام الطويل، وقال: ((وهو متروك)). وعزاه لأبي يعلى والطبراني. وبالجملة؛ فالحدیث من هذا الوجه ضعيف جداً، لكن له شاهد بإسناد خير من هذا، رواه الحسن بن سفيان في ((مسنده))، وبشر بن مطر في ((حديثه)) (٣ / ٨٩ / ١)، وابن منده في ((معرفة الصحابة)) (٢ / ٢٦٤ / ٢)، وأبو نعيم في ((أخبار ١٠٠