النص المفهرس
صفحات 41-60
مختلفة، وأغراض متباينة؛ منها السياسية، ومنها العصبية الجنسية، والمذهبية، ومنها التقرب إلى الله تعالى بزعمهم! ومنها أحاديث وضعت خطأ دون قصد من بعض المغفَّلين من الصوفية، وضعفاء الحفظ من الفقهاء وغيرهم، ممَّن لا عناية لهم بالحديث وضبطه! وهي منتشرة بكثرة في كتب الفقه، والتفسير، والوعظ، والترغيب، والترهيب، وغيرها. ولكن الله تبارك وتعالى سخّر لهذه الأحاديث طائفة من الأئمة، بَّنوا ضعفها، وكشفوا عُوارَها، وأوضحوا وضعها، ولذلك لما قيل للإِمام عبدالله ابن المبارك : ((هذه الأحاديث المصنوعة؟)). أجاب بقوله : ((يعيش لها الجهابذة)). وقال ابن الجوزي : ((لما لم يمكن أحداً أن يدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوامٌ يزيدون في حديث رسولِ اللهِ، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله علماء يذبُونَ عن النقل، ويوضّحونَ الصحيح، ويفضحون القبيح، وما يخلي الله منهم عصراً من الأعصار، غير أن هذا الضرب قد قل في هذا الزمان، فصار أعز من عنقاء مغرب. فقد صاروا أعَزَّ مِن القَليلِ)) وقد كانوا إِذا عُدُّوا قَليلاً قلتُ: فإذا كان الأمر كذلك في عهد ابن الجوزي، فکم یکون عدد ٤١ العلماء الذَّابينَ عن الحديث في هذا العصر؟! لا شك أنهم أقل من القليل. وهذا مما يؤكد علينا وجوب الاستمرار في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ تحذيراً للناس منها، وقياماً بواجب بيان العلم، ونجاةً من إثم كتمانه . ولست أشك أن أهل العلم - ممَّن لم يُعْمِ بصائرَهُم الهوى - يُقدِّرون ذلك حق قدره؛ لما فيه من التعاون على تنقية حديثه والر مما ليس منه، كيف ولا والإِمام عبدالرحمن بن مهدي يقول: ((لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب حديثاً ليس عندي))(١)؟! هذا، ومما ينبغي أن يُذكر بهذه المناسبة أنني لا أقلد أحداً فيما أصدِرُه من الأحكام على تلك الأحاديث، وإنما أتّبع القواعد العلمية التي وضعها أهل الحديث، وجرّوا عليها في إصدار أحكامهم على الأحاديث من صحة أو ضعف، وذلك في عهد ازدهار الحياة الإِسلامية والعلم الإِسلامي، وإني أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفَّقتُ لاتباعها، وتعريف المسلمين عملياً بها، أو ببعضها، راجياً أن يقوم في ناشئة المسلمين من يجدد العمل بهذه القواعد التي هي من أدق ما عرف الفكر العلمي المنهجيُّ في مختلف العصور الإِنسانية، بشهادة جماعة من المستشرقين، وغيرهم من المخالفين، وقديماً قيل: ((والفضل ما شهدت به (١) رواه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١ / ١٠). ٤٢ الأعداء)). وقد تبيَّن لكثير من العلماء والفضلاء في مختلف البلاد والأصقاع أهمية تلك المقالات، وفائدتها الكبرى للناس، حيث نبَّهتهم على ضعف ووضع كثير من الأحاديث التي كانوا يرونها أحاديث صحيحة؛ لانتشارها في بطون الكتب، وتداولها على ألسنة الناس، على اختلاف طبقاتهم واختصاصاتهم، وساعد على سعة انتشارها في هذا العصر ما يسَّرَ الله تبارك وتعالى فيه من الوسائل الحديثة؛ كالإِذاعات، والجرائد، والمجلات، وغيرها؛ مما تصدرها المطابع، الأمر الذي يوجب على العلماء الغيورين على السنة المحمدية أن يبذلوا جهدهم في التحقق من الأحاديث لدى کتابتهم، وإذاعتهم، وحديثهم. لهذا؛ رأيت أولئك الفضلاء يشجعونني على الاستمرار في النشر، ولا أدلَّ على ذلك من إقبال الكثيرين منهم، ومن غيرهم من الطلاب، على الاشتراك في ((مجلة التمدن الإِسلامي)) للاطلاع على الأحاديث الضعيفة فيها - وقد كتب بذلك بعضهم إليَّ -؛ ليكونوا على بيِّنة من أمرها، فلا يقعوا مرة أخرى في الكذب على رسول الله وَله، أو على الأقل في عزو ما لم يصح نسبته إليه القر من الحديث. ولذلك، فقدْ حثَّني كثير من أولئك الفضلاء على نشر تلك الأحاديث في كتاب مفرد عن المجلة؛ ليقف عليها من لا اطَلاعَ له على المجلة، فيعمَّ النفع بها، وليسهل الرجوع عند الحاجة إليها. ولطالما كنتُ عازماً على الاستجابة لرغبتهم لولا بعض الموانع، فلما ٤٣ زالت، وتيسر لي ذلك، بادرت إلى تحقيقها؛ شاكراً لهم حسن ظنهم بأخیھم . ولما كان قد صدر من تلك الأحاديث أكثر من أربع مئة حديث، فقد رأيت أن أطبعها في أجزاء متسلسلة، يحوي كل جزء منها مئة حديث، أو أكثر إن اقتضى الأمر، وكلما تم نشر مئة أخرى منها في المجلة، طبعتها في جزء آخر، وجعلت كل خمسة أجزاء منها في مجلد واحد. وكذلك أضفت إلى كلامنا على بعض الأحاديث المنشورة في المجلة حتى الآن أموراً أخرى، مثل تعديل أسلوب الكلام عليها، وزيادة تحقیق فیها، ونحو ذلك من الفوائد. وقد أغيِّر حكمي السابق على الحديث بحكم آخر بدا لي فيما بعد أنه أعدل وأرجح، كأن أقول: ((ضعيف جداً)) بدل: ((ضعيف))، أو العكس، و: ((ضعيف)) بدل: ((موضوع))، أو العكس، ونحو ذلك. وهذا، وإن كان نادراً؛ فقد رأيتُ أن أنّبِّهَ إليه لأمرين: الأول: كي لا يُظَنَّ أنَّ ذلك التغيير خطأ مطبعي . والآخر: أن يعلمَ من شاءَ الله أن يعلم أن العلم لا يقبل الجمود، فهو في تقدم مستمر من خطأ إلى صواب، ومن صحيح إلى أصح، وهكذا ... وليعلموا أننا لا نصرُّ على الخطأ إذا تبيَّن لنا. هذا، ومع انتشار مقالات الأحاديث الضعيفة في مختلف البلاد الإِسلامية، فإنه لم يرد إلينا أي انتقاد عليها، ولا أدري إذا كان ذلك لما ٤٤ وُفِّقْنا إليه من الصواب بإذن الله تعالى - وهذا ما أرجوه - أو لقلة من له معرفة بهذا العلم الشريف، ونقد الأسانيد التي تمكّنه من الجَوَلانِ في هذه البحوث، أو لغير ذلك من الأمور(١). (١) اللهمَّ إلا انتقاد الشيخ عبدالله الحبشي الهرري نزيل دمشق، الذي نشره في رسالة أسماها ((التعقب الحثيث على من طعن فيما صح من الحديث))، أو - كما قال -: ((تحقيق البيان في إثبات سبحة أهل الإِيمان)»! وكنت أود أن يشاركنا الشيخ في نقده إيانا في تطبيق تلك القواعد العلمية التي سبقت الإشارة إليها، وفي تجديد العمل بها. ولكنه وإن حاول ذلك، فإنه لم يستطع الاستمرار عليه، بل عدل إلى تقليد بعض العلماء ممَّن وافق قولهم رأيه، وإلى اتهامنا بمخالفتهم، وبسوء الفهم لكلامهم! وبالتهور والتحكم النفساني! وسود صفحات كثيرة بأمور لا علاقة لها بمحل النزاع، ولا هي موضع خلاف. وأورد فيها - على صغر حجمها - كثيراً من الأحاديث الضعيفة والآثار الواهية، وحسبك مثالاً على ذلك حديث أورده في الصفحة الأولى بلفظ: ((إنَّ محرم الحلال؛ كمستحل الحرام)). ولا يصح رفعه؛ إنما هو موقوف! وقد بينت ذلك، وخرجته تخريجاً علمياً فيما سيأتي برقم (٦٢١٥) من المجلد الثالث عشر. انتقد الشيخ عليَّ حكمي على حديث: ((نعم المذكر السبحة)) بالوضع (انظر رقم ٨٣)، وحكمي على الحديثين المذكورين فيه من حديث صفية وسعد بالضعف، فذهب إلى أن الأول ضعيف لا موضوع، وإلى أن الآخرين صحيحان لا ضعيفان! فرددتُ عليه في مجلة ((التمدن))؛ بينت فيها خطأه في ذلك بأسلوب علمي نزيه؛ خلافاً لما جرى هو عليه في رسالته، ثم نشرنا في ذلك رسالة مفردة بعنوان ((الرد على التعقب الحثيث))، فمن شاء الاطلاع على الحقيقة؛ فليرجع إليها . وفي أثناء نشرنا الرد في المجلة، ولما يكد ينته؛ طلع علينا فضيلة الشيخ الحبشي برد آخر سماه ((نصرة التعقب الحثيث))، شحنه بالمغالطات والسب، والافتراء، والخروج عن الرد بالتي هي أحسن، حتى لقد أنذرني بسوء الخاتمة إن أنا استمررت على نهجي العلمي المخالف لفهمه وعلمه! فلما رأيت ذلك؛ صرفت النظر عن الرد عليه مرة أخرى، حرصاً مني على الوقت؛ كما بينته في خاتمة ردي المشار إليه، ولعلنا نذكر بعض شبهاته عند الكلام على الحديث المشار إليه آنفاً. ٤٥ ولا بد لي أخيراً من أن أشكر من كان سبباً لطبع هذه المقالات مرة أخرى في هذا الكتاب، وأن أشكر بصورة خاصة القائمين على ((مجلة التمدن الإِسلامي)) - وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد مظهر العظمة - فقد كان لهم الفضل الأول في نشرها في مجلتهم، حتى عرف الناس قدرها، فرغبوا في نشرها في كتاب مفرد، وقد لقي أصحابُ المجلة في سبيل ذلك كثيراً من المعارضات والانتقادات من بعض الشيوخ الجامدين، وغيرهم من الطرقيين الذين تأبى نفوسُهم أن يقف الناس على الحقائق التي تكشف عن جهلهم بالشريعة والسنة المحمدية، ولكنهم - أعني أصحاب المجلة - لم يبالوا بذلك، وصبروا على نشر ما يرونه حقاً، واستمروا عليه، أثابهم الله تعالى، وجزاهم عن الإِسلام خيراً (١). أسأله سبحانه أن يجعل عملي كله صالحاً، ولوجهه خالصاً، ولا يجعل لأحد فيه شيئاً، إنه سميع مجيب. دمشق ٢٥ / ٣ / ١٣٧٩ محمد ناصر الدين الألباني (١) وقد أضافوا إلى ما ذكرناه منقبة أخرى، فإنهم بدؤوا منذ العدد الأول من سنة (١٣٧٩هـ) بنشر مقالاتنا في ((الأحاديث الصحيحة))، فألفت نظر القراء إليها . ٤٦ تمهید في الأحاديث الضعيفة والموضوعة من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم، لا أستثني أحداً منهم، ولو كانوا علماءهم، إلا من شاء الله منهم من أئمة الحديث ونقاده؛ كالبخاري، وأحمد، وابن معين، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم. وقد أدَّى انتشارها إلى مفاسد كثيرة، منها ما هو من الأمور الاعتقادية الغيبية، ومنها ما هو من الأمور التشريعية، وسيرى القارىء الكريم الأمثلة الكثيرة لما ندَّعيه في كثير من الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى . وقد اقتضت حكمة العليم الخبير سبحانه وتعالى أن لا يدعَ هذه الأحاديث التي اختَلَقَها المُغْرضونَ لغايات شتى؛ تسري بين المسلمين دون أن يُقَيِّضَ لها من يكشف القناع عن حقيقتها، ويبين للناس أمرها، أولئك هم أئمة الحديث الشريف، وحاملو ألوية السنة النبوية الذين دعا لهم رسول الله وقال بقوله: ((نَضَّرَ الله امرءاً سمِعَ مقالَتي؛ فوعاها، وحفظها، وبلَّغها، فربَّ ٤٧ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه))(١). فقد قام هؤلاء الأئمة - جزاهم الله عن المسلمين خيراً - ببيان حال أكثر الأحاديث من صحة، أو ضعف، أو وضع، وأصَّلوا أصولاً متينة، وقعَّدوا قواعد رصينة، مَن أتقنها وتضلَّع بمعرفتها أمكنه أن يعلم درجة أي حديث، ولو لم ينصُّوا عليه، وذلك هو علم أصول الحديث، أو مصطلح الحدیث. وألَّف المتأخرون منهم كتباً خاصة للكشف عن الأحاديث، وبيان حالها، أشهرها وأوسعها كتاب ((المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة)) للحافظ السخاوي، ونحوها كتب التخريجات، فإنها تبيِّن حال الأحاديث الورادة في كتب مَن ليس من أهل الحديث، وما لا أصل له من تلك الأحاديث، مثل كتاب: ((نصب الراية الأحاديث الهداية)) للحافظ الزيلعي، و((المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإِحياء من الأخبار)) للحافظ العراقي، و ((التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) للحافظ ابن حجر العسقلاني، و((تخريج أحاديث الكشاف)) له، و((تخريج أحاديث الشفاء)) للشيخ السيوطي، وكلها مطبوعة . ومع أن هؤلاء الأئمة - جزاهم الله خيراً - قد سهَّلوا السبيل لمن (١) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه - والسياق له -، وابن حبان في ((صحيحه)) عن ابن مسعود . وقد ثبت عن جماعة من الصحابة بنحوه. فانظر ((التعليق الرغيب)) (١ / ٦٣)، و((الصحيحة)) (٤٠٤) . ٤٨ بعدهم من العلماء والطلاب؛ حتى يعرفوا درجة كل حديث بهذه الكتب وأمثالها، فإننا نراهم - مع الأسف الشديد - قد انصرفوا عن قراءة الكتب المذكورة، فجهلوا بسبب ذلك حال الأحاديث التي حفظوها عن مشايخهم، أو يقرؤونها في بعض الكتب التي لا تتحرى الصحيح الثابت، ولذلك لا نكاد نسمع وعظاً لبعض المرشدين، أو محاضرة لأحد الأساتذة، أو خطبة من خطيب؛ إلا ونجد فيها شيئاً من تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا أمر خطير، يُخشى عليهم جميعاً أن يدخلوا بسببه تحت وعيد قوله چالآن : ((مَن كذب عليَّ متعمداً(١) فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار)). [حديث صحيح متواتر]. فإنهم، وإن لم يتعمدوا الكذب مباشرة، فقد ارتكبوه تبعاً؛ لنقلهم الأحاديث التي يقفون عليها جميعها، وهم يعلمون أن فيها ما هو ضعيف وما هو مكذوب قطعاً، وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي وَلسر: ((كَفى بالمرءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بكل ما سمعَ)). (١) لفظة ((متعمداً)) صحيحة ثابتة في الحديث، وإن حاول التشكيك بها مؤلف كتاب ((الأضواء))، بل إنه جزم ببطلانها، وأنها من وضع بعض المحدثين؛ ليروج بها قوله: إنه يجوز رواية الحديث بالمعنى! وإنكار المؤلف المذكور لها لا يدل فقط على جهله بالحديث وطرقه، بل إنه يدل على جهله أيضاً بأصول الشريعة وقواعدها، فإن هذه اللفظة لو لم ترد في الحديث مطلقاً؛ فإن تقديرها في الحدیث لا مناص منه كما لا يخفى، وإلا كان المؤلف المذکور أول من یشمله الحدیث؛ لأنه - على الأقل - ليس معصوماً من الخطإ في رواية حديث ما! ٤٩ رواه مسلم في ((مقدمة صحيحه)) (١ / ٨)، وغيره من حديث أبي هريرة . ثم رُوي عن الإِمام مالك أنه قال : ((اعلم أنه ليس يَسْلَمُ رجلٌ حدَّث بكل ما سمِعَ، ولا يكون إماماً أبداً وهو یحدِّث بکل ما سمع)). وقال الإِمام ابن حبان في ((صحيحه)) (ص ٢٧): ((فصل: ذكر إيجاب دخول النار لمن نَسَبَ الشيء إلى المصطفى وَالر وهو غير عالم بصحته)). ثم ساق بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)). وسنده حسن، وأصله في ((الصحيحين)) بنحوه. ثم قال : ((ذكر الخبر الدال على صحة ما أومأنا إليه في الباب المتقدم)). ثم ساق بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله اليه : ((مَن حدَّثَ عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)). وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم في ((مقدمة صحيحه)) (١ / ٧) من حديث سمرة والمغيرة بن شعبة معاً، وقال: ((إنه حديث مشهور)). ثم قال ابن حبان : ٥٠ ((ذكر خبر ثان يدل على صحة ما ذهبنا إليه)). ثم ساق حديث أبي هريرة الأول. فتبين مما أوردنا أنه لا يجوز نشر الأحاديث وروايتها دون التثبت من صحتها، وإن من فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله وَالله ، وقد قال ◌َ له: ((إن كذباً عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ، فَمَن كَذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوَأ مقعده من النار)). رواه مسلم وغيره . ولخطورة هذا الأمر، رأيت أن أساهم في تقريب سبيل الاطلاع على الأحاديث التي نسمعها في هذا العصر، أو نقرأها في كتاب متداول، مما ليس له أصل يثبت عند المحدثين، أو له أصل موضوع، لعل في ذلك تحذيراً وتذکیراً لمن يتذكر أو يخشى . ولم أتقيد في سوقها بترتيب خاص، بل حسبما اتفق. ولذلك فإني أبتدئها بذكر حديثين قرأتهما في مقال نشر في العدد (٢٤٠٤) من ((جريدة العلم)» الغراء، لأحد المرشدين الفضلاء في صدد بحث له مفيد في إسراء النبي وَّ ومعراجه إلى السماء، والله ولي التوفيق. محمد ناصر الدين الألباني دمشق، رمضان سنة ١٣٧٤ هـ ٥١ - ١ - (الدِّينُ هُوَ العَقْلُ، ومَن لا دينَ لهُ؛ لا عَقْلَ لهُ). باطل. أخرجه النسائي في ((الكنى))، وعنه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (٢ / ١٠٤) عن أبي مالك بشر بن غالب بن بشر بن غالب عن الزهري عن مجمع بن جارية عن عمه مرفوعاً دون الجملة الأولى: ((الدين هو العقل))، وقال النسائي : «هذا حدیث باطل منکر)). قلتُ: وآفته بشر هذا، فإنه مجهول كما قال الأزدي، وأقره الذهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال))، والعسقلاني في ((لسان الميزان)). وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) (ق ١٠٠ / ١ - ١٠٤ / ١ - زوائده) عن داود بن المحبِّ بضعاً وثلاثين حديثاً في فضل العقل، قال الحافظ ابن حجر: ((كلها موضوعة)). ومنها هذا الحديث كما ذكره السيوطي في ((ذيل اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) (ص ٤ - ١٠)، ونقله عنه العلامة محمد طاهر الفتني الهندي في ((تذكرة الموضوعات)) (ص ٢٩ - ٣٠). وداود بن المحبِّر؛ قال الذهبي : ((صاحب ((العقل))؛ وليته لم يصنفه، قال أحمد: كان لا يدري ما الحديث، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث غير ثقة، وقال الدارقطني: متروك، وروى عبدالغني ابن سعيد عنه قال: كتاب ((العقل)) وضعه ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبِّر، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبدالعزيز بن أبي رجاء، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي)). ومما يحسُنُ التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع، وقد تتبّعتُ ما أورده منها أبو بكر بن أبي ٥٣ الدنيا في كتابه ((العقل وفضله))، فوجدتها كما ذكرت؛ لا يصح منها شيء، فالعجب من مصححه الشيخ محمد زاهد الكوثري كيف سكت عنها؟! بل أشار في ترجمته للمؤلف (ص ٤) إلى خلاف ما يقتضيه التحقيق العلمي، عفا الله عنا وعنه. وقد قال العلامة ابن القيم في ((المنار)) (ص ٢٥): ((أحاديث العقل كلها كذب)). وانظر الحديث (٣٧٠) و (٥٦٤٤). ٢ - (مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ؛ لمْ يَزْدَدْ مِن الله إلا بُعداً). باطل. وهو مع اشتهاره على الألسنة لا يصح من قبل إسناده، ولا من جهة متنه. أما إسناده؛ فقد أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ /١٠٦ / ٢ - مخطوطة الظاهرية)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٣ / ٢)، وابن أبي حاتم كما في (تفسير ابن كثير)) (٢ / ٤١٤)، و((الكواكب الدراري)) (٨٣ / ٢ / ١) من طريق لیٹ عن طاووس عن ابن عباس . وهذا إسناد ضعيف من أجل ليث هذا - وهو ابن أبي سليم - فإنه ضعيف. قال الحافظ ابن حجر في ترجته من ((تقريب التهذيب»: ((صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميَّز حديثه، فتُرك)). وبه أعله الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (١ / ١٣٤). وقال شيخه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١ / ١٤٣): «إسناده لین)). قلتُ: وقد أخرجه الحافظ ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٠ / ٩٢) من طريق أخرى ٥٤ عن ابن عباس موقوفاً عليه من قوله، ولعله الصواب؛ وإن كان في سنده رجل لم يسم. ورواه الإِمام أحمد في كتاب ((الزهد)) (ص ١٥٩)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) عن ابن مسعود موقوفاً عليه بلفظ : ((مَن لم تأمره الصلاةُ بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، لم يزدد بها إلا بعداً)). وسنده صحيح كما قال الحافظ العراقي، فرجع الحديث إلى أنه موقوف. ثم رأيته في معجم ابن الأعرابي قال (١٩٣ / ١): نا عبدالله - يعني ابن أيوب المخرمي -: نا يحيى بن أبي بكير عن إسرائيل عن إسماعيل عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عنِ الفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ﴾(١)، قال رسول الله وَالر ... فذكره. وهذا مرسل، وإسماعيل هو ابن مسلم؛ فإن كان أبا محمد البصري، فهو ثقة، وإن كان أبا إسحاق المكي، فهو ضعيف. لكن قال الحافظ العراقي : ((رواه علي بن معبد في كتاب ((الطاعة والمعصية)) من حديث الحسن مرسلاً بإسناد صحيح)). قلت: يعني أن إسناده إلى الحسن صحيح، ولا يلزم منه أن يكون الحديث صحيحاً؛ لما عرف من علم ((مصطلح الحديث)) أن الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف عند جمهور علماء الحديث، ولا سيما إذا كان من مرسل الحسن - وهو البصري -، قال ابن سعد في ترجمته: ((كان عالماً جامعاً رفيعاً ثقة ... ما أرسله فليس بحجة)). وحتى إنه لو فُرضَ أن الحسن وصل الحديث وأسنده، ولم يصرح بالتحديث، (١) العنكبوت: ٤٥. ٥٥ أو بسماعه من الذي أسنده إليه، كما لو قال: ((عن سمُرة))، أو: ((عن أبي هريرة))؛ لم يكن حديثه حجة، فكيف لو أرسله كما في هذا الحديث؟! قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)): ((كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: ((عن فلان))؛ ضعف احتجاجه، ولا سيما عمَّن قيل: إنه لم يسمع منهم، كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع)). على أنه قد ورد الحديث عن الحسن من قوله أيضاً، لم ينسبه إلى النبي وَّ، كذلك أخرجه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص ٢٦٤)، وإسناده صحيح، وكذلك رواه ابن جرير (٢٠ / ٩٢) من طرق عنه، وهو الصواب. ثم وجدت الحديث في ((مسند الشهاب)) (٤٣ / ٢) من طريق مقدام بن داود قال: نا علي بن محمد بن معبد بسنده المشار إليه آنفاً عن الحسن مرفوعاً. ومقدام هذا قال النسائي : ((ليس بثقة)). فإن كان رواه غيره عن علي بن معبد، وكان ثقة؛ فالسند صحيح مرسلاً؛ كما سبق عن العراقي، وإلا فلا يصح . وجملة القول: إن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي وَّر، وإنما صحَّ من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس. ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في ((كتاب الإِيمان)) (ص ١٢) إلا موقوفاً على ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما. وقال ابن عروة في ((الكواكب)): ((إنه الأصح)). ٥٦ ثم رأيتُ الحافظ ابن كثير قال بعد أن ساق الحديث عن عمران بن حصين، وابن عباس، وابن مسعود، والحسن؛ مرفوعاً: ((والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم)). قلتُ: وسيأتي حديث عمران في المئة العاشرة إن شاء الله تعالى، وهو بهذا اللفظ، إلا أنه قال: ((فلا صلاة له))، بدل: ((لم يزدد عن الله إلا بعداً)). وهو منكر أيضاً كما سيأتي بيانه هناك بإذن الله تعالى، فانظره برقم (٩٨٥). وأما متن الحديث فإنه لا يصح؛ لأن ظاهره يشمل من صلَّى صلاة بشروطها وأركانها، بحيث إن الشرع يحكم عليها بالصحة، وإن كان هذا المصلي لا يزال يرتكب بعض المعاصي، فكيف يكون بسببها لا يزداد بهذه الصلاة إلا بعداً؟! هذا مما لا يُعقل، ولا تشهد له الشريعة، ولهذا تأوله شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله : ((وقوله: ((لم يزدد إلا بعداً))؛ إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله، أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل)). وهذا بعيد عندي؛ لأن ترك الواجب الأعظم منها، معناه ترك بعض ما لا تصح الصلاة إلا به، كالشروط والأركان، وحينئذ فليس له صلاة شرعاً، ولا يبدو أن هذه الصلاة هي المرادة في الحديث المرفوع والموقوف، بل المراد الصلاة الصحيحة التي لم تثمر ثمرتها التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ﴾(١)، وأكدها رسول الله وَّ لما قيل له: إنَّ فلاناً يصلي اللیل کله، فإذا أصبح سرق! فقال: ((سينهاهُ ما تقول))، أو قال: ((ستمنعه صلاته)). (١) العنكبوت: ٤٥. ٥٧ رواه أحمد، والبزار، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٤٣٠)، والبغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (٩ / ٩٧ / ١)، وأبو بكر الكلاباذي في ((مفتاح معاني الآثار)) (٣١ / ١ / ٦٩ / ١) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة. فأنت ترى أن النبي وسلم أخبر أن هذا الرجل سينتهي عن السرقة بسبب صلاته - إذا كانت على الوجه الأكمل طبعاً؛ كالخشوع فيها، والتدبر في قراءتها - ولم يقل: إِنَّه ((لا يزداد بها إلا بعداً))، مع أنه لما ينته عن السرقة. ولذلك قال عبدالحق الإِشبيلي في ((التهجد)) (ق ٢٤ / ١): ((يريد عليه السلام أن المصلي على الحقيقة، المحافظ على صلاته، الملازم لها؛ تنهاه صلاته عن ارتكاب المحارم، والوقوع في المحارم». فثبت بما تقدم ضعف الحديث سنداً ومتناً. والله أعلم. ثم رأيت الشيخ أحمد بن محمد عز الدين بن عبدالسلام نقل أثر ابن عباس هذا في كتابه ((النصيحة بما أبدته القريحة)) (ق ٣٢ / ١) عن تفسير الجاربردي، وقال: ((ومثل هذا ينبغي أن يحمل على التهديد؛ لما تقرر أن ذلك ليس من الأركان والشرائط)). ثم استدل على ذلك بالحديث المتقدم: ((ستمنعه صلاته))، واستصوب الشيخ أحمد كلام الجاربردي هذا، وقال: ((لا يصح حمله على ظاهره؛ لأن ظاهره معارض بما ثبت في الأحاديث الصحيحة المتقدمة من أن الصلاة مكفِّرة للذنوب، فكيف تكون مكفرة، ويزداد بها بعداً؟! هذا مما لا يعقل))! ثم قال: ٥٨ ((قلتُ: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار إنه موقوف على ابن عباس أو غيره، وأما على اعتباره من كلامه وَّر، فهو بعيد عندي، واللّه أعلم)). قال: ((ويشهد لذلك ما ثبت في البخاري أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبي وَّه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾(١). ثم رأيت شيخ الإِسلام ابن تيمية قال في بعض فتاواه: ((هذا الحديث ليس بثابت عن النبي وله، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعداً، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه؛ وإن كان فاسقاً)). قلت: فكأنه يشير إلى تضعيف الحديث من حيث معناه أيضاً، وهو الحق. وكلامه المذكور رأيته في مخطوط محفوظ في الظاهرية (فقه حنبلي ٣ / ١٢ / ١ - ٢). وقد نقل الذهبي في ((الميزان)) (٣ / ٢٩٣) عن ابن الجنيد أنه قال في هذا الحديث : «کذب وزور)». ٣ - (هِمَّةُ الرجالِ تُزِيلُ الجِبالَ). ليس بحديث. قال الشيخ إسماعيل العجلوني في ((كشف الخفاء)): ((لم أقف على أنه حديث، لكن نقل بعضهم عن الشيخ أحمد الغزالي أنه قال: (١) هود: ١١٤. ٥٩ قال رسول الله وَالله : همة الرجال تقلع الجبال)). فليراجع)) . قلت: قد راجعنا مظانه في كتب السنة، فلم نجد له أصلاً، وإيراد الشيخ أحمد الغزالي له لا يثبته، فليس هو من المحدِّثين، وإنما هو مثل أخيه محمد، من فقهاء الصوفية، وكم في كتاب أخيه ((الإِحياء)) من أحاديث جزم بنسبتها إلى النبي ◌َّر، وهي مما يقول الحافظ العراقي وغيره فيها : ((لا أصل له)). منها : ٤ - (الحَديثُ في المسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهَائِمُ الحشيشَ). لا أصلَ له. أورده الغزالي في ((الإِحياء)) (١ / ١٣٦)، فقال مخرجه الحافظ العراقي : ((لم أقف له على أصل)). وبيض له الحافظ في ((تخريج الكشاف)) (٧٣ / ٩٥ ,١٣٠ / ١٧٦). وقال عبدالوهاب بن تقي الدين السُّبكي في ((طبقات الشافعية)) (٤ / ١٤٥ - ١٤٧) : ((لم أجد له إسناداً)). والمشهور على الألسنة: ((الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب))، وهو هو. ٦٠