النص المفهرس
صفحات 21-40
الوجه الثاني: المعارضة بتضعيف من ضعف الحديث، وهم أقدم وأشهر وأکثر: ١ - المنذري، مخالفاً في ذلك لشيخه أبي الحسن المقدسي الذي اعتمد عليه الأنصاري من بين الثلاثة المتقدمين آنفاً! ٢ - النووي، الذي رد عليه ابن حجر تضعيفه، وهو المضعف! ٣ - ابن تيمية، الذي نقل الأنصاري عنه تضعيفه لعطية دون أن ينقل تضعيفه للحديث نفسه! ٤ - البوصيري، الذي نقل عنه الأنصاري تضعيفه إياه؛ دون أن يعتبر به ! ٥ - محمد بن عبدالوهاب، الذي نقل عنه الأنصاري تضعيفه لعطية، ولم ينقل عنه تضعيفه للحديث أيضاً، وإن كان التضعيف الأول كافياً. ٦ - صديق حسن خان . ويمكن أن نُلحِقَ بهم سابعاً وثامناً، وهما: ٧ - النسائي . ٨ - ابن القيم. أما النسائي؛ فلعدم ذكره إياه في كتابه ((عمل اليوم والليلة))؛ خلافاً لتلميذه ابن السني الذي أورده في كتابه كما نقله الأنصاري (ص ٢٥)، وكتاب النسائي أنظف بكثير من كتاب تلميذه، فلولا أنه يعلم أنه ضعيف؛ ٢١ لكان أورده فيه إن شاء الله تعالى . وأما ابن القيم؛ فكذلك لم يذكره في كتابه ((الوابل الصيب)) المطبوع عدة طبعات، منها التي علق عليها الشيخ الأنصاري، وهو في ذلك تابع لشيخه ابن تيمية، فإنه لم يورده أيضاً في كتابه ((الكلم الطيب)) مع تصريحه المتقدم بضعفه، ومعلوم لدى العلماء أن ابن القيم قلما يخالف شيخه في ارائه واجتهاداته . وإن من شغب الشيخ الأنصاري قوله عقب التحسين المتقدم عن الثلاثة : ((فماذا يقول الألباني فيهم، وقد سلكوا في ذلك مسلك التقوية، لا شك أنه سيقول فيهم أشد وأشنع مما قاله في محمد بن عبدالوهاب)). فلينظر القارىء الكريم إلى خباثة هذا الرجل، الذي يكاد قلبه يقطر دماً حسداً وحقداً، إنه يسأل ماكراً، ويجيب من عند نفسه باغياً، وهو يقرأ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسُّوءِ ... ﴾، أم هو من مشايخ أهل الكشف، الذين يزعمون أنهم يطلعون على ما في صدور الناس، ويكشفون أسرار قلوبهم؛ كفراً بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما في الصُّدُورِ﴾؟! أما جوابي أنا الذي أدين الله به: فهو أنني لم أشنع على الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولن أقول فيه ولا في غيره من العلماء إلا ما قال الله: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾، مَن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد. ولكن ماذا تقول أنت أيها المنتسب إلى الأنصار في الإِجماع الذي ٢٢ نقله شيخ الإِسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي على ضعف عطية الذي تفرَّد بهذا الحديث كما تقدم (ص ١٠)، وفي اتفاق أولئك الأئمة الستة أو الثمانية - وفيهم محمد بن عبدالوهاب نفسه - على ضعف حديثه هذا؟ لن أتخرص تخرصك السابق، و﴿أَعُوذُ باللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾، ولكنْ لا بُدَّ لك من أن تقول: أصابوا أو أخطؤوا، فإن قلت بالأول سقطت رسالتك - إن كانت لم تسقط بعد بما تقدم ! - كما سقط انتصارك المزعوم، وإن قلت بالآخر، فهل يخطىء الإِجماع؟! فإن قلت: لا ؛ ظهر تناقضك وتهافتك، وإن قلت: نعم؛ حُقَّ فيكَ قول ربِّ العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيِّنَ لَهُ الهُدَى وَتَّبِعْ غَيْرَ سَبْلِ المُؤمِنِينَ نُوَلَّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيْراً﴾ عياذاً بالله تعالى. ثم إن الشيخ الأنصاري - هداه الله - لم يكتف بما سبق الكشف عنه من تهجماته وتخرصاته، حتى ختم رسالته بفرية أخرى، أو تجاهل آخر - على الأقل -، وهو زعمه (ص ٢٧) أنني لم أطلع على ما فسر به الإِمام محمد بن عبد الوهاب جملة: ((بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا))! قلت: التفسير المشار إليه معروف لدي والحمد لله، والشيخ يعلم ذلك جيداً؛ لأنه قرأه في آخر الكلام على هذا الحديث في هذه السلسلة كما سيأتي في صدد الرد على بعض المبتدعين المستدلين به على التوسل المبتدع، فقد قلت هناك: ((إن حق السائلين على الله تعالى هو أن يجيب دعاءهم، فلو صح ٢٣ هذا الحديث وما في معناه؛ فليس فيه توسلٌ ما بمخلوقٍ، بل هو توسُّل إليه بصفة من صفاته، وهي الإِجابة ... )) إلخ. ونحوه في رسالتي ((التوسل أنواعه وأحكامه)) (ص ١٠٠)، وما أظن الشيخ إلا وقد اطلع عليه، لا أقول للاستفادة منه، فهو الغني عن ذلك! ولكن لتتبع العثرات! ولا بأس من أن أختم كلامي هنا بالدعاء المأثور في بعض الأحاديث : ((اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعاني (أي : يتجسس علي)، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها)). وسيأتي تخريجه والكلام على إسناده في المجلد السادس من هذه السلسلة برقم (٢٩١٣) إن شاء الله تعالى . وبعد كتابة ما تقدم ذكّرني أحد الإِخوان برسالة لصاحبنا الشيخ حماد الأنصاري حفظه الله سماها: ((تحفة القاري في الرد على الغماري))، فيها الرد عليه تحسينه لهذا الحديث - كالشيخ إسماعيل تماماً - وهو ابن عم الشيخ حماد، فتساءلنا: لماذا خصَّ الشيخُ إسماعيلُ برده الألبانيَّ دون ابنٍ عمه، وهما متفقان في مخالفته في تحسينه الذي وافق فيه الشيخَ الغماريَّ المشهور بابتداعه واتِّباعه لهواه! وكذلك لم يُشْرك في رَدِّه الشيخَ شعيباً الأرناؤوط مع أنه معنا في التَّضعيف في تعليقه على ((شرح الطحاويَّة)) (١ / ٢٩٥ - ٢٩٦)؟! أليس في ذلك ما يؤكّد للقراء أن رد الشيخ ليس للنصح والإِرشاد، وإنما للتشفّي من الألباني والتشهير به؛ حسداً وحقداً عليه، ٢٤ ومحاباة لابن عمه؟! ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾. وبهذه المناسبة أسوق هنا للشيخ الأنصاري القصة التالية عبرة له وتذكيراً بما كان عليه السلف من الأنصار، لعلهم يكونون لمن خلف من بعدهم قدوة حسنة يحتذى بهم في سلامة القلب، وحسن الخلق . قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنا جلوساً مع رسول الله وَالته فقال : (يطلعُ عليكُم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنةِ)). فطلعَ رجلٌ من الأنصارِ تنطفُ لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال. فلما كان الغد؛ قال النبي رير مثل ذلك، فطلع الرجل مثل المرّة الأولى. فلما كان اليوم الثالث؛ قال النبي ◌َّ مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى . فلما قام النبي ◌َّ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحَيْتُ أبي، فأقسمتُ أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي (وفي رواية: حتى تحل يميني)؛ فعلت؟ قال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً؛ غير أنه إذا تعارَّ، وتقلب على فراشه، ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، [فيسبغ الوضوء]. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً. فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله؛ قلت: يا عبدالله! إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثَمّ، ٢٥ ٠٠ ولکن سمعت رسول الله پ# يقول لك ثلاث مرار: ((يطلعُ عليكم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنةِ)). فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك؟ فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله اپڼ؟ فقال : ما هو إلا ما رأيتَ! [فانصرفت عنه]. قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، (وفي رواية: غلاً) ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه . فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق. أخرجه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (٢٤١ / ٦٩٤)، والروايتان مع الزيادتين له، وعبدالرزاق في ((المصنف)) (١١ / ٢٨٧ / ٢٠٥٥٩)، وعنه أحمد (٣ / ١٦٦) والسیاق له. وإسناده صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال المنذري، ورواه غيرهم كما في ((الترغيب)) (٤ / ١٣). وقد قال ابن تيمية - رحمه الله - عقب الحديث في ((الفتاوى)) (١٠ / ١١٩) : ((فقول عبد الله بن عمرو له: ((هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق)) يشير إلى خلوّه وسلامته من جميع أنواع الحسد. ٢٦ وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار، فقال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ؛ أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون، قال المفسرون: ((﴿لَا يَجِدُونَ فِي صُدورِهِمْ حَاجَةً﴾؛ أي: حسداً وغيظاً مما أوتي المهاجرون)). فهلا اقتديت بهم أيها الأنصاري؟! وفي ختام هذه المقدمة لا بد لي من كليمة أوجهها إلى كل مخلص من قرائنا، حبيباً كانَ أم بغيضاً، فأقول: كثيراً ما يسألني بعضهم عن سبب الشدة التي تبدو أحياناً في بعض كتاباتي في الرد على بعض الكاتبين ضدي؟ وجواباً عليه أقول: فليعلم هؤلاء القراء أنني بحمد الله لا أبتدىء أحداً يرد علي ردّاً علمياً لا تَهَجُّمَ فيه، بل أنا له من الشاكرين، وإذا وُجِدَ شيءٌ من تلك الشدة في مكان ما من كتبي ؛ فذلك يعود إلى حالة من حالتين : الأولى: أن تكون ردّاً على مَن رد علي ابتداء، واشتط فيه وأساء إلي بهتاً وافتراءً؛ كمثل أبي غدة، والأعظمي الذي تستر باسم أرشد السلفي! والغماري، والبوطي، وغيرهم؛ كالشيخ إسماعيل الأنصاري غيرما مرة، وما العهد عنه ببعید! ومثل هؤلاء الظلمة لا يفيد فيهم - في اعتقادي - الصفح واللين، بل إنه قد يضرهم، ويشجعهم على الاستمرار في بغيهم وعدوانهم؛ كما قال ٢٧ الشاعر: إِذا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ وإِنْ أَنْتْ أَكْرَمْتَ اللَّئيمَ تَمَرَّدَا وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلَى مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى بل إن تحمُّلَ ظلم مثل هؤلاء المتصدرين لإِرشاد الناس وتعليمهم، قد يكون أحياناً فوق الطاقة البشرية، ولذلك جاءت الشريعة الإِسلامية مراعية لهذه الطاقة، فلم تقل - والحمد لله - كما في الإِنجيل المزعوم اليوم: ((مَن ضربك على خدك الأيمن؛ فأدِرْ له الخد الأيسر، ومن طلب منك رداءك؛ فأعطه كساءك))! بل قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عليهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وأنا ذاكر بفضل الله تعالى أن تمام هذه الآية الثانية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ولَمَن انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عليهِمْ مِن سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ على الذينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذُلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾، ولكني أعتقد أن الصفح المشكور، والصبر المأجور؛ إنما هو فيمن غلب على الظن أن ذلك ينفع الظالم ولا يضره، ويعزُّ الصابر ولا يذله؛ كما يدل على ذلك سيرته وَّل العمليَّة مع أعدائه، وقوله وَل : ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيّاً أو قتله نبي)). انظر ((الصحيحة)) (٢٨١). ٢٨ وأقل ما يؤخَذُ من هذه الآيات ونحوها أنها تسمح للمظلوم بالانتصار لنفسه بالحق دون تعدٍّ وظلم؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾، والسنة تؤكد ذلك وتوضحه؛ كمثل قوله وال لعائشة حين اعتدت إحدى ضَرَّاتِها عليها: ((دونَكِ فانْتَصِري)). قالت: فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها، ما ترد علي شيئاً، فرأيت النبي ◌َّ يتهلل وجهه . رواه البخاري في ((الأدب المفرد))، وغيره؛ بسند صحيح، وهو مخرج في المجلد الرابع من ((الصحيحة)) (١٨٦٢). فأرجو من أولئك القراء أن لا يبادروا بالإِنكار، فإني مظلوم من كثير مَمَّن يدَّعون العلم، وقد يكون بعضهم ممَّن يُظَنُّ أنه معنا على منهج السلف، ولکنه ۔۔ إن کان کذلك - فهو ممن أكل البغضُ والحسدُ کبده؛ كما جاء في الحديث: ((دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلَكم: الحسد، والبغضاء، هي الحالقة؛ حالقة الدين، لا حالقة الشعر)). وهو حديث حسن بمجموع طريقيه عن ابن الزبير وأبي هريرة . فأرجو من أولئك المتسائلين أن يكونوا واقعيين، لا خياليين، وأن يرضوا مني أن أقف في ردِّي على الظالمين مع قول رب العالمين: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ غير متجاوب مع ذلك الجاهلي القديم: ٢٩ أَلَا لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنا عياذاً بالله أن أكون من الجاهلین. والحالة الأخرى أن يكون هناك خطأ فاحش في حديث ما، صدر من بعض من عُرف بقلة التحقيق، فقد أقسو على مثله في الكلام عليه، غيرةَ مني على حديث رسول الله و الله؛ كقولي الآتي تحت الحديث (١٤٢): ((لم يخجل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - أن يستشهد بهذا الإِسناد الباطل؛ فإن (أبو الدنيا) هذا أفاك كذاب، لا يخفى حاله على السيوطي ... )). فإن الباعث على هذه الشدة إنما هو الغيرة على حديثه وَل؛ أن يُنْسَبَ إِليه ما لم يقله، وسلفنا في ذلك بعض الحفاظ المعروفين بالدين والتقوى، فانظر مثلاً إِلى قول الذهبي رحمه الله في الحاكم؛ وقد صحح الحديث الآتي في فضل علي رضي الله عنه برقم (٧٥٧): ((قلت: بل والله موضوع، وأحمد الحراني كذاب، فما أجهلك على سعة معرفتك؟!)). فليتأمل القارىء الفرق بين الحاكم والسيوطي من جهة، وبين عبارة الذهبي في الحاكم، وعبارتي في السيوطي من جهة أخرى. ثم وقفتُ على رسالة جديدة للشيخ الأنصاري - وهذه المقدِّمة تحت الطّبع - تؤكِّدُ لكل مَن يقرؤها أنَّه ماضٍ في بغضهِ وحسده وافتراءاتِه، وهي ٣٠ بعنوان: ((نقد تعليقات الألباني على شرح الطّحاويَّة))! وهو فيه - كعادته في ردوده عليَّ - لا يحسِنُ إلا التهجُّمَ، والتَّحامل عليَّ بشتَّى الأساليب، والغمز، واللمز؛ كقوله في أول حديث انتقدني فيه بغير حق : (فباعتبار الألباني نفسه محدِّثاً لا فقيهاً (!) ... )). ونحو هذا من الإِفك الذي لا يصدُرُ من كاتب مخلصٍ يبتغي وجه الحق، وينفع فيه اللَّين والأسلوب الهِّن في الردِّ عليه؛ لأنه مكابرٌ شديدٌ المكابرة والتمخُّل لتسليك أخطاءٍ غير الألباني مع ظهورها، بقدر ما يتكلَّف في توهيمِه وتجهيلهِ - ولو ببتر كلام العلماء، وتضليل القرَّاء - ليستقيمَ ردُّهُ علیهِ !! وهو في بعض ما أخذهُ عليَّ ظلماً في ((نقده)) هذا قد سبقهُ إليه الكوثري الصغير أبو غدَّة الحلبي، الذي كنتُ رددتُ عليه في مقدِّمة تخريج ((شرح الطحاوية))، فالتقاؤهُ معه في ذلك ممَّا يدلُّ على أنَّه لا يتحرَّجُ في أن يتعاوَنَ مع بعضِ أهلِ الأهواء في الردّ على أهل السنَّة! فلا أدري والله كيف يكونُ مثلُه باحثاً في دارِ الإِفتاء؛ وفيها كبارُ العلماء الذين لا يمكن أن يخفى عليهم حال هذا الباحث في انحرافِهِ في الرَّدِّ عن الأسلوب العلميِّ النّزيه، إلى طريقتِه المبتّدَعة في اتَّهامه لمَن خالفه من أهل السنّة بالبهت، والافتراء، والتدليس، وتحريف الكلم عن مواضعه، وتتبّع العثرات؟! ومَن أراد أن يتحقَّق من هذا الذي أجملتُه مِن أخلاقِ الرجل، بقلمٍ غير قلمي، وأسلوبٍ ناعمٍ غير أسلوبي؛ فليقرأ ردَّ الأخ الفاضل سمير بن ءُ ٣١ أمين الزُّهيري المنصوري: ((فتح الباري في الذّبِّ عن الألباني والرَّدِّ على إسماعيل الأنصاريّ))، أرسلهُ إليَّ جزاه الله خيراً وأنا زائرٌ في (جُدَّة) أواخر شعبان هذه السنة (١٤١٠هـ)، وهو في المطبعة لمَّا يُنشَرْ بعد، وما يصل هذا المجلَّد إلى أيدي النَّاس؛ إلا ويكون قد تداولته الأيدي . وهو ردٌّ علميٍّ هادىءٌ جدّاً، نزيهٌ، لا يقولُ إلا ما وصَلَ إليهِ علمُه، لا يُداري ولا يُماري منطلقاً وراء الحجة والبرهان، وهو مع سعة صدره في الردِّ على الأنصاري؛ فإنَّه لم يتمالك أن يصرِّح ببعضِ ما سبق وَصْفُه به، فهو يصرِّح (ص ٦٦ و٧٧): أَنَّه غير منصفٍ في النَّقد، ولا أمين في النقل! وهو يتعجَّب (ص ٨٢ و٨٦) من مكابرة الأنصاريِّ وادِّعائهِ على الألبانيِّ خلافَ الواقع! ولقد ضاقَ صدرُه من كثرةٍ مكابرتِه وتدليسه على القرَّاء، فقال (ص ٨٧) : ((أُكَرِّر هنا أنَّني أسأم من توجيهِ النَّصيحة للشيخ الأنصاري حفظه الله: بأنَّه إذا فاته الإِنصاف في النقد؛ فليحرص على أن لا تَفوتَه الأمانة في النقل)). ثم کشف عن تدليسه المشار إليه، ثم قال (ص ٨٨): ((ألا فَلْيَتَّق الله الشيخُ الأنصاري، فمهما حاول؛ فلنْ ينالَ من منزلة الشيخ الألباني حفظه الله : ٣٢ كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُومِنَها فَلَمْ يُضِرْها وأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعلُ)) وفي آخر بحث له طويل معه (ص ٣٨ - ٤٠) صرَّح في آخره: أن الأنصاريَّ ((دلَّس وأخفى كلام الشيخ ناصر))! ثم قال (ص ٤١): ((بل هو يتخيَّل أشياء هي أصلاً غير موجودة، ثم هو يبني عليها نقدە! )). ثمَّ ردَّ عليه بعض مزاعمه الباطلة في ((نقده)) هذا، وختم ذلك بقوله فيه بارك الله عليه (ص ٤٣): ((بل كان يجبُ عليه ألَّ يُخْرِجَ ((نقده)) هذا أبداً، لا لأنّنا ضد نقد الألباني، وإنَّما لأَنَّنا ضد أي نقد غير علميٌّ)). ثم إن الأخ الفاضل وصف الشيخ الأنصاري (ص ٥٠) بأنَّه ينقد من أجل النقد فقط، وهذا شيءٌ ظاهرٌ جدّاً في ردودِهِ، وبخاصَّةٍ ردُّه هذا. ثم ضربَ على ذلك مثلاً: حديثاً أخرجه البخاري ومسلم في ((صحيحيهما))، ومع ذلك ذكر شارح ((الطحاويَّة)) أن له علة! فلمَّا ردَّ ذلك الألبانيُّ وأثبتَ صحَّته؛ ثارَ الأنصاريُّ حمِيَّةً للشارح، واعترض على الألباني دون أيِّ حجّة علميَّة إلا الشغب كعادته، فقال الأخ الفاضل: ((عجباً للشيخ الأنصاري! إن انتقد الشيخ الألباني حديثاً في ((الصحيحين)) أو أحدهما، وقدم الأدلَّة العلميَّة المقنعة بذلك، ونقل كلام ٣٣ أهل العلم السابقين في ذلك الحديث؛ لم يُعْجِب الشيخَ الأنصاريَّ هذا الصنيعُ، وتباكى على ((الصحيحين))، وندَّد بجرأة الشيخ عليهما. والآن؛ لأن الشيخ يدافع عن ((الصحيحين))؛ فهذا لا يعجب الأنصاري، ومن أجل النقد، والنقد فقط، يقف إلى جانب الشارح؛ دون أدلَّة علميَّة ... المهم مخالفة الألباني! وما دام الشيخ الأنصاريُّ يبحث عن مخالفة الألبانيِّ بأيِّ شكلٍ، حتى لو كانَ هذا بتضعيفِ حديثٍ في ((الصحيحين))، ومن غير بيِّنة؛ فلماذا يستنكِرُ على الألبانيِّ نقدَه لأحاديث ((الصحيحين)) وبأدلَّة علميَّة؟! أسأل الله عز وجل أن لا يكون في هذا حظّ نفس)). ثم قالَ بارك الله عليه (ص ٥٢ و٦٦): ((وأما عن اتّهامه للشيخ الألباني، وتقويله له ما لم يقله؛ فلا أحبُّ أن أتعرَّض له!)). أقول: هذا بعض ما وصف به الأخُ الفاضل سمير الزُّهيري الشيخ الأنصاري من تعدِّيه وتقوُّله عليَّ . ومعذرةً إلى القراء الكرام إذا أنا أطلتُ في هذه المقدّمة؛ لأن الغرض أن نُبَصِّرَهُم بحال بعض الطاعنين فيَّ بغير حقٌّ، بقلم غيري من الكُتَّاب المنصِفِينَ الحيادِيِّينَ، ولكي لا يُبادِروا إلى استنكار ما قد يَجِدون منّي من الشدة أحياناً في الردِّ على بعض النَّقدين بأهوائِهِم وبغيرِ علمٍ، فقديماً قالوا: ((قال الحائطُ للوقد: لم تشقُّني؟ قال: سَلْ من يدقُّني))، راجياً ألا يحمِلوني أن أتمثَّل بقول الشاعر: ٣٤ غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَذَّبُ فِيكُمُ فَكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمِ وإنَّ مما يحسن التَّذكير به أن الشيخ الأنصاري كما حابى ابن عمِّه الشيخ الفاضل حمَّاد الأنصاري في سكوته عن تضعيفه لحديث عطيّة المتقدم (ص ١٨)؛ كذلك حابى الأنصاريُّ مَن يوافقه في بعض أوصافه المتقدِّمة؛ كالحسد، والحقد، وتُّع العثرات، ودفنه للحسنات! ألا وهو الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على ((شرح العقيدة الطحاوية)) طبع مؤسسة الرسالة، بالرغم من أنه قد شاركني في تضعيف الحديث المشار إليه، وفي كثيرٍ ممَّا أنكره الأنصاري عليَّ؛ فإن كثيراً من تخريجاته قد استفادها من تخريجي، وفيه العزو إلى بعض المخطوطات التي لا تطولها يده! دون أن يشير إلى ذلك، فهو يستغلَّ جهود غيره، ثم ينسبها إلى نفسه متشبِّعاً بما لم يعط! فانظر على سبيل المثال: (١ / ٨٨ و٩٤ و٩٦ و١٥٦ و١٦٥ و٢٢٤ و٢٣٤، و٢ / ٣٧٨ و٣٨٩ و٤١٨ و٤٢٣ و٥١٠ و٥٢٠ و٥٤٢ و٥٤٤ و٥٤٩)، وقابل ذلك بتخريجي؛ لتتحقَّق ممَّا ذكرت، على أنّني قد عدت عن تخريج بعضها؛ كالحديثين المشار إليهما بالرقمين الموضوع عليهما الخط الأفقي، وبقي هو على تقليده إياي! والحديث الأول مخرَّج عندي في ((الصحيحة)) (٢٨٢٩)، والآخر في ((الضعيفة)) (٥٤٢٧)، وهو ممَّا استدركته في بعض الطبعات الجديدة بتخريجي على ((شرح الطحاوية))؛ كالطبعة الثامنة والتاسعة (ص ٢٩٠). ومن هنا يظهر للقرّاء محاباة الأنصاري للشيخ شعيب أيضاً؛ كما ٣٥ ذكرت آنفاً، ولهذا قال الأخ سمير جزاه الله خيراً تحت عنوان: ((على مَن كان ينبغي أن يكون ردُّ الأنصاري؟)) (ص ٦٣): ((ومعظم ما أخذه الأنصاري في ((ردِّه)) هذا على الشيخ الألباني هو موجود في طبعة شعيب المشار إليها آنفاً، أفليس الأولى أن يكون نقده لطبعة شعيب، خاصة أن الرجل غير معروفٍ بدفاعه عن العقيدة السلفية كالشيخ الألباني حفظه الله؟!)). هذا، ولقد كان من الأحاديث التي حشرها الشيخ الأنصاري في ٢ ((نقده)) الحديث الآتي في هذا المجلَّد برقم (٣٤٤) بلفظ: ((لما حملت حواء؛ طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد ... )) الحديث . والذي يقرأ كلامه حوله لا يجد فيه سوى الشّغَب، واللعب على الحبلين - كما يقال - فهو من جهةٍ يزعم أن العلماء أعلَّوه بستة أمور ... (وذكرها)، وليس منها تدليس الحسن البصري! فالحديث على هذا الذي ذكر هو من العلل يكون عنده واهياً؛ لأن العلل الخمس لا تزال قائمة! ولكنه من جهة أخرى عاد فنقض ذلك بقوله : ((إن من أهل العلم مَن لم يعله؛ كالترمذي وحسنه، والحاكم وصححه ... ))! فهو حيران بين هؤلاء المصحِّحين، وأولئك المضعّفين! فهو كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة؛ لا تدري أيهما تتبع! كما جاء في الحديث الصحيح! مع أنه - أو لعله - يدري أن المخالفين ٣٦ بالتحسين والتصحيح من المتساهلين في ذلك عند العلماء المحقّقين! ولذلك؛ لما رد عليه الأخ الفاضل نقده إياي في هذا الحديث وبيِّن جهله وتناقضه فيه؛ لم يسعه إلا أن يبدي تعجّبه منه، وينهي ردَّه عليه بقوله (ص ٧٢) : ((وهذا والله هو العجب: أن لا يدري الإِنسان ما يقول))! ذلكم هو الشيخ إسماعيل الأنصاري، ولعلّ القراء بعد هذا البيان يعذروننا إذا قلنا فيه ما فيه؛ دون تعدٍّ أو تجنُّ عليه كما يفعل هو. ولقد بلغني وأنا في السعودية أن بعض الشيوخ الفضلاء نصحه أن لا ينشر نقده هذا، فأبى إلا أن يتّبع هواه ويفضحَ نفسه، وعلى نفسها جَنَتْ براقش. وأختم هذه المقدمة بحديث يناسب المقام، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ((سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، ولا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إلا دخله)). ((صحيح الترغيب)) (رقم ٤٨). ((وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). عمان ١٥ شعبان سنة ١٤١٠هـ وکتب محمد ناصر الدين الألباني ٣٧ . بِسْمِ اللهِ الرَّحمْنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى إِنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أَنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله . ﴿يا أيُّها الذين آمنوا أَتَّقوا الله حقَّ تُقاتِه ولا تَموتُنَّ إلا وأَنْتُم مُسلمونَ﴾(١). ﴿يا أَيُّها الناس اتَّقوا ربَّكُم الذي خَلَقَكُم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وَبَثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتَّقوا الله الذي تساءلونَ به(٢) والأرْحامَ إِنَّ الله كانَ عليكم رقيباً﴾(٢). (١) آل عمران: ١٠٢. (٢) فيه جواز السؤال بالله تعالى، وأما حديث: ((لا يُسألُ بوجه الله إلا الجنة)). فضعيف. وعلى فرض صحته؛ فهو محمول على سؤال الأمور الحقيرة؛ كما بينت ذلك في مجلة ((المسلمون)). (٣) النساء: ١. ٣٩ ﴿يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وقولوا قولاً سَديداً. يُصْلِحْ لَكُم أَعْمالَكم ويَغْفِرْ لكم ذنوبكم ومَن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عَظيماً﴾(١). ((أما بعدُ؛ فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمدٍ رَ*، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، [وكلَّ ضلالةٍ في النار]))(٢). ثم إنني كنت بدأت منذ بضع سنين بنشر سلسلة مقالات متتابعة تحت عنوان: ((الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأثرها السيىء في الأمة)) في مجلة ((التمدن الإِسلامي)» الغراء، ولا زلت مستمراً في نشرها؛ لأن هذه الأحاديث من الكثرة - مع الأسف الشديد - بحيث تعد المئات، بل الألوف! كيف وقد وضع رجل واحد من الزنادقة نحو أربعة آلاف حديث! ووضع ثلاثة من المعروفين بالوضع أكثر من عشرة آلاف حديث! فماذا يقول القارىء الكريم في الأحاديث الأخرى التي وضعها أناس آخرون لغايات (١) الأحزاب: ٧٠ - ٧١ . وهذه الخطبة هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه أن يقولوها بين يدي كلامهم في أمور دينهم، سواء كان خطبة نكاح، أو جمعة، أو محاضرة، أو غير ذلك، ولي فيها رسالة مطبوعة، نشرتها مجلة ((التمدن الإِسلامي)) الغراء، وهي مهجورة - مع الأسف - من العلماء قاطبة فيما علمت، فلعلهم يعودون إليها ويحيونها . (٢) هو من حدیث لجابر رضي الله عنه قال فيه: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول ذلك إذا خطب. كما رواه مسلم، والنسائي، وغيرهما، والزيادة للنسائي. وذلك يشمل الخطب كلها، وبصورة خاصة خطبة الجمعة، فقد جاء التنصيص علیها عند مسلم في رواية له، فعلى الخطباء أن يحيوا هذه السنة أيضاً. ٠ ٤٠