النص المفهرس
صفحات 1-20
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرهَا السّيئ في الأمَّةِ محمد ناصر الدين الألباني المَجَلّد الأوّل ١ - ٥٠٠ مكتَبَةِ المَعَارف الرّيَاض حقوق الطبع محفوفة الشر الطَبْعَةِ الأُولى للطبْعَة الجَدِيدَة ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢مـ مكتبة المعارف - ص.ب: ٣٢٨١ - هاتف ٤١١٢٢٥٠/٤١١٤٥٣٥ الرياض ◌ِلَّهِ الرَّحْمِالرَّحَمِ بسـ مقدمة المؤلف لهذه الطبعة الجديدة : الحمد لله رب العالمين، والصلوات الطِّبات على سيد المرسلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فهذه هي الطبعة الجديدة للمجلَّد الأول من كتابي ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) نقدمها اليوم إلى القراء الكرام، المتتبّعين بشغَفٍ زائد في كل بلاد الإِسلام؛ لمؤلّفاتي التي كتب الله تعالى لها القبول التام، بين الأنام، المخلصين منهم في كل مكان، رغم أنف كل حاسد أو حاقد مطعان. ﴿ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلَى النَّاسِ ولكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبرحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا وَهُ خَيْرٌ مِمَّا فبذلك يَجْمَعونَ﴾ . وإن من هذا الفضل الإِلهيِّ أنه تعالى وفَّقني لإِخراج هذه الطبعة متميزة عن سابقاتها بزيادة فوائد عديدة ؛ حديثية وفقهية، وبإضافة مصادر جديدة لبعض الأحاديث والتراجم، يعود الفضل فيها - بعد الله تبارك وتعالى - لبعض إخواننا المكيِّين وغيرهم، جزاهم الله تعالى خيراً. ولما كان من طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها العجز العلمي ٣ المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إِلَّ بما شَاءَ﴾؛ كانَ بدهيّا جدّاً أن لا يجمُدَ الباحث عند رأي أو اجتهاد له قديم، إذا ما بدا له أن الصواب في غيره من جديد، ولذلك نجد في كتب العلماء أقوالاً متعارضة عن الإِمام الواحد؛ في الحديث وتراجم رواته، وفي الفقه، وبخاصة عن الإِمام أحمد، وقد تميز في ذلك الإِمام الشافعي بما اشتهر عنه أن له مذهبین: قدیم وحدیث. وعليه؛ فلا يستغربْنَّ القارىء الكريم تراجعي عن بعض الآراء والأحكام التي يُرى بعضها في هذا المجلد تحت الحديث (٦٥) عند الكلام على حديث: ((لا تذبحوا إلا مسنة))، وغير ذلك من الأمثلة؛ فإن لنا في ذلك بالسلف أسوة حسنة . وإن مما يساعد على ذلك فوق ما ذكرت من العجز البشري - أننا نقف ما بين آونة وأخرى على مطبوعات جديدة؛ كانت أصولها في عالم المخطوطات أو المصورات، بعيدة عن متناول أيدي الباحثين والمحققين، إلا ما شاء الله منها لمن شاء، فيساعد ذلك من كان مهتماً بالوقوف على هذه المطبوعات والاستفادة منها على التحقيق أكثر من ذي قبل. وهذا وذاك هو السر في بروز كثير من التصحيحات والتعديلات على بعض ما يطبع من مؤلفاتي الجديدة، أو ما يعاد طبعه منها؛ كهذا المجلد الذي بين يديك، وينتقدني لذلك بعض الجهلة الأغرار، كذلك السقاف هداه الله . ومن الشواهد على ذلك ما تفضل الله به علي، ووفقني إليه، أنني ٤ رفعت من هذا المجلد إلى ((الأحاديث الصحیحة)) حدیثین اثنين: أحدهما: الذي كان في الطبعات السابقة مقروناً برقم (١٧٦) بلفظ: ((كل بناء وبال على صاحبه ... ). فرفعته إلى ((الصحيحة)) (٢٨٣٠)، والسبب في ذلك أنني كنت قلت في راويه أبي طلحة الأسدي : ((لم يوثقه أحد ... )). وذلك ثقة مني بالحافظ ابن حجر؛ فإنه لم يحك توثيقه عن أحد، ولقوله عنه في ((التقريب)): ((مقبول))! فكتب أحد إخواني المكلّفين بالنظر في الكتاب لإِعداده لهذه الطبعة: أن الهيثمي قد أورده في كتابه: ((ترتيب ثقات ابن حبان))، فرجعت إلى أصله: ((الثقات))، فوجدته فيه، وتابعت البحث والتحقيق، فتبيَّن لي أنه صدوق، وأن الحافظ كان في قوله المذكور غير مصيب؛ كما فصلت ذلك في المجلد السادس من ((الصحيحة))، يسر الله لنا طبعه بمنه وكرمه، كما يسر لنا طبع الخامس منه، وهو وشيك الصدور إن شاء الله تعالى. والحديث الآخر (٣١٦): ((إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة)). استبدلته بغيره؛ كما سيأتي لأنني تذكرت أنني كنت خرجته فيما بعد في ((الصحيحة)) (٣٤٣) من طرق كما كنت نبهت هناك. وقد يقع مثله في غیر هذين الحدیثین، کما یمکن أن یقع عكس ذلك تماماً، فرحم الله عبداً دلَّني على خطئي، وأهدى إليَّ عيوبي؛ فإن من السهل عليَّ - بإذنه تعالى وتوفيقه - أن أتراجع عن خطأ تبيَّن لي وجهه، وكتبي التي تطبع لأول مرة، وما يُجَدَّد طبعُه منها أكبرُ شاهد على ذلك، ولا نذهب بالقراء بعيداً، فبالإِضافة إلى ما سبق بيانه حول الحديثين المذكورين آنفاً فقد تراجعت عن قولي في (كنانة) راوي حديث التسبيح بالحصى: ((مجهول الحال)) إلى أنه صدوق أيضاً؛ كما سيرى القراء تحت الحديث (٨٣): ((نعم المذكر السُّبحة ... ))، مع التنبيه أن حديثه بقي على ضعفه السابق؛ لتفرد راوٍ آخر به، وهو ضعيف، ورددت هناك على المصري الجاهل الذي انتصر للشيخ الحبشي في رسالة ذهب فيها إلى سنِّية التسبيح بالسبحة! وبهذه المناسبة أقول : إني أنصح كل من أراد أن يرد عليَّ - أو على غيري - ويبيِّن لي ما يكون قد زلّ بهِ قلمي، أو اشتط عن الصواب فكري، أن يكون رائده من الرد النصح والإِرشاد، والتواصي بالحق، وليس البغضاء والحسد، فإنها المستأصلة للدِّين؛ كما قال لهم: ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد، والبغضاء هي الحالقة، ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين)). كما هو شأن ذوي الأهواء والبدع مع أهل الحديث وأنصار السنة في كل زمان ومكان، وكما فعل معي بالذات كثير منهم - ولا يزالون مع الأسف ــ كالأعظمي، والغماري، ومَن نحا نحوهم من المتعصبة الجهلة! ٦ : كذاك السقاف، وقد انبرى له أخونا الحلبي بـ ((الأنوار الكاشفة))، فلتراجع. وإن من المؤسف حقاً أن تسري عدوى هؤلاء المبتدعة إلى بعض مَن يُظَنُّ أنه من أهل السنة؛ لإقامته بين ظهرانيهم، فيضع يده في يدهم، ويرفع صوته مع أصواتهم في الرد على من ينصر السنة ويتبعها، وينكر البدعة ويحاربها، وهو الشيخ إسماعيل الأنصاري، الباحث في دار الإفتاء في الرياض، فإن هذا الرجل يبدو أنه لشدة ما يضمر في قلبه من البغض والحقد أن السنة لا تجمعه معنا؛ لأنه من غير المعقول أن يفتري السني على أحد من أعداء السنة، فكيف يعقل أن يفتري على من كان مشهوراً بين أهل السنة بأنه من أهلها، ومُحارَباً أشد المحاربة من أعدائها؟! فقد سبق لهذا الرجل أن كتب ضدي في مسألة الذهب المحلق، وركعات التراويح، ولم يلتزم في ذلك المنهج العلمي، بل إنه بثُّ في أثنائهِ كثيراً من إفكه وجدله بالباطل، كما كنت كشفت عنه في ردي عليه في مقدمة ((آداب الزفاف)) طبع المكتبة الإِسلامية في عمان(١)، ومقدمة رسالتي ((قيام رمضان)) بما كنت أظن أنه يكون رادعاً له أن يعود إلى ذلك مرة أخرى، فإذا به يفجأ الناس برسالة صغيرة أسماها ((الانتصار لشيخ الإِسلام محمد بن عبدالوهاب بالرد على مجانبة الألباني فيه الصواب))، يتهمني فيها بتهمة جديدة، ويزعم (ص ٧ و ٢٥) أنني شنعت على الشيخ رحمه الله وانتهكت (١) هذه الطبعة هي الشرعية، وأما طبعة المكتب الإسلامي الجديدة؛ فهي غير شرعية؛ لأنها مسروقة عن الأولى، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء، ويمنعه من لا يتقي الله، ويتلاعب بحقوق العباد، كما أن في هذه الطبعة المسروقة تصرفاً بزيادة ونقص، والله المستعان، وإليه المشتكى من فساد أهل هذا الزمان . ٧ حرمته! كما يتهمني (ص ١٥) أنني نسبت الشيخ إلى التساهل من ناحية العقيدة، وذلك كلُّه بَهْتُ وافتراءً؛ عامله الله بما يستحق . وليس غرضي في هذه المقدمة الرد عليه في هاتين الفريتين، فقد كفاني ذلك الأخ الفاضل علي حسن عبدالحميد الحلبي في رسالته القيمة في التعقيب على رسالة الأنصاري المذكورة، وبيان ما فيها من الأخطاء الكثيرة، وهي مطبوعة، فليرجع إليها من شاء الوقوف على الحقيقة، فإنه سيرى مع ذلك الفرق الشاسع بين رد الأنصاري وتهجمه علي ، ورد صاحبنا عليه، وتأدبه معه تأدباً لا يستحقه الأنصاري لبغيه واعتداءاته المتكررة. وإنما غرضي هنا أن أرد عليه انتصاره للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ الذي جعل من آداب المشي إلى المسجد أن يقول: ((اللهم " إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا ... )» إلخ الدعاء المعروف في الحديث الآتي بيان ضعفه، والكشف عن علله برقم (٢٤)، فانتصب الشيخ الأنصاري - هداه الله - لتمشية احتجاج الشيخ محمد بن عبدالوهاب به بتقوية الحديث، والرد علي لتضعيفي إياه بأسلوب يتبين لكل ذي لب أنه لم يكن فيه باغياً للحق، وإنما الانتصار للشخص، والتشفي ممن يحسده ويحقد عليه! وأنا ذاكر هنا بإيجاز ما اعتمد عليه في ذلك مع الكر عليه بإبطاله، فأقول: أولاً: قال (ص ٩): ((رواية الأجلاء من حفاظ الحديث دون تنبيه على علتيه ... )). ثم سوَّد خمس صفحات (٩ - ١٤) في تخريج الحديث دون فائدة ٨ تذكر؛ لأنهم جميعاً أخرجوه من الطريق المعلول! ثم أعاد كلامه هذا في الصفحة (١٥)! وهو يعني بذلك أن سكوت هؤلاء الأجلاء قدوة حسنة للشيخ محمد ابن عبدالوهاب في سكوته عن الحدیث! وليس يخفى على كل ناشىء في هذا العلم أن هذا من أبطل الباطل؛ لأن لازِمَه أن أئمة الحديث كأصحاب السنن والمسانيد وغيرها إذا ساقوا الأحاديث بأسانيدهم ساكتين عنها أنه لا علة فيها! فهل يقول بهذا من رزقه الله ذرة من العلم، أو الخشية من الله ﴿أُمْ عَلى قُلوب أَقْفَالُها﴾؟ وأهل العلم يعلمون أن المحدِّثين إذا ساقوا الأحاديث بأسانيدها فقد برئت ذمتهم، ورُفعت المسؤولية عنهم، ولو كان فيها أحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة، وليس كذلك من ساق الحديث دون إسناده، فعليه أن يبين حاله مقابل حذفه لإِسناده، وبخاصة إذا ساقه محتجاً به، ولو ذكر من أخرجه كما يفعل بعض الفقهاء المتأخرين، فأين هذا من صنيع المحدثين؛ الناصحين للأمة بروايتهم الأحاديث بأسانيدها التي تكشف عن مراتبها؟! ثانياً: قال (ص ١٧): ((تقوية بعض روايات الحديث، والجواب عن إعلاله بعطية وفضیل)). وخلاصة جوابه يعود إلى أمرين : الأول: تقوية حال عطية! والآخر: تحسين الحافظ وغيره للحديث! ١ - وجوابي عن الأول: أنه اعتمد في ذلك على قول الحافظ في ((تخريج أحاديث الأذكار)) : ((ضَعْفُ عطية إنما جاء مِن قِبَل التشُّع، ومِن قِبَل التدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له ... ))، وذكر بعض أصحاب السنن وغيرهم(١). وقد تعامى الأنصاري عن حقيقتين علميتين هامتين؛ كما فعل قبله الكوثري وغيره من المتعصبة وأهل الأهواء؛ كما سيأتي في الكتاب : الحقيقة الأولى: تضعيف الجمهور لعطية من المتقدمين والمتأخرين، بل وإجماع المتأخرين منهم على ذلك؛ كالنووي، وابن تيمية، وغيرهم مما هو مذكور في رسالتي ((التوسل)) (ص ٩٤)، ونقل إجماعهم على ذلك أعلم الناس بالتراجم، وهو الحافظ الذهبي في ((المغني))(٢)، ومنهم الحافظ ابن حجر نفسه في كتابه المختص في رجال الستة ((التقريب))، فقال فيه : ((صدوق، يخطىء كثيراً، كان شيعياً مدلساً)). وأما أقوال المتقدمين منهم فتجدها مفصلة في رسالة أخينا الحلبي، (ص ٣٥ - ٤٣)، ولا بأس من سرد أسمائهم؛ ليتجلى للقارىء الهوة السحيقة التي هوى فيها الشيخ الأنصاري على منخره تشفياً من الألباني! (١) ونقله الزبيدي بمعناه في ((شرح الإحياء)) (٥ / ٨٩)! (٢) وسبقه إلى ذلك شيخه ابن تيمية، فقال في رسالته في التوسل : ((وهو ضعيف بإجماع أهل العلم)). انظر: ((مجموع الفتاوى)) (١ / ٢٨٨). ١٠ ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّء إِلا بِأَهْلِهِ﴾، وها هي الأسماء: ١ - سفيان الثوري . ٩ - أبو زرعة. ٢ -مُشیم. ١٠ - ابن حبان . ٣ - أحمد بن حنبل. ١١ - الساجي. ٤ - ابن معين. ٥ - البخاري . ١٣ - الحاكم. ٦ - أبو داود. ١٤ - البيهقي . ٧ - النسائي . ٨ - أبو حاتم. ومن أسماء الأئمة المتأخرين : ١ - ابن الجوزي . ٢ - النووي . ٣ - ابن تيمية . ٤ - ابن قيم الجوزية . ٥ - الزيلعي . ٦ - ابن عبد الهادي. ٧ - الذهبي . ٨ - الهيثمي . ٩ - ابن حجر نفسُه! ١٠ - البوصيري . ١١ - محمد بن عبد الوهاب نفسُه! وغير هؤلاء كثير، لو توسعنا في الاستقصاء لجاوز عددهم الثلاثين. لقد سَمَحَتْ - إن لم نقل: سؤَلَتْ - الأنصاري نفسُه ... أن يخالفهم في سبيل الطعن والتشهير بالألباني الذي اعتصم بحبلهم، مستغلاً في ذلك زلةً لأحدهم، وقولاً للآخر. ١١ ١٢ - الدارقطني . ١٥ - ابن حزم. أما الزلة؛ فهي قول ابن حجر المتقدم: إن ضعف عطية جاء من قبل تشيعه وتدليسه! وهذا مردود لمخالفته لأقوال أولئك الأئمة، بل ولقوله هو نفسه الذي هو خلاصة أقوالهم في عطية، فقد قال في ((التقريب)): ((صدوق، يخطىء كثيراً، كان شيعياً مدلساً)). فقد أضاف إلى الصفتين السابقتين والمذكورتين هنا أيضاً صفة ثالثة، هي أنه ((يخطىء كثيراً)). ونحوه قوله في ((طبقات المدلسین)»: ((ضعيف الحفظ))! وهذا الوصف يعني أن حديث عطية يلازمه الضعف، ولو فرض أنه لم يدلس؛ لسوء حفظه. وهذا ينافي تحسين حديثه؛ كما فعل الحافظ سامحَهُ الله ردّاً على النووي رحمَهُ الله، ولما كان هوى الأنصاري في هذا التحسين للرد على الألباني تشبث به، وأعرض عن هذه الحقيقة، وتجاهلها، فعليه وزره ووزر من قد يغتر به ﴿ولاً يَحِيْقُ المَكْرُ السَِّّىء إِلا بأَهْلِهِ﴾. وأما القول الآخر الذي استغله الأنصاري استغلالاً غير شريف؛ فهو ما ذكره (ص ٢١) عن ابن معين أنه قال: ((عطية العوفي ليس به بأس، قيل: يحتج به؟ قال: ليس به بأس)). قلت: فإصرار ابن معين على قوله: ((ليس به بأس))، وامتناعه من القول بأنه يحتج به، أقرب إلى أنه ضعيف لا يحتج به عنده، من كونه ثقة لدیه . ١٢ وعلى فرض أنه يعني أنه ثقة؛ كما زعم الأنصاري، فهو معارض بتضعيف أحمد وغيره من الأئمة الذین تقدمت أسماؤهم، كما أنه یعارض الحقيقة التالية التي خالفها الأنصاري، وهي : الحقيقة الأخرى: أنه من الثابت في علم الحديث أن الجرح - وبخاصة إذا كان مفسَّراً - مقدم على التعديل، وجرح عطية هنا مفسَّر بشیئین : الأول: سوء الحفظ. والآخر: التدليس. أما الأول؛ فلم يُعرِّج عليه الشيخ الأنصاري؛ لأنه يعلم أنه لا سبيل له إلی الجواب عنه، ولو بالتكلف کما هي عادته، فرأى تبعاً للهوی أن یکتم ذلك! من باب - كما يقول بعضهم -: ((الهرب نصف الشجاعة))! وأما الآخر؛ فقد أجاب الأنصاري مقلداً لابن حجر، وهو أن عطية صرح في بعض الروايات بالتحديث بقوله: ((حدثني أبو سعيد))، فأمِن بذلك تدلیسه(١). فأقول: عفا الله عن الحافظ، فلقد نسي أن تدليس عطية ليس من النوع الذي ينفع فيه تصريحه بالتحديث، بل هو من النوع الذي يسمى (١) ليتأمل القارىء كيف تشبث الأنصاري هنا بتصريح عطية بالتحديث، مع أن ذلك لا يفيده؛ لما يأتي، وكيف تكلف في رد تحديث يحيى بن أبي كثير الثقة في حديث بنت هبيرة الصحيح، ومع ذلك أعله الأنصاري بالانقطاع! ولم يعتدَّ بتصريحه بالتحديث؛ كما بينته في ردِّي عليه في مقدمة الطبعة الجديدة لـ ((آداب الزفاف))، طبع المكتبة الإِسلامية. ١٣ بتدليس الشيوخ المحرم لخبثه؛ لأنه يسمي شيخه أو يكنيه بغير اسمه أو کنیته تعمیة لحاله؛ كما كنت بینته في ((التوسل)» (ص ٩٤ - ٩٥)، فقد كان عطية إذا روى عن الكلبي الكذاب كناه بأبي سعيد، يوهم أنه أبو سعيد الخدري! ولهذا لمَّا ذكره الحافظ في رسالته في المدلسين؛ قال: ((مشهور بالتدليس القبيح))(١) . يشير إلى هذا النوع المحرم، ومنه تعلم أن تدليسه لا يزال قائماً، ولو ثبت عنه أنه قال: ((حدثني أبو سعيد))، فهل كان الأنصاري جاهلاً بهذا أم متجاهلاً؟! أحلاهما مر! ولقد كان الشيخ الكوثري - على ضلاله وتعصبه المعروف - خيراً من الشيخ الأنصاري من جهة أنه تبَّه لكون تدليس عطية من هذا النوع الذي لا يفيد فيه التصريح بالتحديث، ولكنه حاول الإجابة عنه بجواب آخر؛ إلا أنه رجع بخفي حنين كما سترى في الكتاب إن شاء الله تعالى . وبهذا ينتهي الجواب عن تقوية الأنصاري لعطية التي بنى عليها تحسين حديثه في التوسل. وخلاصته أنه اتّكأ في ذلك على بعض الأقوال الشاذة عن أقوال (١) ولم ينتبه لهذا أخونا الفاضل بدر بن عبد الله البدر في تعليقه على ((الدعوات الكبير)) (ص ٣٢ / ٤٦) في حديث آخر لعطية، فقال: ((لم يصرح بالسماع من أبي سعيد الخدري)). مع أنه في حديثنا هذا أحال ـ جزاه الله خيراً - في استيفاء الكلام عليه إلى هذه السلسلة فيما يأتي (٢٤). ١٤ الجمهرة من العلماء المُجْمِعة على ضعف عطية، وفسر تدليس عطية بغير ما فسروه، مستغلاً في ذلك وهماً للحافظ، معرضاً عن أقواله الأخرى الموافقة للحق الذي عليه سائر العلماء، كل ذلك ارتكبه الأنصاري انطلاقاً منه من القاعدة التي يتكىء عليها أهل الأهواء، وهي: ((الغاية تسوغ الوسيلة))! وغايته الطعن في الألباني، والتشهير به، والتظاهر بأنه ينتصر للشيخ محمد بن عبدالوهاب، تقرباً منه إلى الذين يعيش بين ظهرانيهم، وليس مرضاة لله تعالى، تماماً كما فعل صاحبه من قبل الشيخ أبو غدة من باب ما يقال: وأرضهم ما دمت في أرضهم! وإن أعجب ما في هذا التظاهر مخالفته للشيخ محمد نفسه، فقد سبق مني أن ذكرت الشيخ في جملة المضعِّفين لعطية، وذلك بناء على ما نقله الأنصاري نفسه عنه في حاشية ((انتصاره)) (ص ١٥) أنه قال الشيخ في ((تلخيص تلخيص كتاب الاستغاثة)) بعد أن خرج الحديث: ((في إسناده عطية العوفي، وفيه ضعف))! قلت: وهذه الجملة هي التي كنا نريدها من الشيخ محمد رحمه اللّه، وهي وحدها تقضي على ((انتصار الأنصاري))، وتجعله هباء منثوراً، ويصدق عليه عموم قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤمِنِينَ﴾! فإنها تستلزم - كما هو ظاهر - الحكم على الحديث بالضعف ((الذي يجهد الأنصاري نفسه عبثاً لرده! ﴿ويَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾. وأنا أظن أن جملة الشيخ لها تتمة، لم يذكرها الأنصاري عمداً؛ كما هي عادته في كتمان ما كان حجة عليه؛ لأنها أصرح في التضعيف، ولما ١٥ لم يكن كتاب الشيخ في متناول يدي، فقد رجعت إلى أصله، وهو ((تلخيص كتاب الاستغاثة)) لشيخ الإسلام ابن تيمية، فوجدت فيه ما ظننت، فقال فيه (ص ٤٢) بعد أن خرج الحديث أيضاً: (في إسناده عطية العوفي، وفيه ضعف، فإن كان هذا كلام النبي وَالر؛ فهو من هذا الباب ... )) إلخ. يعني التوسل الجائز؛ لأنه سؤال بأفعاله تعالى؛ قال: ((لأن فيه السؤال لله بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثيبهم ... )) إلخ. فقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فإن كان هذا كلام النبي ◌َطير ... )) صريح في أن الحديث عنده ضعيف، فعدم ذكر الأنصاري لها يدل كل من وقف على هذه الحقيقة أنه ليس أميناً في النقل، ولا سيما إذا علم أنه نقل (ص ٢٨) عن ابن تيمية تمام كلامه المذكور مبتدئاً بقوله : ((إن فيه السؤال لله بحق السائلين ... )) إلخ. كما نقله قبيل ذلك عن محمد بن عبدالوهاب من كتابه ((تلخيص تلخيص كتاب الاستغاثة)) مبتدئاً من قوله: ((حق السائلين أن يجبيهم ... ))! فحذف منهما عبارة ابن تيمية الأولى: ((فإن كان هذا كلام النبي وَلخلية ... )) المصرحة بتضعيفهما للحديث! فهل يستطيع أحد بعد هذا أن يزعم أن كتمانه لهذا النص كان عن ١٦ حسن نية منه، بل هل يستطيع أحد أن يدعي أن تأليفه للرسالة من أصلها لم يكن عن سوء نية، وسواد طوية، بعدما تقدم من البينات على ذلك، وبخاصة بعد أن نقل هو نفسه عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب تضعيفه لعطية كما تقدم؟! لا أعتقد أن أحداً يستطيع ذلك، ولو كان من المبالغين في إحسان الظن بالناس، كذاك الصوفي الذي زعموا أنه رآه بعضهم يبكي في الطريق، فلما سئل؟ قال مشيراً إلى رجل وامرأة يتسافدان على جانب الطريق : أبكي شفقة على هذين الزوجين (!) إذ لم يجدا بيتاً يستتران فيه لقضاء حاجتهما !! ثالثاً وأخيراً: وهو الأمر الآخر الذي سبقت الإشارة إليه في قوله : ((تقوية بعض روايات الحديث ... )). فقال (ص ٢٣) : («تحسين بعض الحفاظ حديث: ( ... اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك))). ثم نقل تحسينه عن الحافظ العراقي، وأبي الحسن المقدسي - شيخ المنذري -، والدمياطي . والجواب من وجوه : الأول: قد سبق آنفاً تحقيق أن عطية الذي في هذا الحديث الذي ١٧ حسنه الثلاثة المذكورون ضعيف عند جماهير العلماء لسوء حفظه، وتدليسه القبيح المحرم، فكيف يجوز تحسين الحديث مع وجود هاتين العلتين فيه؟! وما أحسن ما قيل: وهَلْ يَسْتَقِيمُ الظَّلُّ والعُودُ أَعْوَجُ؟! وثمّة علةٌ أخرى تؤكد سوءَ حفظه، فاتني التنبيهُ عليها فيما سبق، وهي اضطرابُه في سنده، فهو تارة يرفعه، وتارة يوقفه؛ كما كنت بينته في الكتاب، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأزيد هنا فأقول: وأخرى الشك، فيقول: ((أراه رفعه إلى النبي ◌َّلير))؛ كما في رواية ابن ضريس، إحدى روايتي ابن خزيمة، اللتين ذكرهما عنه الأنصاري (ص ١٠١)، لكن وقع عنده: ((رفعه إلى النبي وَلَ))؛ دون قوله: ((أراه))، عزاه إلى (ص ٤١ - ٤٢) من ((كتاب التوحيد)) لابن خزيمة، ولا أدري أي طبعة منه أراد الأنصاري، فإنه في (ص ١٢) من الطبعة المنيرية التي عندي، والرواية فيها بالشك كما ذكرت، وهو الذي يقتضيه سياق كلام ابن خزيمة، فلا أدري أسقط ذلك من نسخة الأنصاري، أم هو أسقطها لغاية في نفسه؟! ولا أستبعد صدور ذلك منه، بعد كل ما فعل مما سبق بيانه ويأتي! وإن ممّا لا يخفى على كل بصير بهذا العلم الشريف أنَّ تلون الراوي في رواية الحديث، فهو يرفعه تارة، ويوقفه تارة، ويشك في رفعه أخرى؛ إنما هو دليل ظاهر على ضعفه وعدم ضبطه، حتى ولو لم يكن ضعيفاً كعطية هذا، وكما كابر الأنصاري في ضعفه - كما سبق - فكذلك كابر في تعاميه عن هذه العلة التي كان وقف عليها في الكتاب، فحاد عن الجواب ١٨ عنها! بل إنه أوهم القراء انتفاءها بحكايته عن أبي حاتم ترجيح رواية الوقف! فعقب عليها بقوله (ص ١٠ و ١٨ - ١٩): ((إن ترجيح أبي حاتم الوقف غير مؤثر؛ لأنه في حكم الرفع))! وأقول: لو أن الأنصاري على معرفةٍ بهذا العلم الشريف، وعنده شيء من الجرأة الأدبية لرد هذا الترجيح بحجة قوية، وهي أن الذين رفعوا الحديث عن عطية أكثر من الذين أوقفوه، وهم كما في الروايات التي خرَّجها في رسالته (ص ٩ - ١٨): ١ - يزيد بن هارون. أحمد. ٢ - سليم بن حيان. ابن خزيمة. ٣ - محمد بن سعيد بن يزيد التستري. ابن ماجه. ٤ - عبد الله بن صالح العجلي. الطبراني. ٥ - يحيى بن أبي بكير. البيهقي . وخالفهم وكيع بن الجراح، وأبو نعيم. ولكني أقول: إن هذا الترجيح إنما يتماشى مع زعم الأنصاري أن عطية حسن الحدیث لا بأس به، ولکنه ساقط عندي ، بل إن اختلاف هؤلاء الثقات عليه رفعاً ووقفاً من الأدلة على ضعفه، وأنه هو الذي اضطرب في ذلك، وكان بودِّي أن أقول: إن الذي اختلف عليه هو فضيل بن مرزوق الذي عليه دار الخلاف، ولكني أرى أن عطية أولى بالحمل عليه في ذلك؛ لأنه أشدُّ ضعفاً منه . ١٩ وعلى كل حال؛ فسواء كان هذا الاضطراب من هذا أو ذاك؛ فهو علة أخرى تؤكد ضعف الحديث، وخطأ الذين حسنوه، واستغلال الأنصاري إياه! وأريد أن أستدرك هنا شيئاً تنبهت له هذه الساعة، وهي أن لعطية ثلاثة أولاد: عمرو، وعبدالله، والحسين، وكلهم ضعفاء، وقد تكلم عليهم الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه ((شرح علل الترمذي)) (٢ / ٧٩١ - ٧٩٢)، وبين ضعفهم كأبيهم، فذلك مما يلقي في النفس أنهم أهل بيت ورثوا الضعف عن أبيهم فرداً فرداً، ويؤيده أن عمرو بن عطية، قد روى هذا الحديث أيضاً عن أبيه بلفظ آخر أوله : ((كان ◌َ له يقول إذا قضى صلاته: اللهم بحق السائلين عليك، فإن للسائل عليك حقاً ... )) الحديث. وهذا كما ترى مخالف للفظ فضيل بن مرزوق عن عطية، حيث قال فيه : ((من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين ... )). ولذلك؛ فيمكن اعتبار هذه الرواية علة أخرى في الحديث، وهي اضطراب عطية في لفظه إن كان ابنه عمرو قد حفظه عنه، كما اضطرب في سنده، فتارة رفعه، وأخرى أوقفه، وإن كان أبو حاتم رجح الوقف كما سبق مع بيان ما فيه، وسيأتي تخريج حديث عمرو بن عطية، ولفظه في آخر المجلد الثاني عشر من هذه السلسلة برقم (٥٩٨٦)، إن شاء الله تعالى. ٢٠