النص المفهرس

صفحات 1241-1260

وأما مسلم ؛ فالرقم الذي سودوه (١٧٠٩) أعجب من سابقه ؛ لأن أوله عند
مسلم (١٢٧/٦) :
((تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ... )) الحديث(١)، وهذا
حديث آخر لعبادة من طريق أخرى عنه ، وليس فيه ولا جملة واحدة مما في
حديث الترجمة ! فما عسى أن يقول الناقد الناصح في أمثال هؤلاء الجهلة الذين
يتاجرون بجهلهم؟! ولو أنهم كانوا علماء وتاجروا بعلمهم؛ لنفعوا الناس ، وأضروا
بأنفسهم ، أما هم : ((فضلوا وأضلوا)) ! نعوذ بالله منهم جميعاً .
ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة ، تكلم عليها العلماء في
شروحهم ، وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)).
والذي يهمني منها هنا : أن فيه ردّاً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فإنهم يعلمون دون أي شك أو
ریب أنه لم يروا منه (كفراً بواحاً) ، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه هو ومن
معه من الصحابة والتابعين ، فاضطر رضي الله عنه لقتالهم واستئصال شأفتهم،
فلم يَنْجُ منهم إلا القليل ، ثم غدروا به رضي الله عنه كما هو معروف في التاريخ .
والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة ، وجعلوا الخروج على حكام
المسلمين ديناً على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي ◌ٍ منهم في أحاديث
كثيرة ، منها قوله :
(الخوارج كلاب النار))(٢).
(١) وهو مخرج في ((إرواء الغليل)) (٣٦٦/٧ - ٣٦٧).
(٢) وهو مخرج في ((المشكاة)) (٣٥٥٤)، و((الروض النضير)) (٩٠٦ و٩٠٨).
١٢٤٠

ورغم أنهم لم يروا كفراً بَواحاً منهم ، وإنما ما دون ذلك من ظلم وفجور وفسق .
واليوم - والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون -؛ فقد نبتت نابتة من الشباب
المسلم ، لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً ، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا
قليلاً ، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم ، بل
ركبوا رؤوسهم ، وأثاروا فتناً عمياء ، وسفكوا الدماء ، في مصر ، وسوريا ، والجزائر ،
وقبل ذلك فتنة الحرم المكي ، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى
عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج .
ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه
الله ، ولكنه شُبِّهَ له الأمر أو غرر به ؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة ،
يتعرفون بها خطأهم ، ولعلهم يهتدون .
فأقول : من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة ؛ حتى
ما كان من أركان الإسلام ، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حِجُّ البيتِ مَنِ استطاع
إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل .
والذي يحتاج إلى التفصيل ؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين :
الأولى : أن قتال أعداء الله - من أي نوع كان - يتطلب تربية النفس على الخضوع
لأحكام الله واتباعها؛ كما قال له :
(المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله))(١) .
والأخرى : أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي ؛ الذي ينكأُ أعداء
الله ؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين فقال : ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
(١) ((الصحيحة)) (٥٤٩) .
١٢٤١

رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠]. والإخلال بذلك مع
الاستطاعة ؛ إنما هو من صفات المنافقين ، ولذلك قال فيهم رب العالمين : ﴿ولو
أرادوا الخروج لأعدوا له عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦].
وأنا اعتقد جازماً أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من
المؤمنين دون علم من حكامهم - كما هو معلوم -، وعليه ؛ فقتال أعداء الله من
جماعة ما سابقٌ لأوانه ، كما كان الأمر في العهد المكي ، ولذلك ؛ لم يؤمروا به إلا
في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني : ﴿لا يكلف الله نفساً إلا
وسعها﴾ [البقرة : ٢٨٦].
وعليه ؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد ، والمخلص حقّاً لرب العباد : أن
يلتفتوا لإصلاح الداخل ، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه ، وهذا
يتطلب عملاً دؤوباً، وزمنا طويلاً؛ لتحقيق ما أسمِّيه بـ (التصفية والتربية) ؛ فإن
القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء ، والمربين الأتقياء ، فما
أقلهم في هذا الزمان ، وبخاصة في الجماعات التي تخرج على الحكام !
وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية ، كما هو واقع بعض الأحزاب
الإسلامية ، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها ، فانحرفوا إلى العمل السياسي
أو الجهاد ، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية ، وكلهم واهمون في ذلك ،
فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعاً بسبب الإخلال بواجب التصفية ،
وركونهم إلى التقليد والتلفيق ، الذي به يستحلون كثيراً مما حرم الله ! وهذا هو
المثال : الخروج على الحكام ؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح .
وختاماً أقول : نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم ؛
كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان ، والأضاحي في عيد الأضحى ، وغير
١٢٤٢

ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث ، ولكن
بشرط الاستطاعة كما تقدم .
لكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة ، والسافكين لدماء المسلمين
أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة ، لا مجال الآن لبيانها ، من
أهمها أن جند ذاك الحاكم من إخواننا المسلمين ، وقد يكون جمهورهم - أو على
الأقل الكثير منهم - عنه غير راضين ، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس
اليهود ، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟! أظن أنْ سيكون جوابهم عدم
الاستطاعة بالمعنى المشروح سابقاً ، والجواب هو جوابنا ، والواقع يؤكد ذلك ؛ بدليل
أن خروجهم - مع تعذّر إمكانه - لم يثمر شيئاً سوى سفك الدماء سُدى! والمثال
- مع الأسف الشديد - لا يزال ماثلاً في الجزائر ، فهل من مدَّكر؟!
٣٤١٩ - (مَنْ تركَ الصّلاةَ سُكراً مرةً واحدةً ؛ فكأنّما كانتْ له الدُّنيا
وما عليها فَسُلِبها ، ومَنْ تركَ الصّلاةَ سُكراً أربعَ مرّاتٍ ؛ كان حقّاً على
الله عز وجل أن يُسقِيَه من طِينةِ الخَبَالِ. قيل: وما طينةُ الخَبَالِ يا رسولَ
الله؟! قال : عُصارةُ أهْلِ جهنّمَ) .
أخرجه الحاكم (١٤٦/٤)، وأحمد (١٧٨/٢) - والسياق له -، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) (٣٨٩/١)، و((شعب الإيمان)) (٨/٥-٥٥٨٢/٩) من طرق عن
ابن وهب : حدثني عمرو - يعني : ابن الحارث - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
عبدالله بن عمرو عن رسول الله ◌َ، أنه قال :... فذكره . وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد))! وقال الذهبي عقبه :
((سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جداً)) !
١٢٤٣

كذا قال ! وهو يعني - والله أعلم - غرابة المتن ، ومع ذلك ؛ فذلك لا يعني أنه
ضعيف؛ كما لا يخفى على أهل العلم ؛ لأن الغرابة قد تجامع الصحة ، والترمذي
يجمع بينهما في كثير من أحاديثه الصحيحة . ويؤيد ما قلت ؛ أن الذهبي قد أورد
الحديث في كتابه ((الكبائر)) (ص ٧١ - تحقيق الأخ مشهور) ، وقال :
(سندہ صحیح)) .
وكذا قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على («المسند» (١٨٧/١٠)!
والصواب أنه حسن ؛ للخلاف المعروف في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عبدالله بن عمرو .
تنبيهات :
:
أولاً: روى الطبرانيُّ الحديثَ في «المعجم الأوسط» (٦٣٦٧/١٩٣/٧) من
طريق موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث به . ثم قال :
(لم يروه عن عمرو بن الحارث إلا موسى بن أعين))!
قلت : هذا حسبما أحاط به علمه ، وإلا ؛ فهو عند أحمد وغيره من غير
طريقه ؛ كما سبقت الإشارة إليه في أثناء التخريج .
ثانياً: لم يعزه المنذري في ((الترغيب)) (٥١/١٨٩/٣) إلا للحاكم ؛ إلا أنه قال :
((وروى أحمد منه : ((من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة ؛ فكأنما كانت له الدنيا
وما عليها ، فسلبها)). ورواته ثقات)) !
قلت : وهذا من أوهام المنذري رحمه الله ، فالحديث عند أحمد بتمامه كما
رأيت ، ولم يذكره في مكان آخر من ((المسند)) مختصراً كما عزاه المنذري رحمه الله .
١٢٤٤

ومن غرائب الهيثمي: أنه قلده في ((مجمع الزوائد» (٦٩/٥ - ٧٠) ، فقال:
((رواه أحمد، ورجاله ثقات))!
ولم يذكر منه إلا طرفه الأول ! وقد تعقبه الشيخ أحمد شاكر ، فقال :
((ولا أدري لم ترك باقيه؟! فإني لم أجده فيه في موضع آخر)) .
وفاته أنه قلد في ذلك المنذري ! وقد جاء الحديث بتمامه في ((جامع المسانيد))
لابن كثير (٣٠٩٥/١٦٠/٢٦)، و((أطراف المسند)) لابن حجر (٥١٦٠/٢٨/٤).
ثالثاً : من جهل المعلقين الثلاثة ؛ قولهم في التعليق على الحديث في طبعتهم
لـ((الترغيب والترهيب)) (٢٢٧/٣):
(حسن بشواهده، رواه الحاكم (١٤٦/٤) وصححه ، وقال الذهبي : سمعه
ابن وهب عنه ، وهو غريب جدّاً، ورواه أحمد (١٧٨/٢)، وقال الهيثمي (٦٩/٥ -
٧٠) : رواه أحمد ، ورجاله ثقات)) !
قلت : وفي هذا التعليق بلايا وجهالات :
الأولى : قولهم : ((حسن بشواهده)) كذب مخالف للواقع ؛ فليس له شواهد ،
بل ولا شاهد واحد ، ولذلك استغربه الذهبي كما تقدم .
الثانية: قولهم: وقال الذهبي: ((سمعه ابن وهب عنه، وهو غريب جداً)) من
الأدلة الكثيرة على أنهم يهرفون بما لا يعرفون ، وينقلون ما لا يفهمون ، فكأنهم أشد
عجمة من الأعاجم؛ وإلا فمَن من العرب الأقحاح - فضلاً عن الأعاجم المستعربين
من أمثالي (!) - يستطيع أن يفهم مرجع ضمير (عنه)؟! بينما هو مفهوم جدّاً لو
أنهم نقلوا الإسناد كما فعلت فيما تقدم، وأنه يرجع إلى (عمرو بن الحارث) ، وإذا
١٢٤٥

كان لا يهمهم الإسناد ولا يروق لهم ، لأنهم لا يفهمونه ؛ فكان بحسبهم أن يستروا
جهلهم وعجمتهم بأن يقتصروا على نقل قول الذهبي فقط: ((وهو غريب جداً))!
الثالثة : أنه كان بإمكانهم أن لا يقعوا في ذاك الكذب ؛ لو كانوا على علم
بهذا الفن الشريف ، وذلك بتحسينهم لإسناد الحديث كما يقتضيه علم الحديث ،
أو بتقليدهم لمن صحح الحديث كما تقدم ذكره ، ولكنهم - مع الأسف الشديد -،
لا يحسنون حتى التقليد ! فكيف لهم بالعلم؟!
الرابعة : لقد وقفت اليوم على كتاب لهم جديد ؛ فهم يتسابقون مع الناشرين
والمؤلفين من أمثالهم في إصدار مؤلفات جديدة مزوقة ؛ لعرضها في المعارض التي
تقام ما بين آونة وأخرى في بلاد مختلفة . هذا الكتاب كانوا عملوا له دعاية طنانة
في أواخر مجلدات طبعتهم لـ ((الترغيب والترهيب)) الممتلئة بالأوهام والجهل
والأكاذيب - وهذا الحديث مثال ظاهر في ذلك -؛ سموه «تهذيب الترغيب
والترهيب من الأحاديث من الصحاح))! وهذا الاسم وحده يكفي الباحث المنصف
أن يستدل به على جهلهم وعجمتهم ؛ لأنه كما يقال في بعض البلاد: (المكتوب
مُبَيَّن من عنوانه)! ذلك لأنهم يعنون خلاف ما عَنْوَنُوا! فقد كتبوا تحته : ((طبعة
محققة متميزة بصحاح الأحاديث ... ))! فإذن قصدهم يخالف لفظهم ، فهم
يعنون : تهذيبه من الأحاديث الضعيفة ، وليس من الصحيحة !!
فلما وقفت اليوم على ((تهذيبهم)) المزعوم ؛ هالني ما رأيت فيه من إعراضهم
عن الأحاديث الثابتة التي كانوا قد صححوها في التعليق على ((الترغيب))،
وجزمت بما كان يغلب على ظني أنهم ما قاموا بطبع الكتاب في أربع مجلدات كبار
· إلا جشعاً وركضاً وراء المال الحرام ، بتظاهرهم بمظهر الباحثين والمصححين
والمحققين ، وهم كما يقال : (ليسوا في العير ولا في النفير) ، وقد بينت فيما سلف
١٢٤٦

من هذه السلسلة وغيرها كثيراً من جهلهم وتعديهم على السنة تصحيحاً
وتضعيفاً . والله المستعان .
والآن ؛ لننظر ماذا في ((تهذيبهم)) مما يؤكد ما سبق من وصفهم دون التوسع
في نقدهم لضيق المجال؟! فأقول :
إن مما يلفت نظر القارئ اللبيب والمطلع على ((ترغيبهم)) البالغ أربع مجلدات
كبار: أن تهذيبهم الذي ((يحتوي على الأحاديث الصحيحة والحسنة)) كما قالوا في
المقدمة (ص٦)؛ إنما هو في مجلد واحد فقط! ومجموع أحاديثه (١٢٨٤) فقط ،
من أصل مجموع أحاديث أصله ((الترغيب)) (٥٥٨٠)، أي : أقل من الربع ! فهل
هذا يمثل واقع عدد الأحاديث الصحيحة في ((الترغيب)) أو يقارب ذلك؟ الأمر
ليس كذلك ألبتة ، يوضح لك ذلك أن المجموع المذكور يقارب عدد أحاديث تأليفي
المجلد الأول من ((صحيح الترغيب والترهيب))؛ وإنما يزيد عليه بنحو (٢٠٠)
حديث ، وهو مجلد من ثلاث مجلدات فيما أقدر؛ لأن البقية تحت الطبع ، أي :
بنسبة ثلث من ثلاثة !
ويؤكد هذه النسبة مثال آخر ؛ وهو أن مجموع الأحاديث التي صححوها أو
حسنوها في ((الترغيب)) بلغ (٧١) حديثاً من كتاب (الإخلاص) - وهو أول كتاب
فيه -؛ وعددها فيه من ((تهذيبهم)) (٢١)! أي: بنسبة الثلث أيضاً، فقد أطاحوا
بنحو ثلاثة أرباع ما صححوا من الأحاديث في هذا الكتاب الواحد ، فكم سيكون
مجموع الأحاديث التي أطاحوا بها من الكتب الأخرى؟! لا شك أنها ستكون
قريباً من ألفين ! بل وأكثر لولا الأحاديث المكررة في الأصل ، فهي مما أسقطوه .
ويؤيد ذلك أن رقم آخر حديث في كتابي ((صحيح الترغيب» وفي التجربة التي
تحت يدي: هو (٣٦٩١)، قد تزيد قليلاً، أو ينقص بعد تصحيح التجربة الأخيرة .
١٢٤٧

وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقال اليوم -: ما الذي حمل هؤلاء على طرح
أكثر الأحاديث التي صححوها مما سموه بـ ((التهذيب))؟!
لا شك أن الجواب واضح لكل ذي بصيرة ، وهو تصغير حجم الكتاب وإيهام
الناس أنه جمع أحاديث ((الترغيب)) الصحيحة في مجلد واحد ، فيقبلون على
شرائه ! والله أعلم بما في قلوبهم !
على أننا لو فرضنا فيهم الإخلاص في عملهم هذا وفي ((الترغيب)) ؛ فذلك
مما لا يسوغ لهم عملهم؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم ، وقد قدمنا عشرات الأمثلة ،
وبعضها مضحك مُبْك في آن واحد! وحديث الترجمة من تلك الأمثلة ، فلم
يحسّنوا إسناده، وهو حسن عند العلماء، بل وعند المبتدئين في هذا العلم ، ثم
حسنوه لشواهده - ولا شاهد له ولا واحد كما تقدم -، ثم هو من تلك الألوف من
تلك الأحاديث التي طرحوها ! هداهم الله .
٣٤٢٠ - (مرحباً بكِ من بَيْتٍ ، ما أعظمَكِ ، وأعظمَ حرمَتَكِ !
وللْمُؤْمنُ أعظمُ حرْمةً عند اللهِ منكِ ، إنّ اللهَ حرّم منكِ واحدةً ، وحرَمَ
مِنَ المؤمنِ ثلاثاً: دمَه ، ومالَه، وأن يُظَنَّ به ظَنُّ السُّوءِ) .
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٩٦/٥ - ٦٧٠٦/٢٩٧) من طريقين عن
حفص بن عبدالرحمن عن شِبْلٍ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عن ابن عباس قال :
نظر رسول الله ﴿ إلى الكعبة فقال :
((ما أعظم حرمتك!)).
وفي الطريق الأخرى :
١٢٤٨

لما نظر رسول الله صل إلى الكعبة قال :
((مرحباً بك ... )) إلخ .
قلت : وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير حفص بن
عبدالرحمن - وهو النيسابوري القاضي -؛ قال الذهبي في ((الكاشف))، والعسقلاني
في ((التقريب)):
((صدوق)).
وللحديث طريق أخرى ؛ يرويه مجالد عن الشعبي عن ابن عباس :
أنه نظر إلى الكعبة فقال :
ما أعظم حرمتك ... الحديث .
هكذا قال مجالد - وهو ابن سعيد - ، وليس بالقوي ، ولكنه في حكم المرفوع ،
ولا سيما وقد رفعه من هو أوثق منه من الطريق الأولى .
وهذه أخرجها ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٨٠٤/٣٦٢/٩)، ورجاله ثقات
رجال الشيخين ؛ غير مجالد ، وقد عرفت حاله ، وأزيد هنا بأنه أخرجه مسلم
متابعة ؛ كما في ((الميزان)) وغيره .
وله شاهد موقوف خير منه من رواية الترمذي (٢٠٣٢) عن ابن عمر في
حديث له بإسناد حسن ، حسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان ، وهو مخرج في
((غاية المرام)) (٤٢٠/٢٤٠)، و((التعليق الرغيب)) (١٠/١٧٧/٣).
ثم وجدت له طريقاً ثالثاً ، من رواية الحسن بن أبي جعفر: ثناليث بن أبي
سليم عن طاوس عن ابن عباس قال :
١٢٤٩

نظر رسول الله إلى الكعبة ، فقال :
((لا إله إلا الله، ما أطيبك، وأطيب ريحك ، وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم
حرمة منك ... )) الحديث نحوه .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير)) (١٠٩٦٦/٣٧/١١).
وإسناده ضعيف ، لكنه ليس شديد الضعف ، فيستشهد به .
وله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو - أو ابن عمر - مرفوعاً .
أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٣) من طريق نصر بن محمد بن سليمان الحمصي :
ثنا أبي : ثنا عبدالله بن أبي قيس النصري : ثنا عبدالله بن عمرو قال :
رأيت رسول الله ◌َ ا يطوف بالكعبة ويقول : ... فذكره .
ورجاله ثقات ؛ غير نصر هذا ، ضعفه أبو حاتم ، ووثقه ابن حبان ، وبه أعله
العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١٤١/٤)، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ضعيف)).
قلت : لكنه يتقوى بحديث الترجمة على الأقل .
هذا؛ وقد كنت ضعفت حديث ابن ماجه هذا في بعض تخريجاتي وتعليقاتي
قبل أن يطبع ((شعب الإيمان))، فلما وقفت على إسناده فيه ، وتبينت حسنه ؛
بادرت إلى تخريجه هنا تبرئة للذمة ، ونصحاً للأمة داعياً: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا﴾، وبناءً عليه؛ ينقل الحديث من ((ضعيف الجامع الصغير))
و((ضعيف سنن ابن ماجه)) إلى ((صحيحيهما)).
١٢٥٠

٣٤٢١ - (الذي يطْعُنُ نفْسه؛ إنّما يطعنها في النّار، والذي يتقحَّم
فيها يتقحَّمُ في النّارِ ، والذي يخنقُ نفْسه يخنقها في النّارِ) .
أخرجه أحمد (٤٣٥/٢) : ثنا يحيى عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ح ::... فذكره .
وتابعه اللیث عن ابن عجلان به ، ولفظه :
((من خنق نفسه في الدنيا فقتلها ؛ خنق نفسه في النار ... )) والباقي نحوه .
أخرجه ابن حبان (٥٩٥٥ - الإحسان) .
وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ إلا أن ابن عجلان أخرج له
البخاري تعليقاً ، ومسلم متابعة .
لكن تابعه مالك وغيره عند الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٧٣/١) بتمامه.
وقد تابعه شعيب عن أبي الزناد به مثل لفظ يحيى دون جملة التقحم،
وبتقديم الجملة الثالثة على الأولى .
أخرجه البخاري (١٣٦٥)، وإليه عزاه المنذري في ((الترغيب)) (٢/٢٠٥/٣)
لكن بزيادة جملة التقحيم، وجعلها في آخره! فتعقبه الناجي في ((العجالة))
(ق١/١٨٨) بأنها مقحمة فيه بلا شك ولا خفاء عند أهل العلم .
قلت: وخفي عليه ثبوتها في ((المسند))، و((صحيح ابن حبان))، ومن الظاهر
عندي أنها من ملحقات المصنف نفسه ، لكنه أوهم أنها من رواية البخاري ، فكان
عليه أن ينبه على أنها زيادة لغيره ؛ كما ينص على مثل ذلك كثيراً ، وأن يعزوها
لأحمد ، أو غيره .
١٢٥١

ويشهد له عموم قوله ﴿ في حديث ثابت بن الضحاك بلفظ :
((ومن قتل نفسه بشيء ؛ عذب به يوم القيامة)).
رواه الشيخان وغيرهما في رواية ، فالبخاري (٦٠٤٧ و ٦١٠٥ و٦٦٥٢) ، ومسلم
(٧٣/١)، وأبو عوانة (٤٥/١)، والترمذي (٢٦٣٦)؛ وقال :
((عذبه الله بما قتل به نفسه ... )). وقال:
((حديث حسن صحيح)) .
وللشيخين وغيرهما فيه ألفاظ أخرى، خرجت بعضها في ((الإرواء))
(٢٥٧٥/٢٠١/٨) .
(تنبيهان) :
أحدهما : يبدو أن الوهم الذي وقع فيه المنذري في عزو الحديث للبخاري ؛
قد وقع فيه غيره أيضاً ، كالهيثمي مثلاً؛ فإنه لم يورده في ((مجمع الزوائد)) ، ولا
في ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان))، وما ذاك إلا لظنه أنه في ((البخاري)) كما
قال المنذري! وعليه لا يكون على شرط ((الزوائد))! فخفيت عليه الزيادة ، كما
خفيت على الشيخ الناجي الذي انتبه لخطأ المنذري ، ولكنه لم يتنبه لثبوت
الزيادة في ((المسند)) ، وإلا ؛ لعزاها إليه ولم يسكت . ولهذا ؛ كان هذا الحديث من
جملة ما استدركته من الأحاديث في كتابي ((صحيح موارد الظمآن)) ؛ يسر الله
تعالی طبعه ونشره .
ونحو ذلك ما فعله المعلق على ((الإحسان)) (٣٢٨/١٣ - المؤسسة)؛ فإنه
عزاه للبخاري دون أن يبين أن الزيادة ليست عنده ، وأعاد الخطأ في تعليقه على
((مشكل الآثار)) (١٩٥/١٨٣/١ - المؤسسة)، فلم يبين أيضاً الفرق بين روايته
١٢٥٢

ورواية البخاري ! وهناك خطأ آخر لا فائدة تذكر في بيانه .
والآخر : أن الشاهد المتقدم من حديث ثابت بن الضحاك ؛ قد أخرجه البغوي
في ((شرح السنة)) (٢٥٢٤/١٥٤/١٠) جملة مستقلة عما قبلها وما بعدها ، وقال :
(حدیث صحیح أخرجه مسلم)) !
ففاته أنه في ((البخاري)) أيضاً، كما فات المعلق عليه ؛ فعزاه للشافعي ومسلم
فقط !
هذا ؛ وقد تحرفت جملة التقتُّم على بعض الضعفاء فرواها بلفظ :
((من تقحم في الدنيا؛ فهو يتقحم في النار)) .
ولذلك كنت خرجتها في «الضعيفة)) برقم (٤٥٧٦).
٣٤٢٢ - (لا تحقرنٌّ شَيئاً منَ المعروفِ أن تأْتَيَه ؛ ولو أنْ تَهَبَ صِلَةَ
الحبْلِ ، ولو أنْ تُفرِغَ من دْوكِ في إناءِ المسْتقِي، ولو أنْ تَلْقَى أخاك
المسلمَ ووجهُك بسْطٌ إليه ، ولو أنْ تؤْنِس الوَحشان بنفسكَ ، ولو أنْ
تَهَبَ الشَّسْعَ) .
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٤٨٦/٥ - ٩٦٩٤/٤٨٧) من طريق
سهم بن المعتمر عن الهُجَيمي :
أنه قدم المدينة ، فلقي النبي
◌َهُ في بعض أزقَّة المدينة ، فوافقه ؛ فإذا هو
مؤتزر بإزار قطن(١) قد انتثرت حاشيته ، وقال : عليك السلام يا رسول الله ! فقال
:熊
رسول الله
(١) الأصل : (قطر)! والتصويب من المتابعة الآتية.
١٢٥٣

((عليك السلام تحية الموتى)
فقال: يا رسول الله ! أوصني؟ فقال :... فذكره . وقال النسائي :
(سهم بن المعتمر ليس بمعروف)).
قلت: وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤٣٠/٦) على قاعدته في توثيق
المجهولين ؛ فإن سهماً هذا لم يرو عنه غير عبدالملك بن الحسن الجاري - راوي هذا
الحديث عنه -. ولذلك أشار الذهبي في ((الكاشف)) إلى تمريض هذا التوثيق بقوله :
((وُثِّقَ)) .
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((مقبول)).
يعني : عند المتابعة . وقد وجدت له متابعاً قويّاً، فقال أحمد (٤٨٢/٣): ثنا
إسماعيل بن إبراهيم قال : ثنا سعيد الجريري عن أبي السَّليل عن أبي تميمة
الهجيمي عن رجل من قومه قال :
لقيت رسول الله ◌َ في بعض طرق المدينة ، وعليه إزار من قطن منتشر
الحاشية ، فقلت : عليك السلام يا رسول الله ! فقال :
((إن عليك السلام تحية الموتى))؛ قلت : کررها ثلاثاً ، ثم قال :
((سلام عليكم، سلام عليكم)) - مرتين أو ثلاثاً. قال: سألتُ عن الإزار؛
فقلت : أين أتزر؟ فأقنع ظهره بعظم ساقه وقال :
((ههنا ائتزر؛ فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك ؛ فإن أبيت فههنا فوق الكعبين ،
فإن أبيت ؛ فإن الله لا يحب كل مختال فخور)) .
١٢٥٤

قال : وسألته عن المعروف؟ فقال : ... فذكر الحديث ، وزاد :
((ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم .. ولو أن تلقى أخاك فتسلم
عليه .. وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه ؛ فلا تسبه ؛
فيكون أجره لك ، ووزره عليه ، وما سرَّ أذنك أن تسمعه فاعمل به ، وما ساء أذنك
أن تسمعه فاجتنبه)) .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ، وقد أخرجه
النسائي بروايات وطرق أخرى يزيد بعضهم على بعض في المتن ، وقد كنت
خرجت بعضها قديماً فيما تقدم من هذه السلسلة (١١٠٩ و١٣٥٢) من طريق أبي
تميمة الهجيمي وغيره عن أبي جُري الهجيمي - وهو صاحب القصة - يزيد بعضهم
على بعض ، لكن ليس فيها جملة الحبل والوحشان والشسع .
قوله : (صِلَة الحبل) ؛ أي : ما يوصل بالحبل .
وقوله : (الوحشان) ؛ أي المُغْتَمّ ، من الوحشة ضد الأُنس .
٣٤٢٣ - (ثلاثٌ منْ كنَّ فيه؛ وجدَ حلاوةَ الإيمان وطعمَه :
أنْ يكونَ اللهُ عزّ وجلّ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سواهما .
وأنْ يحبَّ في الله ويبغض في الله .
وأنْ توقَدَ نارٌ عظيمةٌ فيقعَ فيها؛ أحبُّ إليه من أنْ يشْركَ بالله شيئاً) .
أخرجه النسائي في «سننه» (٢٦٣/٢ - ٢٦٤) من طريق جرير عن منصور عن
طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله طام :... فذكره .
١٢٥٥

وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الإخوان» (١٦/٦١) من طريق أبي الْمُحَيَّاةِ عن
منصور به .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات رجال مسلم ، وسكت عنه الحافظ
في ((الفتح)) (٦٢/١) ، وقد عزاه للنسائي ، لكن قوله :
((ويبغض في الله)) غريب ؛ فقد جاء الحديث من طرق عن أنس نحوه بلفظ :
((وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله))؛ لم يذكر البغض .
أخرجه البخاري (١٦ و٢١)، ومسلم (٤٨/١) من طريقين ، وزاد مسلم ثالثاً،
والنسائي وغيره رابعاً؛ كلهم عن أنس لم يذكروا البغض .
لكني وجدت له طريقين آخرين جاء فيهما هذه الزيادة ، فاطمأننت لها ،
وخرج بذلك عن كونه بها شاذّاً :
الأول : عن سعيد بن أبي مريم : ثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعِي أن أبا الحويرث
عبدالرحمن بن معاوية أخبره أن نُعَيم بن المُجْمِر أخبره أن أنس بن مالك أخبره به .
أخرجه الطبراني في ((معاجيمه)) الثلاثة: ((الكبير)) (٧٢٤/٢٢٤/١)،
و ((الأوسط)) (٤٩٠٢/٤٦٩/٥)، و((الصغير)) (ص١٥٠ - هند)؛ وقال :
(لم يروه عن أبي الحويرث إلا موسى، تفرد به ابن أبي مريم)).
قلت : هو ثقة ، لكنِ الزمعي وأبو الحويرث فيهما ضعف من قبل الحفظ ؛ كما
بينت في («الروض النضير)» (رقم ٥٢) ، فيستشهد بهما .
والآخر: يرويه سعيد بن منصور : نا أبو معشر عن محمد بن قيس عن أنس
ابن مالك به .
١٢٥٦

أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥١٢/٧٠/٧).
وأبو معشر اسمه نجيح بن عبدالرحمن ؛ حاله كحال المذكورّيْن .
فهذه ثلاثة طرق جاءت فيها الزيادة ؛ فهي محفوظة إن شاء الله تعالى ، ولعله
لذلك سكت عنه الحافظ ، وتقدّمه إلى ذلك الحافظ المنذري ، ولكنه وقع في وهم
نبه عليه الشيخ إبراهيم الناجي في ((عجالة الإملاء)) (ق٢/٢٠٢) ، وهو أنه ذكره
أولاً بلفظ الشيخين دون عزو ، ثم ساقه بلفظ النسائي ، وقال عقبه (١/٤٥/٤):
((رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي)» !
فأوهم أن اللفظ الثاني هو عندهم جميعاً ، وليس كذلك كما علمت ، ولذلك
قال الناجي :
((وكان ينبغي للمصنف بعد سياق اللفظ الأول أن يعزوه إلى البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي، ثم يقول: وفي رواية له؛ لا بالعكس)).
وقد غفل عن هذا التنبيه المعلقون الثلاثة على ((الترغيب))، كما هي عادتهم،
فلم يعلقوا على هذا الوهم بشيء ؛ هداهم الله ، وعرّفهم بنفوسهم !
وكذلك صنع المعلق على كتاب ((الإخوان)) المسمى بـ (مصطفى عبدالقادر
عطا) ؛ فإنه عزاه لأكثر من عشرة مصادر - منها الشيخان طبعاً -؛ فأوهم وهم المنذري
نفسه ! وزاد وهماً آخر: أنه عزاه لابن حبان في ((صحيحه)): ((موارد الظمآن)) (٢٨٥) ؛
كذا قال! وليس هو فيه ، لا بهذا الرقم ولا بغيره ، بل هو ليس على شرطه ؛ لأنه
في (الصحيحين))؛ اللهم! إلا حديث الترجمة ، ولكنه ليس فيه ، ولا في أصله
((صحيح ابن حبان))، وإنما روی فیه حديث الشیخین (٤٧٣/١ - ٢٣٧/٤٧٤ و٢٣٨
- الإحسان/المؤسسة) . وقد خلط المعلق عليه أيضاً ، لكن خلطاً آخر معاكساً لما
١٢٥٧

تقدم؛ فإنه لما خرجه من رواية الشيخين وغيرهما ؛ خرج أيضاً طريق طلق بن
حبيب ، ونعيم المجمر ، ولم يبين الفرق بين روايتهما ورواية الشيخين التي رواها ابن
حبان! وهذا إن دل على شيء ؛ فإنما يدل على الحداثة ، أو قلة الفقه أو النباهة !
٣٤٢٤ - (يوشكُ أن يؤَمَّرَ عليهمُ الرُّوَيْجل ، فيجتمعُ إليه قومٌ محلّقةٌ
أقفيتُهم ، بيضٌ قمُصُهم ، فإذا أمَرهم بشيء حضَرُوا) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير))، ومن طريقه أبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) (٢/٤٠/٢): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة : ثنا أبي : ثنا
إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن
أبيه قال :
كان عبدالله بن وزاج قديماً له صحبة، فحدثنا أن النبي ◌َ ﴿ قال : ... فذكره .
فشاء ربك أن عبدالله بن وزاج ولي على بعض المدن ، فاجتمع إليه قوم من
الدهاقين محلقة أقفيتهم ، بيض قمصهم ، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا ، فيقول :
صدق الله ورسوله !
قلت : وهذا إسناد شامي جيد. وقال الهيثمي (٢١٢/٦):
((رواه الطبراني، ورجاله ثقات)).
قلت : وكلهم مترجمون في ((التهذيب». ورواه أبو موسى المديني من طريق
الطبراني أيضاً، كما في ((الإصابة))؛ وقال :
((وقوله : ((حضروا))؛ أي: أسرعوا المشي)).
وقوله : (وزاج) هكذا وقع في ((المعرفة)) و((أسد الغابة)) بالزاي والجيم! وقيده
في ((الإصابة)) براء ثقيلة ثم حاء مهملة .
١٢٥٨

قلت : ولم يذكره الذهبي في ((المشتبه))، ولا غيره فيما علمت ، وأنا أخشى
أن يكون لقباً لوالد (عبدالله بن حوالة) ؛ فقد جاء الحديث من طريق أخرى عن
عبدالرحمن بن جبير أتم منه . فقال يعقوب بن سفيان في ((المعرفة)) (٢٨٨/٢ -
٢٨٩)، وعنه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢٧/٦ - ٣٢٨): حدثنا عبدالله بن
يوسف قال : حدثنا يحيى بن حمزة قال : حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة يرد
الحديث إلى جبير بن نفير قال : قال عبدالله بن حوالة :
كنا عند رسول الله ◌َ له، فشكونا إليه العُري والفقر وقلة الشيء، فقال
رسول الله
:
((أبشروا؛ فوالله! لأنا من كثرة الشيء أخوف عليكم من قلَّته ، والله ! لا يزال
هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عز وجل أرض فارس ، وأرض الروم ، وأرض حِمْير،
وحتى تكونوا أجناداً ثلاثة : جنداً بالشام ، وجنداً بالعراق ، وجنداً باليمن ، وحتى
يعطى الرجل المئة فيسخطها)) .
قال ابن حوالة : قلت : يا رسول الله ! ومن يستطيع الشام ؛ وبه الروم ذوات
القرون؟! قال :
((والله ! ليفتحنَّها الله عز وجل عليكم ، حتى تظل العصابة البيض منهم
قُمُصُهم ، الملحمة أقفاؤهم قياماً على الرويجل الأُسَيْود المحلوق ، ما أمرهم من شيء
فعلوه ، وإن بها اليوم رجالاً لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل)).
قال ابن حوالة : فقلت: يا رسول الله ! اخْتَرْلي إن أدركني ذلك؟ قال :
((إني أختار لك الشام ؛ فإنه صفوة الله عز وجل من بلاده ، وإليه يحشر صفوته
من عباده .
يا أهل اليمن ! عليكم بالشام ؛ فإنه صفوة الله عز وجل من أرض الشام ، ألا
١٢٥٩