النص المفهرس

صفحات 401-420

عنه ◌َيُ أنه قال في حديث الطفيل المتقدم برقم (١٣٨):
(( .. كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها ؛ لا تقولوا :
ما شاء الله وشاء محمد)) .
(تنبيه آخر) : تقدم عزوي الحديث إلى الترمذي مقروناً بقولي : ((ببعض
اختصار))، أي: عن حديث الترجمة الخالي من قصة زينب المذكورة آنفاً. فمن
سوء التخريج ، وقلة الفقه والتحقيق: أن يعزوه إليه المعلق على ((مسند أبي يعلى))،
والحديث فيه بتمامه دون أن يشير على الأقل أنه عند الترمذي مختصر من هذا
جداً ليس فيه القصة ! ولا يخفى ما في هذا الإخلال من الإيهام للقراء أن
الترمذي رواه بتمامه كأبي يعلى .
ومن المؤسف أن مثل هذا الإيهام يتكرر منه كثيراً على هذا الكتاب ((المسند))،
وعلى «موارد الظمآن)» الذي توسع في تخريجه والتعليق عليه حتى صار الكتاب
مطبوعاً في ثمان مجلدات ، وقد نبهت على شيء من هذه الإيهامات وعلى
تساهله في التصحيح في بعض المواضع من كتابيًّ: ((صحيح موارد الظمآن))،
و((ضعيف موارد الظمآن)»، وهما تحت الطبع .
٣١٤٣ - (من ابتُليَ مِنْ [هذهٍ] البناتِ بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ؛ كُنَّ لَهُ
سِتْراً مِنَ النارِ) .
أخرجه البخاري (١٤١٨ و٥٩٩٥) - وفي ((الأدب المفرد)) (١٣٢) -، ومسلم
(٣٨/٨) والترمذي (١٩١٦) - وحسنه -، و(١٩١٨) - وصححه -، وابن حبان
(٢٩٢٨)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (ص٧٢)، والبيهقي في ((السنن))
(٤٧٨/٧)، وفي ((الشعب)) (٤٦٧/٧)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٨٧/٦)،
٤٠١

وعبدالرزاق في ((المصنف)) (٤٥٧/١٠)، وأحمد (٣٣/٦ و٨٧ - ٨٨ و١٦٦، ٢٤٣)،
وعبد بن حميد (١٤٧٣ - المنتخب) من طرق عن الزهري : حدثني عبدالله بن أبي
بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ◌َ ة قالت :
جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها ، فسألتني ، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة ،
فأعطيتها إياها ، فأخذتها ، فقسمتها بين ابنتيها ، ولم تأكل منها شيئاً ، ثم قامت
فخرجت وابنتاها ، فدخل علي النبي ﴿﴿، فحدثته حديثها، فقال النبي
:... فذكره .
ولم يذكر الترمذي وابن حبان وغيرهما (عبدالله بن أبي بكر) في إسناده ،
وهو ابن حزم الأنصاري ، والزيادة للبخاري - في رواية - وغيره .
وتابعه زيد بن علي عن عروة به مرفوعاً دون القصة بلفظ :
((ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات ، فيحسن إليهن ؛
إلا كنَّ له ستراً من النار)).
أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٦٩/٧) من طريق أبي همام : نا أبي : نا
زياد بن خیثمة عن زيد بن علي به .
قلت : وإسناده جيد ، لكني أخشى أن يكون وهم في لفظِهِ والدُ أبي همام ،
واسمه شجاع بن الوليد ؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين ؛ فقد تكلموا في
حفظه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في ((التقريب)):
((صدوق ورع، له أوهام).
ولكنه قد أصاب المعنى .
وتابع عروةً : عراكُ بن مالك عن عائشة أنها قالت :
٤٠٢

جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ، فأطعمتُها ثلاث تمرات ، فأعطت كل
واحدة منهما تمرة ، ورفعتْ إلى فيها تمرة لتأكلها ، فاستطعمتها ابنتاها ، فشقت
التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما ، فأعجبني شأنها ، فذكرتُ الذي صنعتْ
لرسول الله خلة ، فقال :
((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)).
أخرجه مسلم ، وأحمد (٩٢/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٦٨/٧).
وتابعه صعصعة عمُّ الأحنف به نحوه .
رواه ابن ماجه (٣٦٦٨) .
وله شاهد من حديث أم سلمة مرفوعاً دون القصة ، ولفظه :
((من أنفق على ابنتين ، أو أختين ، أو ذواتي قرابة ، يحتسب النفقة عليهما
حتى يغنيهما الله من فضله عَزَّ وجل أو يكفيهما؛ كانتا له ستراً من النار)).
أخرجه أحمد (٢٩٣/٦)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٩٢/٢٣ -٣٩٣)
من طريق محمد بن أبي حميد عن المطلب بن عبدالله المخزومي عنها .
قلت : ورجاله ثقات ؛ غير محمد بن أبي حميد - وهو الأزرقي الأنصاري -،
قال الحافظ في ((التقريب)) - تبعاً لشيخه الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧/٨) -:
((ضعيف)) .
لكن قال المنذري في ((الترغيب)) (٨٤/٣):
((ولم يُترك ، ومشاه بعضهم، ولا يضر في المتابعات)) .
وأخرجه البزار (١٨٩٠ - كشف) من طريق أخرى عن أنس أن امرأة دخلت
على عائشة ... )).
٤٠٣

٣١٤٤ - ([يا أيُّها الناسُ !] إنَّ اللهَ بَعَثَني إليكُم ، فقلتُم: كذبتَ ،
وقالَ أبو بكر : صَدَقَ ، وواساني بنفسه ومالهِ ، فهلْ أنتُم تاركو لي
صاحِبِي؟ (مرَّتين) فَمَا أُوذِيَ بعدَها).
أخرجه البخاري (٣٦٦١/١٨/٧) : حدثنا هشام بن عمار: حدثنا صدقة ابن
خالد : حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيدالله عن عائذالله أبي إدريس عن أبي
الدرداء قال :
، إذ أقبل أبو بكر أخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى
كنت جالساً عند النبي {#
:4
عن ركبته ، فقال النبي
((أما صاحبكم فقد غامر))، فسلّم وقال: يا رسول الله ! إني كان بيني وبين
ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ، ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي ، فأبى علي !
فأقبلت إليك . فقال :
(«يغفر الله لك يا أبا بكر! (ثلاثاً)».
ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل : أَثَمَّ أبو بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى
إلى النبي ◌َهم ، فجعل وجه النبي يتمعَّر حتى أشفق أبو بكر ، فجثا على ركبتيه،
فقال: يا رسول الله! والله! أنا كنت أظلمَ (مرتين)، فقال النبي :... فذكره.
وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٢٢٣/٥٧٦/٢) مختصراً
دون القصة ، ودون قوله : ((فما أوذي بعدها))، وعنده الزيادة .
وأخرجه البيهقي (٢٣٦/١٠) من طريق أخرى عن هشام بن عمار بتمامه ،
وفيه الزيادتان: الأولى ، والأخيرة . وقد قال الحافظ في هذه الأخيرة (٢٦/٧):
((ولم أر هذه الزيادة من غير رواية هشام بن عمار))!
٤٠٤

وقد غاب عنه - رحمه الله - أنها في رواية محمد بن المبارك الصوري قال : نا
صدقة بن خالد ... فساقه بإسناده ومتنه ، وفيه الزيادتان .
أخرجه عبدالله بن أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٢٩٧/٢٤٠/١) ، وأبو نعيم
في ((الحلية)) (٣٠٣/٩ - ٣٠٤) دون الثانية، وسنده صحيح رجاله ثقات .
وتابعه عبدالله بن يوسف : نا صدقة به .
أخرجه أبو نعيم أيضاً .
ثم أخرجه البخاري (٤٦٤٠) بإسناد آخر عن عبدالله بن العلاء بن زَبْر قال:
حدثني بسر بن عبيد الله به نحوه ، وفيه الزيادة الأولى مع تقديم وتأخير ، وقال
أبو عبد الله - يعني : البخاري - عقب الحديث :
((غامر: سَبَقَ بالخير)).
(تنبيه) : جملة التصديق والمواساة قد رُويت في الثناء على خديجة أيضاً من
حديث عائشة ، ولكن في إسناده ضعف ؛ ولذلك خرجته في ((الضعيفة)) (٦٢٢٤) .
(فائدة) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤/٩ - ٥) من طريق سعيد بن
سليمان : حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
أنفق أبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله ﴿ أربعين ألفاً .
قلت : ورجاله ثقات ؛ غير سعيد بن سليمان - وهو النَّشِيطي -، وهو ضعيف ؛
كما في ((التقريب))، ويؤكد ذلك أنه قد خالفه ابن سعد في ((الطبقات))؛ فقال
(١٧٢/٣): أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة به . لم يذكر عائشة، ولم يَتَعَدَّ به
عروة ؛ فهو مرسل .
٤٠٥

وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة :
أخرجه عنه ابن عساكر في («تاريخ دمشق)» (٥٥٧/٩)، لكن في رواية له من
طريق أبي داود : نا يحيى بن علي : نا أبو أسامة به وزاد :
قال عروة : فأخبرتني عائشة قالت : توفي أبو بكر وما ترك ديناراً ولا درهماً.
فالظاهر أن أصل هذا الأثر متصل عن عائشة ، لم يجاوزوا بِهِ عروة لشهرته
عنها ، فكان بعضهم يذكرها ، ومنهم سعيد بن سليمان .
وقد ذكرت آنفاً أنه النشيطي الضعيف ؛ لأنه روى عنه أبو زرعة ، ولمخالفته
الثقات؛ ثم بدا لي أنه سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بـ (سَعْدَوَيهِ)) الثقة،
وذلك ؛ لأنه هو الذي ذُكر في الرواة عن أبي أسامة - واسمه حماد بن أسامة - في
((الجرح والتعديل)) (١٣٢/٢/١) و((تهذيب المزي)) (٢٢٠/٧) ، وأيضاً فابن حبان لم
يوثق إلا الواسطي هذا (٢٦٧/٨)، فيستبعد أن يروي في (صحيحه)) عن سَمِيِّهِ
النشيطي ، على أن أبا زرعة قد روى عنهما كليهما ، وهذا من روايته عن سعيد بن
سليمان غير منسوب ، فكان ذلك من دواعي الخطأ ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا ،
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
وبذلك نتبين صحة حديث عائشة هذا ، والحمد لله .
ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعاً :
«ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر)).
وقد مضی تخریجه برقم (٢٧١٨) .
ولحديث الترجمة شاهد من حديث أبي أمامة بأسانيد فيها مقال :
أخرجها ابن عساكر (٥٨٠/٩ - ٥٨٣).
٤٠٦

ورواه الطبراني (٢٧٢/١٢) عن ابن عمر ، وفيه متروك .
وقد وردت مثل هذه القصة بين أبي بكر وربيعة الأسلمي ، فلا بأس من سوقها :
٣١٤٥ - (يا ربيعةُ! ما لكَ وللصِّدِّيق؟ قلتُ: يا رسولَ الله ! كانَ
كذا ، وكانَ كذا ، فقال لي كلمةً كرهتُها ، فقالَ لي : قلْ كما قلتُ لكَ
حتَّى يكون قِصاصاً ، [فأبيتُ]؟! فقال رسول الله :
أجَلْ ، فلا تردَّ عليه ، ولكنْ قلْ: غفرَ اللهُ لكَ يا أبا بكر !) .
أخرجه أحمد (٥٨/٤ - ٥٩)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٢/٥ -٥٣)،
وابن عساكر في ((التاريخ)» (٥٨٣/٩) من طرق عن مبارك بن فضالة : ثنا أبو عمران
الجوني عن ربيعة الأسلمي قال :
كنت أخدُم رسول الله تَّةِ ، فأعطاني أرضاً ، وأعطى أبا بكر أرضاً ، وجاءت
الدنيا فاختلفنا في عِذْقِ نخلة ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : هي في حدٍّ أرضي،
وقلت أنا : هي في حدِّي ، وكان بيني وبين أبي بكر كلام ، فقال لي أبو بكر كلمة
كرهتها ، وندم؛ فقال لي : يا ربيعة ! رد علي مثلها حتى يكون قصاصاً ، قلت : لا
أفعل ، فقال أبو بكر: لتقولن، أو لأستعدين عليك رسول الله عَلٍ . قلت : ما أنا
بفاعل. قال: ورفض الأرض، فانطلق أبو بكر - رضي الله عنه - إلى النبي حَ ل﴾ ،
فانطلقت أتلوه ، فجاء أناس من أسلم ، فقالوا : رحم الله أبا بكر ! في أي شيء
يستعدي عليك رسول الله ، وهو الذي قال لك ما قال؟! فقلت : أتدرون من هذا ؟
هذا أبو بكر الصديق ، وهو ثاني اثنين ، وهو ذو شيبة المسلمين ، فإياكم يلتفت
فيراكم تنصروني عليه فيغضب ، فيأتي رسول الله عَليه فيغضب لغضبه ، فيغضب
الله لغضبهما ؛ فيهلك ربيعة ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : ارجعوا .
٤٠٧

، وتبعته وحدي ،
فانطلق أبو بكر - رضي الله عنه - إلى رسول الله
وجعلت أتلوه؛ حتى أتى النبي ◌َ 198 ، فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه
فقال : ... (فذكر الحديث) وزاد :
[فقلت : غفر الله لك يا أبا بكر !] قال : فولى أبو بكر - رحمه الله - وهو يبكي .
والسياق للطبراني ، والزيادتان لأحمد ، وإسناده حسن ، والمبارك بن فضالة
صدوق مدلس ، ولكنه قد صرح بالتحديث في كل الطرق عنه ، فأمنّا تدليسه ،
ولذا قال الهيثمي (٤٥/٩) :
(رواه الطبراني، وأحمد بنحوه في حديث طويل تقدم في النكاح ، وفيه
مبارك بن فضالة ، وحديثه حسن)) .
قلت: وهكذا مطولاً: أخرجه الحاكم في ((النكاح)) (١٧٣/٢ - ١٧٤)، وقال :
((صحيح على شرط مسلم)) !
ورده الذهبي بقوله :
((قلت : لم يحتج مسلم بمبارك)) .
٣١٤٦ - (حيثُما كنتُم ، فأحسنتُم عبادةَ اللهِ ؛ فأبشروا بالجنةِ) .
أخرجه الدَّولابي في «الكنى» (١٧٩/١ - ١٨٠): حدثنا إسحاق بن سُوَيد
ء
الرملي قال : حدثنا ابن أبي أويس : حدثني يحيى بن عُمَيْرِ أبو زكريا البزاز -
مولی نوفل بن عدي بن نوفل بن أسد - أنه سمع سعيد بن أبي سعيد المقبري
ءُ
یحدث عن أبيه عن أبي هريرة قال :
أتى نفر من أهل البادية إلى رسول الله :﴿، فقالوا: يا رسول الله ! إن أهل
٤٠٨

قرآن زعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد في سبيل الله ؟ فقال رسول الله
:... فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير إسحاق بن سويد
الرملي ، وهو ثقة .
ويحيى بن عمير قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٧٣٨/١٧٨/٩):
((صالح الحديث)) .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٦٠٢/٧)، وقد روى عنه جمع من الثقات
غير ابن أبي أويس - وهو إسماعيل -، فهو حسن الحديث على الأقل ، ولذلك قال
الذهبي في ((الكاشف)):
((صدوق)).
وهذا أصح من قول الحافظ فيه :
((مقبول)) !
وذلك ؛ لرواية الثقات عنه ، وهم خمسة :
١ - ابن أبي أويس .
٢ - خالد بن مَخْلَد .
٣- عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي.
٤- محمدُ بن خالدٍ بن عَثْمَةَ .
٥- مَعْنُ بن عیسی .
والحديث أخرجه البيهقي (١٧/٩) مثل حديث الترجمة من طريق العباس
٤٠٩

ابن محمد : ثنا يحيى بن عمير: ثنا المقبري عن أبي هريرة به؛ لم يقل: ((عن
أبيه))، وقال: ((من قرابتنا)) مكان: ((أهل قرآن))؛ ولعله أصح .
والعباس بن محمد هو الدوري - وهو ثقة - ما أظنه بإمكانه أن يسمع من
يحيى بن عمير؛ فإن هذا تابع تابعي ، وذاك ولد سنة (١٨٥)، فأظن أن بينهما
خالد بن مخلد ؛ فقد ذكروه في شيوخ الدوري ، وفي الرواة عن يحيى ابن عمير .
وللحديث شاهد أتم منه ، لكن في إسناده جهالة وإرسال ، ولذلك أخرجته
في الكتاب الآخر (٦٣٠٠) .
٣١٤٧ - (والذي نفسي بيده! لو تتابعتُم حتَّى لا يبقَى منكُم
أحدٌ ؛ لسالَ بِكُمُ الوادي ناراً) .
أخرجه أبو يعلى في مسنده)) (١٩٧٩/٤٦٨/٣) - ومن طريقه : ابن حبان
(٦٨٧٧ - ط: المؤسسة): حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا هُشَيم عن خُصَين
عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال :
بينما النبي ◌ّ يخطب يوم الجمعة؛ وقدمت عِيرٌ إلى المدينة ، فابتدرها
أصحاب رسول الله / حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله
:... فذكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رَأَوْا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها
وتركوك قائماً﴾ [الجمعة: ١١]، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله
◌َال أبو بكر وعمر.
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات ؛ لولا أن هشيماً مدلس وقد عنعنه ،
لكنه قد صرح بالتحديث عند مسلم (١٠/٣): حدثنا إسماعيل بن سالم : أخبرنا
هشيم : أخبرنا حصين به ، إلا أنه لم يذكر حديث الترجمة .
٤١٠

وكذلك أخرجه الترمذي (٣٣٠٨) : حدثنا أحمد بن منيع : حدثنا هشيم :
حدثنا حصين به ، وقال :
((حديث حسن صحيح)) .
وكذا أخرجه ابن حبان (٦٨٣٧) من طريق آخر عن هشيم .
وتابع هشيماً جمعٌ من الثقات عن حصين به دون حديث الترجمة .
أخرجه البخاري (٩٣٦ و٤٨٩٩)، ومسلم أيضاً، وابن خزيمة (١٦١/٣ - ١٦٢)
وأبو يعلى (١٨٨٨) أيضاً، وأحمد (٣١٣/٣ و٣٧٠)، وابن أبي شيبة (١١٣/٢)،
وابن جرير في («التفسير» (٦٧/٢٨ -٦٨)، والبيهقي (١٨١/٣ - ١٨٢) من طرق
عدة عن حصين به ، منهم من لا يذكر أبا سفيان ، وجميعهم لم يذكروا حديث
الترجمة ، فيكون شاذّاً لتفرد زكريا بن يحيى به ؛ وهو الواسطي الملقب (زَحْمَوَيهِ) ؛
وهو ثقة ، كما قال الحافظ في ((اللسان)) (٤٨٤/٢)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
(٢٥٣/٨) ، وقال :
((كان من المتقنين)) !
ولعل مخالفته لهؤلاء الثقات بهذه الزيادة عليهم لا يؤيد قول ابن حبان هذا
فيه ، فليُتَأمَّل !
ولذلك ؛ فقد غفل عن هذه المخالفة: المعلِّق على ((مسند أبي يعلى)) حين قال
في تعليقه على الحديث :
((إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (١٨٨٨))).
ومثله المعلق على («الإحسان» (٣٠٠/١٥) فقال :
((إسناده صحيح، زكريا بن يحيى زحمويه ، روى عنه جمع ، وذكره المؤلف في
٤١١

((الثقات)) .. وهو في ((مسند أبي يعلى)) (١٩٧٩)، وانظر ما قبله))!
وغفلتهما من ناحيتين :
الأولى : أن عنعنة هشيم تمنع من إطلاق الصحة على إسناده كما تقدم .
هذا أولاً .
وثانياً : اتفاق إسماعيل بن سالم ، وأحمد بن مَنِیع ، وسُرَیج بن يونس عند
ابن حبان على روايتهم عن هشيم مصرحاً بالتحديث دون حديث الترجمة یجعل
رواية زحمويه بهذه الزيادة شاذة .
وثالثاً : متابعة الجمع الثقات لهشيم على رواية الحديث عن حصين دون
الزيادة تؤكد شذوذها ، ولذلك اقتصر الشيخان على إخراج الحديث دونها .
والأخرى: أن كُلاًّ من المعلقين أشار إلى رواية أبي يعلى الموافقة لرواية الشيخين
المتقدمة ، وذلك من تمام الغفلة !
ثم إن زيادة: ((وقال: في الإثني عشر ... )) ثابتة من بعض الطرق الأخرى
عن هشيم عند ابن حبان ومسلم أيضاً وغيرهما .
نعم ؛ لحديث الترجمة شاهد مرسل قوي ، فقال الطبري في ((تفسيره))
(٦٧/٢٨ - ٦٨): حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة:
بينما رسول اللّه ◌َ يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون ،
حتى بقيت منهم عصابة ، فقال: ((كم أنتم؟)) فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلاً
وامرأةً ، ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم - قال سعيد : ولا أعلم إلا أن في
حديثه : ويعظهم ويذكرهم ، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت عصابة ، فقال :
(كم أنتم ؟)) فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأةً ، ثم قام في الجمعة الثالثة ،
٤١٢

فجعلوا يتسللون ويقومون ، حتى بقيت منهم عصابة ، فقال: ((كم أنتم؟)) فعدوا
أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأةً ، فقال :
((والذي نفسي بيده ؛ لو اتبع آخرُكم أولَكم؛ لالتهب عليكم الوادي ناراً)) ،
وأنزل الله عز وجل: ﴿وإذا رأوا تجارة .. ) الآية.
قلت : وهذا مرسل صحيح الإسناد ، رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير بشر
- وهو ابن معاذ العقدي الضرير -؛ قال عنه أبو حاتم (١٤١٧/٣٦٨/٢):
((صالح الحديث صدوق)) .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١٤٤/٨)، وقال :
(ثنا عنه ابن خزيمة وشيوخنا ، مات سنة (٢٤٥) أو قبلها أو بعدها بقليل)).
(تنبيه): جاء في ((فتح الباري)) (٤٢٤/٢) ما نصه :
((ووقع في ((تفسير الطبري)) و((ابن أبي حاتم)) بإسناد صحيح إلى أبي قتادة
قال ... )) فذكر الحديث .
فأقول: هكذا وقع فيه ((أبي قتادة))! وهكذا نقله عن ((الفتح)) مؤلف ((تحرير
المرأة في عصر الرسالة)) (١٨٢/٢)، وهو خطأ مطبعي، والصواب: ((قتادة)) دون أداة
الكنية: ((أبي))، ويؤيد ذلك أنه وقع على الصواب في موضعين آخرين من
((الفتح)): أحدهما: في ((التفسير)) قال (٦٤٤/٨) :
((ووقع عند الطبري من طريق قتادة ... )).
والآخر: في ((الجمعة)) قبل الموضع الأول بصفحة (٤٢٣/٢) قال :
((وفي مرسل قتادة عند الطبراني)»!
٤١٣

كذا وقع فيه ، وهو خطأ مطبعي أيضاً؛ بدليل أن محققه علق عليه بقوله :
((وفي المخطوطة : (الطبري))) .
!
قلت : وهذا هو الصواب الذي يدل عليه ويؤكده تحقيقنا هذا .
فلا أدري لِمَ لَمْ يثبته محققه كما في الأصل ؟!
وكذلك أورده السيوطي في «الدر المنثور» (٢٢١/٦) من رواية عبد بن حُميد
عن قتادة ، ومن روايته عن الحسن - وهو البصري - قال :
((بينا النبي ﴿ يخطب يوم الجمعة إذ قدمت عير المدينة فانفضوا ... ))
الحديث نحو حديث الترجمة ، ليس فيه ذكر الجمعة الثانية والثالثة ، وهو الصواب
- إن شاء الله تعالى -.
ثم رأيت البيهقي قد أخرج الحديث في ((شعب الإيمان)) (٢٣٥/٥ - ٢٣٦)
بسند ضعيف عن مقاتل بن حَیَّان معضلاً مثل حديث قتادة عند ابن جرير ،
والله أعلم .
وأخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٦٢/١٠٥) بسند صحيح عن مقاتل بن
حيان قال :
((كان رسول الله يه يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى كان يوم
جمعة والنبي يخطب وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دِخْيَة بن خليفة
قدم بتجارته ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدّفاف ، فخرج الناس ، فأنزل الله عز
وجل: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾، فقدَّم النبيُّ ◌َ ل الخطبة يوم
الجمعة وأخَّر الصلاة ... )) الحديث.
قلت : وهذا منكر بهذا السياق مع إعضاله .
٤١٤

ثم رأيت حديث الحسن البصري قد أخرجه البيهقي في ((الشعب))
(٣٠١٩/١٠٧/٣) من طريق الأوزاعي : حدثني داود بن علي : أنه سمع الحسن بن
أبي الحسن يقول :
بينا رسول الله له يخطب الناس يوم الجمعة ؛ أقبل شاءً وشيء من سمن ،
فجعل الناس يقومون إليه ، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله عز لته :
(لو تتابعتم لتأجج الوادي ناراً)).
قلت : وهذا إسناد حسن مرسل ، وداود بن علي : هو ابن عبدالله بن عباس ،
قال ابن حبان في ((الثقات)) :
(يخطئئ)) . وقال الحافظ :
((مقبول)) .
قلت : فهو حسن الحديث في الشواهد كما هنا .
٣١٤٨ - (إنَّه قَدْ أُذن لَكُنَّ أَن تَخْرِجْنَ لحاجتكنَّ، وفي رواية :
لحوائجكُنَّ) .
أخرجه البخاري (١٤٧ و٤٧٩٥ و٥٢٣٧)، ومسلم (٦/٧) ، وابن جرير في
(التفسير)) (٣٩/٢٨)، والبيهقي (٨٨/٧)، وأحمد (٥٦/٦) من طريق هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت :
خرجت سودة بعدما ضُربَ الحجاب لحاجتها - وكانت امرأة جسيمة لا تخفى
على من يعرفها - ، فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة ! أما والله ! ما تخفين
علينا ، فانظري كيف تخرجين؟! فانكفأت راجعة، ورسول الله :﴿ في بيتي ، وإنه
٤١٥

ليتعشى وفي يده عَرَق ، فدخلت فقالت : يا رسول الله ! إني خرجت لبعض
حاجتي ، فقال لي عمر كذا وكذا ، قالت: فأوحى الله إليه ، ثم رُفع عنه - وإن
العرَقَ في يده ما وضعه - ، فقال ... فذكره ؛ والسياق للبخاري ، والرواية الأخرى
للبيهقي ، وهي رواية للبخاري .
هذه رواية هشام بن عروة - رحمه الله -، وقد خالفه ابن شهاب الزهري - رحمه
الله - في قوله: (( .. بعدما ضرب الحجاب))، فقال الزهري : عن عروة عن عائشة :
أن أزواج النبي ﴿ كُنَّ يخرجن بالليل إذا تبرَّزن إلى المناصع - وهو صعيد
أفيح - فكان عمر يقول للنبي ﴿ : احجُبْ نساءك . فلم يكن رسول الله
يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﴿ ليلة من الليالي عشاءً - وكانت
امرأة طويلة -، فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل
الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب [﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت
النبي .. ﴾ الآية] [الأحزاب/٥٣].
أخرجه البخاري (١٤٦)، ومسلم أيضاً، والطحاوي في ((شرح المعاني))
(٣٩٢/٢)، وابن جرير (٢٩/٢٨)، والبيهقي أيضاً، وأحمد (٢٢٣/٦)، والزيادة
لابن جرير، وسندها جيد ، وعزاها الحافظ (٢٤٩/١) لأبي عوانة في «صحيحه».
ولها شاهد من حديث أنس في قصة تزوج النبي مخلية زينب المعروفة في
((الصحيحين)) وغيرهما ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى هنا .
ويرى القارئ الاختلاف بين الروايتين ظاهراً ، ففي رواية هشام أن القصة
وقعت بعد نزول آية الحجاب ، وفي رواية الزهري أنها نزلت قبلها ، قال الحافظ ابن
كثير في «تفسيره)) (٥٠٥/٣):
((والمشهور الأول)).
٤١٦

وبالغ ابن العربي في ((أحكام القرآن)» (٣/ ١٥٧٤ - ١٥٧٥)، فصرح بضعف
رواية الزهري !
وأما الحافظ فجمع بين الروايتين ، بأن حمل رواية ابن شهاب على أن عمر أراد
أولاً الأمر بستر وجوههن ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد ؛ أحب أن يحجب أشخاصهن
مبالغة في التستر ؛ فلم يجب لأجل الضرورة ، يعني كما في رواية هشام ؛ ثم قال :
((وعلى هذا ؛ فقد كان لهن في التستر عند قضاء الحاجات حالات :
أولها : بالظلمة ؛ لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في
حديث الزهري : ((كن يخرجن بالليل))، وسيأتي في حديث عائشة في ((قصة
الإفك)): ((فخرجت معي أم مسطح قِبل المناصع وهو مُتَّبَرَّزُنا، وكنا لا نخرج إلا
ليلاً إلى ليل)).
ثم نزل الحجاب فتستَّرن بالثياب ، لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز ، ولهذا
قال عمر لسودة في المرة الثانية بعد نزول (الحجاب): ((أما والله ما تخفين علينا)).
ثم اتخذت الكُنُف في البيوت فتسترن بها كما في حديث عائشة في ((قصة
الإفك)) أيضاً؛ فإن فيها: ((وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف))، وكان ((قصة الإفك)) بعد
نزول آية الحجاب)) .
قلت : وفي قول الحافظ عن عمر: ((فلم يجب ؛ لأجل الضرورة)) رد على من
يزعم قديماً وحديثاً أن أمهات المؤمنين كان يَحْرُمُ عليهن إبراز أشخاصهن ، ولو كن
منتقبات متلفعات، وعزا الحافظ هذا الزعم للقاضي عياض ، وقال (٥٣٠/٨ - ٥٣١):
((ثم استدل بما في ((الموطأ)): أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى
شخصها ، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها)).
٤١٧

قال الحافظ :
((وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن ، وقد كن بعد
النبي 18 يحججن ويطفن ، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن
مُتَسَتِّراتُ الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في ((الحج)) قول ابن جريج لعطاء لما ذكر
له طواف عائشة : أقبل الحجاب أو بعده؟ قال : قد أدركت ذلك بعد الحجاب)).
وقال في مكان آخر بعد أن ذكر الزعم المذكور باختصار (٣٣٧/٩):
((والحاصل في رد قوله ؛ كثرة الأخبار الواردة أنهن كن يحججن ويطفن ،
ويخرجن إلى المساجد في عهد النبي ◌َ ﴿ وبعده)).
قلت: ووجه قول الحافظ: ((وليس فيما ذكره دليل ... )) إلخ: أنه مجرد فعل
لا يدل على الفرضية المزعومة، وهذا إن صح ما عزاه القاضي لـ((الموطأ))؛ فإني لم
أَرَ ذلك في ((الموطأ)) المعروف اليوم من رواية يحيى الليثي بعد مزيد البحث عنه ؛
والله أعلم .
ولعل من الأدلة التي تؤيد ما قاله الحافظ - رحمه الله - : حديث أنس - رضي
الله عنه - في سبب نزول آية الحجاب الذي سبقت الإشارة إليه ، وقد جاء من
طرق عنه بألفاظ مختصراً ومطولاً، أذكر أحدها من ((صحيح البخاري)) (٤٧٩٢)،
مع زيادات هامة من غيره تناسب المقام ، فقال - رضي الله عنه - :
أنا أعلم الناس بهذه الآية - آية الحجاب - : لما أهديت زينب إلى رسول الله
كانت معه في البيت ، صنع طعاماً ودعا القوم ، فقعدوا يتحدثون ، [ورسول
الله عَ لِ جالس، وزوجته مُؤَلِّيَةٌ وجهها إلى الحائط]، [وكانت قد أُعطيت جمالاً}،
فجعل النبي ﴿﴿1 يخرج ثم يرجع ، وهم قعود يتحدثون ، فأنزل الله تعالى : ﴿يا أيها
٤١٨

الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين
إناه﴾ إلى قوله: ﴿من وراء حجاب﴾، فضُرب الحجاب، وقام القوم .
وأخرجه مسلم (١٥٠/٤ - ١٥١) مطولاً ، وكذا الترمذي (٣٢١٧) - وصححه - ،
والزيادة الأولى لهما ، والزيادة الأخرى للطبري في ((التفسير)) (٢٦/٢٢)، وسندها
صحيح .
قلت : وفي هاتين الزيادتين حجة قوية على أن زينب - رضي الله عنها -
كانت مكشوفة الوجه ، وإلا لم يكن لذكر أنس تولية وجهها إلى الحائط ، ووصفه
إياها بأنها كانت جميلة فائدة تذكر .
وأما قول مؤلف «تحرير المرأة في عصر الرسالة)) (٦٨/٣):
((لو كانت سافرة الوجه لأمرها الرسول الكريم بستره، ولا حاجة لإلقاء
الحجاب ومنع أنس من الدخول)) !!
وجوابي على ذلك :
أولاً : قوله : ((لأمرها بستره)) مجرد دعوى لا دليل عليها؛ لأن ستر الوجه من
نسائه * قبل نزول آية الحجاب هذه لم يكن واجباً ، حتى يأمرها بستره ، وهذا
بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى .
ثانياً: قوله : ((ولا حاجة لإلقاء الحجاب .. )) فيه مغالطة ظاهرة ، على رأيه
الذي يدافع عنه بكل تكلف وحرارة ، وهو حجب أشخاص زوجاته
خلف ستر
لا يرى الرجال أشخاصهن ، ولا هن يَرَینَهم ! عند التكلُّم معهن .
وأما على ما رجحه الحافظ من أن المقصود حجب البدن لا الشخص ؛
فالحاجة للحجاب قائمة أيضاً؛ لأنهن بحكم كونهن يتردد الرجال كثيراً عليهن
٤١٩

لسؤالهن عن أمور دينهم ، فلولا الحجاب لوجب عليهن أن يسترن وجوههن كلما
سئلن لو دخلوا عليهن ، وفي ذلك مشقة ظاهرة وحرج ، فرفع ذلك عنهن بالحجاب
إذا كن في بيوتهن ، أما إذا خرجن من بيوتهن لحاجة ما ؛ سترن وجوههن ؛ كما
في روايات عدة مذكورة في كتابي ((جلباب المرأة المسلمة)).
هذا ، وهناك في السنة أحاديث كثيرة تدل على أن النساء - ومنهن بعض
زوجاته - كن لا يسترن وجوههن قبل نزول آية الحجاب هذه، يتيسر لي الآن
منها ثلاثة :
الأول : قال أنس رضي الله عنه :
لما انقضت عدة زينب؛ قال رسول الله ﴿ ﴿ لزيد: «فاذكرها عليّ»، قال :
فانطلق زيد حتى أتاها ، وهي تخمِّر عجينها ، قال : فلما رأيتها عظمت في صدري
حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله عَ ل ذكرها ، فوليتها ظهري ونكصت
على عقبي ... الحديث نحو ما تقدم ، وفيه نزول آية الحجاب .
أخرجه مسلم (١٤٨/٤)، وأحمد (١٩٥/٣)، وأبو يعلى (٧٧/٦ - ٧٨) .
الثاني : حديث عائشة، وقولها في ((قصة الإفك)) في صفوان بن المعطّل
السلمي :
(( .. فرأى سواد إنسان نائم ؛ فأتاني حين رآني ، وكان قد رآني قبل الحجاب ،
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمَّرت وجهي بجلبابي ... )) الحديث
بطوله ، وهو متفق عليه .
الثالث : عن عائشة أيضاً قالت :
كنت أكل مع النبي ◌َّهُ حَيْساً في قَعْبٍ ، فمر عمر - رضي الله عنه -
٤٢٠