النص المفهرس
صفحات 361-380
أو بحث وتفكر ؛ إلا عفو الخاطر! كالشيخ عبدالله الدويش في ما سماه بـ ((تنبيه
القاري لتقوية ما ضعفه الألباني)) ؛ فإن غالب الأحاديث التي قواها هي من هذا
النوع الذي تبين لي فيما بعد ثبوته ، ونصصت على ذلك في بعض مؤلفاتي ، فأتى
هذا الشيخ وتتبّع ذلك من مؤلفاتي ، ونسب تقويتها إلى نفسه - عفا الله عنا وعنه
بمنه وكرمه -، وقلّما يضيف إلى ذلك فائدة تذكر ، ومن ذلك هذا الحديث
(ص١٣١) رقم (٢٠١)؛ فإنه نقل كلامي المذكور في ((غاية المرام))، وقد أشرت
إليه آنفاً . ثم عقب عليه بقوله :
((أقول : لكن كل جملة من هذا الحديث قد وردت من وجه آخر صحيح ،
ولذلك حسنه في صحيح الترغيب ١ : ٤٥٧ رقم ١٠٨٣)).
كذا قال! ولم يزد ، فلم ينظر في الاضطراب المذكور في ((الغاية)) وهل يمكن
استخراج طريق منه ، يمكن تصحيحه والاعتماد عليه كما فعلت أنا هنا؟! فهذا مما
لم يفعله ، ولا يفعله إلا نادراً جداً .
وقد تيسر لي المرور على المئة الأولى من أحاديث كتابه المذكور، فوجدت
نصفها تقريباً من هذا النوع الذي أخذ قوته من بعض مؤلفاتي دون أن يقرن مع
ذلك جهداً له أو فائدة تذكر ، ولا بأس من الإشارة إلى أرقامها للفائدة :
(١، ٣، ٤، ١٠، ٢١، ٢٣، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٤٠، ٤١، ٤٥، ٤٦، ٤٨،
٥٢،٤٩، ٥٩، ٦٢، ٦٤،٦٣، ٦٥، ٦٧،٦٦، ٦٨، ٧٠،٦٩، ٧١، ٧٢، ٧٣،
٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٠، ٨١، ٨٣، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٩٠، ٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٥).
ولقد كان مِنَ الواجب على الشيخ - رحمه الله - أن يلتمس لأخيه عذراً؛
ويبين لقرائه سبب تفاوت الحكم من الباحث على الحديث الواحد ، وهي كثيرة لا
٣٦١
مجال لبيانها هنا ، ولكن على الأقل أن يبين ما قد يشترك في فهمه عامة القراء ،
كالذهول أو النسيان الذي هو طبيعة الإنسان ، أو عدم توفر المراجع عنده ولو أحياناً ،
ليتتبع طرق الحديث فيها ، أو عدم نشاطه للبحث ، أو ظهور مراجع جديدة لم تكن
مطبوعة أو مصورة مبذولة من قبل ، أو اختلاف اجتهاد ورأي باحث عن غيره ، هنا
يظهر الفرق والاختلاف في الحكم ، وهذا أمر طبيعي جدّاً، فعلى الإنسان أن لا
يكون إمَّعة لأحد ، وإنما يجتهد لمعرفة الحق مما اختلفوا فيه حسب الطاقة ، ولا
يكلف الله نفساً إلا وسعها .
وقد تبين لي أن الشيخ الدويش - رحمه الله - لا يتعدى أن يكون أوتي ذاكرة
وحفظاً ، أما التحقيق والتصحيح فليس هناك ، ولعلي سبق أن ذكرت بعض الأمثلة
على ذلك فيما سبق ، فهو في كثير من الأحيان ينتقدني على تضعيفي لبعض
الأحاديث بشواهد يذكرها ؛ وتكون شواهد قاصرة غير كاملة للحديث كله ،
كالأحاديث (٢، ٤٢، ٤٤، ٥٢، ٥٥، ٧٥، ٨٢، ٨٩، ٩٤، ٩٨، ١٠٠). فالحديث
رقم (٢) نصه :
((من قرأ القرآن وعمل بما فيه ؛ أُلبس والده تاجاً يوم القيامة ضوؤه أحسن من
ضوء الشمس في بيوت الدنيا ... )) الحديث قوَّاه بشاهد ذكره في آخره :
((ويُكْسى والداه حُلَّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا ... ))؛ فأين هذا من ذاك،
أين الحلتان من التاج ؟!
وتارة يكون الحديث الضعيف في الوقف ، فيستشهد له بحديث في الوصية ،
وشتان ما بينهما عند الفقهاء ، وانظر الحديث (١٦).
وتارة بغض النظر عن الراوي المضعف لمجرد كونه من رجال ((الصحيح»
٣٦٢
كالحديث (١٨، ٩٤)، والأول مخرج في ((الضعيفة)) (٤٠٢١)، والآخر برقم
(٣٧٢)، فتعقبني بحديثين ضعيفين سيأتي تخريجهما برقم (٦٢٣٥ و٦٢٣٦)!
٣١٣١ - (قُوما فاغْسلا وجوهَكُما ، يعني : عائشةَ وسودةَ)
أخرجه أبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (ق١/١٨) : حدثني إسحاق بن
الحسن بن ميمون الحربي : ثنا أبو سلمة : ثنا حماد : ثنا محمد بن عمرو عن
يحيى بن عبدالرحمن أن عائشة قالت :
أتيت رسول الله ، بخزيرة طبختها له، فقلت لسودة والنبي ئية بيني
وبينها ، فقلت لها : كلي. فأبت ، فقلت : لتأكلِنَّ أو لألطخن وجهك. فأبت ،
فوضعت يدي في الخزيرة فطليت بها وجهها! فضحك النبي بَ ﴾ فوضع فخذه (!)
لها وقال لسودة :
((الطخي وجهها))
فلطخت وجهي ، فضحك النبي ◌َ ﴾ أيضاً ، فمرَّ عمر فنادى : يا عبدالله ! يا
عبدالله! فظن النبي ◌َّ أنه سيدخل فقال لهما ... (فذكر الحديث). قالت
عائشة: فما زلت أهاب عمر؛ لهيبة رسول الله عَ ليهِ إياه .
قلت : وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات من رجال ((التهذيب))؛ غير إسحاق
الحربي هذا ، وهو ثقة ؛ كما قال إبراهيم الحربي وعبدالله بن أحمد والدارقطني وهو
مترجم في «تاريخ بغداد)» (٣٨٢/٦).
وأبو سلمة اسمه موسى بن إسماعيل التبوذكي .
وحماد هو ابن سلمة .
٣٦٣
ويحيى بن عبدالرحمن هو ابن حاطب المدني ، روى عن جمع من الصحابة
منهم عائشة ، رضي الله عنهم .
ثم رأيت الحديث في ((مسند أبي يعلى)) (٤٤٧٦/٤٤٩/٧) ، حدثنا إبراهيم :
حدثنا حماد به . وفيه: ((فوضع بيده لها)) مكان (( .. فخذه .. )) فوضح المراد.
والحمد لله .
وإبراهيم هذا هو ابن الحجاج السامي ، قال الحافظ :
(ثقة ، یهم قليلاً)) .
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٣١٦/٤):
(رواه أبو يعلى، ورجاله رجال ((الصحيح))؛ خلا محمد بن عمرو بن علقمة ،
وحديثه حسن)) .
٣١٣٢ _ (إن المؤمنَ خُلقَ مُفَتَّناً توَّاباً نسَّاءً؛ إذا ذُكِّر تذكَّر) .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٦٦٦/٣٤٢/١٠) ، وابن عدي في
(الكامل)) (٩١/٣)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١١/٣) من طريق عتبة بن يقظان ،
عن داود بن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس قال : قال رسول
الله ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، لكنه ليس شديد الضعف :
داود بن علي ، قال الذهبي في («الكاشف)» :
((وَتَّق ، فصيح مفوَّه بليغ)) . وقال الحافظ :
٣٦٤
((مقبول)) .
وعتبة بن يقظان ، قال الذهبي :
((وثقة بعضهم ، وقال النسائي : غير ثقة)).
قلت : له طريقان آخران عن ابن عباس يتقوى بهما :
الأول : يرويه أبو معاذ عن أبي بشر جعفر بن أبي وَحْشِيَّة عن سعيد بن جبير
عنه مرفوعاً بلفظ :
((ما من مؤمن إلا وله ذنب يصيبه الفَيْنة بعد الفينة، إن المؤمن نسَّاءٌ ؛ إذا ذُكِّر
ذَكَر)» .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٦٠١١/٢/٦٠/٢)، وقال:
((لم يروه عن أبي بشر إلا أبو معاذ، وهو سليمان بن أرقم)).
قلت : قال الحافظ :
(ضعيف)). وقال الذهبي :
((متروك)).
قلت : ويغني عنه الثالث ؛ فإنه صحيح : يرويه عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً
بلفظ أتم ، وقد تقدم تخريجه برقم (٢٢٧٦). وقال الهيثمي تحته (٢٠١/١٠) :
((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) باختصار، وأحد أسانيد ((الكبير))
ثقات، وله السياق)).
يعني طريق عكرمة هذه .
٣٦٥
٣١٣٣ - (لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ).
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (١٦٧/١/٤) وابن عساكر (٣٧٠/١٤) عنه،
وابن حبان في ((صحيحه)) (١٢٧٦/٢٨٦/٢) من طريق هشام بن عمار عن صدقة
ابن خالد عن يزيد بن أبي مريم عن القاسم بن مُخَيمرَة عن عبد الله بن عُکَیم قال :
نا مشيخة لنا من جهينة أن النبي لم كتب إليهم: أن لا ... الحديث .
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال ((الصحيح)) ، وفي هشام بن عمار كلام
معروف مع كونه من شيوخ البخاري ، لكنه قد تابعه جمع :
١ - محمد بن المبارك : ثنا صدقة بن خالد به .
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧١/١) و((مشكل الآثار)) (٤/
٢٦٠ - ٢٦١) .
٢ - الحكم بن موسى : ثنا صدقة به .
أخرجه البيهقي في «سننه)) (٢٥/١).
ومحمد بن المبارك ثقة من رجال الشيخين .
والحكم بن موسى ثقة من رجال مسلم .
ثم إن صدقة بن خالد قد تابعه أيوب بن حسان : ثنا يزيد بن أبي مريم به .
أخرجه البيهقي (٢٥/١).
وأيوب بن حسان صدوق ؛ كما قال الحافظ تبعاً لأبى حاتم ، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)) (١٢٧/٨).
٣٦٦
قلت : فالسند صحيح لا يُعَلُّ بهشام بن عمار لهذه المتابعات ، وقد أعله
الطحاوي في ((المشكل)) دون ((معاني الآثار))؛ فقال :
((الأشياخ من جهينة لم يُسَمَّوْا، ولا نعلم أنهم من أصحاب النبي (َةٍ)).
قلت : وهذا ليس بشيء؛ لأنهم إن لم يكونوا كلهم من الصحابة - وهذا ما
أستبعده ـ؛ فهم بلا شك من أتباعهم كعبد الله بن عُكيم ، فقد ذكره ابن حبان
في ((الصحابة)) من كتابه («الثقات)) (٢٤٧/٣) ، وقال:
((أدرك النبي { له ولم يسمع منه شيئاً .. ))، ثم ذكر حديثه هذا .
وقد ترجمه الخطيب في ((التاريخ)) (٣/١٠ - ٤) بسماعه عن جمع من
الصحابة ، وعنه جمع من التابعين الثقات غير القاسم بن مخيمرة ، ثم قال :
((وكان ثقة)) .
فأشياخه في الحديث - على فرض أنه ليس فيهم صحابي - هم من التابعين
المخضرمين ، وأعلى طبقةً من ابن عُكيم ، فإن لم يكونوا ثقاتٍ مثله - وهذا مما
أستبعده أيضاً -؛ فهم مستورون ، ولكنهم جمع تنجبر جهالتهم بكثرتهم ، كما قال
السخاوي وغيره في غير هذا الحديث ؛ فقال - رحمه الله - في حديث رواه عدة من
أبناء الصحابة :
((وسنده لا بأس به ، ولا يضره جهالة من لم يُسمَّ من أبناء الصحابة ؛ فإنهم
عدد تنجبر به جهالتهم)) .
فراجعه في ((غاية المرام)» (٤٧١/٢٧٢) .
قلت : وحينئذ؛ فالحديث صحيح موصول ؛ لأنهم يروون عن كتاب النبي
٣٦٧
الذي أرسله إليهم ، وهم واثقون بأنه كتابه ، كما نروي نحن اليوم عن كتب
السنة ولم نر مؤلفيها ولا سمعناها منهم ، فالحديث إذن داخل في حكم
((الوجادة)) المذكورة في ((علم المصطلح))، وقد تقرر فيه وجوب العمل بها ، فراجع
لذلك كتاب ((الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث)) للشيخ أحمد شاكر
-رحمه الله تعالی ..
قلت : فإعلال الحديث بالإرسال كما فعل الخطابي وغيره غير وارد إذن ؛ لأنه
خلاف هذا المتقرر ، والله أعلم .
ولعل هذا الذي ذكرته من الرد لهذا الإعلال هو الذي لحظه المحقق الحافظ ابن
عبد الهادي في كتابه ((تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق)) حين أورد الحديث
فيه (٢٧٨/١) من رواية البخاري في ((تاريخه))، وابن حبان في ((صحيحه))، ثم لم
يُعِلَّهُ بما أعلّه الطحاوي .
وأما إعلال البعض إياه بالاضطراب ؛ فهو بخصوص غير رواية القاسم بن
مخيمرة هذه كما هو مشروح في ((الإرواء)) (٧٩/١) ؛ فتنبه .
وإن مما يزيد الحديث قوة : أن له شاهداً من رواية زَمْعَة بن صالح قال : حدثنا
أبو الزبير قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول ... فذكره مرفوعاً باللفظ المذكور
أعلاه ، وفيه قصة .
أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤٨/٩) بسند صحيح عن أبي نعيم
قال : حدثنا زمعة بن صالح به .
قلت : وهذا إسناد صالح للاستشهاد به ؛ فقد صرح أبو الزبير بالتحديث ،
فأمنا بذلك شر تدليسه .
٣٦٨
وزمعة بن صالح - وإن كان ضعيفاً؛ فإنه - ليس شديد الضعف ، كما أشار
إلى ذلك الذهبي بقوله في «الكاشف»:
((ضعفه أحمد، وقرنه (م) بآخر)).
بل قال في ((المغني)) :
((صالح الحديث، ضعفه أحمد وأبو حاتم، ووثقة ابن معين)).
واعلم أيها القارئ الكريم ! أنني كنت خرجت حديث جابر هذا منذ أكثر من
ثلاثين سنة في المجلد الأول من ((الضعيفة)) برقم (١١٨) من رواية ابن وهب عن
زمعة عن أبي الزبير عن جابر معنعناً ، وفيه القصة أيضاً، فلما شرعنا في إعادة
طبع هذا المجلد ، ووصلت في تصحيح تجاربه إلى هذا الحديث ؛ تذكرت أنني كنت
خرجت في ((الإرواء)) ما يشبهه ، وكان تأليفه بعد ((الضعيفة)) بنحو خمسة عشر
عاماً ، فوجدت فيه حديث عبدالله بن عُكيم من طريقين عنه بلفظين ، أحدهما
بلفظ الترجمة ، والآخر مثله إلا أنه قال: (( .. بإهاب ولا عصب)). وملت فيه إلى
تصحيح إسناده ، وصرحت بأن إسناد الأول صحيح ، فخشيت أن يكون في هذا
التصحيح شيء من الوهم ، فأعدت النظر فيه بطريقة أوسع - كما ترى - مما هناك ،
فتأكدت من صحته ، وازددت قناعة به ، والحمد لله ، وعليه ؛ رأيت لزاماً عليّ أن
أنبه القراء الأفاضل أن الحديث - بشاهد حديث ابن عكيم - صار صحيحاً لغيره ،
وأنني نقلته إلى هنا ، والله ولي التوفيق ، وهو الهادي إلى أقوم طريق .
وأريد أن أنبه هنا على أمرين اثنين :
الأول: أن المعلق على ((شرح السنة)) (٩٩/٢) قد كان أعلَّ الحديث فيه
بالاضطراب متجاهلاً جوابي عنه في «الإرواء» (٧٩/١). ثم رجع عن ذلك في
٣٦٩
تعليقه («الإحسان)) (٩٥/٤ - المؤسسة)؛ فجزم بصحة إسناده من الطريقين عن
عبدالله بن عكيم ، فأصاب ، لكن كان عليه أن ينبه على تراجعه عن إعلاله
بالاضطراب ؛ لأن ذلك ينافي الجزم المذكور .
على أن بعضهم يقول: إن التعليق على ((الإحسان)) ليس للمعلق على
(الشرح))، وإنما هو لبعض الموظفين عنده! فإذا صح هذا، فهو السبب في عدم
التنبيه على الخطأ السابق؛ لأنه من غير المصحِّح في التعليق على ((الإحسان)).
والآخر : سبق في تخريج الحديث أنه من رواية القاسم بن مخيمرة عن
عبدالله بن عكيم ، هكذا هو عند البخاري عن هشام ، وعند غيره عن غير هشام
من المتابعين ، ووقع عند ابن حبان: ((عن القاسم بن مخيمرة عن الحكم عن
عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عبدالله بن عكيم))، فزاد بين القاسم وابن عكيم :
الحكم وابن أبي ليلى ، وأظن أن هذه الزيادة خطأ من بعض النساخ ؛ لمخالفتها لرواية
البخاري والآخرين ، ولأن الذين ترجموا للقاسم والحكم - وهو ابن عتيبة - لم
يذكروا له رواية عنه . ويبدو أنه خطأ قديم؛ فقد عزاه الزيلعي «في نصب الراية)»
(١٢٠/١) لابن حبان هكذا! الأمر الذي يبعد عن الذهن أن يكون ذلك من
الطابع ؛ فإن هذا الخطأ وقع أيضاً في طبعة مؤسسة الرسالة (٩٥/٤) وهي أصح
بكثير من طبعة دار الكتب العلمية التي نعزو إليها لأنها كاملة ، ولا أدري السبب
في عدم مسارعة المؤسسة لإتمام طبعتها(١)!
وتنبيه ثالث : وهو أن الحديث - بلفظيه - قد سقط من ((زوائد ابن حبان))
(ص٦١) فليُلحق به ، وله أمثلة كثيرة أنا في صدد جمعها - إن شاء الله تعالى -.
هذا ؛ ولعل مما يفيد القراء الكرام أن أذكر بأن مثل هذا التصحيح لغيره بعد
(١) تم طبعها الآن كاملة. (الناشر).
٣٧٠
ذاك التضعيف لذاته مما يثير حفيظة بعض الجهلة الأغرار، ويعدُّه تناقضاً وجهلاً ؛
كذاك المسمى بحسن السقاف ، والمنتسب إلى آل البيت الأطهار، والشاطر في قلب
الحق باطلاً ، والصواب خطأً ، وقد نذر نفسه ، وجعل دأبه الرد على الألباني ، فكم
له من رسالة في ذلك ، منها ما أظهره أخيراً بعنوان: ((تناقضات الألباني .. » ، وقد
كفاني مؤنة الرد عليه والكشف عن زوره وبهتانه ، وجهله وضلاله : الأخ الفاضل
علي الحلبي في كتابه القيم ((الأنوار الكاشفة لـ ((تناقضات)) الخساف الزائفة
وكشف ما فيها من الزيغ والتحريف والمجازفة))؛ فإليها ألفت الأنظار ؛ فقد نفع الله
بها كثيراً، حتى بعض المغرورين به سابقاً حينما علموا وأنصفوا .
ولكني أريد هنا أن أقول له ﴿قولاً ليَّناً لعله يتذكر أو يخشى﴾:
أولاً : هل أنت معصوم فلا يقع منك خطأ علمي ما؟ فإن أجاب بأنه ليس
بمعصوم ، وأن الخطأ منه واردٌ - كما هو الواجب على المؤمن حقّاً - قلت:
ثانياً : فإذا تبين لك الصواب فيما بعد ؛ هل ترجع إليه - كما يفعل الألباني - أم
تصرُّ عليه؟ فإن أجبت بالإيجاب - كما هو جواب المؤمن - فلماذا تسمي إذن تراجع
الألباني إلى الصواب خطأً ، بديل أن تشجعه على الرجوع إلى الصواب دائماً وأبداً ،
وإن كان هو بفضل الله ليس بحاجة إلى تشجيع واحد مثلك؟ !! أليس ((تناقضك))!
وعدم تراجعك عنه من أكبر الأدلة على أن وراء الأكمة ما وراءها؟! وختاماً أسأل الله
تبارك وتعالى أن يهديك إلى أن تتعلم علم الكتاب والسنة معاً وعلى منهج السلف
الصالح ، حتى ينجو المغرر بهم من ضلالك ، وإلا ... فعلى نفسها جنت براقش .
وأما أنا ؛ فإني أرجو منه تعالى أن يزيدني توفيقاً في خدمة الحديث والسنة
والانتصار لها، وأن يسدد في ذلك خُطاي ، وأن يجعل ذلك سبباً ليغفرلي
خطيئتي یوم الدین .
٣٧١
وأما الخلاص من كيد الكائدين ، وحسد الحاسدين ، وطعن الطاعنين ؛ فلا
سبيل إليه إلا بالوفاة على الإيمان إن شاء الله تعالى . وما أحسن ما قيل :
ولستُ بناج من مقالة طاعن ولو كنتُ في غارٍ على جبل وَعْرِ
ولو غاب عنهم بين خَافِيَتَيْ نَسْرِ
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً
سبب النهي عن سفر الرجل وحده
٣١٣٤ - (خرجَ رجلٌ من (خيبرَ) ، فاتبعه رجلان ، وآخرُ يتلوهما
يقول : ارجعا ارجعا، حتَّى ردَّهما ، ثم لحقَ الأولَ ، فقال:
إنّ هذينٍ شيطانانِ ، وإنِّي لمْ أزلْ بهما حتى رددتهما ، فإذا أتيتَ
فأقرئه السلام ، وأخبره أنَّا ههنا في جمع صدقاتنا ، ولو
رسول الله عَلطاولة
كانت تصلحُ له لبَعَثْنَا بها إليه .
قالَ : فلمَّا قدمَ الرجلُ المدينةَ أخبر النبيَّ ټ ، فعند ذلك نھی
رسول اللهِ وَ ج عن الخَلْوةِ) .
أخرجه الحاكم (١٠٢/٢)، وأحمد (٢٧٨/١ و٢٩٩) من طرق عن عبيدالله
ابن عمروِ الرَّقِّي عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال ... فذكره . وقال الحاكم :
(صحيح الإسناد على شرط البخاري)). ووافقه الذهبي ، وقواه الحافظ في
((الفتح)) (٣٤٥/٦) بسكوته عنه ، وفسر (الخلوة) بقوله :
((أي : السفر وحده)) كما يدل عليه السياق .
٣٧٢
٣١٣٥ - (ذاكَ جبريلُ عليه السلامُ ، وإنَّ منكم لرِجَالاً لو أنَّ أحدَهم
يقسمُ على الله لأبرَّه)
أخرجه البزار في ((مسنده)) (٣٠٦/٣ - ٣٠٧ - الكشف)، والطبراني في
((المعجم الكبير)) (١١/١٢ - ١٢) و(«الأوسط)) (٢٨٧٣/١/١٥٣/١)، ومن طريقه :
الضياء في «المختارة)» (١/٢١٢/٥٩-٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة)) (٧٦/٧) من
طرق عن محمد بن عبد الوهاب الحارثي : ثنا يعقوب القَمِّ عن جعفر بن أبي
المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
عاد رسول الله ◌َ، رجلاً من الأنصار ، فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في
الداخل ، فلما أستأذن عليه دخل عليه فلم ير أحداً، فقال له رسول الله زيارة :
سمعتك تكلم غيرك ؟ قال : يا رسول الله ! لقد دخلت الداخل اغتماماً بكلام
الناس مما بي من الحمى ، فدخل علي داخل ما رأيت رجلاً قط بعدك أكرم مجلساً
ولا أحسن حديثاً منه ، قال ... فذكره . وقال البزار - والطبراني - نحوه :
((لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو إسناد حسن؛ الحارثي هذا ترجمه الخطيب في ((التاريخ)) (٣٩٠/٢
- ٣٩١) برواية جمع من الثقات والحفاظ عنه، ثم روى عن الحافظ أبي علي صالح
ابن محمد - جزرة _(١) أنه قال: ((ثقة)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٨٣/٩)
برواية الحافظ عبدالله بن محمد البغوي ، ثم قال :
((ربما أخطأ)).
(١) له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٢/٨ - ٣٢٨) و(«تذكرة الحفاظ)».
٣٧٣
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤١/١٠):
:
((رواه البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وأسانيدهم حسنة)).
وهذا تعبير موهم لغير الواقع فقد عرفت من كلام البزار والطبراني أنه ليس له
إلا هذا الإسناد ، فهو إنما يعني بـ(الأسانيد) : الطرق المشار إليها عن الحارثي ؛ فتنبه !
ثم رأيت الحافظ قد سبقني إلى تحسينه ، فقال في ((مختصر زوائد البزار))
(٣٧٧/٢) :
((وإسناده حسن)).
٣١٣٦ - (إنَّ أولَ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ : القلمُ ، فأخذَهُ بيمينِه .
وكلتا يديه يمينٌ - قالَ : فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عمل معمول :
بِرٍّ أو فجورِ ، رطْبٍ أو يابس ، فأحصاهُ عندَه في الذِّكر ، ثم قالَ : اقرَأُوًا
إن شئتم : ﴿هذا كتابُنَا يَنْطِقُ عليكم بالحق إنا كنا نَسْتَنْسِخُ ما كنتم
تعملون﴾؛ فهل تكونُ النسخةُ إلا مِنْ أمرٍ قد فُرِغَ منه).
أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (٣٢١ - ٣٢٢) قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله
ابن صالح البخاري قال : حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال : حدثنا أبو توبة
الربيع بن نافع عن بقية بن الوليد قال : حدثنا أرطاة بن المنذر عن مجاهد عن ابن
عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ◌َ ، قال ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات مترجمون في ((التهذيب))؛ غير أبي
محمد البخاري ، ترجمه الخطيب (٤٨١/٩ - ٤٨٢) وروى عن غير واحد من
الحفاظ أنه مأمون، ووصفه الذهبي في ((السير)) (٢٤٣/١٤) بـ ((الإمام الصدوق)).
٣٧٤
وبقية بن الوليد قد صرح بالتحديث ؛ فأمنا بذلك شر تدليسه .
ثم أخرجه الآجري من طريق أبي أنس مالك بن سليمان الحمصي قال :
حدثنا بقية بن الوليد عن أرطاة بن المنذر به .
ومالك بن سليمان هذا ؛ ذكره ابن أبي حاتم بروايته عن بقية ؛ ولم يذكر فيه
جرحاً ولا تعديلاً ، ولكنه قال :
((روى عنه أبو زرعة)).
ومن المعروف عن أبي زرعة أنه لا يروي إلا عن ثقة ، والله أعلم .
وللحديث شواهد متفرقة تزيده قوة على قوة :
أولاً : فقرة خلق القلم ، فمن شواهده حديث ابن عباس المتقدم برقم
(١٣٣)، وحديث عبادة بن الصامت الذي كنت خرجته من طرق عنه في التعليق
على ((المشكاة)) (٩٤/٣٤/١).
ثانياً: قوله: ((وكلتا يديه يمين))، قد جاء في حديث: ((المقسطون عند الله يوم
القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين .. )).
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((آداب الزفاف)) (٢٨١).
وقد رواه أيضاً ابن حبان (١٥٣٨)، والآجري، والبيهقي في ((الأسماء))
(ص٣٥٤) من حديث ابن عمرو .
وله شاهد ثانٍ من حديث أبي هريرة مرفوعاً :
((لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس ... )) الحديث ، وفيه ذكر القبضتين ،
وقوله تعالى لآدم :
٣٧٥
((اختر أيهما شئت ، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ... )).
وهو مخرج في ((الظلال)) (٢٠٦/٩١).
وله شاهد من حديث عبدالله بن سلام موقوفاً عليه .
أخرجه الآ جري (ص٣٢٢) بسند جيد .
وفي القبضتين أحاديث أخرى كنت خرجتها في المجلد الأول برقم (٤٦ -
٥٠) . وليس في شيء منها ذكر الشمال ؛ إلا في رواية في حديثٍ لابن عمر في
طيّ السموات والأرض؛ مذكور في ((صحيح الجامع)) برواية مسلم وأبي داود عنه ،
تَفَرَّد بذكره عمر بن حمزة عن سالم عنه. قال البيهقي في «الأسماء» (ص٣٢٤):
((وقد روى هذا الحديث نافع ، وعبيدالله بن مقسم عن ابن عمر ، ولم يذكر
فيه: ((الشمال))، ورواه أبو هريرة رضي الله عنه وغيره عن النبي ، فلم يذكر فيه
أحد منهم الشمال . وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة ؛ إلا
أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير ، وبالآخر يزيد الرقاشي وهما
متروكان ، وكيف يصح ذلك والصحيح عن النبي ﴿ أنه سمى كلتا يديه يميناً؟!)).
قلت : معنى كلام البيهقي في ذكر ((الشمال)) في حديث ابن عمر المشار إليه
أنه شاذ لمخالفته الثقات الذين لم يذكروا ذلك؛ لا في حديث ابن عمر ، ولا في
حديث أبي هريرة وغيره ، وهذا الحكم بالشذوذ إنما يصح اصطلاحاً فيما لو كان
عمر بن حمزة ثقة عند العلماء ، لكن الواقع أنه ضعيف ؛ كما صرح بذلك الحافظ
ابن حجر وغيره ، ووصفه الإمام أحمد بقوله :
((أحاديثه مناكير)).
٣٧٦
ومن مناكيره حديث: ((من أشر الناس .. الرجل يفضي إلى امرأته .. ثم
ينشر سرها)) الذي كنت تكلمت عليه في مقدمة ((آداب الزفاف)) الطبعة الجديدة ،
ورددت فيها على ذاك المصري الجاني الذي نسبني بسبب ذلك إلى مخالفة
الإجماع ! فهذا مثال آخر يؤكد ضعف عمر بن حمزة ، ومخالفته للثقات بشهادة
الإمام البيهقي، وعليه ؛ فتكون زيادته المذكورة: ((الشمال)) منكرة ، والله سبحانه
وتعالى أعلم .
:
٣١٣٧ - (کان من دعائه
اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من جار السُّوءِ ، ومن زوج تشيِّبني قبلَ
المشيبِ ، ومن ولدٍ يكونُ عليّ رَبّاً، ومِنْ مالٍ يكونُ عَلَّيّ عذاباً ، ومن
خليلِ ماكر عينُه تراني ، وقلبُه يرعاني ؛ إنْ رأى حسنةً دفنَها ، وإذا رأى
سيّئَةً أذاعَها) .
أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (١٣٣٩/١٤٢٥/٣): حدثنا عبدالله بن أحمد
ابن حنبل : ثنا الحسن بن حماد الحضرمي : ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن
عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ... فذكره .
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم من رجال ((التهذيب))، ولولا الخلاف
المعروف في ابن عجلان ؛ لقلت بصحته .
والحديث أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (١٨٣/١/١) من طريق أبي
بكر بن أبي عاصم : حدثنا الحسن بن سهل : حدثنا أبو خالد الأحمر به مقتصراً
على الشطر الثاني منه، بلفظ: ((اللهم إنّ أعوذُ بك من خليلٍ ماكرٍ ... )) إلخ.
٣٧٧
والحسن بن سهل هو أبو علي الجُعْفِيُّ الكوفي، أورده ابن حبان في ((الثقات))
(١٧٧/٨) بروايته عن أبي خالد الأحمر ، وعنه الحسن بن سفيان وغيره ، وقد روى
عنه أبو زرعة كما في ((الجرح))، وهو لا يروي إلا عن ثقة ، فهو متابع قوي للحسن
ابن حماد الحضرمي .
والقطعة الثانية من الحديث: عزاها في ((الجامع)) لابن النجار، عن سعيد
المَقْبُرِيِّ - مُرسَلاً ..
وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤٥٠/١٠) من طريق عطاء بن السائب
عن أبي عبدالله الجدلي قال :
كان داود النبي ◌َ ◌ّه يقول :
اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني ، وقلبه يرعاني ، إن رأى خيراً دفنه ،
وإن رأى شراً أشاعه !
ورجاله ثقات ، لكنه مقطوع غير مرفوع .
٣١٣٨ - (يا أَسَدُ بْنَ كُرْزِ! لا تدخلُ الجنةَ بعملِ ، ولكنْ برحمةٍ
الله ، [قلتُ: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال:] ولا أنا؛ إلا أن يتلافاني
اللهُ ، أو يتغمدني [الله] منه برحمةٍ) .
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٤٩/٢/١) والطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٠٠١/٣٣٤/١) من طريقين عن بقية قال : ثني أرطاة بن المنذر السكوني ، قال :
حدثني مهاصر بن حبيب الزُّبَيدي عن أسد بن كرز قال : قال لي رسول الله
ي ... فذكره؛ والسياق للبخاري ، والزيادتان للطبراني.
٣٧٨
قلت : وهذا إسناد جيد ، أسد بن كُرز - بالضم - صحابي معروف مترجم في
((الإصابة)) وغيره .
ومن دونه ثقات مترجَمون في ((التهذيب)) وغيره ؛ سوى مهاصر بن حبيب
الزبيدي ، وهو أخو ضمرة بن حبيب الزبيدي الشامي ، قال أبو حاتم :
((لا بأس به)).
وذكره ابن حبان في (أتباع التابعين) من ((الثقات)) (٥٢٥/٧ - ٥٢٦)، وذكره
أيضاً في (التابعين) منه (٤٥٤/٥)، وقال :
((يروي عن جماعة من الصحابة ، وعنه أهل الشام ، مات سنة ثمان وعشرين
ومئة)) .
وذكره في هذه الطبقة نفسها (٤٢٧/٥)؛ وقد تحرف اسمه على بعض الرواة
قديماً وحديثاً أيضاً؛ فقال :
(مهاجر بن حبيب الزبيدي . يروي عن أسد بن كرز، وله صحبة ، روى عنه
أرطاة بن المنذر، وأخاف أن يكون هو مهاصر بن حبيب الزبيدي)).
قلت : والذي خافه قد وقع حتى في هذا المكان من كتابه ، ولم يتنبه له
محققه ، فعلق عليه بقوله :
((له ذكر في ((الإصابة)) في ترجمة شيخه أسد بن کرز)).
وهناك في ((الإصابة)) ساق الحافظ حديثنا هذا من رواية البخاري في
(تاريخه)) والطبراني وابن السكن من طريق أرطاة .. إلخ، فوقع فيه: (مهاجر بن
حبيب)) ! وقال عقبه :
٣٧٩
((إسناده حسن)) .
ومهاجر بن حبيب لا وجود له في كتب التراجم؛ إلا ما تقدم من ابن حبان
مع ذكره خوفه أن يكون محرفاً من ((مهاصر))، فكذلك تحرف على نساخ
(الإصابة))، و((أسد الغابة)) (٨٥/١)، وعلى واضع ((فهارس الجرح والتعديل))
(ص٥٦١) وغيرهم؛ كالمعلق على ((الثقات))؛ فقد وقعت العبارة المتقدمة عنه :
((وأخاف أن يكون هو مهاجر .. ))، هكذا: ((مهاجر))!
وعلى الصواب وقع في ترجمة أرطاة بن المنذر في ((تاريخ ابن عساكر))،
و(تهذيب الكمال))، وكذا في ((ترتيب ثقات العجلي)) للهيثمي (١٦٤٥/٤٤٢)
وقال :
((شامي تابعي ثقة)).
قلت : ولم يذكر الهيثمي في كتابه ((ترتيب ثقات ابن حبان)) ترجمة
((مهاجر .. )) المحرفة ، فلا أدري أكان ذلك اقتناعاً منه بأنها محرفة فلا يصح إيرادها
في الكتاب ، أو أنها لم تقع له في نسخته من ((الثقات)) . والله أعلم .
وقد أشار في ((مجمع الزوائد)) إلى توثيق المهاصر هذا، فقال عقب حديث
الترجمة (٣٥٧/١٠) :
(رواه الطبراني، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات)).
وأقول : قد صرح بقية في رواية البخاري بالتحديث فأمنًّا بذلك تدليسه ،
ولذلك حسن الحافظ إسناده، كما تقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقد تحرف اسم ((المهاصر)» هذا في حديث آخر ، فلا بد من تخريجه :
٣٨٠