النص المفهرس

صفحات 341-360

((الإيمان يمان إلى هنا - وأشار بيده حذو جذام -؛ صلوات الله على جذام)).
وهذا مرسل ، رجاله ثقات، وعزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) للشيرازي عن
أبي هريرة مرفوعاً، وزاد: ((يقاتلون الكفار على رؤوس الشَّعَف ، ينصرون الله
ورسوله)» .
ولم أقف إلى الآن على إسناده ، وقد أشار السمعاني في مادة (الجذامي) إلى
ضعفه .
وللحديث شاهد صحيح في أول الحديث التالي .
والشطر الأول منه متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وله عندهما تتمة ، وهو
مخرج في ((الروض النضير)) (١٠٤٥).
ثم رأيته في «تاريخ دمشق)) (٢٩٨/٦) من مرسل رَوْح بن زِنْبَاع أن النبي
ء
صَّ
قال :
(الإيمان يمان حتى جبال جذام ، وبارك الله في جذام)».
٣١٢٧ - (خيرُ الرِّجالِ رِجالُ أهْلِ الیمنِ ، والإِيمانُ يمانٍ إلی لَخْم
وجُذَام وعاملةَ ؛ ومأكولُ حِمْيرَ خيرٌ منْ آكِلِها ، وحَضْرَموتُّ خيرٌ منَّ
بني الحارثِ ، وقبيلةٌ خيرٌ مِنْ قبيلةٍ ، وقبيلةٌ شرٌّ مِنْ قبيلةٍ ، والله ! ما
أَبُالي أَنْ يَهْلِكَ الحارثانِ كلاهُما، لَعَنَ اللهُ الملوكَ الأربعةَ : جَمْدَاءَ،
ومِخْوَسَاءَ ، وَمَشْرَحَاءَ ، وأَبْضَعَةَ، وأُخْتَهُمُ العِمَرَّدَةَ .
ثُمَّ قَالَ :
أَمَرَني ربِّي عزّ وجلّ أنْ أَلْعنَ قريشاً مرّتين ؛ فلعنتُهم ، فأمرني أن
٣٤١

أصلِّيَ عليهم ؛ فصلّيتُ عليهم مرتين . ثم قال :
((عصيَّةُ عصت الله ورسولَه؛ غيرَ قَيْس وَجَعْدَةَ وَعُصَيَّةَ(١) .
ثم قال :
لأَسْلِمُ ، وغِفَارُ ، ومزينةُ ، وأخلاطُهم مِنْ جُهَيْنَةَ : خَيْرٌ مِنْ بني أسد
وتميم وغَطَفَانَ وهَوَازِنَ عندَ الله عزّ وجلٌ يومَ القيامةِ .
ء
ثم قال :
شرٌّ قبيلتين في العرب: نَجْرَانُ وَبَنُو تَغْلِب، وأكثرُ القبائلِ في
الجنةِ مَذْحِجُ وَمَأْكُولٌ) .
أخرجه الإمام أحمد (٤ /٣٨٧) والسياق له، والحاكم (٨١/٤) من طريق
عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن عمرو بن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ قال :
كان رسول الله يخليه يعرض يوماً خيلاً، وعنده عُيَيْنَةُ بن حِصْن بن بدر
الفَزَارِيُّ، فقال له رسول الله ◌َ ◌ّةِ: ((أنا أفرس بالخيل منك))، فقال عُيَيْنَةُ: وأنا
أفرس بالرجال منك، فقال له النبي ◌َ ل: ((وكيف ذاك؟))، قال: خير الرجال
رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم ، جاعلين رماحهم على مناسج خيولهم ،
لابسو البرود من أهل نجد، فقال رسول الله آل :
((كذبت ، بل خير الرجال رجال أهل اليمن .. )) الحديث .
وقال الحاكم :
((غريب المتن، صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا.
(١) كذا الأصل، وكذا في ((المجمع)) برواية أحمد، وفي ((المستدرك)): ((وعصمة).
٣٤٢

وأَخْرَجَ النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٣٥١/٩٢/٥) الجملة الأخيرة منه،
دون قوله : (ومأکول ... )).
ثم رواه أحمد من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن رجل ، عن عمرو بن
عبسة قال : فذكره مختصراً ، وفيه :
((وما أبالي أن يهلك الحيان كلاهما ، فلا قيلَ ولا مُلْكَ إلا لله عز وجل ... )).
وقال الهيثمي عقبه (٤٣/١٠) :
«رواه أحمد متصلاً ومرسلاً والطبراني ، وسمى الثاني : بسر بن عبيدالله .
ورجال الجميع ثقات)).
وله شاهد نحو الرواية الأولى مختصراً: أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٩٢/٩٨/٢٠) من طريق عبد الرزاق: أخبرني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان
عن معاذ بن جبل ... فذكره نحوه .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات؛ إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ ،
كما قال الهيثمي(١) .
٣١٢٨ - (دعْهُم [يا عُمرُ !]؛ فإنَّهم بنو أَرفدةَ) .
أخرجه النسائي (٢٣٦/١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٨٤٦/٥٤٨/٧ -
الإحسان)، وأبو جعفر الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٧/١)، وأحمد
(٥٤٠/٢) من طرق عن الأوزاعي : حدثني ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة قال :
(١) وقد سبق تخريج الشيخ لهذا الحديث في المجلد السادس من هذه ((السلسلة)) (٢٦٠٦)،
ولا يخلو كلاهما من فائدة .
٣٤٣

دخل عمر بن الخطاب والحبشة يلعبون في المسجد ؛ فزجرهم ، فقال رسول
الله عَاقٍ ... فذكره ، والسياق للطحاوي ، وليس عنده [يا عمر].
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وأصله عندهما من طريق
معمر عن الزهري به نحوه ، ولفظه :
بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله عليه بحرابهم؛ إذ دخل عمر بن
الخطاب ، فأهوى إلى الحصباء يَحْصِبُهم بها ، فقال له رسول الله
:製
((دعهم يا عمر !)).
أخرجه البخاري (٢٩٠١/٩٢/٦)، ومسلم (٢٣/٣) ، وابن حبان (٥٤٤/٧/
٥٨٣٧)، والبيهقي في ((السنن)) (١٧/١٠)، وأحمد (٣٠٨/٢)، والبغوي في
((شرح السنة)) (١١١٢/٣٢٣/٤) كلهم من طريق عبدالرزاق: ثنا معمر به.
(تنبيه): وقع للمعلق على ((مشكل الآثار)) (٢٦٨/١ - طبع مؤسسة الرسالة)
في هذا الحديث أوهام ثلاثة :
الأول: أنه قال في إسناد الطحاوي: ((صحيح على شرط البخاري))! وهذا
غير صحيح ؛ لأنه عند الطحاوي هكذا : حدثنا سليمان بن شعيب الكَيْسَاني :
حدثنا بشر بن بكر : حدثني الأوزاعي ... إلخ.
فالكيساني هذا ليس من شيوخ البخاري ، ولا من شيوخ غيره من بقية
الستة ، وإنما هو من طبقتهم ، نعم، هو ثقة؛ وثقه العقيلي، كما في ((اللسان))
(٩٦/٣)، والسمعاني في ((أنسابه))؛ فالحق أن يقال: إسناده صحيح، فقط.
الثاني : أنه عزاه للشيخين والبغوي ، وليس عندهم: ((فإنهم بنو أرفدة))، كما
سبق .
٣٤٤

الثالث : أنه قرن معهم النسائي ، وعنده الزيادة المذكورة كما عرفت ! وهي
عند أبي عوانة في ((صحيحه)) أيضاً، كما أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٤٤٤/٢).
٣١٢٩ - (آخرُ مَنْ يدخلُ الجنةَ رجلٌ ؛ فهو يمشي مرة ، ويكبو مرةً ،
وتسفعُهُ النارُ مرةً ، فإذا ما جاوزَها التفتَ إليها فقالَ : تباركَ الذي نجاني
منكِ ، لقدْ أعطاني اللهُ شيئاً ما أعطاه أحداً مِنَ الأولين والآخرينَ ،
فَتُرفعُ لهُ شجرةٌ ، فيقولُ: أَيْ ربِّ! أَدنني مِنْ هذه الشجرةِ ، فلأستظلَّ
بظلِّها، وأشربَ مِنْ مائها، فيقولُ اللهُ عزّ وجلّ : يا ابنَ آدمَ! لعلِّي إنّ
أعطيتُكَها سألتني غيرَها؟ فيقولُ: لا يا ربِّ! ويعاهدُه أنْ لا يسألَه
غيرَها ، وربُّه يعذرُه ؛ لأنَّه يرى ما لا صبْرَ لَهُ عليه، فيدنيه منها ،
فَيَستَظلُّ بظلِّها ، ويشربُ من مائها .
ثم ترفعُ له شجرةٌ هي أحسنُ من الأُولى، فيقولُ : أيْ ربِّ! أدنِني
من هذه لأشربَ مِنْ مائها ، وأستظلَّ بظلِّها ، لا أسألُكَ غيرَها ، فيقولُ :
يا ابنَ آدمَ! ألمْ تعاهدْني أنْ لا تسألنِي غيرها؟ فيقولُ : لعلَّي إن
أدنيتُك منها تسألُني غيرَها؟ فيعاهدهُ أنْ لا يسألَه غيرَها ، وربُّه يعذرُه؛
لأنَّه يرى ما لا صَبْرَ له عليه ، فيدنيه منها ، فيستظلُّ بظلُّها ، ويشربُ
من مائها .
ثم ترفعُ له شجرةٌ عند بابِ الجنةِ هي أحسنُ من الأُولَيَيْنِ ، فيقولُ :
أيْ ربِّ! أَدِنِني مِنْ هذه لأَستظلَّ بظلِّها ، وأشرب من مائها، لا أسألُكَ
غيرَها ! فيقولُ : يا ابنَ آدمَ ! ألمْ تعاهدني أنْ لا تسألني غيرَها؟ قال :
٣٤٥

بلى يا ربِّ! هذه لا أسألُك غيرَها، وربُّه يعذرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له
عليها ، فيدنيه منها .
فيسمعُ أصواتَ أهل الجنة فيقولُ: أيْ ربِّ ! أدخلْنيها ، فيقولُ :
أي ابنَ آدمَ ! ما يَصْرِيني منكَ؟ أيرضِيك أن أعطيَكَ الدنيا ومثلَها
معَها؟ قال : يا ربِّ! أَتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمينَ؟
فضحكَ ابنُ مسعود، فقالَ: ألا تسألوني تمّ أضحكُ؟ فقالوا : تمّ
تضحكُ؟ قال :
مِنْ ضَحِكِ ربِّ العالمينَ حينَ قال: أتستهزئُ مني وأنتَ ربُّ
العالمين؟ فيقول :
إني لا أستهزئُ منكَ ، ولكنِّي على ما أشاء قادر . - وفي رواية :
قدیر -) (١) .
أخرجه مسلم (١١٩/١ - ١٢٠)، وأبو عوانة (١٤٢/١ - ١٤٤)، وابن حبان
(٧٣٨٧/٢٦٠/٩)، وأحمد (٣٩١/١ -٣٩٢ و٤١٠ - ٤١١)، والآجري في
((الشريعة)) (ص٢٨٢ - ٢٨٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩٧٧٥/١٠/١٠) -
والرواية الأخرى لهؤلاء الثلاثة ، والسياق لمسلم - من طرق عن حماد بن سلمة :
حدثنا ثابت عن أنس عن ابن مسعود: أن رسول الله :﴿، قال ... فذكره .
وأخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى عن ابن مسعود مختصراً جداً ،
وهو مخرج في ((مختصر الشمائل)) (رقم ١٩٧).
(١) تقدم تخريج هذا الحديث برقم (٢٦٠٥) بزيادة في مصادر التخريج ، وهو هنا بزيادة في
الشرح والتفصيل .
٣٤٦

(فائدة): قوله : ((ولكني على ما أشاء قادر - أو قدير - )): فيه دليل على جواز
استعمال هذه الكلمة : ((إن الله تعالى على ما يشاء قدير))، وقد كنت توقفت عنها
حين علقت على قول الطحاوي في ((العقيدة)) (ص٢٠): ((ذلك بأنه على كل
شيء قدير)) كلمة للشيخ ابن مانع - رحمه الله - أن ذلك ليس بصواب ، وأن
الصواب ما في الكتاب والسنة ﴿وهو على كل شيء قدير﴾؛ لعموم مشيئة الله
وقدرته .. إلخ كلامه . ثم وقفت بعد ذلك على هذه الكلمة في هذا الحديث في
((صحيح مسلم))، فخشيت - متأثراً بكلام الشيخ - أن تكون شاذة في الحديث ؛ أو
خطأ من بعض الرواة ، فتريَّت حتى يتسنى لي تخريجه والنظر في إسناده ورواته .
ثم كنت في ليلة من ليالي غرة شهر ذي الحجة في بعض مخيمات عمّان
ألقي كلمة حول وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح ؛
ووجوب قرن ذلك بالعمل ، وبعد الفراغ منها فتحنا باب الأسئلة ، فسأل أحد
إخواننا الحاضرين - ويبدو أنه على شيء من العلم والثقافة - عن هذه الكلمة ،
مشيراً إلى تعليقي المذكور على ((العقيدة الطحاوية))، وذكر - جزاه الله خيراً - بقوله
تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى/٢٩]، فأجبته بأن الحديث
بحاجة إلى تخريج وتحقيق ، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يكون أصل الكلمة :
((وأنا على كل شيء قدير)) أو نحوها ، فبادرت إلى تخريج الحديث ، فوجدت أن
الرواة عن حماد بن سلمة اتفقوا على اللفظ المتقدم .
ثم تابعت البحث والتحقيق فوجدت للحديث طريقاً أخرى عن ابن مسعود ،
يرويه يزيد بن عبدالرحمن أبو خالد الدالاني : ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عُبيدة
عن مسروق عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً مطولاً جدّاً؛ لكن بلفظ :
((ولكني على ذلك قادر)).
٣٤٧

أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤١٦/٩ - ٤٢١)، والحاكم (٣٧٦/٢ -
٣٧٧ و٥٨٩/٤ - ٥٩٢) وقال في الموضع الأول :
((صحيح على شرط الشيخين))! ووافقه الذهبي !
وقال في الموضع الآخر :
((رواة هذا الحديث - عن آخرهم - ثقات ؛ غير أنهما لم يخرجا أبا خالد
الدالاني في «الصحيحين))؛ لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة ، فأمّا
الأئمة المستقدمون ؛ فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان ، والحديث
صحيح ولم يخرجاه ، وأبو خالد الدالاني من يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة)).
كذا قال ! وما عرفت من شهد له بالإتقان ، أما الصدق ؛ فنعم ، وفي حفظه
ضعف كما يأتي ، وأما الذهبي ؛ فتعقبه هنا بقوله :
((ما أنكره حديثاً على جودة إسناده ، وأبو خالد شيعي منحرف))!
وأقول : لم أر من رماه بالتشيع ، فلعله التبس عليه بغيره ، ثم هو مختلف فيه ،
فقال الذهبي نفسه في ((الكاشف» :
((وثقة أبو حاتم ، وقال ابن عدي: في حديثه لين)).
وقال في ((المغني)» :
((مشهور، حسن الحديث ، قال أحمد: لا بأس به ، وقال ابن حبان: فاحشُ
الوهم ، لا يجوز الاحتجاج به)) .
ولذلك قال الحافظ في ((التقريب)»:
((صدوق يخطئ كثيراً، وكان يدلس)).
٣٤٨

قلت : وجزم الهيثمي بتوثيقه ؛ كما يأتي ، وهو من تساهله ، وإن كان مسبوقاً
إليه ، ولكن لا ينبغي غض النظر عن الجرح المفسر ، الذي تضمنه كلام ابن حبان
وغيره ، فیتقی من حديثه ما یخشی أن یکون وهم فيه ، أو ینتقى من حديثه ما
سلم من خطئه ، كما هو الواقع هنا ؛ فقد توبع عليه ، فقال زيد بن أبي أنيسة : عن
المنهال بن عمرو به مطولاً أيضاً ، وباللفظ المذكور في رواية الدالاني .
أخرجه عبدالله بن أحمد في ((السنة)) (٥٢٠/٢ - ٥٢٤ - دار ابن القيم)،
والطبراني أيضاً عنه وعن حافظين آخرين ثلاثتهم ، والبيهقي في ((البعث))
(٤٧٩/٢٣٩)، كلهم عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني: ثنا محمد بن
سلمة الحراني عن أبي عبدالرحيم عن زيد بن أبي أنيسة به .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ؛ غير إسماعيل
ابن عُبَيد الحراني، وهو ثقة كما قال الذهبي في ((الكاشف))، والحافظ في
((التقريب))؛ وزاد: ((يغرب)).
وقال المنذري في ((الترغیب) (١٩٨/٤ و٢٤٨) :
(رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح، والحاكم وقال:
صحيح الإسناد)).
وقال ابن القيم في ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) (٩٤/٢ - طبعة الكردي) :
((هذا حديث كبير حسن .. )) .
وأما الهيثمي فقال (٣٤٣/١٠) :
((رواه كلَّه الطبرانيُّ من طرق رجال أحدها رجال الصحيح ؛ غير أبي خالد
الدالاني ؛ وهو ثقة)) !
٣٤٩

كذا قال : وفيه شيئان :
أحدهما : جزمه بتوثيق الدالاني ، وقد عرفت ما فيه .
والآخر : أنه فاته أن الطريق الأخرى من رواية الحرانيين أصح من طريق
الدالاني كما تبين لك مما ذكرنا ، وهي التي جزم بصحتها المنذري ، وحسنها ابن
القيم ، ولا أدري لِمَ لَمْ يصححها ؟ على أنه أخرجها الطبراني أيضاً عقب روايته
عن الدالاني .
وقد خالفهم في إسناد الطريقين : أبو طيبة فقال : عن كُرْز بن وبرة عن نُعَيْم
ابن أبي هند عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود به مطولاً بلفظ :
(يقوم الناس لرب العالمين أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم)). الحديث ، وفيه
اللفظ الثاني الذي في طريق الدالاني والحراني .
أخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)) (٣٥٠ - ٣٥٤) بطوله ، والطبراني
(٩٧٦٤) عقب حديث ابن أبي أنيسة ، ولم يسق منه إلا طرفاً من أوله ، وكذا ابن
عدي في ((الكامل)) (٢٥٨/٥) في ترجمة أبي طيبة - واسمه عيسى بن سليمان
الجرجاني - وقال الطبراني عقبه :
((ثم ذكر نحو حديث زيد بن أبي أنيسة)).
قلت : وأبو طيبة هذا قال ابن عدي - وقد ساق له هذا الحديث مع أحاديث
أخری ۔ :
((وهذه الأحاديث كلها غير محفوظة ، وأبو طيبة رجل صالح ، ولا أظن أنه
كان يتعمد الكذب ، ولكن لعله كان يُشَبَّهُ عليه فيغلط)) .
٣٥٠

قلت : وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٣٤/٧) وقال :
((يخطئ)) .
ومن الظاهر أنه هو الذي خالف في هذا الإسناد ، فأسقط ـ من بين ابن
مسعود وأبي عبيدة - مسروقاً؛ فإن رجاله ثقات غير كُرْز بن وبرة ، وقد روى عنه
جمع من الثقات، وقد ذكره ابن حبان فيهم ، وقد تناقض فيه تناقضاً عجيباً ،
فأورده في ((التابعين)) (٣٣٨/٥) بروايته عن أنس! وما إخاله يصح ، ثم ذكره
(٢٧/٩) فيمن روى عن ((أتباع التابعين))؛ بروايته عن الثوري(١)! ولعل الصواب أن
يذكر في ((أتباع التابعين))؛ لأنه روى عن نعيم بن أبي هند كما في هذه الرواية ،
وكما في ((الجرح))، وقال (١٧٠/٢/٣):
(روى عنه الثوري وابن شبرمة وعبيد الله الوَصَّافي وفُضَيل بن غزوان وورقاء
ابن عمر)) .
فإن هؤلاء أكثرهم من أتباع التابعين ، غير ابن شبرمة - واسمه - عبدالله ؛ فإنه
تابعي كنعيم بن أبي هند ، وعبيد الله الوصافي - وهو ابن الوليد -؛ فإنه من الرواة
عن التابعين ، فمن المحتمل أن يكون كُرْز هذا من صغار التابعين ، وكان مشهوراً
بالعبادة ، بل وبالمبالغة فيها ، وحكوا عنه في ذلك عجائب ، له ترجمة واسعة في
((تاريخ جرجان)) (ص٣٣٦ - ٣٤٤)، و((الحلية)) (٧٩/٥ -٨٣)، و((سير أعلام
النبلاء)) (٨٤/٦ - ٨٦)، ولقد عجبت منه - والله! وهو المحدِّث السلفي - كيف
سكت عن بعض تلك المبالغات؟! مثل ختمه للقرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات ،
وهو يعلم أنه خلاف السنة ، لقوله آت :
(١) كذا وقع فيه، والصواب أن الثوري روى عنه؛ كما يأتي عن ((الجرح والتعديل)).
٣٥١

((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث))(١).
بل إنه سكت عما هو أدهى وأمرٌّ ، وهو أنه سأل ربَّه أن يعطيه الاسم الأعظم ،
فسأل أن يقوى على الختم المذكور! وهذا من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه أيضاً
في قوله ێ :
((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)) .
وهو مخرج في «صحيح أبي داود)) (١٣٣٠).
وجملة القول ؛ أن هذه الجملة قد اختلف في ضبطها عن ابن مسعود رضي
الله عنه على اللفظين السابقين :
الأول: ((ولكني على ما أشاء قادر)).
والآخر: ((ولكني على ذلك قادر)).
واللفظ الأول أصح إسناداً كما هو ظاهر .
لكن الآخر - مع صحة إسناده - مطابق لنص الآية تمام المطابقة : ﴿وهو على
جمعهم إذا يشاء قدير﴾ . لأن المعنى : إذا يشاء ذلك الجمع ، قال العلامة
الآلوسي في ((روح المعاني)):
((و(إذا) متعلقة بما قبلها لا بـ (قدير)؛ لأن المقيَّد بالمشيئة جمعُه تعالى، لا
قدرته سبحانه)) .
قلت : وعلى ضوء تفسيره للآية ، نقول : إن اسم الإشارة في الحديث :
(١) أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح عن ابن عمرو، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود))
(١٢٥٧)؛ وانظر ((صفة الصلاة)).
٣٥٢

((ذلك)) يعود إلى ما أعطى الله عز وجل عبده من النعم الكثيرة التي لا يستحقها؛
فضلاً منه تعالى عليه ، فلما قال ما قال مستكثراً ذلك عليه ؛ قال تعالى : ((ولكني
على ذلك قادر)) ، فإذا فُسِّرَ بهذا اللفظ الأول أيضاً ولم يوقف عند ما فيه من مفهوم
المخالفة ، المشعر بأنه تعالى غير قادر على ما لا يشاء ؛ على حد قوله تعالى: ﴿لا
تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾ ونحوه من المفاهيم التي قامت الأدلة القاطعة على
أنها غير مرادة ، إذا فسر هذا اللفظ الأول بهذا الذي دل عليه اللفظ الثاني ؛ استقام
المعنى ، ولم يَبْقَ أي إشكال إن شاء الله تعالى .
هذا ما عندي من علم ، فإن أصبت ؛ فمن الله ، وإن أخطأت ؛ فمني ،
وأستغفره تعالى من كل ذنب لي ، ومن كان عنده فضل علم ؛ فليتفضل به
شاکرین له .
ثم وقفت بعد زمن من تحرير هذا التخريج على من ينكر صحة الحديث من
جهة ما فيه من إثبات صفة الضحك لرب العالمين بقوله علي:
(( .. من ضَحِكِ رب العالمين)).
وأعني به ذاك الجهمي الجاحد المعطل ، فقد قال - فُضَّ فوه - في تعليقه على
((دفع الشبه)) (ص١٧٨) مشيراً إلى إنكاره هذه الصفة :
((وهي عندنا (!) لا تثبت ؛ لأن راويها حماد بن سلمة ضعفه مشهور؛ وإن
كان من رجال مسلم .. )).
فأقول : مجال الكلام في الرد عليه واسع جدّاً لا سبيل إليه الآن ، فحسبي
منه ما يأتي ؛ مما يؤكد تجهمه وعداءه لأئمة السنة وكذبه عليهم !
أولاً: قوله في حماد - رحمه الله -: ((ضعفه مشهور)) ؛ كذب وزور ، لم يسبقه
٣٥٣

إليه أحد من المسلمين ! فخذ ما شئت من كتب الرجال ، فلن تجد فيها هذا
التضعيف المطلق فضلاً عن أن يكون مقروناً بأنه مشهور !! غاية ما قيل فيه : إنه
يخطئ! وهل هناك من لا يخطئ غير رسول الله ◌َ انٍ؟!
ومع ذلك ؛ فحماد موصوف بالضبط والإتقان فيما يرويه عن بعض التابعين ؛
ومنهم ثابت البناني راوي هذا الحديث عند مسلم وغيره كما رأيت ، وقد قال
الإمام أحمد في ((العلل)) (٢٦٣/١ و٢٢٢/٢):
((حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني)).
وكذا قال ابن المديني وغيره .
ولو أن القارئ الكريم راجع ترجمته في المطوّلات من كتب الرجال والتاريخ ؛
الرأى العجب العجاب من الثناء عليه والرفع من شأنه ، وحسبك في ذلك قول
إمام المؤرخين - الذي لا يحابي ولا يداري - الحافظ الذهبي ، فقد أورده في
((تذكرة الحفاظ))، وفي ((أعلام النبلاء))، ووصفه بالحافظ الإمام القدوة شيخ
الإسلام ، ثم قال :
((قلت : كان بحراً من بحور العلم ، وله أوهام في سعة ما روى ؛ وهو صدوق
حجة .. وكان مع إمامته في الحديث إماماً كبيراً في العربية ، فقيهاً فصيحاً ، رأساً
في السنة .. )) .
وقال ابن حبان في ((الثقات)) (٢١٦/٦) :
((لم يكن من أقرانه مثله في البصرة في الفضل والدين والعلم ، والنسك ،
والصلابة في السنة ، والقمع لأهل البدعة ، ولم يكن يَتْلُبُه في أيامه إلا قدري أو
مبتدع جهمي ؛ لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة)).
٣٥٤

قلت : سبحان الله ! ما أشبه اليوم بالبارحة ، فها هو الجهمي المبتدع - بل
الجاحد - يثلبه من جديد ويطعن فيه تقليداً منه للكوثري والغماري وأمثالهما من
المتجهمة للسبب نفسه الذي ذكره ابن حبان - رحمه الله - ، لذلك ؛ تجده قد نصب
نفسه - مثلهما - لرميه بما لا يصح ، حتى ضعف به هذا الحديث الصحيح المتلقى
من الأمة بالقبول ؛ حتى من ابن الجوزي في ((الدفع)) الذي فتح له باب التجهم ؛
فإنه لعلمه بثقة حماد لم يَسَعْهُ إلا التسليم به ، ولکنه فسره بالمجاز الذي يؤدي بهم
إلى أن يفسروا وجود ذاته تعالى بالمجاز أيضاً؛ لأن للمخلوقات وجوداً أيضاً ، فإذا
قالوا : لا ينسب الضحك إلى الله لأن الضحك من صفة الإنسان ؛ فلينفوا إذن
وجوده تعالى ؛ لأن الإنسان موجود أيضاً ! فسيقولون : وجوده تعالى ليس
كوجودنا .. فنقول : قولوا إذن في كل صفة لله ثبتت في الكتاب أو السنة : إنها
ليست كصفتنا ؛ تستريحوا وتهتدوا ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ؛
فله سمع ولكن ليس كسمعنا ، وبصر ليس كبصرنا .. ويضحك ولكن ليس
كضحكنا ؛ فإنه يقال في الصفات كلها ما يقال في الذات إثباتاً وتنزيهاً .
فهذا الحقّ ما به من خفاءٍ فدعني عن بُنَيَّاتِ الطريق
ثم إن الواقع يشهد أن كل جهمي جاحد إنما هو من الذين قال الله فيهم :
﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه
وجعل على بصره غشاوة﴾ . ذلك ؛ لأنهم يحاولون تضعيف أحاديث الصفات
بكل وسيلة غير مشروعة ، كما فعل هذا الجاحد بهذا الحديث ، فضعف إماماً من
أئمة المسلمين بزور ادعاه عليه ، ثم لم يعبأ بمن تابعه من الثقات كما تقدم ، ولا
بورود هذه الصفة في أحاديث أخرى في ((الصحيحين)) وغيرهما ، بحيث يقطع
الواقف عليها بثبوت نسبتها إلى الله تعالى . وكذلك يفعل بكل أحاديث الصفات
٣٥٥

الأخرى جحداً لها - بتضعيفها -، أو تعطيلاً لها - بتأويلها - كما فعل بآيات
الصفات كالمجيء والفوقية والاستواء ؛ تقليداً منه للكوثري وأمثاله من الجهمية ،
عاملهم الله بما يستحقون !
٣١٣٠ - (إذا ذبحَ أحدُكم ؛ فليُجْهِزْ) .
أخرجه أحمد (١٠٨/٢): حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا ابن لهيعة عن
عُقَيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله عن أبيه: أن رسول الله عَلؤل أمر بحدٌ
الشِّفار ، وأن توارى عن البهائم، وإذا ذبح ... الحديث .
وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٤٨/٤)، ومن طريقه: البيهقي في
((شعب الإيمان)) (١١٠٧٤/٤٨٣/٧) من طريق أخرى عن قتيبة بن سعيد به ، إلا
أنه قال: ((ثنا عقيل .. ))، فَصرح ابن لهيعة بالتحديث عندهما . ذكره ابن عدي
في جملة أحاديث ساقها في ترجمة ابن لهيعة من (ص١٤٤ - ١٥٤)، وكذلك
ذكره الذهبي في («الميزان))، وقال ابن عدي في آخر الترجمة :
(وحديثه حسن، وهو ممن يكتب حديثه)).
قلت : والذي استقر عليه رأي المحققين أن حديثه حسن في الشواهد ؛ إلا ما
كان من رواية العبادلة ، ومنهم عبدالله بن وهب ، فهو صحيح كما نص على ذلك
بعض الأئمة .
ثم تبين لي أن من قَبيل رواية العبادلة روايةَ قتيبة بن سعيد عنه ، فقد قال
الإمام أحمد له :
((أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح)) .
٣٥٦

وقد سبق بيان سبب ذلك تحت الحديث (٢٨٤٣) .
وعلى هذا؛ فالسند صحيح ، وقد صححه أيضاً الشيخ أحمد شاكر رحمه الله
في تعليقه على ((المسند)) (١٦٩/٨)، لكن ذلك منه على خطته التي جرى عليها
في توثيق ابن لهيعة وتصحيح أحاديثه ، وهو توسع غير محمود عندي !
ثم إن قتيبة قد تابعه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: ثنا ابن لهيعة ، عن
عقيل به .
أخرجه البيهقي في ((السنن)) (٢٨٠/٩) عن محمد بن إسحاق عنه. والنضر
هذا ثقة ، ولذلك قال البيهقي عقبه :
((كذا رواه ابن لهيعة موصولاً جيداً)).
ومحمد بن إسحاق هو الصَّغَاني ، وهو ثقة ثبت من شيوخ مسلم .
وقد خالفه جعفر بن مسافر فقال : ثنا أبو الأسود : ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن
أبي حبيب عن سالم عن أبيه به .
أخرجه ابن ماجه (٣١٧٢) .
قلت : وجعفر بن مسافر فيه كلام، قال في ((التقريب)) :
((صدوق ربما أخطأ)).
فمخالفته للصَّغَاني لا تؤثر، وخاصة أنه مخالف لقتيبة أيضاً .
وتابعهما محمد بن معاوية النيسابوري : ثنا ابن لهيعة به .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣١٤٤/٢٨٩/١٢).
٣٥٧

لكن النيسابوري هذا متهم ، قال الحافظ :
((متروك مع معرفته؛ لأنه كان يَتَلَقَّن، وقد أطلق عليه ابن معين الكذب)) .
وتابع ابنَ لهيعة حيوةُ عن عُقيل به .
ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)» (٤٥/٢) من رواية هشام بن عمار عن شعيب
ابن إسحاق عن حيوة ..
وحيوة هذا ؛ هو ابن شريح المصري الثقة .
لكن ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن الصحيح : عن الزهري عن ابن عمر بلا
سالم .
كذا قال ! ولم يذكر الحجة في ذلك .
ورواه مروان بن محمد : ثنا ابن لهيعة : حدثني قرة بن حَيْوَئِيلَ عن الزهري
عن سالم به .
أخرجه ابن ماجه أيضاً .
وخالف ابنَ لهيعة : ابنُ وهب فقال : أخبرني قرة بن عبدالرحمن المعافري
عن ابن شهاب أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال ... فذكره .
أخرجه البيهقي (٢٨٠/٩) .
وهذا أصح من رواية ابن لهيعة عن قرة ، وكأنه لذلك صححها أبو حاتم كما
تقدم آنفاً . لكن هذا لا يعل رواية قتيبة عن ابن لهيعة عن عقيل لما تقدم بيانه .
وقد وجدت له متابعاً يرويه ؛ الحسين بن سيار: حدثنا إبراهيم بن سعد عن
الزهري عن سالم عن أبيه به .
٣٥٨

أخرجه الخطيب في ((التاريخ)» (٤٩/٨) في ترجمة الحسين هذا، وروى عن
أبي عروبة الحراني أنه قال فيه :
((كتبنا عنه ، ثم اختلط علينا أمره ، وظهرت من كتبه أحاديث مناكير ، فترك
أصحابنا حديثه)) .
ولَخَّصَ هذا الذهبيُّ في «الميزان»، فقال :
((قال أبو عروبة وغيره : متروك)).
قال الحافظ عقبه :
((والغير هو الأزدي)).
قلت : فهو - أعني : الحسين - ممن لا يتقوى به .
لكن يشهد للحديث ويزيده قوةً قولُه ◌َِّ :
((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القِتْلة، وإذا
ذبحتم؛ فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته ، ولیُرح ذبيحته)) .
أخرجه مسلم وابن الجارود وابن حبان وأصحاب ((السنن)) وغيرهم ، وهو
مخرج في ((إرواء الغليل)) (٢٩٣/٧) .
وقوله {ێلندن :
((أتريد أن تميتها مَوْتاتٍ؟! هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟)).
أخرجه الحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا ، وهو مخرج في
((الصحيحة)) برقم (٢٤) .
٣٥٩

(تنبيه) : واعلم أن حديث ابن عمر هذا مما كان نظري اختلف في الحكم عليه
على نوبات مختلفة ، وعوامل متعددة، فلما خَرَّجتُهُ في ((غاية المرام)) (ص٤٠ -
٤١) ضعفته لاضطراب ابن لهيعة في إسناده، كما بينته هناك، وسلفي في
تضعيفه: الحافظ المنذري في ((ترغيبه)) (١٠٣/٢ - ١٠٤)، ولذلك كنت أودعته في
((ضعيف الجامع)).
ثم لما صنفت ((صحيح الترغيب)) لاحظت أن معناه قد جاء في عديد من
أحاديث الباب ، فما رأيت من المناسب أن ألحقه بـ((ضعيف الترغيب))؛ فأوردته في
((صحيح الترغيب)) (١٠٧٦/٥٢٩/١ - مكتبة المعارف) محسّناً إياه .
ثم هتف إلي أحد الإخوان سائلاً عن هذا الاختلاف؟ فأجبته بنحو ما تقدم ،
ووعدته بأن أعيد النظر حينما يتيسر لي ذلك .
والآن وقد يسر الله ، فقد تبين لي مجدداً صحة إسناده، على ضوء ما كان بدا
لي : أن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة ملحقة في الصحة برواية العبادلة عنه
كما تقدم الإشارة إلى موضع بيان ذلك آنفاً . يضاف إلى ذلك تلك الطرق التي لم
أكن قد وقفت عليها من قبل ، على ما فيها من وهن ، فاطمأنت النفس تماماً لصحةً
الحديث ، وعليه قررت نقله من ((ضعيف الجامع)) إلى ((صحيح الجامع))، والحمد لله
على توفيقه ، وأسأله المزيد من فضله .
أذكر هذا بياناً للحقيقة أولاً ، وتبرئةً للذمة ثانياً ، واعترافاً بعجز الإنسان
وضعفه ثالثاً ، وأنه كما قال ربنا في كتابه : ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما
شاء﴾، وقوله : ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾، ولعل في ذلك عبرة لبعض
الناشئين في هذا العلم ، الذين يتسرعون في النقد وإصدار الحكم ، دون أي جهد
٣٦٠