النص المفهرس
صفحات 281-300
قال يونس : كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى فراشه . وتابعه عبدالله - وهو ابن المبارك -: أخبرنا يونس بلفظ : ((كان إذا اشتكى نفث على نفسه بـ ﴿المعوذات﴾، ومسح عنه بيده ، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث ، وأمسح بيد النبي عنه)) . أخرجه البخاري أيضاً (٤٤٣٩) . ورواه مسلم ؛ وابن حبان (٦٥٥٦) من طريق آخر عنه . وأما رواية مالك فهي في ((الموطأ)) (١٢١/٣) عن ابن شهاب به مختصراً بلفظ : ((كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بـ ﴿المعوذات﴾ وينفث)). قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه ، وأمسح عليه بيمينه ، رجاءَ بركتها . ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (١٦/٧) ، وأبو داود (٣٩٠٢)، والنسائي في ((عمل اليوم)) (١٠٠٩)، وابن ماجه (٣٥٢٨)، وأحمد (١٠٤/٦ و١١٤ و١٨١ و٢٥٦ و٢٦٣) ، كلهم عن مالك به . ومن الأوهام الظاهرة قول المعلق على حديث الترجمة في حاشية ((عمل النسائي» : ((وأخرجه مسلم من رواية مالك عن ابن شهاب بأتم من هذا)) ! فكأنه يعني قول عائشة : ((فلما اشتد وجعه .. )) وهذا خلاف المتبادر من قوله : ((بأتم من هذا)) ، فإن الحديث عند النسائي في أذكار النوم ، وحديث الترجمة في الباب أتم منه كما ترى ، ثم إنه قد فاته أنه عند البخاري أيضاً . ومن أجل هذا ٢٨١ الاختلاف ذهب بعضهم إلى أن حديث مالك ومن تابعه عن ابن شهاب غير حدیث الترجمة ، فهما حدیثان مدارهما على الزهري بإسناد واحد ، وهو الذي رجحه الحافظ في ((الفتح)) (٦٢٠/٩)، وحكى عن أبي مسعود أنهما حديث واحد ، وهو عندي محتمل ، بل هو الأرجح ؛ بدليل رواية الأُوَيسي المتقدمة عن سليمان - وهو ابن بلال - عن يونس ؛ فإنه جمع فيها بين رواية عُقَيل وبعض رواية مالك المتعلق بشكواه ◌َ ليه ، ولو بنحوه ؛ فإنه ظاهر الدلالة أن الحديث واحد ، وأن الرواة عن الزهري كان يزيد بعضهم على بعض . والله سبحانه وتعالى أعلم . هذا ؛ وفي الحديث أن السنة أن ينفث في كفيه أولاً ، ثم يقرأ، ثم يمسح ، هذا ظاهر جداً فيه ، وقد تأول بعضهم قوله : ((ثم نفث فيهما فقرأ فيهما)) بمعنى : ثم عزم على النفث، فقد جاء في ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (٢٣١/٤) ما نصه : ((قال العيني: قال المظهري في ((شرح المصابيح)): ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في کفه أولاً ، ثم قرأ ، وهذا لم يقل به أحد ، ولا فائدة فيه ، ولعله سهو من الراوي ، والنفث ينبغي أن يكن بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ أو المقروء له . وأجاب الطيبي عنه : بأن الطعن فيما صحت روايته لا يجوز، وكيف والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: ﴿إذا قرأتَ القرآنَ فاستَعِذْ﴾، فالمعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث . أو لعل السر في تقديم النفث فيه مخالفة السحرة . انتهى . وفي رواية للبخاري : كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ وبـ (المعوذتين) جميعاً. قال الحافظ: أي: يقرأها وينفث حالة القراءة)). فأقول : لم ينشرح صدري لكل هذه الأقوال ، وبعضها أوهن من بعض ، وهاك البيان : ٢٨٢ أولاً : أما الطعن في الحديث فهو من أبطل الباطل ؛ فإنه سبيل المبتدعة وعلماء الكلام ، وقد عرفت أن رجاله ثقات أثبات . ثانياً : وأما تأويله بنحو ما في آية التلاوة ؛ فكان يمكن التسليم بذلك ، لولا أن مجموع الروايات عن عُقيل ترده وبخاصة رواية ابن حبان المتقدمة بلفظ : ((جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، ثم قرأ)). ونحوها رواية أحمد : ( .. فينفث فيهما ، ثم يقرأ)) . فهذه صريحة في الترتيب المذكور لا تقبل التأويل . ثالثاً : وأما دعوى أنه لم يقل به أحد ولا فائدة فيه ؛ فهذا في البُطْل بمنزلة الطعن في الحديث ؛ إذ لا يسوغ لمسلم أن يقول في العمل بما صح في الحديث : لا فائدة فيه ؛ كما هو ظاهر . وأما القول بأنه لم يعمل به أحد ، فهو من الرجم بالغيب ، ورحم الله الإمام أحمد إذ قال : ((من ادعى الإجماع فقد كذب ، وما يدريه؟! لعلهم اختلفوا)). رابعاً: ما نقله عن الحافظ موجود في ((الفتح)) (٢١٠/١٠) في شرح حديث الأويسي المتقدم ، وهو تأويل أيضاً مخالف لما تقدمت الإشارة إليه من الرواية الصحيحة مع توجيهها بمخالفة السحرة كما تقدم عن الطَّيبي رحمه الله . ثم إنني لا أكاد أجد أي فرق بين تقديم النفث على القراءة ، وتقديم المسح باليد على المريض قبل القراءة ، كما في حديث عائشة أيضاً قالت : ((كان رسول الله يا إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ، ثم قال : أذهب البأس ربَّ الناس .. )) الحديث . ٢٨٣ أخرجه مسلم (١٥/٧)، وأحمد (١٢٧/٦) من طريقين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عنها . ورواه البخاري وغيره بنحوه ، وسبق تخريجه برقم (٢٧٧٥) . ونحوه حديث علي في شكواه لما دخل عليه النبي به قال : فمسحني بيده، ثم قال: ((اللهم اشفه .. )) الحديث . أخرجه ابن أبي شيبة (٤٦/٨)، وأحمد (١٢٨/١) بسند فيه ضعف، وصححه أحمد شاكر (٢٣٤/٢)! أقول : فكما شرع المسح قبل القراءة ، فمثله النفث قبل القراءة ، فكما لا يقال : لا فائدة من المسح قبلها ، فكذلك لا يقال : لا فائدة من النفث قبل القراءة ؛ إذ الكل شرع لا مجال للرأي فيه ؛ فتأمل ! (فائدة) : أخرج ابن حبان حديث المسح بزيادة في آخره ، فوجب النظر فيها ، أخرجه (١٤٤٣) من طريق بشر بن الوليد الكندي : حدثنا حماد بن زيد عن عمرو ابن مالك النُّكري عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت : كنت أعوِّذ رسول الله عَ ل بدعاء كان جبريل عليه السلام يعوذه به إذا مرض : ((أذهب البأس .. )) الحديث ، وزاد : ((فلما كان في مرضه الذي توفي فيه جعلت أعوذه بهذا الدعاء فقال :港 ((ارفعي يدك ، فإنها كانت تنفعني في المدة)). قلت : وهو إسناد ضعيف ؛ أبو الجوزاء اسمه أوس بن عبدالله الربعي ، قال ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٠٥/٢٠) وغيره : ٢٨٤ (لم يسمع من عائشة)). وقد ردّ الحافظ في ((التهذيب)) هذاا الزَّعْمَ، وفي ((صحيح مسلم)) روايةُ أبي الجوزاء عنها رضي الله عنها . وبشر بن الوليد الكندي مختلف فيه ، وقد وثقه الدارقطني وغيره ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١٤٨/٨)، ولا أجد جرحاً عليه عند من طعن فيه سوى أنه كان قد خرف ، ولذلك ؛ لم يزد الذهبي على قوله في ((المغني)) فيه : ((قال صالح جزرة : صدوق ، لكنه خرف)) . فمثله يستشهد به . وقد توبع ؛ قال أحمد (٢٦٠/٦ - ٢٦١) : ثنا يونس : ثنا حماد - يعني : ابن زيد - به . وهذا إسناد صحيح لولا ما سبق بيانه ؛ فإن يونس هذا هو ابن محمد بن مسلم المؤدب : ثقة ثبت من رجال الشيخين . لكن قد صحت هذه الزيادة من طريقين آخرين عن عائشة ، أحدهما من طريق أبي بردة عن عائشة قالت : أغمي على رسول اللّه ◌َ ا ورأسه في حجري ، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء ، فلما أفاق قال : ((لا ، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل)). أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ١٠٩٧) وفي ((السنن الكبرى)) (٧١٠٤/٢٦٠/٤)، وابن حبان أيضاً (٦٥٥٧/١٩٩/٨) من طريق سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بردة به ، وقال النسائي : ٢٨٥ ((الأعلى : الأسعد)). قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وعزاه الحافظ (١٣٧/٨) للنسائي وابن حبان وأقره ، لكنه جعله من رواية أبي بردة عن أبي موسى ! وأنت ترى أنه عندهما من روايته عن عائشة وليس عن أبي موسى !لكن يبدو أن له أصلاً من حديث أبي موسى؛ فقد ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣٧/٩) من حديثه نحوه بلفظ : ((لا، ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد: جبريل .. )). وقال الهيثمي : ((وفيه محمد بن سلام الجمحي ، وهو ثقة وفيه ضعف ، وبقية رجاله ثقات)). فلا أدري إذا كان الحافظ وهم ، فعزا حديث أبي بردة عن أبي موسى للنسائي وابن حبان ، وهو للطبراني، وقد عزاه هو إليه في مكان آخر من ((الفتح)» (١٣٢/٨)، أو أنه وقع كذلك في نسخته من ((النسائي)) و((ابن حبان))؟! وهذا ما أستبعده . والله أعلم . أما الطريق الأخرى عن عائشة بتلك الزيادة ؛ فهي عند مسلم ، وابن أبي شيبة ، وأحمد بنحوه ، وقد تقدم لفظها برقم (٢٧٧٥) . ٣١٠٥ - (في التي لمْ يُرتعْ منها. قالهُ لعائشةَ رضي اللهُ عنها) . أخرجه البخاري (٥٠٧٧/١٢٠/٩ - فتح) ، وابن حبان بأتم منه بذكر غضب عائشة (٤٣١٦) من طريق سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن ٢٨٦ عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ! أرأيت لو نزلتَ وادياً وفيه شجرة قد أُكل منها ، ووجدت شجراً لم يؤكل منها ؛ في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال ... فذكره . يعني : أن رسول الله ◌َيليه لم يتزوج بِكْراً غيرها . قال الحافظ: ((وسليمان هو ابن بلال ، وأخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) ... )). وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (١٣٠/٣): ((انفرد به البخاري)). قلت : يعني دون مسلم . فقول الأديب أحمد عبيد - رحمه الله - في تعليقه على ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص٢٤٢) : ((قال المحب الطبري في ((مناقب أمهات المؤمنين)): خرجه مسلم وأبو حاتم)). قلت : فهو وهم منه أو من المحب ، ولعله أراد أن يقول: ((البخاري)) فقال : ((مسلم))؛ فإن الحافظ المزي في (تحفة الأشراف)) (١٥٥/١٢) لم يعزه إلا للبخاري . وقد وجدت لسليمان بن بلال متابعاً ، ولكنه واه ، وهو عمران بن أبي الفضل عن هشام بن عروة بإسناده عنها قالت : ((يا رسول الله! أرأيت لو نزلت وادياً قد عري جميع شجره إلا شجرة واحدة؛ أين كنت تنزل؟ قال: على الشجرة التي لم تَعرَ. قالت: فأنا تلك الشجرة)). أخرجه ابن عدي في «الكامل)» (٩٥/٥) في ترجمة عمران هذا من رواية إسماعيل بن عياش عنه . وقال فيه : ٢٨٧ ((وضعفه بَيِّن على حديثه)) . وروى عن ابن معين أنه قال : ((ليس بشيء)). وعن النسائي : ((ضعيف)). وقال ابن أبي حاتم (٣٠٣/١/٣) عن أبيه : (ضعيف الحديث ، منكر الحديث جداً، روى عنه إسماعيل بن عياش حديثين باطلين موضوعين)). قال الذهبي عقبه : ((أحدهما : مسابقة عائشة بألفاظ تنكر . وثانيهما : عن هشام عن أبيه عن عائشة .. )). قلت : فذكر حديثه هذا . وأقره الحافظ في ((اللسان)) ولم يتعقبه بشيء ، وفي إطلاق الوضع عليه نظر ظاهر عندي ؛ لأنه بمعنى حديث مُتّابَعِهِ سليمان بن بلال كما ترى . ووجدت طريقاً أخرى عن عائشة: قال ابن سعد (٨٠/٨): أخبرنا محمد بن عمر: حدثتني فاطمة بنت مسلم عن فاطمة الخزاعية ، قالت : سمعت عائشة ... الحديث بأتم منه . لكن محمد بن عمر - وهو الواقدي - متروك ، فالعمدة على رواية البخاري عن سليمان بن بلال . ٢٨٨ ٣١٠٦(١) - (من أَكلَ منْ هاتينِ الشجرتَينِ الخبيثتَينِ فلا يقربنَّ مسجدنا ، فإنْ كنتم لا بدَّ آكليهما فأميتُموهما طبخاً) . أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٦٨١/١٥٨/٤)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣٣٨/٢)، والبيهقي في ((السنن)) (٧٨/٣)، و ((الشعب)) (٥٩٦٢/١٠٥/٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٠/٣ - ٢١)، وأحمد (١٩/٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٥/٣٠/١٩) من طرق عن خالد بن ميسرة عن معاوية بن قرة عن أبيه؛ أن رسول الله ◌َ طال قال ... فذكره . أورده ابن عدي في ترجمة (خالد) هذا ، وقال : ((وله غير هذا، وهو عندي صدوق ؛ فإني لم أرله حديثاً منكراً)). ولهذا؛ ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٦٥/٦)، وقال الذهبي في ((الكاشف)): (صدوق)). والحافظ في «التقريب)»: ((صالح الحديث)) . قلت : وله عند الطبراني وكذا النسائي حديث آخر في التعزية وفضل من مات له فرط، وصححه الحافظ في ((الفتح)) (١٢١/٣). وقد تابعه عليه شعبة ؛ عند الحاكم وغيره، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز)) (٢٠٥) . (١) كان سابقاً بهذا الرقم حديث: ((إن الله ضمن لمن ... ))، ثم نقل إلى ((الضعيفة)) (٦٧٢٠). ٢٨٩ ولحديث الترجمة شاهد قوي من حديث أنس مرفوعاً به . أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)» (٣٦٦٨/٣٩٢/٤): حدثنا سليمان ابن داود الطبيب ، قال : حدثنا شيبان بن فروخ ، قال : حدثنا سلام بن مسكين عن ثابت عنه . وقال : ((لم يروه عن سلام بن مسكين إلا شيبان بن فروخ)). قلت : هو من شيوخ مسلم في ((صحيحه))، وفيه كلام لا يضر ، ومَنْ فوقه من رجال الشيخين ، فالإسناد صحيح ؛ لولا أنني لم أجد لشيخ الطبراني (سليمان بن داود الطبيب) ترجمة ، وقد روى له حديثاً آخر فقط ، مما يشعر أنه ليس بالمشهور من شيوخه ؛ فلا أدري بعد هذا ما وجه قول الهيثمي (١٧/٢) : ((رواه الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله موثقون))؟! فإن هذا التوثيق اللين إن كان من أجل الشيخ ، فمن الذي وثقه؟ وإن كان المقصود به من فوقه دونه ؛ فقد عرفت أنهم من رجال الصحيح ، وعهدنا به أنه لا يغمز في أحدهم ولو كان فيهم مغمز ، مثل ابن إسحاق وشريك وغيرهم ؛ فإنه كثيراً ما يقول في بعض الأسانيد: ((رجاله رجال الصحيح))، ولو كان فيه واحد من أمثال المذكورين ، وهم ممن ضعِّفوا ! وهو في ((الصحيحين)) من طريق أخرى عن أنس مختصراً بلفظ : ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلي معنا)). وأخرجه أبو عوانة أيضاً (١٧/٢ - ١٨). وحديث الترجمة عنده (٤٠٧/١ - ٤١٠). ۔ ٢٩٠ وكذا مسلم وغيره من حديث عمر نحوه وفيه : ((فمن كان منكم أكلهما لا بد ؛ فليمتهما طبخاً)). وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٥١٤/١٥٦/٨) . وهو موقوف في حكم المرفوع . ٣١٠٧- (إنَّ رسولَ الله يفعلُ ذلكَ (يعني: تقبيلَ الزوجة وهو صائمٌ)، أنا أتقاكم لله، وأعلمُكم بحدود الله) . أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (٨٤١٢/١٨٤/٤)، ومن طريقه : أحمد (٤٣٤/٥) : أنا ابن جريج : أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار : أن الأنصاري أخبر عطاءً : أنه قبَّل امرأته على عهد رسول الله ياته وهو صائم ، فأمر امرأته فسألت النبي عن ذلك؟ فقال النبي خير: ((إن رسول الله يفعل ذلك)). فأخبرته امرأته فقال : إن النبي يرخَّص له في أشياء ، فارجعي إليه فقولي له ، فرجعت إلى النبي عليه فقالت: قال: إن النبي يرخَّص له في أشياء؟! فقال : ((أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله)). قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إلا الرجل الأنصاري فهو لم يُسَمَّ ، ومعلوم أن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول عند أهل السنة . ٢٩١ والحديث أخرجه مالك (٢٧٣/١) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن رجلاً ... ؛ فأرسله . لم يذكر الرجل الأنصاري ، والموصول أرجح ؛ لأن زيادة الثقة مقبولة . وللحديث شواهد كثيرة من حديث عائشة وغيرها بنحوه من طرق بألفاظ متقاربة ، تقدم أحدها برقم (٣٢٨)، وفي طريق آخر عنها بلفظ : ((والله! إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتقي)). أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبان في ((صحاحهم))، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٦٧) . : وقد كان تقدم مني تخريج هذا الحديث برواية أحمد فقط عقب حديث عائشة المشار إليه آنفاً (٣٢٩) ، والآن قدر لي إعادة تخريجه بزيادة فائدة والحمد لله . وله شاهد بنحوه من حديث عمر بن أبي سلمة عند مسلم وغيره ، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٨٤/٤). ٣١٠٨ - (إنَّه سيُلحدُ فيه رجلٌ من قريش ، لو وزنتْ ذنوبُه بذنوبِ الثقلين لرجحتْ . يعني : الحرم) . أخرجه أحمد (١٣٦/٢): ثنا محمد بن كُنَاسة: ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال : أتى عبدُالله بن عمر عبدَالله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد في حرم الله تبارك وتعالى؛ فإني سمعت رسول الله عَ ليه يقول ... فذكره . قال : فانظر لا تكونه . ٢٩٢ قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير محمد بن كناسة - وهو محمد بن عبدالله بن عبدالأعلى بن كُنَاسَةَ الكوفي - وهو ثقة ، لكن قال أبو حاتم : ((كان صاحب أخبار، يكتب حديثه ولا يحتج به)). قلت : وقد خالفه هاشم بن القاسم ، فقال أحمد في مسند عبدالله بن عمرو (٢١٩/٢): ثنا هاشم: ثنا إسحاق - يعني: ابن سعيد -: ثنا سعيد بن عمرو قال : أتى عبدُالله بن عمرو ابنَ الزبير ، وهو جالس في الحجر فقال : يا ابن الزبير ! إياك والإلحاد .. الحديث نحوه ، قال : فانظر أن لا تكون هو يا ابن عمرو ! فإنك قد قرأت الكتب ، وصحبت الرسول عَ ليه ، قال : فإني أشهدك أن هذا وجهي إلى الشام مجاهداً . قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، فهو أصح من الذي قبله ؛ فإن هاشم بن القاسم - وهو أبو النضر الليثي مولاهم البغدادي - قال الحافظ فيه : ((ثقة ثبت)). وقال في الذي قبله - ابن كناسة - : ((صدوق)) . وقال الهيثمي في حديث ابن كناسة هذا (٢٨٥/٣): ((رواه أحمد، ورجاله ثقات)). وقال في حديث هاشم : ((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)). ٢٩٣ وإذا عرفت هذا؛ فقد اختلفا في راوي هذا الحديث عن رسول الله عَ ليه والقائل لابن الزبير : إياك والإلحاد في .. فقال ابن كناسة : عبد الله بن عمر ، وقال هاشم: عبدالله بن عَمرو . وهذا هو الأرجح ؛ لأن هاشماً أحفظ من ابن كناسة كما عرفت من ترجمة الحافظ لهما ، ومن تخريج الهيثمي لحديثهما . ويؤيد ذلك أمور ثلاثة : الأول : أن ابن كناسة اضطرب في إسناده ، فرواه مرة عن إسحاق بن سعيد كما تقدم . ومرة قال : ثنا إسحاق بن عيسى بن عاصم عن أبيه قال ... فذكره مثل روايته المتقدمة . أخرجه الحاكم (٣٨٨/٢) من طريق الحسين بن الفضل البجلي : ثنا محمد ابن كناسة به . وقال : ((صحيح الإسناد)). ورده الذهبي بقوله : ((قلت : [قال] أبو حاتم : ابن كناسة لا يحتج به)) . والحسين الراوي عنه إمام محدث مفسر لغوي جليل ، له ترجمة في ((سير الأعلام)) (٤١٤/١٣) للذهبي، ولذلك أنكر عليه الحافظ في ((اللسان)) إيراده إياه في ((الميزان)) وقال : ((فكان الأولى أن لا يذكره لجلالته)). فراجع ((اللسان)) (٣٠٧/٢ - ٣٠٨). والثاني : أن هاشم بن القاسم قد تابعه بشر بن الوليد الكندي : نا إسحاق ابن سعيد به . أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٩). ٢٩٤ والثالث : أن له طريقاً أخرى عن ابن عَمرو ، من رواية محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عنه مرفوعاً بلفظ : ((يلحد رجل بمكة يقال له: عبدالله ، عليه نصف عذاب العالم)). أخرجه البزار (٤٧/٢ - ٤٨ - الكشف) وقال : ((هكذا رواه محمد بن كثير، ولم يتابع على هذا الإسناد ، وقال عبدة: عن الأوزاعي عن رجل من آل المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة عن عثمان)). قلت : وبابن كثير هذا؛ أعله الهيثمي فقال (٢٨٤/٣) : ((وثقه صالح بن محمد وابن سعد وابن حبان ، وضعفه أحمد)). ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر أيضاً في ((التاريخ)) (٢٧٣/٩) . هذا؛ وقول البزار فيما تقدم : ((وقال عبدة : عن الأوزاعي عن رجل من آل المغيرة .. )) إلخ ، فلم أجد من وصله عن عبدة عن الأوزاعي به . وإنما وصله أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بإسناد آخر له كما يأتي ، وأظن أن الرجل من آل المغيرة هو جعفر بن أبي المغيرة ؛ فقد رواه من طريقه يعقوب بن عبدالله عنه عن ابن أبزى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال له عبدالله بن الزبير حين حُصِر : إن عندي نجائب قد أعددتها لك ؛ فهل لك أن تحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا؛ إني سمعت رسول الله عَ الله يقول: ((يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبدالله ، عليه مثل نصف أوزار الناس)). أخرجه أحمد (٦٤/١)، والبزار أيضاً، وابن عساكر (٢٧٣/٩)، وقال الهيثمي بعد أن عزاه للأولیْن : ((ورجاله ثقات)) . ٢٩٥ كذا قال! وجعفر بن أبي المغيرة ، ويعقوب بن عبدالله - وهو القمي - قال الحافظ في ترجمة كل منهما : ((صدوق يهم). وفي إسنادهما علة أخرى ، وهي الانقطاع بين عثمان رضي الله عنه وابن أبزى - واسمه سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى الكوفي -، قال أبو زرعة : ((روايته عن عثمان مرسلة)). ولذلك؛ قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٧٥/٣) عقب الحديث : (رواه أحمد .. وفي إسناده مقال)). وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (٣٣٩/٨): ((وهذا الحديث منكر جداً ، وفي إسناده ضعف ، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع ، ومثل هذا لا يقبل تفرده به ، وبتقدير صحته فليس هو بعبدالله بن الزبير ؛ فإنه كان على صفات حميدة ، وقيامه بالإمارة إنما كان لله عز وجل ، ثم كان هو الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة ، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه ، وقامت له البيعة في الآفاق ، وانتظم له الأمر. والله أعلم)) . لكن قد جاء الحديث من طريق أخرى عن عثمان رضي الله عنه ، فقال الإمام أحمد (٦٧/١): ثنا علي بن عياش: ثنا الوليد بن مسلم قال: وأخبرني الأوزاعي عن محمد بن عبدالملك بن مروان : أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة : أنه دخل على عثمان - رضي الله عنه - وهو محصور فقال ... فذكر قصته ، وفيه قول عثمان : سمعت رسول الله عَ ل﴿ يقول : ٢٩٦ ((يُلحِد رجل من قريش بمكة، يكون عليه نصف عذاب العالم)). قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ لكن له عندي علتان : الأولى: الانقطاع بين ابن مروان والمغيرة ؛ وبه أعله الهيثمي فقال (٢٣٠/٧) : . ((رواه أحمد ، ورجاله ثقات ، إلا أن محمد بن عبدالملك بن مروان لم أجد له سماعاً من المغيرة)) . قلت : بل لم يذكروا له رواية عن صحابي ، ولذلك ؛ أورده ابن حبان في أتباع التابعين من «ثقاته)) (٤٣٥/٧)، وصرح ابن أبي حاتم بالانقطاع فقال في ((الجرح)) (٤/١/٤) : ((روى عن المغيرة بن شعبة؛ مرسل، وعمن سمع معاوية)). وأيد هذا الانقطاع الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((المسند)) (٣٦٩/١). والأخرى : تدليس الوليد بن مسلم ؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية ، ومثله لا يكتفى منه بتصريحه بسماعه من شيخه فقط ، بل لا بد من التصريح به فيمن فوقه أيضاً، كما هو معلوم من علم المصطلح ، ولهذا قال الحافظ في ((جزء ماء زمزم لما شرب به)) (٢/٢): ((والوليد يدلس فيسوِّي ، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث له ولشيخه)) . وجملة القول ؛ أن الحديث صحيح من طريق هاشم بن القاسم ونحوها مما ليس فيه ذكر لعبدالله بن الزبير رضي الله عنه . ٢٩٧ ٣١٠٩ - (كُلُوهُ من ذي الحجَّةِ إلى ذي الحجَّةِ. يعني: لحمَ الأضاحي) . أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٣٧٠/٢/٤ - ٣٧١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٨/٢)، وابن حبان في (صحيحه)) (٥٩٠٣/٥٦٩/٧)، وأحمد (١٥٥/٦)، والخطيب في ((الموضح)) (٢٠٢/١) عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري عن امرأته : أنها سألت عائشة عن لحوم الأضاحي؟ فقالت عائشة : قدم علينا علي من سفر ، فقدَّمنا إليه منه ، فقال: لا آكله حتى أسأل عنه ... فذكره . رسول اللّه تَزي ، قالت : فسأله علي؟ فقال رسول الله قلت : وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد ؛ لأن يزيد هذا ، أورده البخاري بهذا الحديث ، ولم يتكلم عليه بجرح ولا تعديل ، وكذلك فعل ابن أبي حاتم (٢٩٨/٢/٤)، وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٦٣١/٧) برواية الحارث بن يعقوب الأنصاري عنه وهو ثقة ، وروى عنه ثقتان آخران كما يؤخذ من ((التاريخ))، و((الموضح))؛ وهما: بكير بن عبدالله بن الأشج ، وبكر بن سوادة ، ورابع وهو عبدالعزيز بن صالح ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)» (١١٢/٧)، وذكرهم الحافظ في ترجمته من ((التعجيل)) (ص٤٥٤)؛ فهو صدوق إن شاء الله تعالى . وأما امرأته فلم أعرفها ، وقد جاءت في رواية ابن حبان مكنية بـ ((أم سليم)). وقد أوردها الحافظ في ((كنى النساء)) من ((التعجيل)) فلم يزد على قوله فيها : ((تقدمت فى ترجمة زوجها يزيد))! ٢٩٨. لكن في رواية للخطيب من طريق ابن لهيعة عن عبدالعزيز بن صالح عن یزید بن أبي يزيد قال : حججت مع امرأتي أم سليم فدخلت على عائشة ... فذكرت مثل هذا الحديث . فأقول : فإن كانت هذه الرواية محفوظة ؛ وثبت أن يزيد هذا شارك امرأته في الدخول على عائشة رضي الله عنها وسماعه لهذا الحديث منها ؛ فالإسناد جيد ، والحديث صحيح ، وإلا ؛ فهو حسن لغيره ؛ لأن له شواهد كثيرة : منها قوله # في حديث من رواية بريدة رضي الله عنه : ((ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدالكم .. )). رواه مسلم وابن حبان (٥٣٦٧) وغيرهما، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز)) (ص٢٢٧ - ٢٢٨ - المعارف) . وروي نحوه عن غيره من الصحابة ، فانظر ((مجمع الزوائد)) (٢٥/٤ - ٢٧) . وقد صح عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدايا والضحايا إلى المدينة ، وقد تقدم تخريجها برقم (٨٠٥) . ٣١١٠ - (نهى أَنْ يجلسَ بينَ الضَّحِّ والظلِّ ، وقالَ: مجلسُ الشيطانِ) . أخرجه أحمد (٤١٣/٣ - ٤١٤) : حدثنا بهز وعفان قالا: ثنا همام - قال عفان في حديثه -: ثنا قتادة عن كثير عن أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي له: أن النبي ◌َ ﴾ نهى ... قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات رجال الشيخين غير كثير، وهو ابن ٢٩٩ أبي كثير البصري مولى عبدالرحمن بن سمرة ، وقد وثقه ابن حبان (٣٣٢/٥) والعجلي ، وروى عنه جمع من الثقات غير قتادة من التابعين الأجلاء مثل محمد ابن سيرين ومنصور بن المعتمر وأيوب السختياني ، ولذلك رد الحافظ من جهّله فقال في ((التهذيب» : ((وزعم عبدالحق تبعاً لابن حزم أنه مجهول ! فتعقب ذلك عليه ابن القطان بتوثيق العجلي)) . وعليه فما أنصفه الحافظ حين قال في ((التقريب)): ((مقبول)). ولا الذهبي حين قال في ((الكاشف)»: ((وُثق))! ولذلك؛ فالصواب أنه ثقة ، وأن حديثه هذا صحيح كما قال في ((التلخيص)) كما يأتي ، ولا يخدج عليه أن صحابيه لم يسمَّ ؛ لأن الصحابة كلهم عدول كما تقدم مراراً . على أنه قد جاء مسمى ، فقال عبدالله بن رجاء : ثنا همام عن قتادة عن كثير ابن أبي كثير عن [أبي] عياض عن أبي هريرة قال ... فذكره دون قوله: «مجلس الشيطان)). أخرجه الحاكم (٢٧١/٤) وقال : ((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي . وعبدالله بن رجاء ثقة من رجال مسلم ، والسند إليه صحيح . ٣٠٠