النص المفهرس
صفحات 141-160
كافراً إلا من حيث كان مسلماً ، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام؛ فكذلك ردته لا
تكون إلا بجحوده الإسلام)).
قلت : وهذا فقه جيد ، وكلام متين لا مرد له ، وهو يلتقي تماماً ما تقدم من
كلام الإمام أحمد رحمه الله الدال على أنه لا يكفر بمجرد الترك ؛ بل بامتناعه من
الصلاة بعد دعائه إليها ، وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد ؛ ما جاء
في كتاب ((الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل
أحمد بن حنبل)) للشيخ علاء الدين المرداوي؛ قال رحمه الله (٤٠٢/١) - كالشارح
لقول أحمد المتقدم آنفاً : ((أدعوه ثلاثاً)) -:
((الداعي له هو الإمام أو نائبه ، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب
قتله ، ولا يكفر على الصحيح من المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به
کثیر منهم)) .
وىمن اختار هذا المذهب أبو عبدالله بن بَطَّة ؛ كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج
عبدالرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه ((الشرح الكبير على المقنع)) للإمام موفق
الدين المقدسي (٣٨٥/١)، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره . قال أبو الفرج:
((وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي .. )).
ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم ، ومنها حديث
عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقال عقبه :
((ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة)).
قلت : ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيداً لا يدع لأحد شكاً
أو شبهة ، فلا تنسَ . ثم قال أبو الفرج :
١٤١
((ولأن ذلك إجماع المسلمين ؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من
تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه ، ولا مُنع ميراثَ مورِّته ، ولا فُرِّقَ بین
زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما - مع كثرة تاركي الصلاة -! ولو كفر لثبتت هذه
الأحكام ، ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع
اختلافهم في المرتد(١). وأما الأحاديث المتقدمة (يعني: التي احتج بها المكفرون
كحديث: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)))؛ فهي على وجه التغليظ
والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله #8#: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله
كفر)» .. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا رحمه الله (يعني :
الموفق المقدسي) : وهذا أصوب القولين . والله أعلم)) .
قلت : ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب
رحمهم الله في حاشيته على ((المقنع)) لابن قدامة (٩٥/١ - ٩٦) مقرّاً له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في ((السيل الجرار)) (٢٩٢/١) بتكفير تارك
الصلاة عمداً ، وأنه يستحق القتل ، ويجب على إمام المسلمين قتله ؛ فقد بين في
((نيل الأوطار)) أنه لا يعني كفراً لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء
واختلافهم، وذکر شيئاً من أدلتهم (٢٥٤/١ - ٢٥٥):
((والحق أنه كافر يقتل ، أما كفره ؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى
تارك الصلاة بذلك الاسم (!) وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا
الاسم عليه هو الصلاة ، فتركها مقتض لجواز الإطلاق .
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول : لا يمنع أن
(١) قلت: الراجح أنه لا يقضي؛ كما حقَّقه ابن تيمية رحمه الله (٤٦/٢٢).
١٤٢
يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ؛ ككفر أهل القبلة
ببعض الذنوب التي سمَّاها الشارع كفراً . فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس
في مضيقها)).
ولقد صدق رحمه الله . لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك
الصلاة ؛ هو توسع غير محمود عندي ؛ لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها
الإطلاق المدعى ، وإنما فيها: ((فقد كفر))، وما أظن أن أحداً يستجيز له أن يشتق
منه اسم فاعل فيقول فيه : (كافر) ، إذن ؛ لزمه أن يطلقه أيضاً على كل من قيل
فيه : (كَفَرِ)) ؛ كالذي يحلف بغير الله ، ومن قاتل مسلماً ، أو تبرأ من نسب ، ونحو
ذلك مما جاء في الأحاديث .
نعم ؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ :
((عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة ؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة
منهن فهو بها كافر حلال الدم : شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة المكتوبة ، وصوم
رمضان)» .
أقول : لو صح هذا ؛ لكان دليلاً واضحاً على جواز إطلاقه على تارك الصلاة ،
ولكنه لم يصح كما كنت بينته في ((السلسلة الضعيفة)) (٩٤) .
والخلاصة ؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم ، وإنما هو
فاسق ، أمره إلى الله ؛ إن شاء عذبه ؛ وإن شاء غفر له ، وحديث الترجمة نص
صريح في ذلك لا يسع مسلماً أن يرفضه .
وأن من دعي إلى الصلاة ، وأنذر بالقتل ؛ إن لم يستجب فقتل ؛ فهو كافر
يقيناً حلال الدم ، لا يُصَلَّى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، فمن أطلق
١٤٣
التكفير فهو مخطئ ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ ، والصواب التفصيل .
فدعني عن بنيات الطريق
فهذا الحق ليس به خفاءُ
وبعد ؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث
الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلاً مع الإيمان بوجوبها داخل في
عموم قوله تعالى : ﴿وَيَغْفِرُ ما دونَ ذلكَ لمنْ يشاءُ﴾؛ كما فعل بعضهم أخيراً بتاريخ
(١٤٠٧هـ) ، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي ، والآخر مصري ،
فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))؛
منها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه المتقدم برقم (٨٧) ولفظه :
((يَدْرُسُ الإِسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ، ولا صلاة ،
ولا نسك ، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله عز وجل في ليلة ؛ فلا يبقى منه
آية ، وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير ، والعجوز؛ يقولون : أدركنا آباءنا على
هذه الكلمة: ((لا إله إلا الله))، فنحن نقولها)).
قال صلة بن زفر لحذيفة : ما تغني عنهم ((لا إله إلا الله)) وهم لا يدرون ما
صلاة ، ولا صيام ، ولا نسك ، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة ، ثم رددها عليه
ثلاثاً ، كلَّ ذلك يعرض عنه حذيفة . ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة!
تنجيهم من النار (ثلاثاً) .
قلت : فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليّ
لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه ؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية
محمد بن خازم الضرير ؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء ! وأن الحديث موافق لبدعة
الإرجاء !!
١٤٤
وهذا من الجهل البالغ ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصراً؛ فإن أبا معاوية مع
كونه ثقة محتجاً به عند الشيخين ؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله ، ثم إنّ الحديث لا
صلة له بالإرجاء مطلقاً ، وهما إنما ادعیا ذلك لجهلهما بالعلم ، وکیف یکون كذلك
وقد صححه الحاكم والذهبي ، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟! ولئن جاز
في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعاً مخطئين ؛ فهل وصل الأمر بهما
أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟! تالله إنها لإحدى الكُبَر ؛ أن يتسلط
على هذا العلم من لا يحسنه ، وأن يضعِّف ما يصححه أهل العلم !
وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه ؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا
يعرفون من الإسلام إلا الشهادة ، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر
الأركان ثم هم لا يقومون بها ؛ كلا ؛ ليس في الحديث شيء من ذلك ، بل هم في
ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثاً في بلاد الكفر لا يعرفون من
الإسلام إلا الشهادتين ، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم ، فقد سألني
أحدهم هاتفياً عن امرأة تزوجها ، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع ! وقريباً
سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يُسوِّغ له أن يخالف
العلماء ! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنباً بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم ؛
لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة ! وقد قال ابن تيمية رحمه الله في
(مجموع الفتاوى)» (٤١/٢٢) :
((ومن علم أن محمداً رسول الله فآمن بذلك ، ولم يعلم كثيراً مما جاء به ؛ لم
يعذبه الله على ما لم يبلغه ؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ ، فإنه [أن]
لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى ، وهذه سنة رسول
الله ◌َّةٍ المستفيضة عنه في أمثال ذلك)).
١٤٥
ثم ذكر أمثلة طيبة ؛ منها : المستحاضة ؛ قالت : إني أستحاض حيضة شديدة
تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة ، ولم يأمرها بالقضاء .
قلت : وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها ،
وحديثها في «الصحيحين» وغيرهما، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٢٨١).
ومثلها : أم حبيبة بنت جحش زوجة عبدالرحمن بن عوف ، واستحيضت
سبع سنين ، وحديثها عند الشيخين أيضاً، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود))
أيضاً (٢٨٣) .
وثمة ثالثة ؛ وهي حمنة بنت جحش ، وهي التي أشار إليها ابن تيمية ؛ فإن في
حديثها : ((إنِّي أستحاض حيضة كثيرة شديدة ؛ فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة
والصوم .. )) الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب ((السنن)) بإسناد حسن ،
وصححه جمع ، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٢٩٣)، و((الإرواء)) (١٨٨).
هذا ؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله
عنه ؛ الشديد ارتباطه به ودلالته أيضاً على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك ،
ولكن هكذا قُدِّرَ؛ قال عبدالله بن أحمد في ((مسائله)) (ص١٩٥/٥٦):
((سألت أبي عن رجل فَرَّطَ في صلوات شهرين؟ فقال :
يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات ، فلا يزال يصلي حتى
يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها ؛ فإنه يصلي
هذه التي يخاف فوتها ، ولا يضيع مرتين ، ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت
الصلاة التي بعدها ؛ إلا إن كثر عليه ، ويكون ممن يطلب المعاش ، ولا يقوى أن يأتي
بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه ، ثم يعود إلى
١٤٦
الصلاة ؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها ، فهو يعيدها أيضاً إذا ذكرها
وهو في صلاة)) .
فانظر أيها القارئ الكريم ! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على
ما سبق تحقيقه ؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة ؛ بل صلوات
شهرين متتابعين ! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش .
وهذا عندي يدل على شيئين : أحدهما - وهو ما سبق -: أنه يبقى على
إسلامه ، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت .
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد
- بل ولا من هو دونه في العلم - يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب
المعاش . والله سبحانه وتعالى أعلم .
واعلم أخي المسلم ! أن هذه الرواية عن الإمام أحمد - وما في معناها - هو
الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً؛ ولخصوص الإمام أحمد
ثانياً؛ لقوله رحمه الله: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي))، وبخاصة أن الأقوال
الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جدّاً؛ كما تراها في كتاب
((الإنصاف)) (٣٢٧/١٠ -٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة ، ومع اضطرابها ؛ فليس
في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة ، وإذ الأمر كذلك ؛
فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبينة لمراده رحمه الله ؛
وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبدالله .
ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك ؛ وجب تركها
والتمسك بالروايات الأخرى ؛ لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج
١٤٧
تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة . وبهذا صرح كثير من كبار علماء
الحنابلة المحققين ؛ كابن قدامة المقدسي - كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه -،
ونص كلام ابن قدامة :
((وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً؛ لم يكفر».
كذا في كتابه ((المقنع))، ونحوه في ((المغني)) (٢٩٨/٢ - ٣٠٢) في بحث طويل
له ؛ ذكر الخلاف فيه وأدلة كل فريق ، ثم انتهى إلى هذا الذي في ((المقنع))، وهو
الحق الذي لا ريب فيه ، وعليه مؤلف ((الشرح الكبير)) و((الإنصاف)) كما تقدم .
وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد ؛ فلا يرد عليه ما ذكره السُّبْكي في
ترجمة الإمام الشافعي؛ من ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٢٠/١)، قال :
((حُكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة ؛ فقال له الشافعي : يا أحمد !
تقول : إنه يكفر؟ قال : نعم . قال: إذا كان كافراً فبِمَ يسلم؟ قال: يقول : لا إله إلا الله
محمد رسول الله . قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه ! قال : يسلم بأن
يصلي. قال : صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها . فانقطع أحمد وسكت)).
فأقول : لا يرد هذا على أحمد رحمه الله لأمرين :
أحدهما : أن الحكاية لا تثبت ، وقد أشار إلى ذلك السبكي رحمه الله
بتصديره إياها بقوله : ((حُكي)) ، فهي منقطعة .
والآخر : أنه ذكر بناءً على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة ،
وهذا لم يثبت عنه كما تقدم بيانه ، وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا
يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك! وأَمَلِي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على
هذا الحديث الصحيح ؛ وعلى قول أحمد وغيره من كبار أئمة الحنابلة الموافق له ؛
١٤٨
فإنه لا يجوز تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه ؛ حتى يتبين منه أنه جاحد
ولو بعض ما شرع الله؛ كالذي يُدْعَى إلى الصلاة فإن استجاب وإلا قتل كما
تقدم. ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في ((الفتح)) (٣٠٠/١٢) عن
الغزالي أنه قال :
((والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير؛ ما وجد إليه سبيلاً؛ فإن استباحة
دماء المسلمين المقرِّين بالتوحيد خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من
الخطأ في سفك دم لمسلم واحد» .
هذا ؛ وقد بلغني أن بعضهم لما أُوقِف على هذا الحديث ؛ شك في دلالته على
نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في
كل الدفعات التي أخرجت من النار . وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة متعصبة
المذاهب في رد دلالات النصوص انتصاراً للمذهب ؛ فإن الحديث صريح في أن
الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم ، فما بعدها من
الدفعات ليس فيها مصلون بداهة ، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين
الجامدين ؛ فليس لنا إلا أن نقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ .
(تنبيه) : ابن قدامة رحمه الله من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث
الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً . لكن العجيب أنه
ذكر حديثاً آخر لو صح لكان قاطعاً للخلاف ؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان
يصلي ويدع، ومع ذلك أمر ﴿ بغسله والصلاة عليه ودفنه ، وهو وإن كان قد
سكت عنه ؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال ؛ الأمر الذي
مكنني من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة ، ولذلك أودعته
في الكتاب الآخر: ((الضعيفة)) (٦٠٣٦).
١٤٩
بعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب بعنوان هام: ((فتح
من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار)) تأليف عطاء بن
عبداللطيف بن أحمد ، ففرحت به فرحاً كبيراً ، وازداد سروري حينما قرأته ،
وتصفحت بعض فصوله ، وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة
المختلفة ؛ التي منها - بل هي أهمها - تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها ،
وتمييز صحيحها من ضعيفها ؛ ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به
لضعفه ، والاعتماد على ما ثبت منها ، ثم الاستدلال به أو الجواب عنه ، وهذا ما
صنعه الأخ المؤلف جزاه الله خيراً ؛ خلافاً لبعض المؤلفين الذي يحشرون كل ما
يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط ؛ كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه
المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم. أما هذا الأخ
(عطاء)؛ فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين ؛ فتتبع أدلتهم ، وذکر ما
لها وما عليها ، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه ، ووفق بينها وبين ما
يخالفها بأسلوب رصين متين ، وإن كان يصحبه أحياناً شيء من التساهل في
التصحيح باعتبار الشواهد ، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة
الدالة على عدم كفر تارك الصلاة ؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة :
((فمن تركها فقد خرج من الملة)). فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده ؛ عاد
فقواه بشواهده ، وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث ، ثم
أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج !! وله غير ذلك من
التساهل والتأويل؛ كالحديث المخرج في ((الضعيفة)) (٦٠٣٧).
والحق ؛ أن كتابه نافع جدّاً في بابه ؛ فقد جمع كل ما يتعلق به سلباً أو
إيجاباً ، قبولاً أو رفضاً؛ دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد ، وأحسن ما فيه
١.٥٠
الفصل الأول من الباب الثاني؛ وهو كما قال: ((في ذكر أدلة خاصة تدل على أن
تارك الصلاة لا يخرج من الملة))! وعدد أدلته المشار إليها (١٢) دليلاً، ولقد ظننت
حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا؛ لأنه قاطع
للنزاع كما سبق بيانه ، ولكنه - مع الأسف - قد فاته كما فات غيره من المتقدمين
على ما سلف ذكره .
غير أنه لا بد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه ؛
ألا وهو قوله چين :
((إن للإسلام صُويًّ ومناراً كمنار الطريق .. )) الحديث ، وفيه ذكر التوحيد ،
والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات، ثم قال خالد:
((فمن انتقص مِنْهُنَّ شيئاً؛ فهو سهم من الإسلام تركه ، ومن تركهن ؛ فقد
نبذ الإسلام وراءه)) .
وقد خرجه المومى إليه تخريجاً جيداً ، وتتبع طرقه ؛ وبين أن بعضه صحيح
الإسناد ، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة . فراجعه
وراجع الكتاب كله ؛ إن كان عندك شك في المسألة .
وقد كنت خرجته قديماً برقم (٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة ، واستفاد هو
منه - كما هو شأن المتأخر مع المتقدِّم - ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة ، ولقد
كان يحسن به ذلك ؛ ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث ، وذلك
ما لا يضرني البتة ؛ بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ ، وليس الآن مجال تفصيل
القول في ذلك .
والخلاصة ؛ أن حديثنا هذا حديث الشفاعة حديث عظيم ، ومن ذلك دلالته
١٥١
القاطعة على أن تارك الصلاة - مع إيمانه بوجوبها - لا يخرج من الملة ، وأنه لا يخلد
في النار مع الكفرة الفجرة .
ولذلك ؛ فإني أرجو مخلصاً كل من وقف على هذا الحديث وغيره مما في
معناه أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها ، والموحدين الله
تبارك وتعالى ؛ فإن تكفير المسلم أمر خطير جدّاً كما تقدم . وعليهم فقط أن يذكِّروا
بعظمة منزلة الصلاة في الإسلام بما جاء في ذلك في الكتاب والأحاديث النبوية ،
والآثار السلفية الصحيحة ، فإن الحكم قد خرج - مع الأسف - من أيدي العلماء،
فهم لذلك لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة ؛ بله
جمع من التاركين؛ ولو في دولتهم فضلاً عن الدول الإسلامية الأخرى ! فإن قتل
التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة ، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمناً
بها ، فإذا آثر القتل عليها ؛ دل ذلك على أن تركه كان عن جحد ، فيموت - والحالة
هذه - كافراً؛ كما تقدم عن ابن تيمية ، فامتناعه منها في هذه الحالة دليل عملي
على خروجه من الملة . وهذا مما لا سبيل إلى تحقيقه اليوم مع الأسف ، فليقنع
العلماء - إذن من الوجهة النظرية - على ما عليه جمهور أئمة المسلمين ؛ بعدم
تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها ، وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة
الصحيحة ؛ فلا عذر لأحد بعد ذلك ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور/٦٣].
ثم طَبَعْتُ هذا البحث في رسالة خاصة بعنوان ((حكم تارك الصلاة)) فنفع الله
بها من شاء من عباده ، واستنكر بعض المؤلفين ما فيه من الحكم : أن تارك الصلاة
كسلاً - مع إيمانه بها - ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة ، فهو بهذا الاعتبار مخالف
له ، وهو عمل قلبي ، والله عز وجل ضمن أن لا يضيعه ؛ كما قال أبو سعيد في
١٥٢
الحديث هذا: ((فمن لم يصدق بهذا الحديث ؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ .. ﴾)). وبالنظر إلى تركه الصلاةَ فهو مشابه للكفار عملاً؛ الذين
يتحسرون يوم القيامة ، فيقولون وهم في سقر: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ
نُطْعِمُ المسْكِينَ﴾ ، فكفره كفر عملي ؛ لأنه عمل عمل الكفار، فهو كالتارك للزكاة ،
وقد صح الحديث أيضاً أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه ، ثم
يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه - هدانا الله وإياه - تأول
هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلاً عطل دلالته الصريحة على ما
ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي ؛ مع أنه قد صح هذا عن
ابن عباس وبعض تلامذته ، وجرى عليه مَن بعدهم من أتباع السلف ؛ کابن القيم
وشيخه ؛ كما تقدم في هذا البحث ، ومع ذلك لم يعرِّج عليه المومى إليه مطلقاً ،
ولو لردِّه، ولا سبيل له إليه! والله عز وجل يقول: ﴿أَفَتَجْعَلُ المسْلِمِينَ كَالْرِمِينَ .
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟ وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث : ((إن
للإسلام صوى .. )) الصريح في التفريق بين: ((من ترك سهماً؛ فهو سهم من
الإسلام تركه))؛ وبين ((من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله)) ؛ فلم
يتعرض له بجواب . ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه ؛ كما فعل بغيره من
الأحاديث الصحيحة .
وبالجملة ؛ فمجال الرد عليه واسع جدّاً ، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد
عليه ، وبيان ما يؤخذ عليها فقهاً وحديثاً؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله
لكاتب هذه الأحرف ؛ ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد
وينقص ، وإن كان قد اقترن به أحياناً شيء من الغلو والمخالفة ، والاتهام بالإرجاء ؛
مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية ، فأقول : الإيمان يزيد وينقص ، وإن
١٥٣
الأعمال الصالحة من الإيمان ، وإنه يجوز الاستثناء فيه ؛ خلافاً للمرجئة ، ومع ذلك
رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي #: ((وأتبع السيئة
الحسنة تمحها .. ))! فقلت : ما أشبه اليوم بالبارحة !
فقد قال رجل لابن المبارك: ((ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر ؛ أمؤمن
هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان . فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئاً!
فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني ! أنا أقول : الإيمان يزيد وينقص .
والمرجئة لا تقول ذلك . والمرجئة تقول : حسناتنا متقبلة . وأنا لا أعلم تُقبلت مني
حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سَبُّورة فتجالس العلماء)). رواه ابن راهويه في
((مسنده)) (٦٧٠/٣ - ٦٧١).
قلت : ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في
بعض ما يقوله المرجئة ؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً ، وابن المبارك في
عدم تكفيره مرتكب الكبيرة ! ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج ؛ لأن الخوارج
يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ .
٣٠٥٥ - (إنَّ قوماً يَخرجونَ مِنَ النار؛ يَحترقونَ فيها إلا دارات
وجوهِهِم ، حتى يَدْخلوا الجنةَ) .
أخرجه أحمد (٣٥٥/٣): ثنا أبو أحمد الزبيري : حدثنا قيس بن سُلَيْم
العنبري: حدثني يزيد الفقير: حدثنا جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله عَ ليه ...
فذكره .
ومن هذا الوجه أخرجه مسلم (١٢٢/١ - ١٢٣)، وأبو عوانة (١٨٠/١)،
وفيه قصة .
١٥٤
ورواه الآجري (ص٣٣٣) من طريق أخرى عن يزيد نحوه، وأحمد (٣٣٠/٣)
من طريق سعيد بن المهلب عن طلق بن حبيب عن جابر به ، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٨١٨) مختصراً، وسعيد هذا مجهول .
وأخرجه مسلم والطيالسي في («مسنده)) (١٧٠٣) من طريق حماد بن زيد
قال : قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبدالله يحدث عن رسول الله عَظانٍ :
((إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة))؟ قال : نعم .
وهذا الحديث والذي قبله لم يوردهما السيوطي في ((الجامع الصغير))، ولا في
((الزيادة عليه))، وأورد هذا في ((الجامع الكبير))، وعزاه للطيالسي فقط !
وأخرجه الحميدي في «مسنده)) (١٢٤٥)، وابن حبان (٧٤٤٠/٢٨٣/٩) من
طريق سفيان - وهو ابن عيينة - : ثنا عمرو بن دينار به نحوه .
وأخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨٣٩ و٨٤٠)، والآجري في ((الشريعة))
(ص٣٣٤) من الطريقين .
وأخرجه البخاري (٦٥٥٨) من طريق حماد مختصراً .
٣٠٥٦ - (ما أَشْخَصَ أبصارَكم عني؟ قالوا: نَظِرْنا إلى القمر،
قال : فكيف بكم إذا رأيتم اللهَ جَهْرَةً؟!) .
أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (ص٢٦٣ - ٢٦٤) : حدثنا أبو بكر بن أبي
داود قال : حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري قال : حدثني أبي يحيى بن
كثير قال : حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أسلم العجلي عن أبي بردة عن
أبي موسى الأشعري - عن النبي {﴾ - قال :
١٥٥
بينما هو يعلمهم من أمر دينهم إذْ شَخَصَتْ أبصارهم ، فقال ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد؛ أبو بكر بن أبي داود - وهو السجستاني - حافظ
ابن حافظ .
وسائرهم ثقات من رجال ((التهذيب)) .
وهذا شاهد قوي لحديث البخاري (٧٤٣٥) عن جرير بن عبدالله قال : قال
:
النبي
((إنكم سترون ربكم عياناً)).
ولمَّا أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢٣٣/٢٩٦/٢) من طريق أبي
شهاب الحناط (الأصل: الخياط) بسنده الصحيح عن جرير؛ قال الطبراني :
((لفظة: ((عياناً)) تفرد بها أبو شهاب، وهو حافظ متقن من ثقات المسلمين)).
قلت : وقد تابعه جمع على أصل الحديث دون الزيادة ، ولذلك فقد كنت
حكمت عليها في ((ظلال الجنة)) (٤٦١/٢٠١/١) بالشذوذ ، والآن فقد رجعت عن
ذلك لهذا الشاهد القوي، ولعله لذلك احتج به الحافظ في ((الفتح)) (٤٢٦/١٣)،
ولم يعله بالشذوذ . والله أعلم .
والحديث أورده السيوطي بلفظ البخاري في (الجامع الكبير))، ولم يعزه إلا
للطبراني! وقد رواه غيرهما كما تراه في ((الظلال)).
وفيه رد على المعتزلة والإباضية المنكرين لهذه النعمة العظيمة : رؤية
المؤمنين لربهم يوم القيامة ، وعلى المثبتين لها الذين تأولوها بمعنى العلم . انظر
((الفتح)) .
١٥٦
٣٠٥٧ - (اقرأَوا القرآنَ، ولا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تأكلُوا
به ، ولا تستكثرُوا به) .
أخرجه أحمد (٤٢٨/٣) : ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام - يعني:
الدَّستُوائي - قال : حدثني يحيى بن أبي كثير (الأصل : نمير !) عن أبي راشد
الحُبْراني قال: قال عبد الرحمن بن شبل: سمعت رسول الله عَ ليه يقول ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح إن كان يحيى سمعه من أبي راشد الحبراني ؛ فإنه
موصوف بشيء من التدليس ؛ لكن قد صح في بعض الروايات عنه أنه تلقاه عن
زيد بن سلام بن أبي سلام (ممطور الحبشي) عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني
كما يأتي .
ثم أخرجه أحمد ، وابن أبي شيبة (٤٠٠/٢ - ٤٠١) قالا : ثنا وكيع عن
الدستوائي به .
وتابعه أيوب عن يحيى عن أبي راشد به .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٧٤١/١/١٤٣/١).
وأخرجه أحمد (٤٤٤/٣)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١٠/٢)، وأبو
يعلى في ((مسنده)) (١٥١٨/٨٨/٣)، وعنه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
{٩٧٠٧/٩) من طريق أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير: حدثني زيد عن أبي
سلام عن الحبراني به .
قلت : وهذا إسناد صحيح متصل ، وقال الحافظ (١٠١/٩) - بعدما عزاه
لأحمد وأبي يعلى - :
((وسنده قوي)) .
١٥٧
وتابعه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به .
وقد تقدّم تخريج هذا الحديث برقم (٢٦٠) بنحو آخر ، وفي تخريجه هنا زيادة
بيان ومصادر أخرى اقتضاه التمهيد لتخريج الحديث التالي .
وثمة حديث آخر ساقه الإمام أحمد وغيره بهذا السند أيضاً؛ تقدم تخريجه
برقم (٣٦٦) .
٣٠٥٨ - (إنّ الفُسَّاقَ هم أهلُ النارِ. قيل: يا رسولَ الله! ومَن
الفساقُ؟ قال: النساءُ . قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! أَوَلَسْنَ أُمَّهاتِنَاً
وأخواتنا وأزواجَنا؟ قال: بلى ؛ ولكنّهنّ إذا أُعْطِينَ لم يَشْكُرْنَ ، وإذا
ابْتُلِينَ لم يَصْبِرْنَ).
أخرجه أحمد بإسناد الحديث الذي قبله .
وكذلك أخرجه الحاكم (٦٠٤/٤) من طريق مسلم بن إبراهيم : ثنا هشام به .
وقال :
((صحيح على شرط الشيخين))! ووافقه الذهبي !
قلت : وهو من أوهامهما ؛ فإن أبا راشد الحبراني - الراوي له عن عبدالرحمن
ابن شبل - ليس من رجالهما وإن كان ثقة. ونحوه في ((المجمع)) (٣٩٤/١٠).
ثم إن فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير ؛ لكن قد تبين في تخريج الحديث الذي
قبله أنه سمعه من زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي راشد . وكذلك وقع له في
هذا الحديث ؛ فقد أخرجه الحاكم (١٩٠/٢ - ١٩١) من طريق معمر عن يحيى بن
أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده (هو أبو سلام: ممطور) قال :
١٥٨
كتبَ معاوية إلى عبدالرحمن بن شبل : أنْ علِّم الناس ما سمعت من رسول
الله عَ ليه. فقال: إني سمعت رسول الله عَ ل يقول ... فذكره . وقال:
((صحيح على شرط مسلم)) . ووافقه الذهبي .
قلت : كذا في رواية معمر لم يذكر فيها : ((أبا راشد الحبراني)) . وكذلك رواه
عنه أحمد (٤٤٤/٣)، وابن عساكر في ((التاريخ)) (٩٧٧/٩) وقال :
((رواه أبان بن يزيد العطار مختصراً عن يحيى بن أبي كثير ، وزاد في إسناده
أبا راشد الحبراني)).
ثم ساق إسناده بالحديث الذي قبله من طريق أبي يعلى ، وليس فيه قصة
معاوية . ثم قال :
((وكذا رواه معاوية بن سلام عن أخيه زيد)).
ثم ساق إسناده من طريق محمد بن شعيب : حدثني معاوية بن سلام عن
أخيه عن جده عن أبي سلام عن أبي راشد قال :
كنا مع معاوية ... فذكر الحديث مختصراً .
ثم رواه من طريق الربيع بن نافع : نا معاوية بن سلام به .
٣٠٥٩ _ (إنّ اللهَ عز وجل إذا أرادَ رحمةَ أُمَّة من عباده قَبَضَ نبيَّها
قبلها ، فجعله لها فَرَطاً وسَلَفاً بين يديها ، وإذا أراد هلكةَ أُمَّة عَذَّبَها ونبيُّها
حَيٌّ ؛ فَأَهْلَكَها وهو يَنظرُ؛ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أَمْرَهُ) .
أخرجه مسلم (٦٥/٧) معلقاً، فقال: وحدثت عن أبي أسامة - وممن روى
١٥٩
ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري : حدثنا أبو أسامة -: حدثني بُريد بن عبدالله
قال ... فذكره .
عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ؛ فإنهما أخرجا أحاديث كثيرة
عن أبي أسامة بإسناده هذا؛ لولا أنه منقطع بين مسلم وأبي أسامة ؛ فإنه لم يذكر
من الذي حدثه عنه ؛ لكنه قد جزم بأنه رواه عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري ، وقد
وصله جمع عنه .
فأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٦١٣/٢٢٣/٨ و٧١٧١/١٧٢/٩ -
الإحسان)، وابن عدي في ((الكامل)) (٤٩٦/٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))
(٧٧/٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٥١٨/١٥) من طرق عن الجوهري به.
ذكره ابن عدي في ترجمة (بريد بن عبدالله بن أبي بردة الأشعري) ، وقال :
((وبريد بن عبدالله قد اعتبرت حديثه؛ فلم أرفيه حديثاً منكراً ، وأنكر ما
روى هذا الحديث ، وهذا طريق حسن رواه ثقات ، وقد أدخله قوم في
((صحاحهم))، وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس)).
قلت : قد أخرج له الشيخان كما ذكرت آنفاً ، وقال الذهبي في ((الكاشف)):
((صدوق)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
(ثقة يخطئ قليلاً)).
ثم إن أبا أسامة - واسمه حماد بن أسامة - قد تابعه يحيى بن بريد بن أبي
بردة عن أبيه .
أخرجه ابن عدي (٢٦٨١/٧) من طريق القواريري عنه .
١٦٠