النص المفهرس
صفحات 121-140
وقد تابعه معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي بتمامه .
أخرجه الحاكم (٨١/٤) وقال :
((غريب المتن، صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي.
ثم رواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن رجل عن عمرو بن
عَبَسَةً به .
ورجاله ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسمَّ .
والحديث قال الهيثمي (٤٣/٥):
((رواه أحمد متصلاً ومرسلاً والطبراني ، ورجال الجميع ثقات)).
ثم ساقه بتمامه وفيه موضع الشاهد منه ، ثم قال :
(رواه الطبراني عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي؛ قال الذهبي: ((حمل عنه
الناس وهو مقارب الحال))، وقال النسائي: ((ضعيف)). وبقية رجاله رجال
((الصحيح))، وقد رواه بنحوه بإسناد جيد عن شيخين آخرين)).
(تنبيه هام): وقع حديث الترجمة سهواً في ((ضعيف الجامع)) (٧٢٢٥) ، وهو
من حق ((صحيح الجامع)) ، فلينقل إليه ، وأستغفر الله وأتوب إليه .
٣٠٥٢ - (يُؤْتَى بالرجلِ يومَ القيامةِ فيُقالُ: اعرضوا عليه صغارَ
ذُنُوبِهِ . فَتُعرَضُ عليه، ويُخَبَّأُ عنه كبارُها ، فيُقالُ: عملتَ يومَ كذا وكذا؛
كذا وكذا ، وهو مُقرُّ لا يُنكرُ، وهو مُشفِقٌ مِنَ الكبار، فيُقالُ: أَعطُوهُ
مكانَ كُلِّ سيئةٍ عَمِلَها حَسَنةً . قال : فيقولُ: إنَّ لي ذنوباً ما أراها هَهُنا .
١٢١
قال أبو ذرٍّ: فلقدْ رأيتُ رسولَ الله ◌َ ﴿ِ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ) .
أخرجه وكيع في ((الزهد)) (٣٦٧/٦٥١/٢): حدثنا الأعمش عن المعرور بن
﴿ ... فذكره .
سويد عن أبي ذر قال : قال رسول الله
ومن طريق وكيع أخرجه أحمد (١٥٧/٥)، وهناد في ((الزهد)) (٢١١/١٥٥/٢)،
وأبو عوانة في ((صحيحه)) (١٧٠/١)، ومسلم أيضاً (١٢٢/١)، إلا أنه لم يسق
لفظه ، وإنما أحال به على لفظ عبد الله بن نمير الآتي ، وفيه زيادة في أوله .
وشذ الحسين بن حريث ؛ فقال : حدثنا وكيع به ، وزاد الزيادة بلفظ :
((إني لأعلم آخر رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النار؛ يؤتى
بالرجل .. )) الحديث .
أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٢٠/٢ بشرح الشيخ القاري) ، ومن طريقه
البغوي في ((شرح السنة)) (١٩٢/١٥ - ١٩٣).
والحسين بن حريث ثقة من رجال الشيخين ، لكن النفس لم تطمئن لمخالفته
لرواية الجماعة عن وكيع . أقول هذا بالنسبة لروايته إياها عن وكيع ، وإلا فقد رواه
غيره عن الأعمش .
أولاً : عبدالله بن نمير : حدثنا الأعمش به ، ولفظه :
((إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة ، وآخر أهل النار خروجاً منها ؛ رجل
يؤتى به .. )) الحديث .
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقي في ((السنن)) (١٩٠/١٠)، وفي
((الأسماء والصفات)) (ص٥٤) .
١٢٢
ثانياً : أبو معاوية محمد بن خازم : ثنا الأعمش به ؛ إلا أنه قال :
(( .. يؤتى برجل .. )) الحديث .
أخرجه أحمد (١٧٠/٥)، ومسلم أيضاً - ولم يسق لفظه -، والترمذي في
((السنن)) (٢٥٩٩/٢٦١/٨)، وابن حبان (٧٣٣١/٢٣٣/٩ - الإحسان) ، وابن جرير
في ((تفسيره)) (٣٠/١٩) ؛ إلا أنه قال :
(( .. قال: يؤتى برجل .. )).
وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)) .
ثالثاً : أبو يحيى الحمّاني قال : ثنا الأعمش به مثل لفظ ابن نمير .
أخرجه أبو عوانة .
واسم أبي يحيى عبدالحميد بن عبدالرحمن الحماني ، وهو صدوق يخطئ
من رجال الشيخين .
فقد اختلف على الأعمش في متن هذا الحديث ؛ فابن نمير والحماني قالا :
(( .. آخر أهل النار خروجاً منها رجل يؤتى .. )).
وظاهره أن الرجل الذي يؤتى به هو الأول الذي ذكر قبله ، وهذا مشكل جدّاً
كما سيأتي بيانه .
وقال أبو معاوية :
(( .. يؤتى برجل)).
١٢٣
فظاهره أنه غير الرجل الأول ، وأكد ذلك بقوله في رواية ابن جرير :
( .. قال: يؤتى برجل)).
فهذا صريح في أنه رجل آخر غير الأول ؛ لأنه استأنف الحديث عنه ، وفصله
عن الذي قبله ، وأكد ذلك وكيع في حديث الترجمة ؛ فإنه ابتدأ الحديث عنه دون
الرجل الأول .
وأما أن رواية ابن نمير والحماني مشكلة ؛ فمما لا يخفى على المتأمل ؛ فإنها
تدل على أن الرجل مع كونه قد بُدَّلَتْ سيئاته حسنات ؛ فهو آخر من يخرج من
النار ، وآخر من يدخل الجنة ! وهذا مما لا يستقيم في العقل .
وقد تكلم العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه ((طريق الهجرتين))
(ص٢٤٧ - ٢٥٠)، ورد على من احتج بالحديث (حديث مسلم) أن التبديل
المذكور في آية الفرقان: ﴿فَأُولئِكِ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِم حَسَناتٍ﴾، إنما هو يوم
القيامة ، ورجح أن ذلك في الدنيا بتحول التائب من أعماله القبيحة إلى أضدادها
وهي حسنات ، فأصاب في ذلك وأجاد ، ولكنه لم يتعرض لإزالة الإشكال ؛ بل
إنه قال في صدد الرد المذكور (ص٢٤٨) :
((وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في
النار؛ حتى كان آخر أهلها خروجاً منها ، فهذا قد عوقب على سيئاته ، فزال أثرها
بالعقوبة ، فبدل مكان كل سيئة بحسنة)) !
فهذا إشكال جديد في كلامه ، فإنه يؤكد أن التبديل كان بعد العقوبة !!
وقد أكد الإشكال ابن جرير رحمه الله ؛ فإنه قال بعد أن رجح تفسير الآية بما
تقدم عن ابن القيم :
١٢٤
((وإنما قلنا : ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت
على ما كانت عليه من القبح ، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى
خلاف ما كانت عليه ؛ إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال
أخرى ، فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركاً في
الكفر بعينه إيماناً يوم القيامة بالإسلام ، ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة ، وذلك ما
لا يقوله ذو حجى)).
وقد أشار الشيخ علي القاري رحمه الله إلى الإشكال في ((المرقاة)) (٢٧٢/٥)،
وأجاب عنه بقوله :
((ويمكن أن يقال: فعل بعد التوبة ذنوباً استحق بها العقاب (!) وإما وقع
التبديل له من باب الفضل من رب الأرباب ، والثاني أظهر)» !
قلت : لو كان كذلك لم يعذب ولم يكن آخر من يخرج من النار! وكأنه أخذ
الجواب الثاني من ترجمة ابن حبان للحديث ؛ فإنه قال :
((ذكر إبدال سيئات من أحب من عباده في القيامة بالحسنات)).
فأقول : وهذا إنما يصح على رواية أبي معاوية التي فصلت ، وجعلت الرجل
الذي بدلت سيئاته حسنات غير الرجل الأول الذي هو آخر من يخرج من النار .
وبذلك يزول الإشكال من أصله ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
(تنبيه) : زاد أبو عوانة في رواية في آخر الحديث :
((ثم تلا رسول الله تَ ◌ّ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللّه سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ﴾)).
وإسناده هكذا : حدثنا ابن أبي رجاء المصيصي قال : ثنا وكيع بسنده المتقدم .
١٢٥
وابن أبي رجاء هذا اسمه أحمد بن محمد بن عبيد الله الطرسوسي ، وقد
وثقه النسائي ، وقال مرة :
«لا بأس به)) .
قلت : فمثله تقبل زيادته ؛ لولا أنه خالف كل الذين رووه عن وكيع - وعلى
رأسهم الإمام أحمد كما تقدم -؛ فإنهم لم يذكروها ، فكانت زيادة شاذة إسناداً
ومنكرة متناً؛ لمخالفتها للمعنى الصحيح للآية أولاً ؛ ولأنها تؤكد الإشكال ثانياً .
والله أعلم .
٣٠٥٣ - (لَيَتَمَنَّيَنَّ أقوامٌ لو أكثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ . قالوا: بم یا رسول
الله؟ قال: الذِينَ بَدَّلَ اللهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَناتٍ) .
أخرجه الحاكم (٢٥٢/٤) من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس عن
أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ طاهٍ ... فذكره . وقال :
((أبو العنبس هذا: سعيد بن كثير، وإسناده صحيح)) .
ووافقه الذهبي . وهو كما قالا ، وتقدم لسعيد وأبيه حديث آخر برقم
(٣٠١١)، وصححاه أيضاً . وكثير هو ابن عبيد التيمي مولى أبي بكر الصديق،
رضيع عائشة ، وقد روى عنه جمع من الثقات ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
فهو صدوق ، ولم يعرفه ابن القيم ولا عرف ابنه سعيداً؛ فقد ساق الحديث في
((طريق الهجرتين)) (ص٢٤٨) من طريق أبي حفص المستملي عن محمد بن
عبد العزيز بن أبي رزمة : حدثنا الفضل بن موسى القطيعي به . ثم قال :
((لا يثبت مثله ، ومن أبو العنبس؟ ومن أبوه؟!)).
١٢٦
قلت : وهذا منه عجيب ! فإنهما من رجال البخاري في ((الأدب المفرد))
ورجال أبي داود ، والأول وثقه جمع ، منهم ابن معين ، والآخر عرفت من وثقه
وأنه صدوق .
والحديث عزاه في ((الدر المنثور» (٧٩/٥) لابن أبي حاتم وابن مردويه .
وفيه إشارة إلى فضل الله عز وجل ورحمته بمن يشاء من عباده الذين يبدل
يوم القيامة سيئاتهم حسنات؛ كما في الحديث الذي قبله . والله أعلم .
حديثُ الشفاعة وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين
٣٠٥٤ - (إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا ؛ فـ [والذي نفسي
بيده !] ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبهِ في الحقِّ يكونُ له في الدنيا بأشدَّ
من مجادلةِ المؤمنينَ لربِّهم في إخوانِهِمُ الذينَ أُدْخِلُوا النارَ. قال :
يقولونَ : ربَّنا! إخوانُنَا كانُوا يُصلَّون معنا، ويصومون معنا ، ويَحُجُون
معنا، [ويُجاهدون معنا]، فأدخلتَهم النارَ. قال: فيقولُ: اذْهَبُوا
فَأَخْرِجُوا من عَرَفْتُم منهم ، فيأتُونهم ، فَيَعْرفونَهُم بِصُورهِم ، لا تأكلُ
النارُ صُوَرَهُم ، [لَمْ تَغْشَ الوَجْهَ]، فَمِنْهم مَنْ أَخَذَتْهُ النارُ إلى أنصاف
ساقَيْهِ، ومِنْهم من أخذتْه إلى كَعْبَيْه(١) {فَيُخرِجُونَ مِنْها بشراً كثيراً]،
فيقولونَ : رَبَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ]
يقولُ: أَخْرجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ منَ الإيمانِ. [فيُخرِجُون
(١) الأصل: ((كفيه)). وعلى الهامش: ((في ((مسلم)): ركبتيه)).
قلت: والتصويب من ((المسند))، و(النسائي))، و((ابن ماجه)). وفي ((البخاري)): ((قدميه)). وفي
رواية مسلم سويد بن سعيد ، وهو متكلم فيه .
١٢٧
خَلقاً كثيراً]، ثم [يقولون: رَبَّنا! لم نَذَرْ فيها أحداً ممنْ أَمَرْتَنا . ثم
يقولُ: ارجعوا، فـ] مَنْ كانَ في قلبِهِ وَزنُ نِصفٍ دينارٍ [فَأَخْرِ جُوهُ.
فَيُخرِجونَ خَلْقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ... ]،
حتى يقولَ : أَخرجُوا مَنْ كانَ في قلبِه مثقالُ ذَرَّةٍ . [فيُخْرجونَ خَلْقاً
كثيراً]، قال أبو سعيد: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بهذا الحديث فَلْيَقْرَأْ هذه
الآيةَ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها ويُؤْتٍ مِنْ
لَدُّنْهُ أَجْراً عَظيماً﴾ [النساء/٤٠]، قالَ: فيقولونَ: رَبَّنا! قَدْ أَخْرَجْنا مَنْ
أَمَرْتَنا ، فَلَمْ يَبْقَ في النارِ أحدٌ فِيهِ خَيرٌ. قالَ: ثم يقولُ اللهُ: شَفَعَت
الملائكةُ ، وشَفَعَتِ الأنبياءُ ، وشَفَعَ المؤمنونَ ، وَبَقِيَ أَرْحَمُ الراحمينَ .
قال : فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النارِ - أو قالَ : قَبْضَتَينِ - ناساً لم يَعْمَلُوا خَيْراً
قَطُّ ؛ قد اخْتَرَقُوا حتى صاروا حُمَماً . قالَ: فَيُؤْتَى بِهم إلى ماءٍ يُقالُ
ء
له : (الحياةُ)، فَيُصَبُّ عليهم، فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحبَّةُ فِي حَمِيلٍ
السَّيْلِ، {قَدْ رَأَيْتُمُوها إلى جانبِ الصخرةِ ، وإلى جانبِ الشجرةِ ، فما
كانَ إلى الشمس منها كانَ أخضرَ، وما كان منها إلى الظلِّ كانَ
أبيضَ]، قال: فَيَخْرُجُونَ مِنْ أجسادِهِم مِثْلَ اللؤلؤِ، وفي أعناقِهِمُ
الخاتمُ، (وفي رواية: الخواتِمُ): عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا
الجنةَ؛ فما تَمنَّيتُم وَرَأيْتُم مِنْ شيءٍ فَهُو لَكُّم [ومِثْلُهُ مَعَهُ] . [فيقولُ أهلُ
الجنة : هؤلاءِ عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنةَ بغير عمل عَمِلُوهُ ، ولا خَيْر
قَدَّمُوهُ]. قال: فيقولونَ: رَبَّنَا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحْداً مِنَ العالمينَ .
قال : فيقولُ: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه . فيقولون: رَبَّنا! وما أَفْضَلُ
١٢٨
مِنْ ذلكَ؟ [قال:] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عَليكم أبداً) .
أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (٤٠٩/١١ - ٤١١): أخبرنا معمر عن زيد
ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله مثله ...
فذكره .
ومن طريق عبدالرزاق أخرجه أحمد (٩٤/٣)، والنسائي (٢٧٠/٢) ، وابن
ماجه (رقم ٦٠)، والترمذي (٢٥٩٨) - مختصراً -، وابن خزيمة في ((التوحيد))
(ص١٨٤ و٢٠١ و٢١٢)، وابن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (رقم: ٢٧٦) .
وتابعه محمد بن ثور عن معمر به ، لم يسق لفظه ، وإنما قال : بنحوه . يعني :
حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه .
أخرجه أبو عوانة .
وتابعه سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه ، وأوله :
((هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر .. )) الحديث بطوله .
أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١١٤/١ - ١١٧)، وابن خزيمة أيضاً
(ص٢٠١)، وابن حبان (٧٣٣٣ - الإحسان).
وحفص بن ميسرة عن زید .
أخرجه مسلم (١١٤/١ - ١١٧)، وكذا البخاري (٤٥٨١) ؛ لكنه لم يسقه
بتمامه ، وكذا أبو عوانة (١٦٨/١ - ١٦٩).
وهشام بن سعد عنه .
أخرجه أبو عوانة (١٨١/١ - ١٨٣) بتمامه، وابن خزيمة (ص٢٠٠)، والحاكم
١٢٩
(٥٨٢/٤ - ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١١٧/١)؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما
أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه .
وتابع عطاءً (١) : سليمانُ بن عمرو بن عبيد العِتْواري - أحد بني ليث ، وكان
في حجر أبي سعيد - قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله
يقول ... فذكره نحوه مختصراً ، وفيه الزيادة الثالثة .
أخرجه أحمد (١١/٣ - ١٢)، وابن خزيمة (ص٢١١)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (١٦٠٣٩/١٧٦/١٣)، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠) ، وابن جرير في
((التفسير)) (٨٥/١٦)، ويحيى بن صاعد في ((زوائد الزهد)) (ص٤٤٨ /١٢٦٨)،
والحاكم (٥٨٥/٤) وقال :
((صحيح الإسناد على شرط مسلم))! وبيض له الذهبي ، وإنما هو حسن
فقط ؛ لأن فيه محمد بن إسحاق ، وقد صرح بالتحديث .
أقول - بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر ، وبيان
أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل ((الصحاح)) و((السنن)) و((المسانيد)) - :
:
فيه فوائد جمة عظيمة ؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين
الذين أدخلوا النار بذنوبهم ، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم .
ثم يتفضل الله تبارك وتعالى على من بقي في النار من المؤمنين ، فيخرجهم
من النار بغير عمل عملوه ، ولا خير قدموه . ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير
المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في ((الفتح)) (٤٢٩/١٣):
(١) ووقع في رسالتي ((حكم تارك الصلاة)) (ص٣١ - المطبوعة): ((وتابع زيداً ... ))، وهو سهوٌ
وسبقُ قَلَم .
١٣٠
((ورُدَّ ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين ؛ كما
تدل عليه بقية الأحاديث)) .
قلت : منها قوله ﴿ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً:
((فيقال : يا محمد ! ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعط ، واشفع تشفع .
فأقول : يا رب ! ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . فيقول: وعزتي وجلالي
وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله)).
متفق عليه ، وهو مخرج في ((ظلال الجنة)) (٢٩٦/٢/رقم: ٨٢٨).
وفي طريق أخرى عن أنس رضي الله عنه :
(( .. وفرغ الله من حساب الناس ، وأدخل من بقي من أمتي النار ، فيقول أهل
النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله عز وجل لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول
الجبار عز وجل : فبعزتي لأعتقنهم من النار . فيرسل إليهم فيخرجون وقد
امتحشوا ، فيدخلون في نهر الحياة ، فينبتون .. )) الحديث .
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح ، وهو مخرج في ((الظلال)) تحت الحديث
(٨٤٤)، وله فيه شواهد (٨٤٢ - ٨٤٣)، وفي ((الفتح)) (٤٥٥/١١) شواهد أخرى.
وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله عظمية فيه :
((لم تغش الوجه))، ونحوه الحديث الآتي بعده: ((إلا دارات الوجوه)): أن من
كان مسلماً ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له ! ولذلك تعقبه الحافظ
بقوله (٤٥٧/١١) :
((لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة ؛ لعموم قوله: ((لم يعملوا خيراً قط))،
١٣١
وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد)). يعني هذا.
وقد فات الحافظ رحمه الله أن في الحديث نَفْسِهِ تعقباً على ابن أبي جمرة
من وجه آخر ؛ وهو أن المؤمنين كما شفَّعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين
وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة ، فلما شُفِّعوا في المرات
الأخرى ، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة ، وإنما فيهم من الخير
كل حسب إيمانه . وهذا ظاهر جدّاً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك ؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة - إذا مات مسلماً
يشهد أن لا إله إلا الله - لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه
داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما
دُونَ ذَلِكَ لمِنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/٤٨، ١١٦]، وقد روى الإمام أحمد في ((مسنده))
(٢٤٠/٦) حديثاً صريحاً في هذا من رواية عائشة رضي الله عنها مرفوعاً بلفظ:
((الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة .. )) الحديث ، وفيه :
((فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله ، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ
يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّةَ﴾ [المائدة/ ٧٢] .
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه ؛
من صوم يوم تركه ؛ أو صلاة تركها ؛ فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن
شاء .. )) الحديث. وقد صححه الحاكم (٥٧٦/٤)، وهذا وإن كان غير مُسَلَّم عندي
- لما بينته في ((تخريج شرح الطحاوية)) (رقم: ٣٨٤) -؛ فإنه يشهد له هذا الحديث
ء
الصحيح : حديث الترجمة . فتنبه .
إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم ! فإن عجبي حقّاً لا يكاد ينتهي من إغفال
١٣٢
جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة ؛ ألا وهي : هل
يكفر تارك الصلاة كسلاً أم لا؟ لقد غفلوا جميعاً - فيما اطلعت - عن إيراد هذا
الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته ، لم يذكره من هو حجة
له ، ولم يجب عنه من هو حجة عليه ، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله
تعالى ، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: ((الصلاة)) ، وجواب
كل منهم عن أدلة مخالفه ؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من
التكفير ؛ إلا مختصراً اختصاراً مخلاً لا يُظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة
تشمل تارك الصلاة أيضاً ، فقد قال رحمه الله :
((وفي حديث الشفاعة : ((يقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي لأخرجن من
النار من قال: لا إله إلا الله)). وفيه: ((فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ... )).
قلت : وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث
أنس المتفق عليه ، وقد سبق أن ذكرت (ص ١٣١) الطرف الأخير منه ، والشطر
الآخر هو في حديث الترجمة :
((فيقبض قبضة من النار ناساً لم يعملوا لله خيراً قط .. )).
وأما أن اختصاره اختصار مخل ؛ فهو واضح جدّاً إذا تذكرت أيها القارئ
الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص١٣٢) متمماً به تعقيبه على ابن أبي
جمرة ، مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما
بعدها ، وأنهم أخرجوهم من النار ، فهذا نص قاطع في المسألة ؛ ينبغي أن يزول به
النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة ؛ التي منها :
عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية ، وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع
١٣٣
فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين ؛ لإهمالهم القيام بما يجب
عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم ؛ خلافاً للكفار الذين لا يصلون تديناً وعقيدة ،
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَتَجْعلُ الْمُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ
تَحْكُمُونَ﴾؟! [القلم/٣٥ -٣٦].
لِما تقدم كنت أحب لابن القيم رحمه الله أن لا يُغفل ذكر هذا الحديث
الصحیح کدلیل صریح للمانعین من التکفیر ، وأن یجیب عنه إن كان لديه جواب ،
وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة .
نعم ؛ إنه لَممّا يجب علي أن أُنَوَّهَ به أنه عقد فصلاً خاصاً ((في الحكم بين
الفريقين ، وفصل الخطاب بين الطائفتين)) ، يساعد الباحث على تفهم نصوص
الفريقين فهماً صحيحاً؛ فإنه حقق فيه تحقيقاً رائعاً ما هو مسلّم به عند العلماء ؛
أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة . فمن المفيد أن أقدم إلى القارئ
فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه ، ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي
مع هذا الحديث الصحيح ، ويؤيد المذهب الرجيح .
لقد أفاد رحمه الله أن الكفر نوعان : كفر عمل ، وکفر جحود واعتقاد .
وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان ، وإلى ما لا يضاده ، فالسجود
للصنم ، والاستهانة بالمصحف ، وقتل النبي وسبُّه ؛ يضاد الإيمان .
وأما الحكم بغير ما أنزل الله ، وترك الصلاة ؛ فهو من الكفر العملي قطعاً .
(قلت : قد یکون ذلك من الكفر الاعتقادي أحیاناً ، وذلك إذا اقترن به ما
يدل على فساد عقيدته ؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين ، وكإيثاره القتل على أن
يصلي إذا دعاه الحاكم إليها ، كما سيأتي ، فتذكر هذا؛ فإنه مهم . ثم قال :)
١٣٤
ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه ، ولكن هو
كفر عمل لا كفر اعتقاد .
وقد نفى رسول الله ﴿ الإيمان عن الزاني ، والسارق ، وشارب الخمر ، وعمن
لا يأمن جاره بوائقه ، وإذا نفى عنه اسم الإيمان ؛ فهو كافر من جهة العمل ، وانتفى
عنه كفر الجحود والاعتقاد .
(قلت : لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر ؛ فيقال
مثلاً: من زنى فقد كفر ، فضلاً عن أنه لا يجوز أن يقال : فهو كافر ، حتى على
تارك الصلاة وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر ، وقوفاً مع النص - ودفعاً
لإيهام الوصف بالكفر الاعتقاديّ -، ومن باب أولى أن لا يقال : كافر حلال الدم!
قال بعد أن ذكر الحديث الصحيح : ((سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر))) :
ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من
الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ؛ كما لا يخرج الزاني والشارب من الملة ، وإن زال
عنه اسم الإيمان .
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله ، وبالإسلام
والكفر ولوازمهما .
ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُّ الكافرونَ﴾ : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه .
(قلت : زاد الحاكم : إنه ليس كفراً ينقل عن الملة ، كفر دون كفر . وصححه
هو (٣١٣/٢) والذهبي . وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة . ثم
قال ابن القيم رحمه الله :)
١٣٥
والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب
الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يَسلم المسلمون من
لسانه ويده ، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً؛ وإن كان معه شعبة من
شعب الإسلام والإيمان .
(قلت : نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة فيه نظر ؛ فقد سمى الله تعالى
الفئة الباغية بالمؤمنة في الآية المعروفة : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
بينهما .. ﴾ مع قوله ﴿ في الحديث المتقدم: ((وقتاله كفر))، فكما لم يلزم من
وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلاً عن اسم المسلم ، فكذلك
تارك الصلاة ؛ إلا إن كان يقصد بذلك أنه مسلم كامل ، وذلك بعيد . قال :)
نعم ، يبقى أن يقال : فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟
فيقال : ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره ، وإن كان المتروك
شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه .
فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان ؟ هذا سر المسألة .
(قلت : ثم أشار إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر ، ثم قال :)
وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة .
(فأقول : يبدولي جليّاً أن ابن القيم رحمه الله بعد بحثه القيم في التفريق
بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي ، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي ؛
لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة ؛ مع الأدلة الكثيرة التي ساقها
لهم ؛ لأنها كلها لا تدل إلا على الكفر العملي . ولذلك لجأ أخيراً إلى أن يتساءل:
هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان ؟
١٣٦
وإن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول
بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة ، فأين الجواب عن كون الصلاة شرطاً
لصحة الإيمان؟ أي : ليس فقط شرط كمال ؛ فإن الأعمال الصالحة كلها شرط
كمال عند أهل السنة ؛ خلافاً للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في
النار؛ مع تصريح الخوارج بتكفيرهم ، فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان ،
وأن تاركها مخلد في النار ؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا ، وأخطر من
ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه .
ولعل ابن القيم رحمه الله بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ
بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة ؛ وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان
من جهة أخرى .
وعليه ؛ فتارك الصلاة کسلاً لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل -
على أن كفره كفر اعتقادي ، فهو في هذه الحالة فقط يكفر كفراً يخرج به من الملة ؛
كما تقدمت الإشارة بذلك مني . وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا
الفصل) ؛ فإنه قال :
((ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها
على رؤوس الملأ ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه ، ويشد للقتل ، وعصبت عيناه ،
وقيل له : تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول : اقتلوني ولا أصلي أبداً !)).
قلت : وعلى مثل هذا المُصِرِّ على الترك والامتناع عن الصلاة - مع تهديد
الحاكم له بالقتل - يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفِّر للتارك ، وبذلك تجتمع
أدلتهم مع أدلة المخالفين ، ويلتقون على كلمة سواء: أن مجرد الترك لا يكفّر؛ لأنه
١٣٧
كفر عملي لا اعتقادي ؛ كما تقدم عن ابن القيم ، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله - أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل -، فقال في ((مجموع
الفتاوى)) (٤٨/٢٢) - وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في
تلك الحال؟
فأجاب رحمه الله ببحث طويل ملئ علماً ؛ لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه
بحديثنا هذا ؛ فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يُقتل عند جمهور العلماء : مالك
والشافعي وأحمد ؛ قال - :
((وإذا صَبَر حتى يقتل؛ فهل يقتل كافراً مرتداً؛ أو فاسقاً كفساق المسلمين؟
على قولين مشهورين حُكيا روايتين عن أحمد ؛ فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن
معتقداً لوجوبها ؛ يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي ، هذا لا يعرف من
بني آدم وعادتهم ، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام ، ولا يعرف أن أحداً يعتقد
وجوبها ؛ ويقال له : إن لم تصلِّ وإلا قتلناك . وهو يصر على تركها مع إقراره
بالوجوب ، فهذا لم يقع قط في الإسلام .
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرّاً بوجوبها
ولا ملتزماً بفعلها ، فهذا كافر باتفاق المسلمين ؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة
بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة ؛ كقوله { 18: ((ليس بين العبد وبين
الكفر إلا ترك الصلاة)). رواه مسلم ... فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا
يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط ؛ مسلماً مقرّاً بوجوبها ، فإن اعتقاد الوجوب ،
واعتقاد أن تاركها يستحق القتل ؛ هذا داع تامٌّ إلى فعلها ، والداعي مع القدرة يوجب
وجود المقدور، فإن كان قادراً ولم يصل قَط ؛ عُلم أن الداعي في حقه لم يوجد ،
والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل . لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور
١٣٨
توجب تأخيرها ، وترك بعض واجباتها ، وتفويتها أحياناً . فأما من كان مصراً على
تركها لا يصلي قط ، ويموت على هذا الإصرار والترك ؛ فهذا لا يكون مسلماً .
لكن أكثر الناس يصلون تارة ، ويتركونها تارة ، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها ،
وهؤلاء تحت الوعيد ، وهم الذين جاء فيهم الحديثُ الذي في ((السنن))، حديثُ
عبادة عن النبي :{ ؛ أنه قال: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم
والليلة ؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ، ومن لم يحافظ
عليهن لم يكن له عهد عند الله ؛ إن شاء عذبه ؛ وإن شاء غفر له))(١) .
فالمحافظ عليها : الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى .
والذي يؤخرها (الأصل : ليس يؤخرها) أحياناً عن وقتها ، أو يترك واجباتها ؛
فهذا تحت مشيئة الله تعالى . وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في
الحديث))(٢).
وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضاً؛ الذي شهر عنه بعض أتباعه
المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل ، وكلامه يدل على خلاف ذلك ؛
بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح ، كيف وهو قد أخرجه في ((مسنده) كما أخرج
حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟! فقد ذكر ابنه عبدالله في ((مسائله)) (ص٥٥) قال :
(١) حديث صحيح مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٤٥١ و١٢٧٦).
(٢) يشير - رحمه الله - إلى قوله ، له: ((أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم
الصلاة ؛ يقول ربنا عز وجل لملائكته - وهو أعلم -: انظروا ؛ في صلاة عبدي أنّها أم نقصَها؟ فإن
كانت تامة كُتبت له تامة ، وإن كان انتقص منها شيئاً قال : انظروا ؛ هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له
تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم)).
وهو حديث صحيح، مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٨١٠) . (الناشر) .
١٣٩
((سألت أبي رحمه الله عن ترك الصلاة متعمداً؟ قال :
والذي يتركها لا يصليها ، والذي يصليها في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثاً؛ فإن
صلى وإلا ضربت عنقه ، هو عندي بمنزلة المرتد .. )) .
قلت : فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة ، وإنما
بامتناعه من الصلاة مع علمه بأنه سيقتل إن لم يصلِّ ، فالسبب هو إيثاره القتل
على الصلاة ، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي ، فاستحق القتل .
ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية - جد شيخ الإسلام ابن تيمية - في كتابه
(المحرر في الفقه الحنبلي)) (ص٦٢):
((ومن أخّر صلاة تكاسلاً لا جحوداً أُمر بها؛ فإن أصر حتى ضاق وقت
الأخرى ؛ وجب قتله)) .
قلت : فلم يكفر بالتأخير ، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود . ولذلك قال
الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في ((مشكل الآثار)) في بابٍ عقده في هذه
المسألة، وحكى شيئاً من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر؛ قال (٢٢٨/٤) :
((والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي ، ولا نأمر كافراً أن يصلي ، ولو كان بما
كان منه كافراً لأمرناه بالإسلام ، فإذا أسلم أمرناه بالصلاة ، وفي تركنا لذلك وأمرنا
إياه بالصلاة؛ ما قد دل على أنه من أهل الصلاة، ومن ذلك أمر النبي ﴿ الذي
أفطر في رمضان يوماً متعمداً بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام ؛ لا يكون الصيام
إلا من المسلمين . ولما كان الرجل يكون مسلماً إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما
يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس ، ومن صيام رمضان كان كذلك ، ويكون
كافراً بجحوده لذلك ، ولا یکون كافراً بتركه إياه بغير جحود منه له ، ولا يكون
١٤٠