النص المفهرس
صفحات 101-120
قلت : وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ عمر بن قيس هو المعروف بـ (سندل) ، وهو
متروك .
وقد رواه ابن وهب عن شیخین آخرین مرسلاً .
١ - فقال: أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح : أن رسول الله
رخَّص لرعاء الإبل أن يرموا الجمار بالليل .
أخرجه البيهقي . وهذا إسناد صحيح مرسل إن كان ابن جريج سمعه من
عطاء - كما هو الظنُّ الراجح - .
٢ - وقال أيضاً: أخبرني يحيى بن أيوب عن عمارة بن غَزِيَّة عن محمد بن
إبراهيم عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن النبي # مثله .
أخرجه البيهقي أيضاً .
وهذا إسناد صحيح مرسل رجاله رجال ((الصحيح)).
ويشهد له مسند مسلم بن خالد : ثنا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ؛
مثل حديث ابن جريج .
أخرجه البزار في «مسنده)) (١١٣٩/٣٢/٢)، والبيهقي أيضاً.
قلت : وهذا إسناد جيد عندي في الشواهد ، رجاله كلهم رجال مسلم ؛ غير
مسلم بن خالد وهو الزَّنجي ، وهو فقيه صدوق كثير الأوهام ؛ كما قال الحافظ ،
ونحوه قول الذهبي :
((صدوق يهم)) .
وأما قول ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) متعقباً البيهقيَّ بقوله:
١٠١
((قلت : ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث وسكت عنها ، ولا يحتج بشيء
منها .. )) .
ثم أعل المسنَدَين بعمر ومسلم ، والمرسَلَيْن بالإرسال ، وهذا تعقب مخالف
للأصول ؛ فإن قوله : «ولا يحتج بشيء منها)» يصدق علی کل حديث قوي بمجموع
طرقه ؛ مفرداتها ضعيفة ضعفاً يسيراً كما هنا ؛ باستثناء طريق عمر بن قيس ،
فالتضعيف والحالة هذه مخالف لما عليه العلماء قاطبة من تقوية الأحاديث
بالمتابعات والشواهد ، وهذا أمر واضح جدّاً عند كل من شم رائحة هذا العلم
الشريف ، وبخاصة على قواعد الحنفية الذين يرون الاحتجاج بالحديث المرسل
مطلقاً ؛ سواءً جاء مسنداً من طريق أخرى أو لا ؛ خلافاً لمذهب الشافعي الذي
يحتج بالحديث المرسل إذا جاء موصولاً من طريق آخر كما هنا ، فالحديث صحيح
على المذهبين ؛ لولا التعصب وحب التعقب !
وقد تقدّم الحديثُ في هذه ((السلسلة)) (٢٤٧٧) .
٣٠٤٧ - (أرأيتَ لو كانَ على أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضِيَهُ؟ قال : نَعَمْ.
قالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيكَ) .
أخرجه ابن حبان (٣٩٧١/١٢١/٦ - الإحسان) من طريق حكيم بن سيف ،
والطحاوي في ((المشكل)) (٢٢١/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٣٣٢/١٥/١٢)
من طريقين آخرين ؛ ثلاثتهم عن عبيدالله بن عمرو عن الأعمش عن مسلم البَطِين
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :
أن رجلاً أتى النبي ◌َ الله فقال: إن أبي مات ولم يحج ؛ أفأحج عنه؟ قال ...
فذكره .
١٠٢
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات رجال الشيخين .
ثم أخرجه ابن حبان (٣٩٨٣ و٣٩٨٦) من طريقين عن أبي الأحوص عن
سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال ... فذكره نحوه ؛ إلا أنه قال :
((إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ؛ أفأحج عنه؟ قال :
«نعم ؛ فحج عنه)) .
ورجاله ثقات ؛ لكنْ سماكٌ مضطرب الحديث عن عكرمة ، فلا يحتج به إلا
في المتابعات والشواهد، وقد توبع في الطريق الأولى؛ إلا في قوله: ((لا يستطيع
الحج)) ، وقد جاء من طريق أخرى ؛ فقال محمد بن كُريب عن أبيه عن ابن عباس
قال : أخبرني حُصین بن عوف قال :
قلت : يا رسول الله ! إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج ... الحديث.
أخرجه ابن ماجه (٢٩٠٨)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد)) (٢٥٢١/٤٦٨/٤)،
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٥٤٨/٣١/٤ و٣٥٤٩).
ومحمد بن کریب ضعيف .
وله عند الطبراني (٣٥٥٠) طريق أخرى عن الحصين .
وسنده ضعيف أيضاً .
لكن له شاهد صحيح من حديث أبي رَزِين ، انظره في ((المشكاة)) (٢٥٢٨).
ويغني عن ذاك الضعيف حديث ابن عباس عن أخيه الفضل - المتفق عليه -،
وإن كان فيه أن السائل المرأة الخشعمية ، فالخطب في ذلك سهل ، ولا سيما وفي
بعض الروايات أن السائل رجل ، وجمع الحافظ بينهما بما تراه في (الفتح)) (٦٨/٤)،
١٠٣
وفي بعض ما ذكره نظر عندي؛ لا مجال لذكره الآن، والمهم أن جوابه مثَ ◌ّهه واحد
في كل هذه الروايات ، وسواء بعد ذلك أكان السائل رجلاً أو امرأة ، والمسؤول عنه أباً
أو أمّاً؛ فلا يلحق بهما غيرهما ؛ إلا إذا كان معذوراً وأوصى كما هو مذهب مالك ،
وعليه يحمل حديث شبرمة ، وتفصيل هذا لا مجال له الآن .
ثم رأيت للحديث طريقاً آخر ، يرويه ابن إسحاق : حدثني خالد بن كثير أن
عطاء بن أبي رباح حدثه أن عبدالله بن عباس حدثه :
أن رجلاً سأل رسول الله محطة عن الحج عن أبيه؟ قال :
((احجج عنه ؛ ألا ترى أنه لو كان عليه دين .. )) الحديث .
أخرجه الدارقطني (١١٤/٢٦٠/٢).
قلت : إسناده حسن .
ويزيده قوة أنه رواه من طريق شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء .
ثم أخرج له شاهداً من حديث عَبَّاد بن راشد: نا ثابت عن أنس بن مالك :
أن رجلاً سأل النبي ◌َظية فقال :
هلك أبي ولم يحج؟ قال: ((أرأيت .. )) الحديث .
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٧٤٨/٢٣١/١) و((الأوسط))
(٩٨/١/٨/١) وقال:
((لم يروه عن ثابت إلا عباد)).
كذا قال ! وقد توبع كما يأتي ، وهو صدوق له أوهام من رجال البخاري ، فهو
١٠٤
إسناد حسن ، ويرتقي إلى الصحة بمتابعة صدقة بن موسى عن ثابت به .
أخرجه البزار في «مسنده» (١١٤٤/٣٦/٢)، وقال :
((لا نعلم رواه عن ثابت إلا صدقة ، وهو بصري ، ليس به بأس ، ولم يتابع
على هذا ، واحتمل حديثُه)) .
كذا قال ! فهو في جانب ، وقول الطبراني في جانب ، وصدق الله: ﴿وَمَا
أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً﴾ [الإسراء/٨٥] .
وقد تعقبه الحافظ في ((مختصر الزوائد» (٧٩/٤٦٨/١/١) بقوله :
((قلت : بل هو ضعيف ؛ لكن توبع)) .
كذا جزم هنا بضعفه - وهو صدقة الدقيقي -. ونحوه قول الذهبي في ((الكاشف)):
((ضُعّف)) .
وقال الحافظ في «التقريب)):
(صدوق له أوهام)) .
٣٠٤٨ - (كانَ رجلٌ مِمَّنْ كانَ قبلَكُم لم يعملْ خيراً قَطُّ ؛ إلا
التوحيدَ ، فَلَمَّا احْتُضرَ قالَ لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أنْ يُحرِّقُوهُ حتى
يَدَعُوه حُمَماً ، ثم اطحنُوهُ ، ثم اذْرُوهُ في يومٍ ريحٍ ، [ثم اذْرِوا نصفَهُ في
البَرِّ، ونصفَهُ في البحرِ ، فواللهِ؛ لئنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيهِ لَيُعَذَّبِنَّهُ عذاباً لا
يُعَذَّبُهُ أحداً منَ العالَمِينَ]، فلما ماتَ فَعَلُوا ذلكَ بهِ ، [فَأَمَرَ اللهُ البَرِّ
فَجَمَعَ ما فيهٍ ، وأمرَ البحرَ فَجَمَعَ ما فيهِ] ، فإذا هو [قائمٌ] في قَبْضَةِ اللهِ ،
١٠٥
فقالَ اللّهُ عزَّ وجلَّ : يا ابنَ آدمَ ! ما حَمَلَكَ على ما فَعَلْتَ؟ قال : أَيْ
رَبُّ! مِنْ مَخَافَتِكَ (وفي طريق آخر: مِنْ خَشْيَتِكَ وأَنْتَ أَعْلَمُ) ، قال :
فَغَفَرَ له بها ، ولَمْ يَعْمَلْ خيراً قَطُ إلا التوحيدَ) .
أخرجه أحمد (٣٠٤/٢): ثنا أبو كامل : ثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع
عن أبي هريرة عن النبي لة . وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي
قلت : وهذا إسناد صحيح متصل عن أبي هريرة ، رجاله ثقات رجال مسلم ؛
غير أبي كامل ، وهو مظفر بن مدرك الخراساني ، وهو حافظ ثقة اتفاقاً .
وحماد هو ابن سلمة ، وله في هذا الحديث إسنادان آخران :
أحدهما : عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبدالله بن وائل عن عبدالله
ابن مسعود رضي الله عنه :
أن رجلاً لم يعمل من الخير شيئاً قط إلا التوحيد .. الحديث.
أخرجه أحمد (٣٩٨/١) هكذا موقوفاً (١). وهو في حكم المرفوع كما لا يخفى ،
وكأنَّ أحمد رحمه الله أشار إلى ذلك بأن عقب عليه بإسناده إياه من طريق حماد
عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﴿، قال: بمثله .
والآخر: عن أبي قَزَعة عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله عَ ◌ٍّ قال:
((إن رجلاً كان فيمن كان قبلكم رَغَسَهُ الله تبارك وتعالى مالاً وولداً حتى
(١) وكذلك رواه أبو يعلى (٥١٠٥) من طريق آخر عن ابن مسعود موقوفاً. وسنده حسن في
الشواهد .
١٠٦
ذهب عصر وجاء عصر ، فلما حضرته الوفاة قال : أيْ بَنِيَّ ! أيَّ أب كنت لكم؟
قالوا : خيرَ أب . قال : فهل أنتم مُطيعِيَّ؟ قالوا: نعم . قال : انظروا : إذا مت أن
تحرقوني حتى تدعوني فحماً، قال رسول الله عَ ليه: ففعلوا ذلك. ثم اهرسوني
بالمهراس - يومئ بيده -، قال رسول الله ◌َ ةٍ: ففعلوا - والله ! - ذلك. ثم اذروني
في البحر في يوم ريح؛ لعلِّي أُضِلُّ اللهَ تبارك وتعالى. قال رسول الله عَّةٍ: ففعلوا
- والله ! - ذلك ، فإذا هو في قبضة الله تبارك وتعالى ، فقال : يا ابن آدم! ما
حملك على ما صنعت؟ قال : أي رب ! مخافتك . قال: فتلافاه الله تبارك
وتعالی بها)) .
أخرجه أحمد (٤٤٧/٤ و٣/٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير» (١٩/
١٠٧٣/٤٢٧) .
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات .
وأقول : إن رواية حماد بن سلمة لهذا الحديث بأسانيد ثلاثة عن ثلاثة من
الصحابة مما يدل على أنه كان من كبار الحفاظ ؛ كما يدل على أن الحديث كان
مشهوراً بين الأصحاب . ويؤكد هذا أنه جاء عن أبي هريرة من طرق أخرى ، وعن
صحابة آخرين .
أما الطرق عن أبي هريرة :
١- فرواه أبو الزناد عن الأعرج عنه مرفوعاً نحوه .
أخرجه مالك (٢٣٨/١)، ومن طريقه: البخاري (٧٥٠٦)، ومسلم (٩٧/٨)،
والخطيب في ((التاريخ)) (٣٨٩/٤)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٣٨/١٨)، كلهم
عن مالك به . والزيادات والطريق لمسلم .
١٠٧
٢- الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به .
أخرجه البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٩٧/٨ -٩٨)، والنسائي (٢٩٤/١)،
وابن ماجه (٤٢٥٥)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٥٤٨/٢٨٣/١١)، وأحمد
(٢٦٩/٢)، وابن صاعد في ((زوائد الزهد)) (١٠٥٦/٣٧٢).
وأما الصحابة :
يقول ... فذكر
١ و ٢ - حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعته
نحوه . قال عقبة بن عمرو :
وأنا سمعته يقول ذاك ، وكان نباشاً .
أخرجه البخاري (٣٤٥٢)، وأحمد (٣٩٥/٥)، والبيهقي في ((الشعب))
(٧١٦٠/٤٣٠/٥)، والطبراني (٢٣١/١٧ - ٢٣٥).
ورواه النسائي، وابن حبان (٦٥٠/٢٢/٢) عن حذيفة وحده ، وهو رواية
للبخاري (٦٤٨٠) .
٣- أبو سعيد الخدري عن النبي
: : أنه ذكر رجلاً فيمن سلف .. الحديث
نحوه ، وفيه :
((وإنْ يقدِرِ اللهُ عليه يعذِّبْه)) .
وفيه :
(«فأخذ مواثيقهم على ذلك)).
أخرجه البخاري (٦٤٨١ و٧٥٠٨)، ومسلم ، وابن حبان (٦٤٩) ، وأحمد
(٦٩/٣ - ٧٠ و٧٧ - ٧٨)، وابن عبدالبر (٣٩/١١)، والطبراني (٣٠٦/٦).
١٠٨
وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٠٠١/٢٨٤/٢ و٥٠٥٥/٤٦٩/٨) من طريق
أخرى ضعيفة عن أبي سعيد به مختصراً .
٤- سلمان رضي الله عنه :
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير)) (٦١٢٣/٣٠٦/٦) عقب حديث أبي
سعيد الخدري ، وأحال في لفظه عليه ، فقال :
((نحوه ، وقال: اذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر)).
وكذلك رواه البخاري (٦٤٨١) في آخر حديث أبي سعيد أيضاً ، ولكنه لم
يذكر هذه الزيادة بتمامها ، وهي ثابتة في حديث أبي هريرة - كما تقدم - من
الطريق المتفق عليه ، فلا ريب في صحتها .
واعلم أن قوله في حديث الترجمة : ((إلا التوحيد)) مع كونها صحيحة
الإسناد ، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبدالبر من حيث الرواية ، وإن كان قد جزم
بصحتها من حيث الدراية ، فكأنه لم يقف على إسنادها ؛ لأنه علقها على أبي
رافع عن أبي هريرة ، فقال رحمه الله (٤٠/١٨) :
((وهذه اللفظة - إن صحت - رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل ، وإن لم
تصح من جهة النقل ؛ فهي صحيحة من جهة المعنى ، والأصول كلها تعضدها ،
والنظر يوجبها ؛ لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله عز
وجل قد أخبر أنه ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لمن مات كافراً، وهذا ما لا مدفع له ،
ولا خلاف فيه بين أهل القبلة .
والدليل على أن الرجل كان مؤمناً قوله حين قيل له: ((لم فعلت هذا؟)) فقال:
((من خشيتك يا رب!)). والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق ، بل ما تكاد تكون إلا
١٠٩
لمؤمن عالم؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّما يخشى اللهَ مِنْ عباده العُلَماءُ﴾ ، قالوا :
كل من خاف الله فقد آمَنَ به وعَرَفَه ، ومستحيل أن يخافه من لا يُؤْمِنُ به . وهذا
واضح لمن فهم وأُلهم رشده .
وأما قوله: ((لئن قدر الله علي))؛ فقد اختلف العلماء في معناه ؛ فقال منهم
قائلون : هذا رجل جهل بعض صفات الله عز وجل ، وهي القدرة ، فلم يعلم أن الله
على كل ما يشاء قدير، قالوا : ومن جهل صفة من صفات الله عز وجل ، وآمن بسائر
صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافراً . قالوا : وإنما الكافر مَنْ عاند
الحق لا مَنْ جَهِلَهُ . وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين .
وقال آخرون: أراد بقوله: ((لئن قدر الله علي)) من القدر الذي هو القضاء،
وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء . قالوا: وهو مثل قول الله عز وجل في
ذي النون: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ .
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان :
أحدهما : أنها من التقدير والقضاء .
والآخر : أنها من التقتير والتضييق .
وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في
قوله: ((لئن قدر الله علي))، فأحد الوجهين تقديره : كأن الرجل قال : لئن كان
سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ؛ ليعذبني الله على
إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيري .
والوجه الآخر: تقديره : والله ! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي
علی ذنوبي لیکونن ذلك . ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه .
١١٠
وأما جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره ؛ فليس ذلك
بمخرجه من الإيمان ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من
الصحابة سألوا رسول الله ◌َ ، عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم
جاهلون به ، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك
كافرين ، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين .
وروى الليث عن أبي قبيل عن شُفَيَّ الأصبحي عن عبدالله بن عمرو بن
العاص - فذكر حديثاً في القدر ، وفيه: فقال أصحاب رسول الله { ل : فأي شيء
نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه؟(١) -، فهؤلاء أصحاب رسول الله بمايلي : - وهم العلماء
الفضلاء - سألوا عن القدر سؤال متعلِّم جاهل ؛ لا سؤال متعنِّت معاند ، فعلَّمهم
رسول الله يڼ ما جهلوا من ذلك ، ولم یضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه ، ولو كان
لا يسعهم جهله وقتاً من الأوقات ؛ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان ، وأخذ ذلك
عليهم في حين إسلامهم ، ولجعله عموداً سادساً للإسلام ، فتدبر واستعن بالله .
فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته ، وقد أديت اجتهادي
في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آلُ ، وما أبرئ نفسي ، وفوق كل ذي علم
عليم . وبالله التوفيق)) .
هذا كله كلام الحافظ ابن عبدالبر ، وهو كلام قوي متين يدل على أنه کان
إماماً في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها ، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين
خيراً .
(١) رواه أحمد والترمذي وصححه، وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٨٤٨)، و((المشكاة)) (٩٦)،
وحديث عمران الذي أشار إليه متفق عليه ، وهو مخرج في ((ظلال الجنة)) (٤١٢ و٤١٣) ، وفيه
حديث عمر (١٧٠) .
١١١
وخلاصته ؛ أن الرجل النباش كان مؤمناً موحِّداً ، وأن أَمْرَهُ أولادَهُ بحَرْقِهِ ...
إنما كان إما لجهله بقدرة الله تعالى على إعادته - وهذا ما أستبعده أنا - أو لفرط
خوفه من عذاب ربه ، فغطى الخوف على فهمه ؛ كما قال ابن الملقن فيما ذكره
الحافظ (٣١٤/١١)، وهو الذي يترجح عندي من مجموع روايات قصته ، والله
سبحانه وتعالى أعلم .
وسواء كان هذا أو ذاك ؛ فمن المقطوع به أن الرجل لم يصدر منه ما ينافي
توحيده، ويخرج به من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لما غفر الله
له ؛ كما تقدم تحقيقه من ابن عبدالبر .
ومن ذلك يتبين بوضوح أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع
الكفر عليه وأحاط به . ومن الأمثلة على ذلك : الرجل الذي كان قد ضلت
راحلته ، وعليها طعامه وشرابه ، فلما وجدها قال من شدة فرحه :
((اللهم ! أنت عبدي وأنا ربك))(١) !
وفي ذلك كله رد قوي جدّاً على فئتين من الشباب المغرورين بما عندهم من
علم ضحل :
الفئة الأولى : الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقاً ، حتى
ألَّف بعضُ المعاصرين منهم رسالة في ذلك ! والصواب الذي تقتضيه الأصول
(١) رواه مسلم (٩٣/٨)، ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة)) (٨٧/٥) وصححه من حديث
أنس ، وعزاه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٥/٤) لمسلم من حديث النعمان بن بشير أيضاً
بزيادة ((اللهم! أنت .. ))، وهو وهم؛ فإنه عنده دون الزيادة ، وكذلك أخرجه أحمد (٢٧٣/٤ و٢٧٥)
عن النعمان ، والبخاري ، ومسلم أيضاً من طريق أخرى عن أنس مختصراً ، وأخرجاه من حديث ابن
مسعود مطولاً ؛ غير أن البخاري أوقفه . ومسلم ، وابن حبان (٦٢٠/٩/٢ - الإحسان) ، وأحمد
(٣١٦/٢ و٥٠٠) عن أبي هريرة مختصراً نحو روايتهما عن أنس .
١١٢
والنصوص التفصيل ؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جوٍّ إسلاميٍّ علميّ
مصفى ، وجهل من الأحكام ما كان منها معلوماً من الدين بالضرورة - كما
يقول الفقهاء - فهذا لا يكون معذوراً؛ لأنه بلَغَتْهُ الدعوة وأقيمت الحجة . وأما
من كان في مجتمع كافر لم تبلغه الدعوة ، أو بلَغَتْه وأسلم؛ ولكن خفي عليه
بعض تلك الأحكام لحداثة عهده بالإسلام ، أو لعدم وجود من يبلغه ذلك من
أهل العلم بالكتاب والسنة ؛ فمثل هذا يكون معذوراً . ومثله - عندي - أولئك
الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة
والخرافة ، وغلب عليها الجهل ، ولم يوجد فيهم عالم يبين لهم ما هم فيه من
الضلال ، أو وجد ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره ؛ فهؤلاء أيضاً
معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم ؛ لقوله
تعالى: ﴿لأُنْذِ رِكُمْ بِهِ ومَنْ بَلَغَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً﴾، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرّع منها تبنّي العلماء عدم مؤاخذة أهل
الفترة ؛ سواءً كانوا أفراداً أو قبائل أو شعوباً؛ لاشتراكهم في العلة ؛ كما هو ظاهر
لا يخفى على أهل العلم والنُّهى .
ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة
على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام ،
ثم هم مع ذلك يَدَعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح
للإسلام، ولسان حالهم يقول - كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة -: ((دعوا
الناس في غفلاتهم)» ! بل وزعم أنه حديث شريف !! أو يقولون - كما تقول العوام
في بعض البلاد -: ((كل مين على دينه ، الله يعينه))! وهذا خطأ جسيم لو كانوا
يعلمون، ولكن صدق من قال : «فاقد الشيء لا يعطيه)» !
١١٣
والفئة الثانية : نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزراً
يسيراً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالأصول الفقهية ، والقواعد العلمية المستقاة
من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ، ومع ذلك ؛ اغتروا بعلمهم
فانطلقوا يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء ، وربما كفَّروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم،
لا يرقبون فيهم ﴿إِلاَّ ولا ذِمَّةً﴾، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء
من الإيمان والصلاح والعلم ، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به
صاحبه من الإيمان ؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال
تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جاءتهُمْ آيَاتُنا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سحرٌ مُبينٌ .
وجَحَدُوا بِها واسْتَيقَنتها أَنْفُسُهُم﴾ [النمل/١٣ - ١٤]. وقال في الذين كفروا
بالقرآن : ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُم فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بما كانُوا بِآيَاتِنا
يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت/٢٨]. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه
(٤٣٤/١٦ - مجموع الفتاوى) :
((لا يجوز تكفير كل من خالف السنة ؛ فليس كل مخطئ كافراً؛ لا سيما في
المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة)).
يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق ، ورؤية الله في الآخرة ،
واستواء الله على عرشه ، وعلوه على خلقه ؛ فإن الإيمان بذلك واجب ، وجحدها
كفر ، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت
لهم ؛ إلا من أقیمت عليه الحجة وعاند .
وهذا هو المثال بين أيدينا : الرجل النباش؛ فإنه مع شكه في قدرة الله على
بعثه غفر الله له ؛ لأنه لم يكن جاحداً معانداً؛ بل كان مؤمناً بالله وبالبعث على
الجملة دون تفصيل لجهله . قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية
١١٤
((الصحيح)) وذكر أنه حديث متواتر (٤٩١/١٢) :
(«وهنا أصلان عظيمان :
أحدهما : متعلق بالله تعالى ؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير .
والثاني : متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ، ويجزيه
على أعماله . ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة ، ومؤمناً باليوم الآخر في
الجملة ، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت ، وقد عمل عملاً صالحاً - وهو خوفه
من الله أن يعاقبه على ذنوبه - ؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر
والعمل الصالح)» .
ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم ، وأن
يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه ، وأن لا يغتروا بأنفسهم ، ويعرفوا حق العلماء
وأسبقيتهم فيه ، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن
تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ، وألفِتُ نظرهم إلى ((مجموع الفتاوى)) فإنه ((كُنَيْف
مُلِئَ علماً) ، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسألة الهامة (التكفير) ، حيث فرَّق
بين التكفير المطلق وتكفير المعين ، وقال في أمثال أولئك الشباب :
((ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير
المطلق لا يستلزم تكفير المعين ؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع . يبين هذا أن
الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم
بهذا الكلام بعينه)) .
يعني الذين كانوا يقولون : القرآن مخلوق . ومن قال : إن الله لا يُرى في
الآخرة ، وأمثالهم .
١١٥
فأقول : وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام ، ولذلك فإني
أحث الشباب على قراءته وتفهمه من ((المجموع)) (٤٦٤/١٢ - ٥٠١) الذي ختمه
بقوله :
((وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم
عليه أنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه ؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة
الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل ، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها
كفر. (يعني : الدعاة إلى البدعة) .
وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين) ؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من
بعض ، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض . فليس لأحد أن
يكفر أحداً من المسلمين - وإن أخطأ وغلط - حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له
المحجة ، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة
الحجة وإزالة الشبهة)) .
هذا ؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان
فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال ؛ كالصلاة ونحوها من
الأركان العملية ، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة ؛ أن الله يأمر
الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان . ويؤكد ذلك
حديث أبي سعيد الخدري أن الله تبارك وتعالى يخرج من النار ناساً لم يعملوا
خيراً قط . ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك ، وأنه من الأدلة الصريحة
الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد
فيها ، فانظره بالرقم (٣٠٥٤) .
١١٦
٣٠٤٩ - (رُدُّوهُ على صاحبِهِ (يعني: التمرَ الريانَ)، فَبِيعُوهُ (يعني:
التمرَ الرديءَ) بعينِ، ثم ابتاعوا التمرَ) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)» (١٣٩٣/٢/٧٥/١): حدثنا أحمد
قال : نا محمد بن الحسن بن تسنيم قال : ناروح بن عبادة ، قال : نا أبو الفضل
كثير بن يسار قال : نا ثابت البناني قال : نا أنس بن مالك :
أن رسول الله # أتي بتمر ريان ، فقال:
((أنى لكم هذا؟)) .
فقالوا : كان عندنا تمر بعل ، فبعنا صاعين بصاع ، فقال رسول الله
فذكره .
وأخرجه البزار في «مسنده)) (١٣١٧/١٠٨/٢): حدثنا محمد بن معمر : ثنا
روح بن عبادة به ، دون قوله: ((بعين، ثم .. )). وقال الطبراني :
((لم يروه عن ثابت إلا كثير أبو الفضل، تفرد به روح)).
قلت : هو ثقة من رجال الشيخين ، وكذا ثابت .
وأما كثير بن يسار أبو الفضل ، فقد روى عنه جمع من الثقات؛ كما في ((تهذيب
الحافظ))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣٣١/٥ و٣٥٠/٧)، فالسند صحيح .
ثم رأيت الحديث قد أخرجه البخاري في ترجمة كثير هذا من ((التاريخ))
(٢١٤/١/٤) من طريق عبد الله بن أبي الأسود: ناروح بن عبادة قال : ثنا كثير بن
يسار أبو الفضل - قال عبدالله : وأثنى عليه سعيد بن عامر خيراً - قال : أخبرنا
ثابت به .
١١٧
قلت : وهذه فائدة من عبدالله - وهو ابن محمد بن أبي الأسود البصري ، من
شيوخ البخاري -، وهو ثقة حافظ .
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مثله .
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢٣٤/٢)، وأحمد (٤٥/٣) من طريق
سعيد بن المسيب عنه .
وإسناده صحيح .
وأخرجه مسلم (٤٨/٥)، والبيهقي (٢٩٦/٥) من طريق أبي نضرة عنه نحوه .
وأخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى عن سعيد بن المسيب عن أبي
سعيد وأبي هريرة معاً نحوه أتم منه ، وهو مخرج في ((إرواء الغليل)) (١٣٤٠/١٩٠/٥)،
و(«أحاديث البيوع» .
(تنبيهات) :
الأول : (أحمد) شيخ الطبراني الراوي عن (محمد بن الحسن بن تسنيم) هو
(أحمد بن محمد بن صدقة أبو بكر البغدادي) ، وهو ثقة حافظ ، وشيخه (محمد
ابن الحسن بن تسنيم) صدوق ، ولذلك حسن إسناده الهيثمي كما يأتي .
وتداخل اسمه في اسم شيخه فصار ابناً له في مصورة ((مجمع البحرين» هكذا :
(أحمد بن محمد بن الحسن بن تسنيم) ! ولم يتنبه لذلك محققه ، فوقع كذلك
في مطبوعته (٢٠٢٧/٢٠/٤)! وترتب عليه أنه لم يجد ترجمته ، ولا وجد
الحديث في ((المعجم الأوسط)) !
وأيضاً فقد وقع في تعليقه هو عليه تحريف وسقط لما ترجم لـ (كثير بن يسار) ،
١١٨
فقال : ((وقال ابن حجر: أثنى عليه كثيراً)) !
الثاني : أورد الحديث الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١١٣/٤) برواية البزار
المختصرة ، وقال عقبها :
((رواه الطبراني في ((الأوسط))؛ إلا أنه قال: ((ردوه على صاحبه فبيعوه بعين،
ثم ابتاعوا التمر)) . وإسناده حسن)).
فسقط من الطابع ذكر البزار، فالصواب :
(رواه [البزار، و] الطبراني .. )).
ولم يتنبه لهذا السقط الدكتور الطحان في تعليقه على («المعجم الأوسط»
(٢٣١/٢)، فنقله كما رآه في ((المجمع)) دون أي تعليق عليه ! وكذلك فعل من قبله
الشيخ الأعظمي في تعليقه على ((زوائد البزار)) للهيثمي ، ولكنه عقب عليه - ضِغْئاً
على إيَّالة - فقال (١٠٨/٢) :
((لم يعزه الهيثمي للبزار وعنده حرفاً بحرف)) !
وهذا مما يدل على بالغ غفلته، وإلا لما قال: (( .. حرفاً بحرف)) ورواية البزار
أمامه مختصرة عن رواية الطبراني ، وقد ذكرهما الهيثمي معاً؛ إلا أن الأولى لم
تقع معزوة للبزار خطأ مطبعيّاً ، فلو أنه تنبه لصنيع الهيثمي هذا لنجا من الوقوع في
هذين الخطأين: ((حرفاً بحرف))، و((لم يعزه الهيثمي)) !
ثالثاً : سقط من ((كشف الأستار)) قول البزار عقب الحديث :
((لا نعلم رواه عن ثابت إلا كثير)) .
وهو ثابت في ((مختصر الزوائد» للحافظ (٥١٧/١).
١١٩
كراهةُ النُّخاعةِ في المسجدِ وتَخْلِيقُهُ
٣٠٥٠ _ (ما أحسنَ هذا!).
أخرجه النسائي (١١٩/١)، وابن ماجه (٧٦٢) من طريق عائذ بن حبيب
عن حميد عن أنس :
أن النبي ◌َّ رأى نخامة في قِبْلة المسجد ، فغضب حتى احمرّ وجهه،
فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها ، وجعلت مكانها خَلوقاً ، فقال رسول الله
... فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، وحميد - وهو الطويل - وإن كان
رمي بالتدليس ؛ فقد ذكروا أن ما يرويه عن أنس بالعنعنة فإنما تلقاه عنه بواسطة
ثابت البناني الثقة .
٣٠٥١ - (حَضْرَمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ بني الحارِثِ).
أخرجه ابن عبدالحكم في ((فتوح مصر)) (ص١٢٤ - ١٢٥) من طريق ابن
لهيعة عن عتبة بن أبي حكيم عن ابن شهاب أن رسول الله ◌َّهٍ قال ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ضعيف مرسل ، ولكنه قد جاء موصولاً من حديث عمرو
ابن عَبَسة مرفوعاً به في حديث له في مدح بعض القبائل وذم أخرى .
أخرجه أحمد (٣٨٧/٤): ثنا أبو المغيرة : ثنا صفوان بن عمرو: حدثني شريح
ابن عبيد عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي عن عمرو بن عبسة السلمي . وأخرجه
الطبراني في ((مسند الشاميين)) (ص١٩٣).
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات .
١٢٠