النص المفهرس

صفحات 741-760

وعبد الله بن عبيد الله الهاشمي هو من طبقة عبد الله بن عبيد الله بن عباس
ابن عبد المطلب الهاشمي ، وهو ثقة من رجال الشيخين ، لكنهم لم يذكروا له رواية
عن عبد الله بن عكيم ، ولا ذكروا إبراهيم - وهو النخعي - في الرواة عنه .
وهيثم بن خالد ، وهو المصيصي، أورده الذهبي في (( الضعفاء))، وقال :
(( قال الدارقطني : ضعيف )).
وأقره الحافظ في ((التهذيب))، وجزم بضعفه في ((التقريب)).
لكن ؛ قد رواه شبيب بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال :
جاءنا كتاب رسول الله # ونحن في أرض جهينة :
((إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها ، فلا تنتفعوا بعصب
ولا إهاب )) .
أخرجه ابن عدي في ترجمة شبيب هذا من ((الكامل)) (٤ / ١٣٤٧)،
والطبراني أيضاً كما في (( التلخيص الحبير)) (١ / ٤٧)، وقال:
((إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في (الأوسط))).
قلت : فضالة لفظ حديثه يختلف عن هذا، فإنه بلفظ :
(( إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة ، فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا
عصب )) .
فذكر الجلد في الموضعين مكان الإهاب ، والمحفوظ (الإهاب)، وهو الجلد قبل
الدبغ، هكذا رواه جماعة عن شعبة به ، وهو مخرج في ((الإرواء)) (رقم ٣٨).
وفضالة بن مفضل قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٧٩) عن أبيه :
؛
٧٤١

..--
((لم يكن بأهل أن يكتب عنه العلم ، سألت عنه سعيد بن عيسى بن تليد؟
فتبطني عنه ، وقال : الحديث الذي يحدث به موضوع أو نحو هذا)).
واعلم أن حديث ابن عكيم هذا قد اختلف العلماء فيه رواية ودراية :
وأما رواية ، فقد أعله بعضهم بالإرسال والاضطراب ، وهو مردود لأنه إن سلم
به بالنظر لبعض الطرق ، فهو غير مسلم بالنسبة للطرق الأخرى، كما كنت بيَّنته
في المصدر المذكور آنفاً ، ولذلك قواه بعض المتقدمين ، ومنهم الإمام أحمد رحمه
الله تعالى، فقال ابنه صالح في ((مسائله )) (ص ١٦٠) :
((قال أبي : الله قد حرم الميتة ، فالجلد هو من الميتة ، وأذهب إلى حديث ابن
عكيم؛ أرجو أن يكون صحيحاً : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)).
قال أحمد :
(( وليس عندي في دباغ الميتة حديث صحيح ، وحديث ابن عكيم هو
أصحها ))!
كذا قال رحمه الله ، مع أنه قد ورد في الدباغ خمسة عشر حديثاً؛ ساقها
الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (١ / ٥٤) بعضها في (( الصحيحين))، وهي مخرَّجة
في ((غاية المرام)) (٢٥ - ٢٩).
وأما الدراية فقد اختلف العلماء في كون الدباغ مطهراً أم لا؟ والجمهور على
الأول ، واختلفوا في الجواب عن حديث الترجمة ، وأصح ما قيل إن الإهاب هو
الجلد الذي لم يدبغ ، فهو المنهي عنه ، فإذا دبغ فقد طهر . ومن شاء التفصيل
فليراجع (( نيل الأوطار)) وغيره .
٧٤٢
٠٠

٢٨١٣ - (أُوتي موسى عليه السلام الألواحَ، وأوتيتُ المثانيَ).
أخرجه الإسماعيلي في ((معجم شيوخه)) (ق ٨٢ / ١) : حدثنا أبو عبد الله
الحسين بن أحمد بن منصور - سجّادة - ببغداد : حدثنا أبو معمر : حدثنا جرير
عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي
قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير سجّادة
هذا، ترجمه الخطيب في (( التاريخ)) (٨ / ٤) برواية جمع من الحفاظ عنه، وقال:
((وكان لا بأس به)).
وأبو معمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهذلي ، وقد تابعه عثمان بن أبي
شيبة : ثنا جرير به أتم منه .
أخرجه أبو داود عنه ، والنسائي وغيره من طريق أخرى عن جرير به
مختصراً، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١٣١٢) .
وقد زعم بعض المعاصرين ممن كتبَ في فضل بعض السور أن حديث أبي
داود هذا موقوف ، وهو من أوهامه الظاهرة . والمعصوم من عصمه الله .
(تنبيه): حديث الترجمة كنت أوردته في ((ضعيف الجامع الصغير وزيادته))؛
لأنني لم أكن قد وقفت على إسناده ، ولذلك كنت بيّضت له فيه ، فلما وقفت
على إسناده، وتبين لي صحته ؛ بادرت إلى تخريجه هنا ، وقررت نقله إلى
((صحيح الجامع))، والله سبحانه وتعالى هو الموفق ، لا إله إلا هو.
٧٤٣

فرضت الصلاة في مكة ركعتين ركعتين والرد على المخالف
٢٨١٤ - ( أولُ ما فرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين ، فلما قدِم
المدينة صلى إلى كلِّ صلاةٍ مثلها غيرَ المغرب ؛ فإنّها وتر النهار، وصلاةَ
الصبح لطول قراءتها ، وكانَ إذا سافر عادَ إلى صلاته الأولى).
أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار)» (١ / ٢٤١) من طريق مُرَجّى بن رجاء
قال : ثنا داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن رجاله ثقات ؛ غير مرجى بن رجاء ، فإنه مختلف
فيه، وأورده الذهبي في ((المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد))، وقال (٣١٩/١٧٣):
((علق له البخاري ، جائز الحديث )).
وقد لخص كلام الأئمة فيه الحافظ، فقال في ((التقريب)):
« صدوق ، ربما وهم)).
قلت : قد قام الدليل على أنه قد حفظ ولم یھم ، بمتابع له معتبر وشاهد .
أما المتابع فهو محبوب بن الحسن : ثنا داود به .
أخرجه السراج في (( مسنده)) (ق ١٢٠ / ٢) من طريقين عنه ، وصححه ابن
خزيمة وابن حبان كما في ((تمام المنة)) (٣٠٤)، واحتج به الحافظ كما يأتي ،
ومحبوب هذا اسمه محمد ، ومحبوب لقبه ، قال ابن معین :
(( ليس به بأس )) .
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال النسائي: ((ضعيف)). وقال أبو حاتم :
(( ليس بالقوي)).
قلت : فمثله يستشهد به على الأقل ، وإلى ذلك أشار الحافظ بقوله :
٧٤٤

(( صدوق فيه لين)).
وتابعهما أبو معاوية الضرير - وهو ثقة - في ((مسند ابن راهويه)) (٩٣٣/٣ -
٩٣٤) ، لكنه لم يذكر فيه (مسروقاً) .
وبعضه في ((صحيح البخاري)) (٣٩٣٥)، و «أبي عوانة)) (٢ / ٢٨) وابن
راهويه (٢ / ١٠٧ / ٣١) من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة
مختصراً بلفظ :
وَّةٍ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة
((فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي
السفر على الأولى)).
وهو متفق عليه دون ذكر الهجرة ، وهو مخرّج في ((صحيح أبي داود)»
(١٠٨٢) .
وأما الشاهد، ففي (( المطالب العالية المسندة)) للحافظ ابن حجر (ق
٢٥ / ٢) :
((إسحاق (١) : قلت لأبي أسامة : أَحَدّثَكم سعد بن سعيد الأنصاري قال :
سمعت السائب بن يزيد يقول :
كانت الصلاة فرضت سجدتين سجدتين : الظهر والعصر ، فكانوا يصلون بعد
الظهر ركعتين ، وبعد العصر ركعتين ، فكتب عليهم الظهر أربعاً ، والعصر أربعاً ،
فتركوا ذاك حين كتب عليهم ، وأقرت صلاة السفر [ركعتين]، وكانت الحضر
أربعاً ؟ فأقرَّ به؛ وقال: نعم)).
وقال الحافظ :
(( هذا حديث حسن)).
(١) هو ابن راهويه الإمام الحافظ صاحب ((المسند)) المعروف به. وانظر الصفحة الآتية (٧٤٧).
٧٤٥

قلت : وإنما لم يصححه مع أن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، لأن سعداً
الأنصاري مختلف فیه ، قال أحمد :
((ضعيف)). وكذا قال ابن معين في رواية . وقال في أخرى :
((صالح )).
وقال النسائي
(( ليس بالقوي)) .
وقال ابن سعد :
((كان ثقة قليل الحديث)).
وقال الترمذي :
(( تكلموا فيه من قبل حفظه)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤ / ٢٩٨) ، وقال :
((كان يخطىء).
قلت: ولهذا أورده الذهبي في رسالته المتقدمة (( المتكلم فيهم)) (١٤١/١١١)
فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى ، فهو شاهد جيد .
وقد أخرجه السراج في ((مسنده)) (ق ١٢٠ / ١)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (٧ / ١٨٤ - ١٨٥) من طرق أخرى عن سعيد به مختصراً. وقال الهيثمي
(٢ / ١٥٥):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال (الصحيح))).
وله شاهد آخر ، ولكنه مما لا يفرح به ؛ لشدة ضعف راويه ، وهو عمرو بن
٧٤٦

عبد الغفار، رواه عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال :
((فرضت الصلاة ركعتين [ركعتين]، فصلاها رسول الله مخلية بمكة حتى قدم
المدينة ، وصلاها في المدينة ما شاء الله ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ، وتركت
صلاة السفر على حالها )).
أخرجه الطبراني في « الأوسط)) (٢ / ٣١ / ٢ / ٥٥٤١ - بترقيمي)، وقال :
(( لم يروه عن عاصم إلا عمرو ، ولا يُروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد)).
قلت : قال الهيثمي (٢ / ١٥٦) :
(( وفيه عمرو بن عبد الغفار، وهو متروك)).
(تنبيه) : زيادة (ركعتين) في حديث سلمان هذا استدركتها من ((مجمع
الزوائد))، كما استدركتها في حديث السائب المتقدم من ((المطالب العالية))
المطبوعة (١ / ١٨٠)، وقد سقط منها عزو الحديث لإسحاق ! والظاهر أن محقق
الكتاب الشيخ الأعظمي لم يرجع إلى النسخة المسندة من (( المطالب العالية )) ، وإلا
لتدارك هذا السقط ، ولَما وقع في خطأ تفسيره لقوله المتقدم في الحديث: ((فأقرَّ
به )) ، فإنه قال :
( أي فأقرَّ به سعد بن سعيد )) !
وهذا خطأ محض ، والصواب أن يقال :
((أي فأقرَّ به أبو أسامة)) كما هو ظاهر من سياق إسناده المتقدم (ص ٧٤٥).
وهو أبو أسامة حماد بن أسامة من ثقات شيوخ الأئمة الشافعي وأحمد ،
وإسحاق بن راهويه .
(فائدة) : دلت الأحاديث المتقدمة على أن صلاة السفر أصل بنفسها ، وأنها
٧٤٧

!
ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم ، فهي في ذلك كصلاة العيدين
ونحوها ؛ کما قال عمر پاله :
((صلاة السفر؛ وصلاة الفطر؛ وصلاة الأضحى ؛ وصلاة الجمعة ؛ ركعتان تمام
غير قصر على لسان نبيكم ﴿)).
رواه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما))، وهو مخرج في «إرواء
الغليل )) (٦٣٨) .
وذلك هو الذي رجحه الحافظ في ((فتح الباري)» بعد أن حكى الاختلاف في
حكم القصر في السفر ، ودليل كلٍّ ، فقال (١ / ٤٦٤) :
(( والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلة السابقة - أن الصلوات فرضت ليلة
الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب ، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح ،
(ثم ذكر حديث محبوب ، وفاته متابعة المرجى ، وقال :) ثم بعد أن استقر فرض
الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى : ﴿ فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في ((شرح
المسند)): أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة .. )).
وخالف ما تقدم من التحقيق حديثياً وفقهياً بعض ذوي الأهواء من
المعاصرين ، وهو الشيخ عبد الله الغماري المعروف بحبه للمخالفة وحب الظهور ،
وقديماً قيل : حب الظهور يقصم الظهور! والأمثلة على ذلك كثيرة كنت ذكرت
بعضها في مقدمة المجلد الثالث من السلسلة الأخرى: (( الضعيفة))، وفي تضاعيف
أحاديثها . وأمامنا الآن هذا المثال الجديد :
لقد زعم في رسالته ((الصبح السافر)) (ص ١٢) في عنوان له: ((فرضت
الصلاة أربعاً لا اثنتين))، واستدل لذلك ــ موّهاً على القراء - بأمور ثلاثة :
٧٤٨

الأول : الآية السابقة ﴿فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة .. ﴾،
وذكر أنها نزلت في صلاة الخوف في العهد المدني .
الثاني : أحاديث منها قوله :
: :
(( إن الله وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة)).
رواه أصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج عندي في (( صحيح أبي داود))
(٢٠٨٣) وغيره .
الثالث : أنه ساق خمسة أحاديث صريحة في أن قصر الصلاة كان في مكة
حين نزل جبريل العليا على النبي عليه؛ وصلى به الصلوات الخمس.
والجواب على الترتيب السابق :
١ - أما الآية فقد اعترف هو (ص ٢٠) أنها نزلت بعد الهجرة في السنة الرابعة
أو الخامسة ، وزاد ذلك بياناً فقال (ص ٢١) :
(( بل الذي وقع أنه كان بين زيادة صلاة الحضر وقصر صلاة السفر فترة زادت
على ثلاث سنوات كما مر)) !
قلت : فهو قد هدم بهذا القول الصريح ذلك العنوان ، وما ساقه تحته من
الأدلّة ؛ وهذا أولها ؛ فإن معنى ذلك أن صلاة الحضر فرضت اثنتين اثنتين ، ثم
زيدت في المدينة ، وهذا يوافق تماماً حديث عائشة وبخاصة حديث الترجمة ، وما
استظهره الحافظ كما تقدم ، ويخالف زعمه أنها فرضت أربعاً أربعاً في مكة !
٢ - الأحاديث التي ذكرها وأشرت إليها، ونقلت إلى القراء واحداً منها، لأن
الجواب عنه جواب عنها ، وهو في الحقيقة نفس الجواب عن الآية السابقة ، لأن
الوضع المذكور في الحديث يصح حمله في كل من الاحتمالين أي سواء كانت
٧٤٩

الزيادة مكية كما يزعم الغماري ، أو مدنية كما يدل عليه ما تقدم من الأحاديث ،
فقوله (ص ١٢) :
((فهذه ثلاثة أحاديث تصرّح بأن صلاة المسافر مقصورة من أربع ركعات ، لأن
معنى وضع شطر الصلاة حط نصفها بعد أن كان إتمامها واجباً عليه )).
قلت : فهذا الكلام لا ینافي ما ذكرته ، ولا دلیل فیه یؤید به انحرافه !
٣ - أما الأحاديث الخمسة الصريحة، فهي في الحقيقة أربعة لأن الثالث
والخامس منها مدارهما على الحسن البصري مرسلاً ، وهي كلها ضعيفة منكرة ،
وقد دلّس فيها على القراء ما شاء له التدليس ، وأوهمهم صحة بعض أسانيدها ،
وصراحة متونها ، وهو في ذلك غير صادق ، وإليك البيان بإيجاز وتفصيل :
أما الإيجاز: فهو أنّ الأحاديث الخمسة منكرة كلها ، لضعف أسانيدها ،
ومخالفتها الأحاديث الصحيحة التي لم تذكر تربيع الركعات في الظهر والعصر
والعشاء ، وبعضها يصرح أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين ، فأقرت في السفر
وزيدت في الحضر .
وأما التفصيل ، فأقول مستعيناً بالله عز وجل :
١ - أما الحديث الأول : فذكره (ص ١٣) من طريق أبي بكر بن عمرو بن
حزم عن أبي مسعود الأنصاري قال :
((جاء جبريل إلى النبي ﴿﴿ فقال : قم فصل ، وذلك لدلوك الشمس حين
مالت ، فقام رسول الله ﴿ فصلى الظهر أربعاً .. )).
ثم ذكر مثله في صلاة العصر والعشاء . وقال :
((رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) على شرط الشيخين)).
٧٥٠

قلت : هذا من تدليسه فإنه يعلم أن أبا بكر بن عمرو لم يسمعه من أبي
مسعود لأنه نقله من كتاب ((نصب الراية)) للزيلعي (١ / ٢٢٣) ، وقد نقل عن
البيهقي أنه منقطع، وهذا قد أخرجه في ((سننه)) (١ / ٣٦١)، وكذا الباغندي
في (( مسند عمر بن عبد العزيز)) (رقم ٦٢) من طريق أخرى عن أبي بكر به .
وقال البيهقي :
((أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري
وإنما هو بلاغ بلغه )) . هذا أولاً .
وثانياً : هو يعلم أن الحديث في «الصحيحين)) وغيرهما من طريق أخرى عن
أبي مسعود مختصراً ليس فيه بيان الصلوات بله الركعات ، وأخرجه أبو داود ببيان
الصلوات دون الركعات ، وهذا كله يعني أن ذكر الركعات منكر لأنها زيادة بسند
ضعيف على الراوية الصحيحة ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الحافظ ابن حجر بقوله
عقب حديث أبي بكر :
((قلت: وأصله في ((الصحيحين)) من غير بيان ((الأوقات)).
وكذا في (( نصب الراية)). وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٤١٨)،
و ((الإرواء)) (١ / ٢٦٩).
وثالثاً : هو يعلم أيضاً أن الحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة بلغوا سبعة
نفر ليس في حديثهم عدد الركعات ، منهم عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله
وأبو هريرة، وهي مخرجة في ((الإرواء)) (٢٤٩)، و ((صحيح أبي داود))
(٤١٧ و٤١٩ و٤٢٠)، وهي كلها مخرجة في ((نصب الراية))، فماذا يقول
الإنسان عن رجل يتجاهل كل هذه الروايات ، وبعضها صحيح وحسن لذاته ،
٧٥١

وبعضها حسن لغيره ، ويتشبث برواية ضعيفة منكرة هي رواية أبي بكر هذه عند
إسحاق . على أن هذا قد روى عنه رواية أخرى موافقة لرواية الجماعة ، هي أصح
من روايته الأولى المنقطعة ، فقد روى معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم قال :
((جاء جبريل فصلى بالنبي # .. )) الحديث ليس فيه ذكر الركعات.
رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده))؛ كما في ((نصب الراية)) (١ / ٢٢٥)،
و ((المطالب العالية)) (ق ٩ /٢) من طريق عبد الرازق، وهذا في ((المصنف))
(١ / ٥٣٤)، لكن وقع سقط في إسناده. وقال الحافظ عقبه في ((المطالب)) أيضاً:
(( هذا إسناد حسن ، إلا أن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمع من النبي
لصغره، فإن كان الضمير في ((جده)) يعود إلى ((أبي بكر)) توقف على سماع أبي
بكر من عمرو)) .
قلت : هو عن جده مصرح به - كما ترى - فهو منقطع ؛ لأن (محمد بن عمرو)
لم يدركه ، ولكنه صحيح لشواهده المتقدمة ، فإنه ليس فيه شيء من النكارة
بخلاف رواية أبي بكر الأولى .
تدليس آخر للغماري هداه الله ، قال عقب حديثه المتقدم عن أبي مسعود وفيه
عدد الركعات المنكر :
((ورواه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق أيوب بن عتبة: حدثنا أبو بكر بن
عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير عن ابن أبي مسعود الأنصاري عن أبيه )) .
قلت : وجه تدليسه على القراء من ناحيتين :
الأولى : سكت عن إسناده فأوهم أن لا شيء فيه وأن البيهقي لم يتكلم
٧٥٢

عليه ، وهو خلاف الواقع ، فإن الزيلعي لما عزاه للبيهقي لم يدلّس كما صنع
الغماري ! ومنه نقله ، بل أتبعه بقوله (١ / ٢٢٣) :
(( قال البيهقي : فأيوب بن عتبة ليس بالقوي )) .
والأخرى - وهي أخطر -: أنه ليس في هذه الطريق تربيع الركعات ، وقد أشار
لذلك البيهقي في ((المعرفة)) بقوله (١ / ١٧٣) عقب الحديث :
(( ولم أر ذكر العدد إلا في حديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد
(يعني : حديثه عن أبي بكر المتقدم والذي أعله بالانقطاع) ، وقد اختلفوا فيه ،
وحديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة يدل على أنها فرضت بمكة ركعتين
ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً ، وهو أصح)).
قلت : وهذا مما لا شك فيه لحديث الترجمة وغيره مما تقدم ، ولكن الغماري لا
يقيم وزناً لما صح من الحديث ، بل ويضعفه بالرأي لمجرد مخالفته لهواه كحديث
معمر هذا ، فإنه قد ضعفه مع كونه في ((صحيح البخاري )) كما سيأتي بيانه ، والله
المستعان .
ويؤيد ما أشار إليه البيهقي ، أن الحديث أخرجه الطبراني في (( المعجم
الكبير)) (١٧ / ٢٦٠ / ٧١٨) فقد ساقه فيه بتمامه من طريق أيوب بن عتبة ،
وليس فيه التربيع .
وثمة تدليس ثالث للغماري في قوله عقب فقرته السابقة :
(( ورواه الباغندي في ((مسند عمر بن عبد العزيز))، وصرح في روايته باسم
بشير بن أبي مسعود . وبشير قال عنه الحافظ : تابعي جليل .. فالحديث بمجموع
الطريقين صحيح )).
٧٥٣
!

قلت : ليتأمل القارىء هذا التدليس الخبيث ، كيف أنه تكلم عن بشير وأنه
ثقة - وهذا حق - وانصرف عن الكلام عن علة الحديث وهي أيوب بن عتبة الذي
في رواية البيهقي موهماً القراء أن لا علة فيه ! كما أنه ليس عند الباغندي (رقم
٦٤) التربيع أيضاً !
وقوله : فالحديث صحيح بمجموع الطريقين ؛ إن كان يعني بهما رواية
البيهقي والباغندي فهو واضح البطلان لأنه من باب تقوية رواية الضعيف بروايته
الأخرى ، وهذا لا يصْدر إلا من مأفون !
وإن كان يعني طريق أيوب هذه وطريق ابن راهويه ، فهو قريب من الأول لأن
مدارهما على أبي بكر، غاية ما في الأمر أن الطريق الأولى منقطعة كما تقدم،
والأخرى متصلة ، لكن الذي وصلها - وهو أيوب - ضعيف ، والأولى رجالها ثقات ،
وقد قال الغماري نفسه كما سبق أن إسنادها على شرط الشيخين فكيف يصح
تقوية المنقطع بالمتصل وروايته مرجوحة! هذا لو كان في متن كل منهما التربيع ،
وليس كذلك كما سبق ، ولم يكن ذكر التربيع في رواية أبي بكر منكراً، وهيهات
هيهات ، فقد أثبتنا نكارته بما لا قبل لأحد برده مهما كان مكابراً كالغماري .
وبهذا ينتهي الكلام على حديثه الأول .
٢ - وأما حديثه الثاني وهو عن أنس ، فقد كفانا مؤنة رده اعتراف الغماري بأنّ
في إسناده مجهولين ، لكن هذا ليس بعلة قادحة عندي لأنهما قد توبعا ، وإنما هي
المخالفة ، بل النكارة في المتن ، والمخالفة في السند والمتن !
## أن يؤذن
أما الأولى : فهي قولهما في حديثهما : أن جبريل أمر النبي
للناس بالصلاة . ومعلوم أن الأذان إنما شرع في المدينة !
٧٥٤

والأخرى : أن البيهقي أخرج الحديث بسند صحيح عن شيبان بن
عبد الرحمن النحوي عن قتادة : ثنا أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثهم ،
فذكر حديث المعراج بطوله ، وفيه فرض الصلوات الخمس . قال : قتادة : وثنا الحسن
يعني البصري أن النبي ◌َم﴾ ..
قلت : فذكر الحديث نحو رواية المجهولين ، لكن دون الأمر بالأذان ، وفيه تربيع
الصلوات الثلاث ، وقال البيهقي عقبه :
(( ففي هذا الحديث ، وما روي في معناه دليل على أن ذلك كان بمكة بعد
المعراج ، وأن الصلوات الخمس فرضت حينئذ بأعدادهن ، وقد ثبت عن عائشة
رضي الله عنها خلاف ذلك )) .
ثم ساق البيهقي حديث معمر المتقدم برواية البخاري ، وحديث داود بن أبي
هند من طريق ثالث عنه ، استغنيت عن ذكره هناك بالطريقين السابقين .
قلت : ووجه المخالفة أن شيبان النحوي بين في روايته عن قتادة عن أنس أنه
ليس فيها ذكر التربيع الذي رواه قتادة عن الحسن مرسلاً .
ومعنى ذلك أن الحسن زادها على أنس ، فكانت منكرة بهذا الاعتبار، فكيف
إذا ضم إلى ذلك مخالفته أيضاً الأحاديث الصحيحة التي سبقت الإشارة إليها ؟
٣ - وأما حديثه الثالث ، وقد ساقه من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن .
فقد عرفت الجواب عنه آنفاً ، ولذلك فمن التدليس الخبيث قوله :
((مرسل صحيح الإسناد ، وهو مع حديث أنس حجة ، كما تقرر في علم
الحدیث والأصول )) !
قلت: يشير إلى قولهم - واللفظ للنووي في ((تقريبه)) (١ / ١٩٨ - بشرح
((التدريب)) ) :
٧٥٥

:
(( فإن صح مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر مسنداً أو مرسلاً أرسله من أخذ
عن غير رجال الأول كان صحيحاً )).
وراجع ((فتح المغيث)) (١ / ١٣٨) .
وجوابنا عن قوله المذكور من وجهين :
الأول : أن هذا في غير المرسل الذي ثبتت نكارته ومخالفته للأحاديث
الصحيحة ، ومثله أقول في المسند الشاهد له ؛ أنه لا يصلح للشهادة لأنه منكر أيضاً
كما سبق تحقيقه ، فكيف يقوي منكر منكراً؟!
والآخر : أن مراسيل الحسن عند العلماء شبه الريح كما قال الحافظ العراقي
فيما نقله السيوطي في ((شرحه)) (١ / ٢٠٤)، وذلك لأنه كان ممن يصدق كل
من يحدثه ، ولذلك قال ابن سيرين : حدثوا عمن شئتم من المراسيل إلا عن
الحسن وأبي العالية ؛ فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث . وقال أحمد : ليس في
المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ؛ فإنهما يأخذان
عن كل أحد. نقلتهما من ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص ٤٤ و ٨٦ و ٨٧
و ٩٧) .
وإن مما يؤكد ما ذكر العلماء أن الحسن نفسه قد يروي حديثاً عن صحابي دون
أن يسمي من حدثه عنه ، ثم هو يفتي بخلافه ! الأمر الذي يشعرنا بأنه هو نفسه
كان لا يثق بما يرسله ، فانظر ((الضعيفة)) الحديث (٣٤٢).
٤ - وأما حديثه الرابع، فقد ذكره من رواية عبد الرزاق في (( المصنف)) عن
ابن جريج قال : قال نافع بن جبير وغيره : ... فذكر الحديث . وقال عقبه :
((إسناده صحيح )»!
٧٥٦

قلت : وهذا كذب صريح ، وتدليس على القراء خبيث ، فإن نافع بن جبير
تابعي معروف ثقة ، فلو أنه قال : إسناده مرسل صحيح ، لكان كذاباً أيضاً ، فإن في
الطريق إليه علتين تحولان دون التصحيح :
الأولى : وهي ظاهرة لكل ذي معرفة بهذا العلم ، وما أظن ذلك مما يخفى
على الغماري ، ولكنه الهوى ! وهي قول ابن جريج : قال : قال نافع . فإن ابن جريج
كان من المدلسين المعروفين بذلك والمكثرين منه كما في ((التحصيل)) (ص ١٢٣)
للعلائي ، فمثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث ، وبخاصة أنه كما قال
الدارقطنى :
(( تدليسه قبيح ، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح ، مثل إبراهيم بن أبي
يحيى وموسى بن عبيدة))!
والعلة الأخرى: أن عبد الرزاق أخرجه في ((كتاب الصلاة)) من (( مصنفه))
(١ /٥٣٢ / ٢٠٣٠)، وهذا الكتاب يرويه عنه إسحاق بن إبراهيم الدبري (انظر
ص ٣٤٩ منه)، وفي سماعه منه كلام معروف، قال النسائي في ((الضعفاء))
(ص ٢٩٧ / ٣٧٩) في ترجمة عبد الرزاق :
(( فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة )) .
زاد في (( التهذيب )) عنه :
(( كتب عنه أحاديث مناكير)).
وقال الذهبي في ((الميزان )) في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الدبري :
(( سمع من عبد الرزاق تصانيفه ، وهو ابن سبع سنين أو نحوها ، لكن روى عن
عبد الرزاق أحاديث منكرة ، فوقع التردد فيها هل هي منه فانفرد بها ، أو هي معروفة
مما تفرد به عبد الرزاق )) .
٧٥٧

وفي (( اللسان)):
(( ذكر أحمد أن عبد الرزاق عَمِيَ فكان يلقن فيتلقن ، فسماع من سمع منه
بعدما عمي لا شيء . قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روى الدبري عن
عبد الرزاق أحاديث استنكرتها جداً ، فأحلت أمرها على الدبري ، لأن سماعه منه
متأخر جداً)) .
قلت : وبالجملة فالحديث ضعيف لإرساله ، وانقطاعه بين مرسله والراوي
عنه ، وضعف السند إليه ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ومع هذا كله يقول فيه هذا
الهالك في عجبه وغروره : إسناده صحيح ! أضف إلى ذلك العلة العامة الشاملة
لأحاديثه الخمسة ، وهي مخالفة الأحاديث الصحيحة !
٥ - وأما حديثه الخامس ، فهو عن الحسن البصري أيضاً كما تقدمت الإشارة
إليه ، وتقدم الجواب عنه في حديثه الثالث بما فيه كفاية ، وأنه منكر مثل كل
أحاديثه !
هذا ، ومن ضلال هذا المأفون أنه بعد أن ساق هذه الأحاديث الضعيفة وبنى
عليها أن الصلوات الثلاث فرضت أربعاً أربعاً، انبرى ليضعف ما صح من
الأحاديث المخالفة لها ، وهي ثلاثة :
الأول : حديث عائشة المتقدم : فرضت الصلاة ركعتين ... الحديث . وهو مما
أخرجه الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح ، حتى قال ابن رشد في ((البداية))
(٣ / ٣٩٥ - بتخريج الهداية):
((إنه حديث ثابت باتفاق )).
وأقرّه مخرّجه الشيخ أحمد الغماري أخو عبد الله هذا ، وخرّجه ولم يعلّق عليه
٧٥٨

بشيء ، وأما هذا المأفون، فزعم (ص ١٦ و١٨) : أنه شاذ، والشاذ من قبيل
الضعيف . بعد أن ادعى أنه موقوف عليها . وهذه الدعوى وإن كان مسبوقاً إليها من
بعض فقهاء الشافعية، فقد ردها الحافظ - وهو شافعي أيضاً - بقوله في ((الفتح))
(١ / ٤٦٤) رداً على المخالفين:
(( فهو مما لا مجال للرأي فيه ، فله حكم الرفع )) .
قلت : وإني - والله - لأتعجب كل العجب من أولئك الفقهاء وكيف يجيزون
على السيدة عائشة أن تقول من نفسها: (( فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين
ركعتين في الحضر والسفر .. )) الحديث، وهو متفق عليه ــ كما تقدم - ولو أنها
قالت من نفسها: ((فرض رسول الله ◌َ اةٍ ... )) كما قال ذلك ابن عمر في صدقة
الفطر، لو أن ذلك قاله قائل دون توقيف من رسول الله عَ ل لاعتبر القائل من
الكاذبين على رسول الله ◌َ ﴿، فكيف يكون حاله لو قال: ((فرض الله .. ))؟! تالله
إنها لإحدى الكبر أن يقال في عائشة الصدِّيقة رضي الله عنها أنها قالت ذلك من
!
نفسها دون توقف من رسول الله
ولا يقال : لعلهم لم يقفوا على هذا اللفظ الصريح في الرفع ، وإنما على اللفظ
الآخر: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين .. )). لأننا نقول: هب أن الأمر كذلك
بالنسبة لغير الغماري ، فإنه في معنى الأول ، ألا ترى أن العلماء ذكروا في
(( مصطلح الحديث)) :
((وقول الصحابي: ((أمرنا بكذا)) أو ((نهينا عن كذا)) مرفوع مسند عند
أصحاب الحديث)). كذا في (( اختصار علوم الحديث)) (ص ٥٠) وغيره .
وليس بخاف على أحد أنه لا فرق بين قول الصحابي: ((أُمِر)) وقوله
((فرض))، وبخاصة إذا صرح بالفاعل كما في هذه الرواية الصحيحة عن عائشة
٧٥٩

رضي الله عنها ، فالحكم على الحديث والحالة هذه بالوقف مخالف لقواعد علم
الحديث ، هذه القواعد التي يتبجح الغماري بالإحالة إليها كثيراً دون ما فائدة كما
فعل في الحديث الثالث المتقدم .
وإنما قلت آنفاً: ((لغير الغماري)) ، لأن أولئك الفقهاء قد يمكن أن يلتمس لهم
العذر من باب إحسان الظن بهم ، وأما هذا الغماري فقد أغلق هذا الباب بينه وبين
مخالفيه ، لكثرة طعنه فيهم بغير حق ، كما كنت شرحت ذلك في مقدمة المجلد
الثالث المشار إليه فيما سبق ، ولمكابرته في رد النصوص ؛ إما بردها وتضعيفها ، أو
بتأويلها وإخراجها عن معانيها الظاهرة . وهذا هو المثال بين يديك حديث عائشة
يرده بعلة الوقف ، وقد عرفت بطلانها مما بينت آنفاً .
وهناك شيء ثان وثالث يدل على مكابرته وجحوده .
أما الأمر الثاني ، فهو مخالفته لأئمة الحديث الذين أوردوا الحديث في
((مسانيدهم)) كالطيالسي (١٥٣٥)، وحديثه صريح في الرفع كما يأتي في الذي
بعده، وأحمد (٢٣٤/٦ و٢٤١ و٢٦٥ و٢٧٢)، وأبي يعلى (٥ / ٤٨ و٨ /١٠٧)
وغيرهم، ومعلوم أن ((المسانيد)) وضعها مؤلفوها للأحاديث المرفوعة ، ولا يذكرون
فيها شيئاً من الموقوفات إلا نادراً .
أما الأمر الثالث ، فهو تقصّده الإعراض عن ذكر الأحاديث المرفوعة صراحة
كحديث الترجمة وما في معناه مما تقدم تخريجه ، لمخالفتها ما ذهب إليه من أن
أصل الصلاة التربيع ، وهذا مما يؤكد أنه من أهل الأهواء ، لأنهم يذكرون ما لهم ،
ولا يذكرون ما عليهم ، بخلاف أهل السنة فإنهم يذكرون ما لهم وما عليهم ، ولا
يصح أن يقال: أنه لعله لم يطلع على تلك الأحاديث، ذلك لأن بعضها في ((فتح
الباري )) ، وهو من مراجعه يقيناً ، وقد رآه فيه معزواً لصحيح ابن خزيمة وابن حبان ،
٧٦٠