النص المفهرس
صفحات 661-680
وقال في ((الكاشف )»: (( ثقة)). فلم يعتدَّ بتضعيف ابن معين ، ولا بتجهيل ابن القطان . ووجهه عندي اعتداده برواية هؤلاء الثقات عنه ، مع عدم وجود أي منكر في مروياته ، فالنفس تطمئن - والحالة هذه - لقبول ما تفرد به إلا إذا خالف الثقات، وهو في هذا الحديث لم يخالف ، بل وافق ما هو مشهور من صلاته ﴿ إلى الحربة ، وهو مخرج في كتابي ((إرواء الغليل)) (٥٠٤). ثم إن للحدیث شاهداً ، ولکنه مما لا يفرح به لشدة ضعفه ، لأنه یرویه محمد ابن القاسم الأسدي : حدثنا ثور بن يزيد عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن يزيد بن جابر عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ : (( يُجزىء من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو بدق شعرة)). أخرجه ابن خزيمة (٨٠٨) ، والحاكم ، وقال : ((صحيح على شرط الشيخين))! ووافقه الذهبي ! وقال ابن خزيمة : ((أخاف أن يكون محمد بن القاسم وهم في رفع هذا الخبر)). قلت: يشير إلى ما رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٢٩٠) عن الثوري عن يزيد بن يزيد بن جابر عن أبيه عن أبي هريرة قال : فذكره . ثم رواه عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفع الحديث إلى أبي هريرة قال : فذكره موقوفاً أيضاً . قلت : وهذا متصل ، وما قبله معضل ، لكن يزيد بن جابر ، كأنه مجهول ، فإن البخاري وابن أبي حاتم لم يذكرا عنه راوياً سوى مكحول ، ومع ذلك ذكره ابن ٦٦١ حبان في ((الثقات)) (٥ / ٥٣٥)! ولذا قال ابن القطان: ((لا يعرف)). وأما قول الحافظ العراقي كما نقله عنه العسقلاني في (( اللسان)): ((هو معروف الحال)) ! فهو غير واضح ، ما دام أنه لا يعرف إلا بهذه الرواية المرفوعة والموقوفة ، وقد أخرج الأولى منها ابن عدي أيضاً في ((الكامل)) (٦ / ٢٢٥٣ - ٢٢٥٤)، والطبراني في (( مسند الشاميين)) (ص ١٢٣ - مصورة الجامعة الإسلامية)، ووقع في مطبوعة (( الكامل)): ( ولو یدق شعره)» ! وهذا من التحريفات الكثيرة التي وقعت في هذه المطبوعة بتحقيق لجنة من المختصين بإشراف الناشر! وصلى الله على محمد القائل : (( يسمونها بغير اسمها)) ! (تنبيه): سبق أن ذكرت أن الحاكم قال: ((صحيح على شرط مسلم))، وقد سقطت هذه العبارة من مطبوعة ((المستدرك))، فاستدركتها من (( المجموع)) للنووي ، وقد بقي في (( تلخيص المستدرك)) ما يدل على أنها ثابتة في أصله : (( المستدرك )) وهو قوله : ((على شرط))! فسقط منه لفظة ((مسلم))، ومنه أخذت موافقة الذهبي على التصحيح . والله سبحانه وتعالى أعلم . ٦٦٢ ٢٧٨٤ - ( كُلُوهُ - يعني الثوم - ؛ فإني لستُ كأحَدِكم ، إني أخافُ أنْ أوذي صاحبي . [يعني الملَك]). أخرجه أحمد (٦ / ٤٣٣ و٤٦٢)، والحميدي (٣٣٩) ، وابن أبي شيبة (٨ / ٣٠١ / ٤٥٣٠)، ومن طريقه ابن ماجه (٣٣٦٤) قالوا ثلاثتهم : ثنا سفيان ابن عيينة : ثنا عبيد الله بن أبي يزيد أخبره أبوه قال : نزلت على أم أيوب الذين نزل عليهم رسول الله عَ ليه، نزلت عليها فحدثتني بهذا عن رسول الله أنهم تكلفوا طعاماً فيه بعض البقول ، فقربوه ، فكرهه ، وقال لأصحابه : فذكره . والزيادة لأحمد . وأخرجه الترمذي (٦ / ١٠٧ / ١٨١١)، والدارمي (٢ / ١٠٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٦٧١)، ومن طريقه ابن حبان (٣ / ٢٦٤ / ٢٠٩٠) من طرق أخری عن سفيان به . وقال الترمذي : (( حديث حسن صحيح غريب ، وأم أيوب هي امرأة أبي أيوب الأنصاري )). قلت : ورجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير أبي يزيد والد عبيد الله وهو المكي ؛ لم يوثقه غير ابن حبان ، لكنه لم يتفرد به ، فقد صح عن أبي أيوب نحوه . رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (رقم ٢٥١١). ويشهد له حديث جابر مرفوعاً بلفظ : (( من أكل من هذه الشجرة النتنة (وفي رواية: البصل والثوم والكراث) فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تَأَذِّى مما يتأذى منه الإنس ، وفي رواية: بنو آدم)). أخرجه مسلم وغيره ، وهو مخرج أيضاً في المصدر السابق (٥٤٧) . ٦٦٣ ثم روى مسلم نحوه من حديث أبي سعيد ، وزاد فيه ابن خزيمة (١٦٦٧) : (( وإنه يأتيني [من أناجي] من الملائكة ، فأكره أن يشموا ريحها)). وإسناده صحيح على شرط مسلم ، وما بين المعقوفتين في الأصل نقط .. وعلق عليها محققه بقوله : (( كلمة غير واضحة في المصورة لعلها مناجي)). وأقول : ولعل الأقرب ما أثبته . والله أعلم . (تنبيه): الحديث عزاه الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٣٣٢) لمسلم وهو سبق ذهن أو قلم ، فقد أحال بذلك إلى مكان تقدم ، وهو هناك عزاه (٢ / ٣٤٢) لابن خزيمة وابن حبان فأصاب ، ولكنه قصر لعدم عزوه للسنن ! ٢٧٨٥ - ( مَنْ فارقَ الروحُ الجسدَ وهو بريء من ثلاث دخل الجنة : الكبرِ ، والدِّينِ ، والغلولِ ) . هو من حديث قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن : فذكره . ثوبان قال : قال رسول الله : وقد رواه عنه جمع من الثقات هكذا ، فلنذكر أسانيدهم : ١ و٢ - قال أحمد (٥ / ٢٧٦ و٢٨٢) : ثنا عفان : ثنا همام وأبان قالا: ثنا قتادة به . ثم رواه (٥ / ٢٧٧) : ثنا يزيد عن همام به . ٣ - سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به . أخرجه أحمد (٢٨١/٥): ثنا محمد بن بكر وعبد الوهاب قالا : ثنا سعيد به . وأخرجه البيهقي (٥ / ٣٥٥) من طريق أخرى عن عبد الوهاب بن عطاء : ٦٦٤ أنا سعيد به . وأخرجه الترمذي (١٥٧٣)، والدارمي (٢ / ٢٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥ / ٢٣٢ / ٨٧٦٤)، وابن ماجه (٢٤١٢) من طرق أخرى عن سعيد به . ٤ - شعبة عن قتادة به . أخرجه ابن حبان (١٦٧٦)، - (٥ / ٢٨١ - ٢٨٢)، وابن المظفر في ((غرائب شعبة)) (ق ١٢ / ١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢ / ١٨ / ١) من طرق عنه . ٥ - أبو عوانة عن قتادة به . أخرجه الحاكم (٢ / ٢٦) من طريق أبي الوليد الطيالسي وعفان بن مسلم عنه . والبيهقي (٩ / ١٠١ - ١٠٢) من طريق أخرى عن أبي الوليد وحده ، وقال الحاكم : ((صحيح على شرط الشيخين )) . ووافقه الذهبي . وخالفهما في الإسناد قتيبة بن سعيد فقال : حدثنا أبو عوانة .. فذكره، دون أن يذكر فيه معدان بن أبي طلحة . أخرجه الترمذي (١٥٧٢) وقال : ((ورواية سعيد أصح، يعني في الإسناد ، لأنه زاد فيه رجلاً وأسنده ، ولم یسمع سالم من ثوبان )» . قلت : وما لا شك فيه أن رواية سعيد أصح من رواية أبي عوانة هذه لما ذكرنا لها من المتابعات ، والموافقة رواية الطيالسي وعفان عن أبي عوانة لها ، وعليه فرواية قتيبة عنه شاذة . ٦٦٥ د واعلم أن كل هذه الروايات والطرق في كل المصادر التي عزوناها إليها وقعت الخصلة الأولى من الثلاث فيه بلفظ: (( الكبر)). إلا في رواية الترمذي وحده عن سعيد، فهي عنده بلفظ (( الكنز)) ، وقال الترمذي عقبها : ((قال أحمد : (الكبر) تصحيف ، صحفه غندر محمد بن جعفر ؛ حديث سعيد: (( من فارق الروح منه الجسد .. ))، وإنما هو الكنز)). فأقول : رواية محمد بن جعفر، إنما هي عن شعبة ، وهي الطريق (٤) عن قتادة ، فأخشى أن يكون ما في (( الترمذي)) (حديث سعيد) محرفاً من (حديث شعبة). وحديث محمد بن جعفر عن شعبة هو في ((المسند)) في المكان المشار إليه هناك ، وهو فيه مقرون برواية أحمد عن بهز عن شعبة ، وقال في آخرها : (( قال بهز: (والكبر) )). وهذا القول إنما يقوله المحدثون حينما يكون هناك خلاف بين بعض الرواة في لفظ ما ، وهذا من دقتهم في الرواية جزاهم الله خير الجزاء ، وإذا كان ما ذكره الترمذي عن الإمام أحمد أن ابن جعفر تصحف عليه هذا اللفظ فقال : (الكبر) ، وإنما هو (الكنز)؛ محفوظاً ، فأنا أتصور أن قول أحمد في آخر الحديث: (( قال بهز: (والكبر)))؛ أتصور أن هذا اللفظ فيه خطأ ، وأن الصواب فيه (والكنز) ، لأن ابن جعفر هو الذي قال: (والكبر)، وإن لم نقل هذا تناقض ما في ((المسند)) مع نقل الترمذي عن أحمد . والله أعلم . وبالجملة فسواء كان هذا أو ذاك ، فادعاء أن لفظة (الكبر) محرفة عن (الكنز) من محمد بن جعفر يدفعها الطرق الأخرى عن شعبة من جهة ، وموافقتها للطرق الأخرى من جهة أخرى ، فإنها كلها متفقة على اللفظ الأول (الكبر) ، إلا إن قال قائل : إنها جميعها محرفة ! وهذا مما لا يتصور أن يصدر من عاقل . ٦٦٦ ٠ 1 ولعله لما ذكرنا من التحقيق تتابع العلماء على إيراد الحديث بهذا اللفظ المحفوظ (الكبر)، فذكره البغوي في ((شرح السنة)) تعليقاً (١١ / ١١٨)، والمنذري في ((الترغيب)) (٢ / ١٨٨ و٣/ ٣٢ و٤ /١٥)، وقال: (( وقد ضبطه بعض الحفاظ (الكنز) بالنون والزاي ، وليس بمشهور)). وكذلك هو في ((المشكاة)) (٢٩٢١)، و (( الزيادة على الجامع الصغير)) (صحيح الجامع ٦٢٨٧)، و (( الجامع الكبير)) وغيرهم. ٢٧٨٦ - ( لا اعتكافَ إلا في المساجد الثلاثة). أخرجه الإسماعيلي في (( المعجم)) (١١٢ / ٢) عن شيخه العباس بن أحمد الوشا: حدثنا محمد بن الفرج، والبيهقي في ((السنن)) (٤ / ٣١٦) من طريق محمد بن آدم المروزي ، كلاهما عن سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي شداد عن أبي وائل قال : قال حذيفة لعبد الله [يعني ابن مسعود مَالله]: [قوم] عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغير ( وفي رواية : لا تنهاهم ) ؟! وقد علمت أن رسول الله ◌ُ قال: فذكره ؟! فقال عبد الله : لعلك نسيت وحفظوا ، أو أخطأت وأصابوا . قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وقول ابن مسعود ليس نصاً في تخطئته لحذيفة في روايته للفظ الحديث ، بل لعله خطّأه في استدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة ؛ لاحتمال أن یکون معنى الحديث عند ابن مسعود : لااعتكاف كاملاً، كقوله عمي له: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). والله أعلم . ثم رأيت الطحاوي قد أخرج الحديث في ((المشكل)) (٤ / ٢٠) من الوجه ٦٦٧ المذكور، وادعى نسخه! وكذلك رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤ / ٣٤٨ / ٨٠١٦)، وعنه الطبراني (٩ / ٣٥٠ / ٩٥١١) عن ابن عيينة به إلا أنه لم يصرح برفعه . ورواه سعيد بن منصور: نا سفيان بن عيينة به ؛ إلا أنه شك في رفعه واختصره فقال : .. عن شقيق بن سلمة قال : قال حذيفة لعبد الله بن مسعود : قد علمت أن رسول الله ﴿م قال : (( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: مسجد جماعة)). ذكره عنه ابن حزم في ((المحلى)) (٥ / ١٩٥)، ثم رد الحديث بهذا الشك. وهو معذور لأنه لم يقف على رواية الجماعة عن ابن عيينة مرفوعاً دون أي شك ، وهم : ١ - محمد بن الفرج، عند الإسماعيلي . ٢ - محمود بن آدم المروزي ، عند البيهقي . ٣ - هشام بن عمار، عند الطحاوي . وكلهم ثقات، وهذه تراجمهم نقلاً من (( التقريب)): ١ - وهو القرشي مولاهم البغدادي ، صدوق من شيوخ مسلم . ٢ - صدوق من شيوخ البخاري فيما ذكر ابن عدي . ٣ - صدوق مقرىء كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من شيوخ البخاري أيضاً . قلت : فموافقته للثقتين اللذين قبله دليل على أنه قد حفظه ، فلا يضرهم من تردد في رفعه أو أوقفه ، لأن الرفع زيادة من ثقات يجب قبولها . ثم رأيت الفاکھي قد أخرجه في «أخبار مكة )) (٢ / ١٤٩ / ١٣٣٤) : حدثنا : ٦٦٨ سعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي عمر قالا : ثنا سفيان به . إلا أنهما لم يشكًا ، وهذه فائدة هامة . وهما ثقتان أيضاً . وبالجملة ؛ فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحدیث دون أي تردد فيه ؛ لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله ◌َ *، وأن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته ، ولا سيما أن سياق القصة يؤكد ذلك عند إمعان النظر فيها ، ذلك لأن حذيفة مَاش ما كان لينكر بمجرد رأيه على ابن مسعود ◌َالله سكوته عن أولئك المعتكفين في المساجد بين الدور ، وهو يعلم فضله وفقهه رضي الله عنهما ، فلولا أن الحديث عنده مرفوع لما تجرأ على الإنكار عليه بما لا تقوم الحجة به عليه ، حتى رواية عبد الرزاق الموقوفة تؤيد ما ذكرته ، فإنها بلفظ : ((قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم ! فقال له عبد الله : فلعلهم أصابوا وأخطأت ، وحفظوا ونسيت ! فقال : حذيفة: لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة .. )) فذكرها . ومثلها رواية إبراهيم قال : ((جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك عكوف بين دارك ودار الأشعري ، يعني المسجد ! قال عبد الله : ولعلهم أصابوا وأخطأت ، فقال حذيفة : أما علمت أنه : لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد . (فذكرها) ، وما أبالي أعتكف فيه أو في سوقكم هذه [وكان الذين اعتكفوا - وعاب عليهم حذيفة - في مسجد الكوفة الأكبر] )). أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣ / ٩١) والسياق له، وكذا عبد الرزاق (٤ / ٣٤٧ - ٣٤٨) والزيادة له، وعنه الطبراني (٩٥١٠)، ورجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير أن إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك حذيفة . ٦٦٩ فاحتجاج حذيفة على ابن مسعود بهذه الجملة ((لا اعتكاف)) يشعر بأنها في موضع الحجة عنده، وإلا لم يقل له: ((أما علمت .. )) إلخ. والله أعلم . واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته كما تراه مبسوطاً في ((المصنفين)) المذكورين و (( المحلى)) وغيرهما، وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ، وهذا الحديث الصحيح ، والآية عامة ، والحديث خاص ، ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص ، وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها ، وعليه يدل كلام حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفة أيضاً، فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد بن المسيب : لا اعتكاف إلا في مسجد نبي . أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه . ثم رأيت الذهبي قد روى الحديث في ((سير أعلام النبلاء)) (١٥ / ٨٠) من طريق محمود بن آدم المروزي : حدثنا سفيان به مرفوعاً ، وقال : « صحیح غریب عال )) . وعلق عليه الشيخ شعيب بعد ما عزاه للبيهقي وسعيد بن منصور بقوله : ((وقد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة )) ! وهذا يبطله قول ابن المسيب المذكور ، فتنبه . علی أن قوله هذا یوهم أن الحدیث موقوف علی حذيفة ، ولیس کذلك كما سبق تحقيقه ، فلا تغتر بمن لا غيرة له على حديث رسول الله : ﴿ أن يخالف ، والله عز وجل يقول : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ . ٦٧٠ هذا، وقد كنت أوردت هذا الحديث في رسالتي ((قيام رمضان)) (ص ٣٦)، وخرجته باختصار، مصرحاً بصحة إسناده عن حذيفة مَالله، وأحلت في تفصيل ذلك إلى هذا الموضع من هذه السلسلة . ثم جاءني بعد سنين تحرير بتاريخ (١٣ / ٧ /١٤١٣ هـ) - وهذا المجلد تحت الطبع - من أحد إخواننا المحبين في الله وفي الغيب المشتغلين بهذا العلم الشريف كما بدا لي من خطابه ، وفيه نقد منه لثلاثة أحاديث كنت صححتها في بعض مؤلفاتي منها هذا الحديث ، فاهتبلتها فرصة لبيان أنه لم يصب كبد الحقيقة في إعلاله إياه من جميع طرقه ، معترفاً بأنه كان أديباً في كتابته ، لطيفاً في نقده، زد على ذلك أنه صرح في آخر رسالته أنه فعل ذلك للاستفادة مني ومن بعض إخواني فجزاه الله خيراً على تواضعه ، وإحسانه الظن بإخوانه . لقد تتبع الأخ - جزاه الله خيراً - طرق الحديث من مصادر كثيرة طالتها يده ، وبيّن عللها، وسبق أن أشرت إلى بعضها ، ولذلك فلن أطيل الكلام إلا في بعض النقاط الأساسية ، لم يوفق هو للصواب في معالجتها ؛ فكانت النتيجة - مع الأسف - تضعيف الحديث الصحيح ، فأقول : النقطة الأولى : ضعف طريق البيهقي بمحمود بن آدم المروزي بقوله : ((لم يوثقه غير ابن حبان ، وما ذكر أن البخاري أخرج له ، فقد رده الحافظ في ((هدي الساري)) (ص ٢٣٩))). والرد على هذا من وجهين : الأول : أن رد تفرد ابن حبان بتوثيق راوٍ ما ، لا يعني أنه رد مقبول ، خلافاً لما يظنه أخونا هذا وغيره من الناشئين ، وإنما ذلك إذا وثق مجهولاً عند غيره ، أو أنه لم يرو عنه إلا واحد أو اثنان ، ففي هذه الحالة يتوقف عن قبول توثيقه ، وإلا فهو في ٦٧١ كثير من الأحيان يوثق شيوخاً له يعرفهم مباشرة ، أو شيخاً من شيوخهم ، فهو في هذه الحالة أو التي قبلها إنما يوثق على معرفة منه به ، أو بواسطة شيوخه كما هو ظاهر، ومحمود المروزي من هذا القبيل، فإن ابن حبان لمّا أورده في (( الثقات)) (٩/ ٢٠٢ - ٢٠٣) قال : (( حدثنا عنه المراوزة)). فقد روى عنه جمع ، فإذا رجع الباحث إلى (( التهذيب )) وجد فيه أسماء عشرة من الذين رووا عن محمود هذا، أكثرهم من كبار الحفاظ الثقات طبعاً ، کالإمام البخاري کما تقدم وأحمد بن حمدون الأعمشي ، ومحمد بن حمدویه ، ومحمد بن عبد الرحمن الدغولي ، ولما ترجمه أبو يعلى الخليلي القزويني في كتابه ((الإرشاد في معرفة علماء الحديث)) قال (٣ / ٩٠٠): « سمع منه أبو داود السجستاني ، وابنه عبد الله ، وآخر من روى عنه محمد ابن حمدويه المروزي .. )) . قلت : فهو إذن من علماء الحديث ، ومن شيوخ كبار الحفاظ ، أفيقال في مثله: ((لم يوثقه غير ابن حبان))؟! زد على ذلك أن ابن أبي حاتم قال (٤ / ١ / ٢٩١) : ((كان ثقة صدوقاً )). وإن مما يؤكد ما تقدم ، وأنه ثقة يحتج به أمران اثنان : أحدهما : أن الحافظ الخليلي نفسه احتج لإثبات أن حديث (( قبض العلم)) المروي في ((الصحيحين))، والمخرج عندي في ((الروض)) (٥٧٩) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ، احتج الحافظ على أن له ٦٧٢ أصلاً محفوظاً صحيحاً من رواية هشام أيضاً عن أبيه عن عائشة ، ساقه من طريق المروزي هذا عن ابن عيينة عن هشام به . ثم قال الحافظ عقبه : (( كلاهما محفوظان )» . ذكره للحاكم أبي عبد الله بطلب منه ، قال الخليلي : (( فاستجاد الحاكم واستحسن )) . وفي ذلك دليل قوي على أن المروزي عندهما ثقة يحتج به ، ولولا ذلك لنسباه إلى الوهم؛ لأنه خالف الطرق بروايته هو عن ابن عيينة بسنده عن عروة عن عائشة رضي الله عنها . وإن مما يؤكد ذلك أنه قد جاء من طرق أخرى عن عروة عنها عند مسلم (٨ / ٦٠ - ٦١)، والطحاوي في ((المشكل)) (١ / ١٢٧)، والبزار (١ /١٢٣ / ٢٣٣)، والخطيب في ((التاريخ)) (٥ / ٣١٣). هذا هو الأمر الأول الدال على أن المروزي هذا ثقة حجة . وأما الأمر الآخر: فهو أنني كنت ذكرت في خاتمة هذا التخريج أن الذهبي رحمه الله صحح إسناد الحديث من طريق المروزي هذا ، وأخونا الذي أنا في صدد الرد عليه على علم بذلك، لأنه عزا الحديث إلى الذهبي في ((السير)) في نفس المجلد والصفحة التي سبقت الإشارة إليها . فليت شعري ما الذي يحمل هؤلاء الشباب الناشئين والباحثين على عدم الاعتداد بأحكام الحفاظ المخالفة لهم ، طبعاً لا أريد من هذا أن يقلدوهم ، وإنما أن يقدروا جهودهم وعلمهم وتمكنهم فيه ، بحيث أنهم على الأقل لا يتسرعون في إصدار الأحكام المخالفة لهم . وهذه ذكرى و﴿الذكرى تنفع المؤمنين﴾ . وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم - : لماذا كتم الأخ الفاضل تصحيح ٦٧٣ الذهبي المذكور؟! وهو يعلم من هو الذهبي حفظاً ومعرفة بالرجال ، والجرح والتعديل ؟ الوجه الآخر: قوله المتقدم: (( وما ذكر أن البخاري أخرج له فقد رده الحافظ .. )) إلخ؛ ففيه نظر لأن؛ الحافظ لم يتعرض في « هدي الساري )) لذكر قول ابن عدي إطلاقاً ، فلا يجوز القول بأنه رده . وإنما قال الأخ ما قال لظنه التعارض بينهما ولا تعارض ، لأن المثبت غير المنفي ، فالذي أثبته ابن عدي يصدق على شيوخ البخاري خارج ((الصحيح))، وما نفاه الحافظ إنما هو فيما يتعلق بـ « الصحیح ))، فلا تعارض ولا رد . هذا آخر ما يتعلق بالنقطة الأولى ، وخلاصتها أن توثيق ابن حبان راوي حديث الترجمة توثيق صحيح لا وجه لرده، وأن حديثه صحيح كما قال الحافظ النقاد : الإمام الذهبي . النقطة الثانية : أن الأخ لم يكن دقيقاً في نقده للحديث وبعض رواته ، فقد عرفت من النقطة الأولى أنه لم يذكر تصحيح الذهبي للحديث ، وأقول الآن : وكذلك لم يذكر قول الحافظ في راويه (المروزي)؛ ((صدوق))! وعلى خلاف ذلك تبنى قول الحافظ هذا في متابعه محمد بن الفرج وهو القرشي الهاشمي مولاهم ، وهو أقل ما قيل فيه ، وإلا فقد وثقه الحضرمي وابن أبي حاتم ، والسراج وابن حبان ، واحتج به مسلم، ولذلك قال الذهبي في (( الكاشف)»: (( ثقة)) . ومن الواضح جداً أن تجاهله لأقوال هؤلاء الأئمة ، وتصحيح الذهبي لحديث المروزي ، وعدم معرفته بكونه حجة عند الحافظ الخليلي وغيره ، إنما هو توطئة منه ٦٧٤ لتوهين طريق المروزي بالجهالة ، وطريق محمد بن الفرج بأنها حسنة فقط ، ولم يقف عند هذا فقط ، بل شكك في حسنه أيضاً فقال : ((لكن بقي النظر في السند من الإسماعيلي إليه ، فإن كان منهم من تكلم فيه ، وإلا فهو صدوق ، وسنده حسن في الظاهر)) ! فهذا منه صريح بأنه لم يقف على إسناد الإسماعيلي ، وإلا لنظر فيه ، ولما تصور خلاف الواقع فيه ، فظن أن بينه وبين محمد بن فرج جمع من الرواة ، والحقيقة أنه ليس بينهما إلا شيخه العباس بن أحمد الوشاء ، وهو من الشيوخ الصالحين الدارسين للقرآن ، روى عنه ثلاثة من الثقات الحفاظ الإسماعيلي هذا ، والخُطبي، وأبو علي الصواف، كما في ((تاريخ بغداد)) (١٢ / ١٥١)(١). فالسند إذن صحيح ، لأن رجاله كلهم ثقات كما هو مصرح في كتب القوم إلا الوشاء ، وقد عرفت صلاحه ورواية الحفاظ عنه ، ثم هو متابع فلا يتعلق به إلا من يجهل هذه الصناعة . النقطة الثالثة : وهي أغربها وأبعدها عن العلم ، وذلك لأنه رجح رواية سعيد ابن منصور مع شكه وتردده بين ((المساجد الثلاثة)) و(( مسجد جماعة))، بحجة أن سعيداً أقوى من الثلاثة الذين جزموا بـ ((المساجد الثلاثة)» ولم يشكوا، يعني المروزي وابن الفرج وهشام بن عمار(٢) . ولم ينتبه أخونا المشار إليه أن الشك ليس علماً ، وأنه يجب أن يؤخذ من كلام الشاك ما وافق الثقات ، لا أن يرد جزم الثقات بشك الأوثق ، فيقال: وافق سعيد الثقات في طرف من طرفي الشك: ((المساجد الثلاثة)) فيؤخذ بموافقته، ويعرض عن شكه وهو قوله: ((أو مسجد جماعة))، (١) ولم يقف عليه الدكتور زياد محمد منصور المعلق على ((المعجم)) (٢ / ٧٢١). (٢) وخفي عليه الثقتان الآخران: (سعيد بن عبد الرحمن) وهو المخزومي، و (محمد بن أبي عمر) وهو الحافظ العدني . ٦٧٥ أ لأنه ليس علماً ، ولأنه خالف الثقات الذين جزموا ولم يشكوا . وهذا أمر واضح جداً ، لا يشك فيه من أوتي علماً وفقهاً. أرأيت أيها الأخ لو أن جماعة اتفقوا على إثبات حق على أحد من الناس لآخر ، ثم اتفقوا على أن هذا الحق عدده مثلاً خمسة ، إلا أن أحدهم شك فقال : خمسة أو ستة . أفيقول عاقل بأن الحق غير ثابت بحجة أن الشاك أوثق من الذين لم يشكوا ؟! لذلك فإني - ختاماً - أقول لهذا الأخ المحب ولأمثاله من الأحبة : أرجو مخلصاً أن لا تشغلوا أنفسكم بالكتابة في علم لم تنضجوا فيه بعد ، ولا تشغلونا بالرد عليكم حين تكتبون رداً عليَّ، ولو بطريق السؤال والاستفادة ، فإن ما أنا فيه من الاشتغال بالمشروع العظيم (( تقريب السنة بين يدي الأمة)) الذي يشغلني عنه في كثير من الأحيان ردود تنشر في رسائل وكتب ومجلات من بعض أعداء السنة من المتمذهبة والأشاعرة والمتصوفة وغيرهم ، ففي هذا الانشغال ما يغنيني عن الرد على المحبين الناشئين ، فضلاً عن غيرهم . والله المستعان ، وعليه التكلان . ٢٧٨٧ - ( مَنْ أصابَتْه فاقةٌ فأنزلَها بالناسِ ؛ لم تُسدّ فاقته ، ومن أنزلها بالله ؛ أوشك الله له بالغنى ، إما بموتٍ عاجل ، أو غنى عاجلٍ ) . أخرجه الترمذي (٢٣٢٧)، والحاكم (٤٠٨/١)، وعنه البيهقي (١٩٦/٤)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) (١ / ١٣ / ١٢ و١٣)، والدولابي في ((الكنى)) (٩٦/١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٢٨٦/٣)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٤ / ٣٠١ / ٤١٠٩) من طرق عن بشير بن سلمان عن سيار (زاد البغوي : أبي الحكم) عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً به . وقال الترمذي : (( حديث حسن صحيح غريب)). وقال الحاكم : ٦٧٦ ((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي . وقال البغوي : (( حديث حسن غريب)). قلت : ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إن كان سيار هو أبا الحكم كما عند البغوي ، وقد قيل : إنه سيار أبو حمزة ، وهو ثقة عند ابن حبان ، وقد روى عنه جمع من الثقات فهو صحيح على كل حال ، وقد اختلفوا في تقييد اسمه على وجوه ثلاثة : الأول : (سيار) دون كنية كما في التخريج المذكور . الثاني : (سيار أبي الحكم) ، أخرجه الطبري أيضاً (١ / ١١ / ١١)، وأبو يعلى (٣ / ١٣٠٨) عن محمد بن بشر العبدي، وأحمد (١ / ٣٨٩ و٤٤٢) عن وكيع ، و (١ / ٤٠٧) عن أبي أحمد الزبيري، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠ / ١٥ / ٩٧٨٥)، وعنه أبو نعيم في «الحلية)) (٨ /٣١٤) عن أبي نعيم، كلهم عن بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق به . الثالث : (سيار أبي حمزة) ، أخرجه أبو داود (١٦٤٥) من طريق ابن المبارك عن بشير بن سلمان عن سيار أبي حمزة به . وتابعه سفيان الثوري عن بشير به . أخرجه أحمد (١ / ٤٤٢)، ومن طريقه الدولابي (١ / ٩٨) : حدثنا عبد الرزاق : أخبرنا سفيان به . وقال أحمد عقبه : (( وهو الصواب : (سيار أبو حمزة)، [وليس هو سيار أبو الحكم] ، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء )) . ومثله في كتابه: (« العلل)) (١ / ٩٧)، والزيادة منه . ٦٧٧ وتعقبه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((المسند)) (١١٧/٦) فقال : ((نرى أن عبد الرزاق أخطأ في قوله: ((عن سيار أبي حمزة ، وأن صوابه عن سيار أبي الحكم خلافاً لما رجحه الإمام أحمد هنا )) . وردنا لهذا التعقب من وجهين : أولاً: أن عبد الرزاق لم يتفرد به ، فقد قال الحافظ في ((التهذيب)): (( رواه عبد الرزاق وغيره)) . وكأنه يشير إلى المعافى بن عمران، فقد أخرجه الدولابي (١ / ١٥٩) من طريق يحيى بن مخلد : حدثنا معافى عن سفيان به ، ولفظه : ((بأجل عاجل ، أو رزق حاضر )). ويحيى بن مخلد وثقه النسائي كما رواه الخطيب في («التاريخ» (١٤ / ٢٠٧ -٢٠٨) . لكن قد ساق الحافظ رواية المعافى هذه دون عزو بلفظ: ((سيار أبي الحكم))، فلا أدري أهي المحرفة ، أم رواية الدولابي المتقدمة؟ ولعل الأرجح الأول ، لأن الحافظ عقب بها رواية عبد الرزاق . والله أعلم . ثانياً : أن الإمام أحمد ليس وحده في ترجيح أنه سيار أبو حمزة ، بل وافقه على ذلك جماعة من أقرانه وغيرهم، ففي (( التهذيب)) عن أبي داود أنه قال عقب الحديث : (( هو سيار أبو حمزة، ولكن بشير كان يقول: (سيار أبو الحكم) وهو خطأ)). وقال الدارقطني : ٦٧٨ ((قول البخاري: (( (سيار أبو الحكم) سمع طارق بن شهاب)) وهم؛ منه ومن تابعه ، والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة ، قال ذلك أحمد ويحيى وغيرهما )). إلا أنه قد تبع البخاري في أنه يروي عن طارق - مسلم في (( الكنى)) والنسائي والدولابي وغير واحد كما في ((التهذيب)) أيضاً، وعقب عليه بقوله : ((وهو وهم كما قال الدارقطني)). قلت : وهذا اختلاف شديد من هؤلاء الأئمة الفحول ، لعل سببه اختلاف الرواة على الوجهين الأخيرين من الوجوه الثلاثة المتقدمة ، فإن الأول منها لا يخالفهما ، فإنه يحمل على أحدهما من باب حمل المطلق على المقيد ، فالقولان يدوران عليهما ، ومن الصعب لأمثالنا أن يرجح أحدهما ، لعدم وجود دليل ظاهر يساعد على ذلك ، ومع هذا فإن النفس تميل إلى ترجيح قول الإمام البخاري ومن معه ، لأن رواة الوجه المؤيد له أكثر من رواة الوجه الآخر، كما هو ظاهر من تخريجهما . أقول هذا إذا كان الاختلاف من الرواة عن بشير بن سلمان ، أما إذا كان الاختلاف منه نفسه كما يشير إلى ذلك أبو داود بقوله المتقدم : (( .. ولكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ )). قلت : فإذا كان الخطأ من بشير نفسه فالأمر أشكل ، لأن لقائل أن يقول : ما الدليل على أنه منه ، وليس هناك راو آخر سواه رواه عن سيار، فقال فيه : (سيار أبو حمزة)؟ وبالجملة ؛ فالأمر بعد يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق لتحديد هوية الراوي ؛ أهو أبو حمزة هذا أم أبو الحكم ؟ ٦٧٩ ولكننا نستطيع أن نقول جازمين أن ذلك لا يضر في صحة الإسناد لأنه تردد بين ثقتين كما تقدم ، فلا ضير فيه سواء كان هذا أو ذاك . والله أعلم . وأما قول المعلق على (( شرح السنة)): « وإسناده صحيح قوي على مذهب البخاري ومن تبعه ؛ کالترمذي وابن حبان والحاكم ، وضعيف على مذهب أحمد والدارقطني وغيرهما )). فأقول : هذا كلام عار عن التحقيق لوجوه : الأول : أنه لم يُبد فيه رأيه الخاص في إسناد الحديث ومتنه ، تصحيحاً أو تضعيفاً . الثاني : أنه لا يصح الجزم بصحة إسناده على مذهب البخاري ، لأنه يستلزم أن يكون رواته جميعاً ثقاتاً عند البخاري ومنهم بشیر بن سلمان ، فإنه وإن كان قد وثقه جماعة ، فإنهم لم يذكروا البخاري معهم ، ولا يلزم من سكوته عنه في ((التاريخ)) (١ /٩٩/٢) وإخراجه له في ((الأدب المفرد)) أنه ثقة عنده كما لا يخفى على أهل العلم ، خلافاً لبعض ذوي الأهواء من الإباضية وغيرهم . الثالث : وعلى العكس من ذلك يقال فيما نسبه من الضعف على مذهب أحمد و .. فإن ذلك إنما يستقيم لو أنهما كانا يريان ضعف أو جهالة سيار أبي حمزة ، وهيهات ، فإنه لم ينقل شيء من ذلك عنهما . فتأمل . هذا وثمة اختلاف آخر بين الرواة يدور حول قوله في آخر الحديث : (( إما بموت عاجل ، أو غنى عاجل)). وذلك على وجوه : الأول : ما في حديث الترجمة : ٦٨٠