النص المفهرس

صفحات 401-420

٢ - فيه فضل نساء الصحابة وما كنَّ عليه من الحرص على تعلّم أمور الدِّين .
٣ - وفيه جواز سؤال النساء عن أمر دينهنّ، وجواز كلامهنّ مع الرجال في
ذلك ، وفيما لهنّ الحاجة إليه .
٤ - جواز الوعد، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: ((هل يجعل للنساء
يوماً على حدة في العلم؟ )) .
قلت : وأما ما شاع هنا في دمشق في الآونة الأخيرة من ارتياد النساء
للمساجد في أوقات معيَّنة ليسمعن درساً من إحداهنّ ، ممن يتسمّون بـ
(الداعيات) زَعَمْن، فذلك من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهد النبي { **
ولا في عهد السلف الصالح ، وإنّما المعهود أن يتولّى تعليمهنّ العلماء الصالحون في
مكان خاصّ كما في هذا الحديث ، أو في درس الرجال حجزة عنهم في المسجد
إذا أمكن ، وإلا غلبهنّ الرجال ، ولم يتمكنّ من العلم والسؤال عنه .
فإن وجد في النساء اليوم من أوتيت شيئاً من العلم والفقه السليم المستقى
من الكتاب والسنة ، فلا بأس من أن تعقد لهنّ مجلساً خاصاً في بيتها أو بيت
إحداهن، ذلك خير لهن، كيف لا والنبي :{* قال في صلاة الجماعة في
المسجد: ((وبيوتهنّ خير لهنّ))، فإذا كان الأمر هكذا في الصلاة التي تضطر المرأة
المسلمة أن تلتزم فيها من الأدب والحشمة مالا تكثر منه خارجها فکیف لا يكون
العلم في البيوت أولى لهنّ ، لا سيّما وبعضهن ترفع صوتها ، وقد يشترك معها
غيرها فيكون لهنّ دويٌّ في المسجد قبيح ذميم . وهذا مما سمعناه وشاهدناه مع
الأسف .
ثم رأيت هذه المحدثة قد تعدّت إلى بعض البلاد الأخرى كعمّان مثلاً . نسأل
الله السلامة من كل بدعة محدثة .
٤٠١

١
٢٦٨١ - (١ - من ولدَ له ثلاثةُ أولادٍ في الإسلام فماتوا قبل أن
يبلغوا الحنثَ أدخلَه الله عز وجل الجنةَ برحمتِه إياهم .
٢ - ومن شابَ شيبةً في سبيلِ الله عز وجل كانت له نوراً يوم
القيامة .
٣ - ومن رمى بسهم في سبيل الله عز وجل بلغ به العدو أصابَ أو
أخطأَ کان له کعدلٍ رقبةٍ.
٤ - ومن أُعتق رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكلّ عضو منها عضواً منه
من النار .
٥ - ومن أنفقَ زوجين في سبيل الله عز وجل فإنّ للجنة ثمانيةَ
أبوابٍ يُدخِلهُ الله عز وجل من أي باب شاءَ منها الجنةَ ) .
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٣٨٦) من طريق الفرج : ثنا لقمان عن أبي أمامة
عن عمرو بن عبسة السلمي قال : قلت له : حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله
ليس فيه انتقاص ولا وهم . قال : سمعته يقول : فذكره .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ غير الفرج - وهو ابن فضالة الحمصي وقيل :
الدمشقي - ضعيف ، وبعضهم مشّاه في روايته عن الشاميين ، وهذه منها ، ولعلّه
لذلك قال المنذري في «الترغيب)» (٣ / ٩١):
( رواه أحمد بإسناد حسن)).
قلت : ومهما كان الأمر ، فحديثه هذا صحيح ، لا يرتاب فيه باحث محقّق ،
لأنه قد جاء مفرّقاً من طرق ، ولا بدّ من البيان :
٤٠٢

١ - أما الفقرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة؛ فقد رواها عبد الحميد بن
بهرام : ثنا شهر بن حوشب : أخبرني أبو ظبية أن شرحبيل بن السمط دعا عمرو
ابن عبسة السلمي فقال : يا ابن عبسة ! هل أنت محدثي حديثاً سمعته أنت من
رسول الله ﴿ ليس فيه تزيّد ولا كذب ، ولا تحدّثنيه عن آخر سمعه منه غيرك ؟
قال : نعم: سمعت النبي :﴿ يقول : فذكره مطوّلاً ، وفيه هذه الفقرات .
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ق ٤٦ / ٢) ،
وإسناده حسن في الشواهد والمتابعات .
وتابعه حريز بن عثمان : ثنا سليم بن عامر أنّ عمرو بن عبسة كان عند
شرحبيل بن السمط فقال: يا عمرو .. الحديث . بالفقرة الثانية والثالثة والرابعة .
أخرجه أحمد ، وعبد بن حميد (ق ٤٥ / ١) .
وإسنادهما صحيح .
وتابعه صفوان قال : حدثني سليم به .
أخرجه النسائي ، وقد تقدّم برقم (١٢٤٤).
وللفقرة الأولى والخامسة شاهد قويّ من حديث أبي ذرّ مرفوعاً .
أخرجه أحمد (٥ / ١٥١ و١٥٣ و١٥٩ و١٦٤)، والطبراني في ((الكبير))
(١ / ٨٢ /١ - ٢) من طريق الحسن: حدثني صعصعة بن معاوية عنه، وزادا:
(( قلنا : ما هذان الزوجان ؟ قال : إن كانت رحالاً فرحلان ، وإن كانت خيلاً
ففرسان ، وإن كانت إبلاً فبعيران ؛ حتى عدّ أصناف المال كلّه)).
وإسناده صحيح ، والنسائي منه (٢ / ٦٦) الفقرة الخامسة .
٤٠٣

ولهذه شاهد آخر من حديث أبي هريرة عن النبي ﴿ قال :
((من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب : أي
قُل ! هَلُمْ )) .
أخرجه البخاري وغيره، وله عنده ألفاظ، وهو في كتابي (( مختصر البخاري )»
( کتاب الصوم / ٤ - باب ).
وأخرج البزار (١٧٠٩ - كشف ) الفقرة الرابعة نحوها من حديث أنس بن
مالك .
(فائدة): قال الحافظ (٦ / ٣٦) :
« وقوله : (زوجين) أي شيئين من أي نوع كان ينفق)).
قلت : ويؤيّده زيادة للبخاري بلفظ :
(((من شيء من الأشياء))، ثم قال :
((والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين ، وهو هنا على الواحد جزماً.
وقوله : (كل خزنة باب) كأنّه من المقلوب ، لأنّ المراد : خزنة كل باب . قال
المهلّب: في هذا الحديث أنّ الجهاد أفضل الأعمال ، لأنّ المجاهد يعطى أجر المصلي
والصائم والمتصدّق ، وإن لم يفعل ذلك ، لأنّ باب الريان للصائمين ، وقد ذكر في
هذا الحديث أنّ المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلّها بإنفاق قليل من المال في
سبيل الله . انتھی .
وما جرى فيه على ظاهر الحديث يردّه ما قدّمته في ((الصيام)) من زيادة في
الحديث لأحمد حيث قال فيه: ((لكلّ أهل عمل باب يدعون بذلك العمل))،
وهذا يدلّ على أنّ المراد بـ (سبيل الله) ما هو أعمّ من الجهاد وغيره من الأعمال
الصالحة)) .
٤٠٤

قلت: وأما (سبيل الله) في آية مصارف الزكاة ﴿ إنّما الصدقات ﴾ ، فهي في
الجهاد وفي الحج والعمرة ، ولبيان هذا مجال آخر .
٢٦٨٢ - (يا عَمرو! إنّ اللهَ عز وجل قد أحسنَ كلَّ شيء خلقَهُ . يا
بأربع أصابع من كفّه اليمنى تحت ركبة
عمرو ! - وضرب رسول الله ولا
عمرو فقال : - هذا موضعُ الإزارِ، ثم رفعها ، [ثم ضرب بأربع أصابع
تحت الأربع الأولى ثم قال: يا عمرو! هذا موضع الإزار]، ثم رفعَها،
ثم وضعَها تحت الثانية ، فقال: يا عمرو! هذا موضع الإزار) .
أخرجه أحمد (٤ / ٢٠٠) : ثنا الوليد بن مسلم : ثنا الوليد بن سليمان أنّ
القاسم بن عبد الرحمن حدّثهم عن عمرو بن فلان الأنصاري قال :
، وقد أخذ بناصية
بينا هو يمشي قد أسبل إزاره ، إذ لحقه رسول الله
نفسه ؛ وهو يقول :
(( اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك )).
قال عمرو : فقلت : يا رسول الله ! إنّي رجل حمش الساقين . فقال : فذكره .
وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢٧٧ / ٧٩٠٩).
قلت : وهذا إسناد حسن رجاله ثقات ، وفي القاسم بن عبد الرحمن - وهو
صاحب أبي أمامة - كلام لا يضرّ، ولهذا قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٥ / ١٤١) :
((رواه أحمد، ورجاله ثقات)).
قلت : وله شاهد من حديث أبي أمامة قال :
إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلّة ؛
بينما نحن مع رسول الله
٤٠٥

إزار ورداء، قد أسبل ، فجعل رسول الله #* يأخذ بناحية ثوبه ، ويتواضع لله ،
ويقول :
((اللهمّ عبدك وابن عبدك وابن أمتك)). حتى سمعها عمرو بن زرارة ..
الحدیث نحوه ، وزاد :
((يا عمرو بن زرارة إنّ الله لا يحب المسبل ». قال الهيثمي :
((رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات)).
وللزيادة شاهد في ((شعب الإيمان)) (٢ / ٢٢٢ / ٢)، وآخر سيأتي أول
المجلد التاسع برقم (٤٠٠٤) ، وله شاهد ثالث يرويه عمرو بن الشريد يحدث
عن أبيه :
تبع رجلاً من ثقيف حتى هرول في أثره ، حتى أخذ بثوبه
« أنّ النبي
فقال: ((ارفع إزارك)) . فكشف الرجل عن ركبتيه .
فقال : يا رسول الله ! إني أحنف ، وتصطك ركبتاي ، فقال رسول الله
:
((كلّ خلق الله عز وجل حسن)). قال: ولم يُرَ ذلك الرجل إلا وإزاره إلى
أنصاف ساقیه حتی مات )).
قلت : وإسناده صحيح على شرط الشيخين ، وقد مضى برقم (١٤٤١) .
ویشهد لبعضه حديث حذيفة قال : قال رسول الله
: :
(( موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة ، فإن أبيت فأسفل ، فإن أبيت
فمن وراء الساق ، ولا حقّ للكعبين في الإزار)).
أخرجه النسائي (٢ / ٢٩٩) من طريق الأعمش ، والسياق له ، والترمذي
٤٠٦

(٣٢٩/١)، وابن ماجه (٣٥٧٢) من طريق أبي الأحوص، وابن حبّان (١٤٤٧)،
وأحمد (٥ / ٣٨٢ و٤٠٠ - ٤٠١) عن سفيان عن أبي إسحاق عن مسلم بن نُذير
عن حذيفة به .
وتابعهما زید بن أبي أنيسة عند ابن حبان (١٤٤٨) ، وقال الترمذي :
(( حديث حسن صحيح ، رواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق)).
قلت : كأنّه يشير بروايتهما الحديث عنه أنّه سالم من الإعلال باختلاط أبي
إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي - فإنّهما رويا عنه قبل اختلاطه كما
صرّحوا بذلك، وفي حفظي عن الحافظ أن الأعمش كذلك، فإنه أقدم منهما ،
مات سنة (١٤٨)، ومات شعبة سنة (١٦٠)، وسفيان بعده بسنة ، بل هو من
شيوخهما ، وقد أخرج له مسلم عن السبيعي كما في ((تهذيب المزِّي )).
بقي أنّ أبا إسحاق قد رمي بالتدليس أيضاً ، وقد عنعنه ، والجواب من
وجهين :
الأول : أنّ شعبة لا يروي عنه ما لم يصرّح بسماعه فيه .
والآخر : أنّه قد صرّح فعلاً بذلك ، فقال أحمد (٥ / ٣٩٦): ثنا عفان : ثنا
شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت مسلم بن نذير به .
وكذلك أخرجه الطيالسي في ((مسنده)) (٤٤٥): حدثنا شعبة به إلا أنّه وقع
فيه ((مسلم بن قريش)) ، ولعلّه خطأ مطبعي .
( تنبيه): ما بين المعقوفتين من حديث الترجمة سقط من (( المسند)) وهي
زيادة يقتضيها السياق، وبدونها لا يظهر المراد من قوله: « ثمّ وضعها تحت الثانية)»
كما لا يخفى، وقد استدركتها من ((مجمع الزوائد)) و ((جامع المسانيد)» لابن
كثير (٩٠/١٠) .
٤٠٧

واعلم أنّ الأحاديث في موضع الإزار استحباباً وإباحةً وتحريماً كثيرة ، وبعضها
في ((الصحيحين))، وقد خرّج الكثير الطيّب منها الحافظ المنذري في (( الترغيب
والترهيب))، وليس هذا منها ، ومن الغريب أنّه لم يذكره الشيخ أحمد
عبد الرحمن البنّا في هذا الباب من كتاب اللباس من (( الفتح الرباني)) (١٧ /
٢٣٤) ، ولا أدري إذا كان قد ذكره في مكان آخر منه ، والوقت لا يتّسع للتحقّق من
ذلك ، ولكن إن كان أورده فكان عليه أن ينبه على ذلك وأن يرشد إليه ، تسهیلاً
للمراجعة على الباحث . ثم أخبرني أحد إخواني أنّه أخرجه (٢٩٤/١٧).
وإنّما آثرت تخريجه لأمرين :
الأول : أنّ فيه تحديداً عملياً بديعاً لموضع الإزار المشروع وغير المشروع؛ لم أره
في غيره من الأحاديث .
والآخر : أنّ فيه بياناً واضحاً أنّ التفاوت الذي يرى في الناس بياضاً
وسواداً ، وطولاً وقصراً ، وبدانة ونحولة ، وهذا أشعر ، وذاك أجرد ، وهذا ألحى
(عظيم اللحية) وذاك كوسج! أو زلهب(١) ، وغير ذلك من الفوارق الخلقية أنّ كلّ
ذلك من خلق الله حسن ، فلا ينبغي للمسلم أن يحاول تغيير خلق الله عز وجل ،
وإلا استحق اللّعن كما في حديث «النامصات والمتنمِّصات، والواشمات
والمستوشمات، والفالجات المغيرات لخلق الله للحسن)). متفق عليه ، ويأتي
تخريجه بإذن الله رقم (٢٧٩٢) .
وكأنّ النبي * أراد تسلية عمرو الأنصاري الذي أطال إزاره ليغطي حمش
: ((إنّ الله قد أحسن كلّ شيء خلقه)). وهذا مما يحمل المسلم
ساقيه بقوله
(١) هو الخفيف اللحية. ((القاموس المحيط)) (١٢٢).
٤٠٨

على الرضا بقدر الله وقضائه في خلقه مهما بدا لبعض الناس ممن ضعفَ إيمانهم
وتكاثف جهلهم أنّه غير حسن! وهذا في الواقع مما يعطي قوّة للرأي القائل بأنّ المرأة
إذا نبت لها لحية أنّه لا يجوز لها أن تحلقها أو تنتفها ، لأنّ الله قد أحسن كلّ شيء
خلقه . ولا شك أنّها حين تنتفها إنّما تفعل ذلك للحسن والتجمّل كما تفعل
الواصلة لشعرها ، فتستحق بذلك لعنة الله ، والعياذ بالله تعالى .
وأما بالنسبة للإزار، فالأحاديث صريحة في تحريم جرّه خيلاء ، وأما بدونها
فقد اختلفوا، فمنهم من حرّمه أيضاً، وهو الذي يدلّ عليه تدرّجه ◌َ ﴿ مع عمرو
في بيان مواضع الإزار استحباباً وجوازاً ، ثم انتهاؤه به إلى ما فوق الكعبين ، وقوله
له: «هذا موضع الإزار))، فإنّه ظاهر أنّه لا جواز بعد ذلك، وإلا لم يُفِد التدرّج مع
القول المذكور شيئاً كما لا يخفى. ويؤيّده قوله ﴿: « ما أسفل من الكعبين في
النار)). رواه البخاري عن ابن عمر. ويزيده قوّة قوله {﴿ في حديث حذيفة
المتقدم: (( ... ولا حقّ للكعبين في الإزار)). قال أبو الحسن السندي في تعليقه
عليه :
(( والظاهر أنّ هذا هو التحديد ، وإن لم يكن هناك خيلاء . نعم إذا انضم إلى
الخيلاء اشتدّ الأمر، وبدونه الأمر أخفّ ».
قلت : نعم ، ولكن مع التحريم أيضاً لما سبق . ويقوّيه أن النبي
لما أذن
للنساء أن يرخين ذيولهنّ ثم أذن لهنّ أن يزدن شبراً (١) لكي لا تنكشف أقدامهنّ
بريح أو غيرها، لم يأذن لهنّ أن يزدن على ذلك ، إذ لا فائدة من وراء ذلك ،
فالرجال أولى بالمنع من الزيادة . استفدتُ هذا من الحافظ ابن حجر رحمه الله في
((الفتح)) .
(١) تقدم تخريجه (٤٦٠ و ١٨٦٤).
٤٠٩

وجملة القول : إنّ إطالة الثوب إلى ما تحت الكعبين لا يجوز للرجال ، فإذا
اقترن مع ذلك قصد الخيلاء اشتد الإثم ، فمن مصائب الشباب المسلم اليوم إطالته
سرواله ( البنطلون ) إلى ما تحت الكعبين ، لا سيّما ما كان منه من جنس
( الشرلستون ) ! فإنّه مع هذه الآفة التي فيه ، فهو عريض جداً عند الكعبين ،
وضيّق جداً عند الفخدين والأليتين ، مما يصف العورة ويجسمها ، وتراهم يقفون بين
يدي الله يصلّون وهم شبه عراة ! فإنّا لله وإنا إليه راجعون .
ومن العجيب أن بعضهم ممن هو على شيء من الثقافة الإسلامية يحاول أن
يستدل على جواز الإطالة المذكورة بقول أبي بكر لما سمع النبي
يقول : ((من
جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)): يا رسول الله ! إنّ أحد شقي إزاري
يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي عَ ل﴾: ((لست ممن يصنعه خيلاء)).
أخرجه البخاري وغيره کأحمد، وزاد في رواية: « يسترخي أحياناً » ، وكذلك رواه
البيهقي في («شعب الإيمان)) (٢ / ٢٢١ / ٢).
قلت : فالحديث صريح في أنّ أبا بكر يَجَاهِ لم يكن يطيل ثوبه ، بل فيه
أنّه كان يسترخي بغير قصد منه ، وأنّه كان مع ذلك يتعاهده، فيسترخي على
الرغم من ذلك أحياناً . قال الحافظ (١٠ / ٢١٧) عقب رواية أحمد :
(« فكأنّ شدّه كان ينحلّ إذا تحرك بمشي أو غيره بغير اختياره ، فإذا كان محافظاً
عليه لا يسترخي ، لأنّه كلما كاد يسترخي شدّه )).
ثم ذكر أنّ في بعض الروايات أنّه كان نحيفاً .
قلت : فهل يجوز الاستدلال بهذا والفرق ظاهر كالشمس بين ما كان يقع من
أبي بكر بغير قصد ، وبين من يجعل ثوبه مسبلاً دائما قصداً ! نسأل الله العصمة
من الهوى .
٤١٠

وإنّما تكلمت عن إطالة البنطلون والسروال ، لطروّ هذه الشبهة على بعض
الشباب ، وأما إطالة بعض المشايخ أذيال جببهم خاصّة في مصر ، وإطالة الأمراء
في بعض البلاد العربية لأعبئتهم فأمر ظاهر نكارته . نسأل الله السلامة والهداية .
كتبت هذا لعلّ فيمن طرأت عليه الشبهة السابقة كان مخلصاً ، فحينما
تتجلى له الحقيقة يبادر إلى الانتهاء عن تلك الآفة كما انتهى ذلك الشاب الذي
كان عليه حلّة صنعانية يجرّها سبلاً. فقال له ابن عمر ◌َالله: يا فتى هلمّ! قال :
ما حاجتك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : ويحك أتحبّ أن ينظر الله إليك يوم القيامة ؟
قال: سبحان الله! وما يمنعني أن لا أحب ذلك؟ قال: سمعت رسول الله عطانه
يقول: ((لا ينظر الله ... )). فلم يُرَ ذلك الشاب إلا مشمّراً حتى مات. رواه
البيهقي بسند صحيح ، ورواه أحمد (٢ / ٦٥) من طريق أخرى عن ابن عمر نحوه
دون قوله: ((فلم ير .... )).
من أعلام نبوّته
٢٦٨٣ - ( سيكونُ في آخر أمّتي رجالٌ يركبون على سروج كأشباهِ
الرحالِ ، ينزلون على أبواب المساجدِ ، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ ، على
رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ، العنوهُنَّ فإنَّهنّ ملعونات ، لو كانتْ
وراءَكم أمّةٌ من الأمم لخدمَهنّ نساؤكم، كما خدمكم نساءُ الأم
قبلكم ).
أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٣)، والمخلّص في (( بعض الجزء الخامس من الفوائد
والغرائب المنتقاة)) (ق ٢٦٤ /١)، والسياق له، وابن حبان في ((صحيحه))
(١٤٥٤ - موارد)، والطبراني في ((الصغير)) (٢٣٢ - هند)، و ((الأوسط))
٤١١

(رقم ٩٤٨٥ - ترقيمي ) مختصراً من طريق أبي عبد الرحمن المقري - عبد الله بن
يزيد - : ثنا عبد الله بن عيّاش بن عباس : ثنا أبي عيّاشُ بن عباس قال : سمعت
عيسى بن هلال الصدفي وأبا عبد الرحمن الحبلي يقولان : سمعنا عبد الله بن
عمرو بن العاص يقول : سمعت رسول الله #* يقول: فذكره . وقال الطبراني:
(( لا يروى عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد)).
وتابعه عبد الله بن وهب : أخبرني عبد الله بن عياش القِتباني به نحوه ، ولم
يذكر في إسناده أبا عبد الرحمن الحبلي ، وقال :
(( يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم)).
رواه الحاكم (٤٣٦/٤) وقال :
((صحيح على شرط الشيخين )). وردّه الذهبي بقوله :
(( قلت : عبد الله وإن كان قد احتج به مسلم ، فقد ضعفه أبو داود والنسائي ،
وقال أبو حاتم : هو قريب من ابن لهيعة )).
قلت : قد روى عنه الليث بن سعد الإمام ، وهو من أقرانه ، وذكره ابن حبّان
في ((الثقات))، فهو مع هذا واحتجاج مسلم به وسط حسن الحديث ، وغلا فيه
الشيخ أحمد شاكر فقال في تعليقه على هذا الحديث من («المسند» (٧٠٨٣):
((إسناده صحيح))!
وأشار الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٠١) إلى تقويته بتصديره إيّاه
بصيغة (عن)، ووقع عنده أنّ الحاكم قال: ((صحيح على شرط مسلم ))، وينبغي
أن يكون هذا هو أصل ((المستدرك)) و((تلخيصه))، لأنّه لو كان كما سبق نقلهُ:
((على شرط الشيخين)) لم يقل الذهبي في ردّه إياه ما سبق، ولقال: (( وإن كان قد
٤١٢

احتجّ به الشيخان ... ))، فقوله: (( ... مسلم ... )) دليل على أنّ الذي في
نسخته من ((المستدرك)): ((صحيح على شرط مسلم))، وعلى هذا فما في
المطبوعة من ((المستدرك)) خطأ من الناسخ أو الطابع.
( تنبيه هام ) :
وقعت هذه اللفظة ( الرحال ) في ((فوائد المخلّص)) بالحاء المهملة خلافاً لـ
((المسند)) و((الموارد)) وغيرهما، فإنّها بلفظ ( الرجال) بالجيم، وعلى ذلك
شرحه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنّا في ((الفتح الرباني)» (٣٠١/١٧) ، فقال :
(( معناه : أنّهم رجال في الحسِّ لا في المعنى، إذ الرجال الكوامل حسّاً
ومعنى لا يتركون نساءهم يلبسن ثياباً لا تستر أجسامهن)).
ولم ينتبه للإشكال الذي تنبّه له الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى إذ قال
في تعليقه على الحديث في ((المسند)) (١٢ / ٣٨):
((وقوله: (( سيكون في آخر أمّتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال ))
إلخ مشكل المعنى قليلاً، فتشبيه الرجال بالرجال فيه بعد ، وتوجيهه متكلّف ،
ورواية الحاكم ليس فيها هذا التشبيه ، بل لفظه: (( سيكون في آخر هذه الأمّة
رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم ، نساؤهم كاسيات عاريات))
إلخ .. وهو واضح المعنى مستقيمه، ورواية الطبراني - كما حكاها الهيثمي في
((الزوائد)) -: ((سيكون في أمّتي رجال يركبون نساؤهم على سروج كأشباه
الرجال)). ولفظ: ((يركبون)) غيّره طابع ((مجمع الزوائد)) - جرأة منه وجهلاً .
فجعلها ((يركب))، والظاهر عندي أنّ صحتها (( يُركبون نساءهم)) .
وعلى كل حال فالمراد من الحديث واضح بيّن ، وقد تحقق في عصرنا هذا ،
بل قبله وجود هاته النسوة الكاسيات الملعونات )).
٤١٣

قلت : لو أنّ الشيخ رحمه الله اطّلع على رواية (الرحال) بالحاء المهملة ،
لساعدته على الإطاحة بالإشكال ، وفهم الجملة فهماً صحيحاً ، دون أي توجيه أو
تكلُّف ، وهذه الرواية هي الراجحة عندي للأسباب الآتية :
أولاً: ثبوتها في ((الفوائد)) ونسختها جيّدة .
ثانياً: أنّها وقعت كذلك بالحاء المهملة في نسخة مخطوطة من (( كتاب
الترغيب والترهيب )) للحافظ المنذري محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق في
مجلد ضخم فيه خرم ، وهي وإن كانت نسخة مؤلّفة من نسخ أو خطوط متنوّعة ،
فإن الجزء الذي فيه هذا الحديث من نسخة جيدة مضبوطة متقنة ، ومما يدلّك على
ذلك أنّه كتب تحت الحاء من هذه الكلمة حرف حاء صغير هكذا (الرجال) ، إشارة
إلى أنّه حرف مهمل كما هي عادة الكتّاب المتقنين قديماً فيما قد يشكل من
الأحرف ، وكذلك فعل في الصفحة التي قبل صفحة هذا الحديث ، فإنّه وقع فيها
اسم (زَحْر) فكتب تحتها (ح) هكذا (زَجْر) .
ثالثاً : أنّ رواية الحاكم المتقدمة بلفظ : ((يركبون على المیاثر .. )) تؤكد ما
رجّحنا ، لأنّ (المياثر) جمع (ميثرة) و (الميثرة) بالكسر قال ابن الأثير: ((مفعلة من
الوثارة ، يقال: وتُر وَثارة فهو وثير، أي وطيء ليّن ، تعمل من حرير أو ديباج،
يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال)).
فإذا عرفت هذا ، فراوية الحاكم مفسِّرة للرواية الأولى ، وبالجمع بينهما يكون
المعنى أنّ السروج التي يركبونها تكون وطيئة لينة ، وأنّها ( أعني السروج ) هي
كأشباه الرحال ، أي من حيث سعتها .
وعليه فجملة (( كأشباه الرحال)) ليست في محلّ صفة لـ (رجال) كما شرحه
٤١٤

البنّا وغيره ، وإنّما هي صفة لـ (سروج) . وذلك يعني أنّ هذه السروج التي يركبها
أولئك الرجال في آخر الزمان ليست سروجاً حقيقية توضع على ظهور الخيل ، وإنّما
هي أشباه الرحال . وأنت إذا تذكّرت أنّ (الرحال) جمع رحل ، وأن تفسيره كما في
((المصباح المنير)) وغيره: ((كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير)).
إذا علمت هذا يتبيّن لك بإذن الله أن النبي * يشير بذلك إلى هذه المركوبة
التي ابتكرت في هذا العصر ، ألا وهي السيّارات ، فإنّها وثيرة وطيئة ليّنة كأشباه
سماها (بيوتاً) في حديث آخر تقدم برقم (٩٣)،
الرحال ، ويؤيّد ذلك أنّه
لكن تبيّن فيما بعد أنّ فيه انقطاعاً .
وإذن ففي الحديث معجزة علميّة غيبيّة أخرى غير المتعلّقة بالنساء الكاسيات
العاريات ، ألا وهي المتعلّقة برجالهن الذين يركبون السيارات ينزلون على أبواب
المساجد. ولعمر الله إنّها لنبوءة صادقة نشاهدها كل يوم جمعة حينما تتجمع
السيارات أمام المساجد حتى ليكاد الطريق على رحبه يضيق بها ، ينزل منها رجال
ليحضروا صلاة الجمعة ، وجمهورهم لا يصلون الصلوات الخمس ، أو على الأقل لا
يصلونها في المساجد ، فكأنهم قنعوا من الصلوات بصلاة الجمعة ، ولذلك يتكاثرون
يوم الجمعة ، وينزلون بسياراتهم أمام المساجد فلا تظهر ثمرة الصلاة عليهم، وفي
معاملتهم لأزواجهم وبناتهم ، فهم بحق (( نساؤهم كاسيات عاريات )) !
وثمّة ظاهرة أخرى ينطبق عليها الحديث تمام الانطباق ، ألا وهي التي نراها في
تشييع الجنائز على السيارات في الآونة الأخيرة من هذا العصر . يركبها أقوام لا
خلاق لهم من الموسرين المترفين التاركين للصلاة ، حتى إذا وقفت السيارة التي
تحمل الجنازة وأدخلت المسجد للصلاة عليها ، مكث أولئك المترفون أمام المسجد في
٤١٥

سياراتهم ، وقد ينزل عنها بعضهم ينتظرون الجنازة ليتابعوا تشييعها إلى قبرها(١)
نفاقاً اجتماعياً ومداهنة، وليس تعبّداً وتذكُّراً للآخرة ، والله المستعان .
هذا هو الوجه في تأويل هذا الحديث عندي ، فإن أصبت فمن الله ، وإن
أخطأت فمن نفسي ، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لي خطئي وعمدي ، وكل
ذلك عندي .
(تنبيه آخر) : تناقضت الآراء في مرتبة هذا الحديث كنتيجة لاختلاف أقوال
الحفّاظ في راويه (عبد الله بن عياش بن عباس) .
أما المرتبة ، فقد صححه الحاكم والشيخ أحمد شاكر، خلافاً للذهبي كما
رأيت، وتبعه المعلِّق على ((الإحسان)) (١٣ / ٦٤ - ٦٥)، وبناء على ذلك ضعّفه
في طبعته من ((الموارد)) (١ / ٦٦٨ - ٦٦٩)، بخلاف الداراني المعلّق على طبعته
من ((الموارد)) (٤ / ٤٤٨ - ٤٤٩)؛ فإنّه حسن إسناده .
وهذا هو الذي جريت عليه في تخريجاتي في عديد من كتبي وتعليقاتي منذ
عشرات السنين ، فانظر مثلاً الحديث المتقدّم برقم (٨٩٦)، وفي (( تخريج مشكلة
الفقر)) برقم (١٠٢)، والتعليق على ((تحذير الساجد)) (ص ٧) .
وأما المعلّق على («الإحسان)) فكان متناقضاً في ذلك أشدّ التناقض ، فبينا
نراه هنا ضعّف حديثه هذا إذا به يحسّن له ثانياً (١٢ / ٣٨٠)، ويصحح له ثالثاً
(٣ / ٥٠)، ويقول في رابع (١ / ٢٩٨): ((وإسناده حسن في الشواهد))، وفي
خامس (٨ / ٢٤٦): ((حديث صحيح))، يعني لغيره، ولم يحسِّن إسناده ! ومثل
(١) قلت: وأما قولهم في الإذاعات وغيرها: (( .. مثواه الأخير)) فكفر لفظيّ على الأقل، وأنا
أتعجب كل العجب من استعمال المذيعين المسلمين لهذه الكلمة ، فإنهم يعلمون أن القبر ليس هو المثوى
الأخير، بل هو برزخ بين الدنيا والآخرة ، فهناك البعث والنشور ثم إلى المثوى الأخير، كما قال تعالى :
﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾، وقال في الأخير: ﴿فالنار مثوى لهم﴾، وما ألقى هذه الكلمة
بين الناس إلا كافر ملحد، ثم تُقلدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة! ﴿فهل من مذكر﴾؟
٤١٦

هذا التناقض الثلاثي في إسناد راوٍ واحد من تضعيف إلى تحسين إلى تصحيح ،
لا يقع عادة إلا من معلّق غير متمكّن في هذا العلم ، حديث عهد به ، أو أن ذلك
من أكثر من شخص تداولوا التعليق على (( الإحسان))؛ مختلفي السويّة في هذا
العلم والتحقيق فيه ، وهذا هو الذي يغلب على الظنّ ، وكان من آثار ذلك أن تظهر
هذه الأحكام المتناقضة في طبعة (( الموارد)) في أحاديثه ، فانظر مثلاً الأحاديث
المرقمة بـ (٩٦ و٤٧٢ و٨٨٠ و ٢٥٥١)، ومن الغرائب أنّ حديث الرقم (٤٧٢)
راويه عن (عياش) كان اختلط ، ولذلك جعلته من حصّة كتابي ((ضعيف الموارد»
وهو وقسيمهُ ((صحيح الموارد)) تحت الطبع، يسّر الله نشرهما قريباً إن شاء
الله تعالى .
وأما الاختلاف في الراوي ، فحسبك ما ذكره الذهبي في تعقيبه ، ومنها
قول أبي حاتم ، وتمامه :
(( ليس بالمتين ، صدوق يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧ / ٥١ و٨ / ٣٣٤).
ومن ذلك قول الذهبي المتقدّم: ((احتجّ به مسلم))، وكذا في ((سيرِهِ))
(٧ / ٣٣٤)، فخالفه الحافظ فقال في ((التقريب)):
(( صدوق يغلط ، أخرج له مسلم في الشواهد )).
وقال في (( التهذيب )) متعقّباً المزِّي الذي أطلق العزو لمسلم :
(( قلت : حديث مسلم في الشواهد لا في الأصول )).
:
قلت : والحديث الذي يشير إليه حديث عقبة بن عامر في النذر:
((لتمش ولتركب)). وهو مخرّج في ((الإرواء)) (٨ /٢١٩) من رواية
الشيخين عن يزيد بن أبي حبيب بسنده عنه . وقد تابع عبد الله بن عياش سعيد
ابن أبي أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عند البخاري (١٨٦٦)، ولكن هل هذا مما
٤١٧

يسوغ القول بأنّ مسلماً روى له في الشواهد ، والمتابعة هذه ليست عنده ؟ في
ذلك عندي وقفة .
ومن ذلك أنّ الذهبي قال عقب قوله المتقدّم في (( السير)):
(( قلت : حديثه في عداد الحسن )).
وهذا الذي فهمناه أو استنبطناه من تلك الأقوال المختلفة ، وقد وافق الذهبيُّ
الحاكمَ على تصحيح بعض أحاديثه ، منها الحديث الذي سبق قريباً عزوه لـ
((تخريج المشكلة)) (١٠٢) .
٢٦٨٤ - (طَوْقٌ من نار يومَ القيامةِ. قاله لمن رأى عليه جبّةً مُجَيّبةً
بحریرٍ ) .
أخرجه البزّار (ص ١٧٢ - زوائد البزار)، والطبراني في ((الأوسط)) (رقم
٨١٦٦ - مصوّرتي) من طريقين عن إسماعيل بن عياش: ثنا الأزهر بن راشد : ثنا
سليم بن عامر عن جبير بن نفير عن معاذ بن جبل قال :
رأی النبي
ـ﴿ جبّة مجيّبة بحرير فقال : فذكره . وقال الطبراني :
(( لا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد، تفرّد به إسماعيل بن عياش)).
قلت : وهو ثقة في روايته عن الشاميين ، وهذه منها ، فإنّ الأزهر بن راشد
هذا هو الهوزني أبو الوليد الشامي ، قال الذهبي :
(( من شيوخ حريز بن عثمان، يروي عن عصمة بن قيس ، وله صحبة ، ما
علمت به بأساً)) .
قلت: ويشير الذهبي إلى قول أبي داود: ((شيوخ حريز ثقات)).
٤١٨
-

وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣ / ١١)، وقال ابن حجر في (( التقريب)):
(( صدوق )) .
قلت : وسائر رجاله ثقات ، فالإسناد صحيح . واقتصر المنذري على قوله
(٣ / ١٠٣) :
((رواه البزّار والطبراني في ((الأوسط))، ورواته ثقات)).
وتبعه الهيثمي (٥ / ١٤٢) كغالب عادته .
وقوله : (مجيّبة) بضم الميم وفتح الجيم بعدهما مثناة مِن تحت مفتوحة
مشدّدة ثم باء موحّدة ، أي : لها جيب من حرير وهو المطوق . قاله المنذري .
قلت : ولعلّ الحرير الذي رآه ◌َهم على الجيب كان أكثر من أربع أصابع،
لأنّ ما دونها مستثنى من التحريم لحديث عمر مَالله قال :
((نهى نبي الله عَ﴿ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع
[وأشار بكفه] » .
أخرجه مسلم (٦ / ١٤١)، والنسائي (٢ / ٢٩٨)، وابن حبان (٥٤١٧)،
وأحمد (١ / ٥)، والزيادة له من طريق سويد بن غَفَلَة عنه . وأخرجه ابن حبّان
(٥٤٠٠) مختصراً، وكذا أبو يعلى (١ / ٦٤) من طريق أبي عثمان النهدي عنه .
وأصله في ((الصحيحين))، وراجع إن شئت شرحه في (( فتح الباري)) (١٠ /
١٤١ - ١٤٢) .
٢٦٨٥ - ( كنا نسميها شبّاعةٌ، (يعني: زمزم)، وكنا نجدُها نِعْمَ
العون على العيالِ ).
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١١٧/٥)، وعنه الطبراني في ((الكبير))
٤١٩

(٣ / ٩٠ / ٢) عن الثوري عن ابن خُثَيْم أو عن العلاء - شكّ أبو بكر - عن أبي
الطفيل عن ابن عباس قال : سمعته يقول : فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيّد رجاله ثقات رجال مسلم ، لولا الشكّ في شيخ
الثوري ، هل هو ابن خثيم - واسمه عبد الله بن عثمان المكّي ، وهو صدوق من
رجال الإمام مسلم - أم هو العلاء؟ فنظرنا فوجدنا الأزرقي قد أخرجه في ((أخبار
مكة )) (ص ٣٩١) من طريق أخرى فقال : حدثني محمد بن يحيى عن سليم بن
مسلم عن سفيان الثوري عن العلاء بن أبي العباس عن أبي الطفيل به .
فهذا يرجّح أنّ الشيخ هو العلاء بن أبي العباس ، وهو ثقة ثقة كما قال ابن
معين فيما رواه ابن أبي حاتم (٣٥٦/١/٣)، لكن سليم بن مسلم - وهو الخشاب -
متروك الحديث كما قال النسائي . وقال أحمد :
«لا يساوي حديثه شيئاً )) .
قلت : فمثله مما لا يرجّح به ، فيبقى الشكّ على حاله ، ولكنه لا يلقي على
الإسناد ضعفاً ، لأنّ الشكّ دار بين ثقتين ، غاية ما في الأمر أنّه يحول بيننا وبين
إطلاق القول بأنّ رجاله رجال «الصحيح)»، ولذلك قال الهيثمي (٣ / ٢٨٦):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله ثقات)).
فإنّ هذا يصدق سواء كان الشيخ هو ابن خثيم ، أو العلاء ، وقال المنذري في
(الترغيب)) (٢ / ١٣٣):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، وهو موقوف صحيح الإسناد)).
(فائدة) أبو بكر الذي شكّ في إسناد الحديث هو عبد الرزاق نفسه صاحب
((المصنف)). وغالبه من رواية أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الدّبَري عنه ، وذلك
أنّي رأيت بعض كتبه من رواية غير الدبري عنه، فمثلاً كتاب ((أهل الكتاب )) هو
٤٢٠