النص المفهرس

صفحات 321-340

دخلت أنا وعروة بن الزبير يوماً على عائشة ، فقالت : لو رأيتما نبيّ الله
ذات يوم في مرضٍ مَرِضَهُ ، قالت : وکان له عندي ستة دنانير - قال موسى - أو
سبعة، قالت: فأمرني نبيّ الله ◌َ﴿ أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجع نبيّ الله
حتى عافاه الله ، قالت : ثم سألني عنها فقال : ما فعلت الستة ؟ قال : أو
السبعة ؟ قلت : لا والله لقد كان شغلني وجعك . قالت : فدعا بها ، ثم وضعها
في كفّهِ ، فقال: فذكره. دون قوله: ((أنفقيها)).
أخرجه ابن حبّان (٢١٤١)، وأحمد (٦ / ١٠٤).
قلت : وإسناده صحيح بما قبله ، رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير موسى ابن
جبير وهو الأنصاري المدنيّ ، وقد روى عنه جمع من الثقات ، وأورده ابن حبّان في
(( ثقاته)) (٧ / ٤٥١)، وقال :
((كان يخطىء ويخالف)).
الثالثة : عن يعقوب بن عبد الرحمن : حدثني أبي عن أبيه أو عبيد الله بن
عبد الله - شكَّ يعقوب - عن عائشة قالت :
أتت رسول الله ﴿ ثمانية دراهم بعد أن أمسينا ، فلم يزل قائماً وقاعداً لا
يأتيه النّوم ، حتى سمع سائلاً يسأل ، فخرج من عندي فما عدا أن دخل ،
فسمعت غطيطهُ ، فلمّا أصبح قلت : يا رسول الله رأيتك أوّل الليل قائماً وقاعداً لا
يأتيك النّوم حتى خرجت من عندي ، فما عدا أن دخلت فسمعت غطيطك؟ قال :
ي ...
أجل ، أتت رسول الله ثمانية دراهم بعد أن أمسى ، فما ظنّ رسول الله
الحديث ، دون الزيادة .
أخرجه ابن سعد . ورجاله ثقات ؛ غير والد عبد الرحمن ؛ ترجمه ابن أبي
حاتم (٣ / ٢ / ٣٠٠) ، فقال:
٣٢١

(( محمد بن عبد الله بن عبد القاري ، وهو جدّ يعقوب بن عبد الرحمن
المدينيّ الإسكندراني ، روى عن أبيه عن عمر وأبي طلحة . روى عنه الزهري وابنه
عبد الرحمن)). ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وهو على شرط ابن حبّان
فليراجع كتابه (( الثقات )) (٧ / ٣٧٤) ، وقد تردّد يعقوب هل هو الراوي له عن
عائشة ، أو عبيد الله بن عبد الله ، وعبيد الله هذا لم أعرفه ، ومحمد بن عبد الله
القاري مجهول الحال فيما يظهر مما نقلته عن ابن أبي حاتم ، فإن صحَّ هذا عن
عائشة ، فهي قصَّة أخرى غير التي تقدَّمت . والله أعلم .
ونحوها ما أخرجه ابن سعد أيضاً؛ قال : أخبرنا سعيد بن منصور: نا يعقوب
ابن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال :
((كانت عند رسول الله ﴿ سبعة دنانير وضعها عند عائشة ، فلمّا كان في
مرضه قال : يا عائشة ابعثي بالذهب إلى عليّ. ثم أُغْميَ على رسول الله
وشغل عائشة ما به ، حتى قال ذلك ثلاث مرّات ، كلّ ذلك يغمى على رسول الله
﴿، ويشغل عائشة ما به، فبعثت - يعني به - إلى عليّ فتصدّق به ، ثمّ أمسى
ليلة الاثنين في جديد الموت ، فأرسلت عائشة إلى امرأة من النساء
رسول الله
بمصباحها ، فقالت : اقطري لنا في مصباحنا من ◌ُكّتِكِ السمن ، فإنّ رسول الله
في جديد الموت )).
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وقال المنذري (٢ / ٤٢)، ثمّ
الهيثمي (٣ / ١٢٤):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورواته ثقات محتجّ بهم في (الصحيح))).
(جديد الموت) كذا وقع في ((الطبقات)) و((المجمع)) و ((الترغيب)) أيضاً
٣٢٢

(طبعة المنيريَّة) ، لكن المعلّق عليه صحّحه بزعمه فجعله (حديد) بالحاء المهملة ثم
علَّق عليه فقال :
((في بعض النسخ ((جديد الموت)) بالجيم، وهو خطأ، والصواب ((حديد))
بالحاء المهملة ، أي بسجن الموت وشدّته والله أعلم )).
قلت : وما خطَّأه هو الصواب ، والمعنى ظاهر جداً : أي في وجه الموت وطريقه ،
فقد جاء في (( النهاية)):
((وفيه: (( ما على جديد الأرض)) أي وجهها)).
ثمَّ رأيت في (لسان العرب)) ما هو صريحٌ في ما ذكرت. قال (٣ / ١١٢) :
(( والجديد : ما لا عهد لك به، ولذلك وصف الموت بالجديد ، هذلية، قال
أبو ذؤيب :
فقلت لقلبي يا لك الخيرُ إنما
يُدَلِّیك للموت الجدید حبابُها
وقال الأخفش والمغافص الباهلي: ((جديد الموت : أوله)).
فصحّ ما قلته ، والحمد لله .
٢٦٥٤ - ( من لم يَدْعُ الله يغضبْ عليه) .
أخرجه البخاري في (( الأدب المفرد)) (٦٥٨)، والترمذي (٢ / ٣٤٢)، وابن
ماجه (٣٨٢٧)، والحاكم (١ / ٤٩١)، وأحمد (٢ / ٤٤٢ و٤٧٧) ، وابن أبي
شيبة (١٠ / ٢٠٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (١ / ٣٥ /١٠٩٩)، والطبراني
في ((الدعاء)) (٢ / ٧٩٦ / ٢٣)، وفي ((الأوسط)) (٣ / ٢١٦ / ٢٤٥٢ط)،
وابن عدي في ((الكامل)) (٧ / ٢٩٥)، والبغوي في ((تفسيره)) (٧ / ٣١٠ -
منار) من طرق كثيرة عن صبيح أبي المليح قال : سمعت أبا صالح يحدّث عن أبي
هريرة مرفوعاً . وقال الحاكم :
٣٢٣

((صحيح الإسناد، فإنّ أبا صالح الخوزي ، وأبا المليح الفارسي لم يُذْكرا
بالجرح ، إنّما هما في عداد المجهولين ؛ لقلّة الحديث)).
كذا قال ، وأقرّه الذهبي، وفيه نظر من جهة أبي المليح ، فإنّه ليس مجهولاً ،
كيف وقد روى عنه جمع من الثقات، ذكرهم في ((التهذيب))، منهم: وكيع بن
الجراح ومروان بن معاوية الفزاري وحاتم بن إسماعيل وأبو عاصم الضحاك بن مخلد
الشيباني ، وهؤلاء كلّهم رووا هذا الحديث عنه ، فأنّى له الجهالة ، لا سيّما وقد قال
ابن معين فيه: ((ثقة))، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) (٤٧٥/٦)، ووثقه الحافظ .
وأما شيخه أبو صالح الخوزي ، فحَشْرُه في زمرة المجهولين هو اللائق بمثله ،
لأنّهم لم يذكروا راوياً عنه سوى أبي المليح هذا ، لولا أنّ أبا زرعة قال فيه: ((لا
بأس به))، كما ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٤ / ٢ / ٣٩٣) وأقرّه،
ولذلك قال الحافظ ابن كثير في « التفسير» (٧ / ٣٠٩) عقب الحديث، وقد
ساقه من طريق أحمد بأحد إسناديه :
(( تفرّد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به)).
وهذا عين ما كنت قلته في السلسلة الأخرى تحت الحديث (٢١)، وقد
ذكرت ذلك بالمناسبة ، فقلت ثمّ :
« وهو حديث حسن )).
وقد أشكل هذا على بعض الطلبة من إخواننا الكويتيين ونسب إليَّ أنَّني
صحَّحت الحديث . والواقع أنَّني حسَّنته فقط كما ذكرت آنفاً؛ بل ورددت على
الحاكم تصحيحه إيّاه تحت الحديث المشار إليه ، كما نسب إليَّ غير ذلك مما لا
يحسن ذكره هنا ، وسأكتب إليه بذلك إن شاء الله تعالى .
٣٢٤

(تنبيهات) :
.الأول: قول ابن كثير: «تفرد به أحمد» يعني : دون أصحاب الستة ، وهو
وهمّ ، فقد عرفت من تخريجنا إيّاه أنه قد رواه بعضهم .
الثاني : تصحیح الحاکم للحديث مع تصريحه بجهالة بعض رواته ، دلیل
على أنّ من مذهبه تصحيح حديث المجهولين ، فهو في ذلك كابن حبّان ، فاحفظ
هذا فإنّه ينفعك في البحث والتحقيق إن شاء الله تعالى .
الثالث : زاد الحاكم في رواية له من طريق محمد بن محمد بن حبّان
الأنصاري : ثنا محمد بن الصبّاح الجَرجرائي : ثنا مروان بن معاوية الفزاري : ثنا
أبو المليح بإسناده :
(( ... وإنّ الله ليغضب على من يفعله ، ولا يفعل ذلك أحد غيره . يعني
الدعاء)).
فظننت أنّ هذه الزيادة مدرجة في الحديث من الجرجرائي أو الأنصاري
فإنّي لم أعرفه ، والفزاري من شيوخ أحمد في حديث الترجمة ، وأحمد جبلٌ في
الإتقان والحفظ ولم يذكرها عنه مع متابعة الثقات له كما سبق ، ولذلك أوردت
الحديث بهذه الزيادة في (( الضعيفة)) (٤٠٤٠).
ثمّ إنّ للحديث شاهدين من حديث أنس ، والنعمان بن بشير .
١ - أما حديث أنس ؛ فيرويه حماد بن عبد الرحمن الكلبي ، عن المبارك بن
أبي حمزة عن الحسن عنه عن النبي ﴿ فيما يذكر عن ربّه عزّ وجل :
((يا ابن آدم ! إنّك إن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني أغضب عليك)).
أخرجه الطبراني في «الدعاء)) (رقم ٢٤) .
٣٢٥

وحماد ، وابن أبي حمزة ضعيفان .
٢ - أما حديث النعمان ؛ فهو بلفظ :
((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ: ﴿وقالَ ربُّكمُ ادعوني استجبْ لكُمْ إِنَّ الذينَ
يستكبرون عن عبادتي سيدخلونَ جهنم داخرين ﴾ .
أخرجه أصحاب السنن وغيرهم ، وصحّحه ابن حبّان والحاكم والذهبي
وغيرهم، وهو مخرّج في ((أحكام الجنائز)) (ص ٢٤٦ / المعارف)، و(( صحيح
أبي داود)) (١٣٢٩)، و ((الروض النضير)) (٨٨٨).
وإنَّ مما لا شكَّ فيه أنَّ الاستكبار عن عبادته تعالى ودعائه يستلزم غضب الله
تعالى على من لا يدعوه ، فشهادة هذا الحديث لحديث الترجمة شهادة قويّة لمعناه
دون مبناه .
وقد غفل عن هذه الأحاديث بعض جهلة الصوفيّة أو تجاهلوها ، بزعمهم أنّ
دعاء الله سوء أدب مع الله ؛ متأثّرين في ذلك بالأثر الإسرائيلي :
(( علمه بحالي يغني عن سؤاله )) !
فجهلوا أنّ دعاء العبد لربِّه تعالى ليس من باب إعلامه بحاجته إليه سبحانه
وتعالى ﴿يعلم السرَّ وأخفى﴾، وإنَّما من باب إظهار عبوديته وحاجته إليه وفقره ،
كما تقدّم بيانه في المجلّد الأول من (( الضعيفة)) رقم (٢٢).
٢٦٥٥ - ( من أدَّى زكاة ماله، طيِّبةً بها نفسُهُ ، يريدُ وجْهَ الله
والدار الآخرة ؛ لم يغيّب شيئاً من ماله ، وأقام الصلاةَ ، وأدّى الزكاة ،
فتعدّى عليه الحقُّ ، فأخذ سلاحَهُ فقاتل، فقتل ؛ فهو شهيدٌ) .
أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه)) (٢٣٣٦) عن زكريا بن يحيى بن أبان
٣٢٦

المصري ، والحاكم (١ / ٤٠٤ - ٤٠٥) عن أحمد بن إبراهيم بن ملحان كلاهما
قالا : ثنا عمرو بن خالد الحراني : ثنا عبيد الله بن عمرو الرقّي عن زيد بن أبي
أنيسة عن القاسم بن عوف الشيباني عن علي بن الحسين قال : حدّثتنا أمّ سلمة :
أنّ النبي ◌َ﴿ بينما هو في بيتها وعنده رجال من أصحابه يتحدّثون إذ جاء
رجل فقال: يا رسول الله كم صدقة كذا وكذا من التمر؟ قال رسول الله خيرا :
((كذا وكذا من التمر))، فقال الرجل : إنّ فلاناً تعدّى عليّ فأخذ مني كذا وكذا؛
فازداد صاعاً ؟ فقال :
(( فكيف إذا سعى عليكم من يتعدّى عليكم أشدّ من هذا التعدّي؟)) .
فخاض الناس وبهرهم الحديث ، حتى قال رجل منهم : يا رسول الله إن كان
رجلاً غائباً عنك في إبلهِ وماشيته وزرعه وأدّى زكاة ماله فتعدّى عليه الحقّ ،
فکیف یصنع وهو غائب ؟ فقال رسول الله
: فذكره .
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وإنّما هو وهمٌ منهما ، بل
هو صحيح فقط ، ليس على شرطهما ولا على شرط أحدهما ؛ فإنَّ عمرو بن خالد
لم يرو له مسلم ، والقاسم بن عوف الشيباني لم يخرج له البخاري .
والحديث أورده في ((المجمع)) (٣ / ٨٢) ، وقال:
((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجال الجميع رجال
الصحيح )) .
قلت: وأخرجه أحمد (٦ / ٣٠١) : ثنا زكريا بن عدي قال : أنا عبيد الله
(الأصل: عبد، وهو خطأ) ابن عمرو به مختصراً .
٣٢٧

وهو في (( كبير الطبراني)) (٢٣ / ٢٨٧ / ٦٣٢)، و ((الأوسط)) (٢٩/٣/
١٣٧٠ - مجمع البحرين) بتمامه، وكذلك رواه البيهقي في ((السنن)) (٤ / ١٣٧)
من طريق الحاكم .
والجملة الأخيرة من الحديث: (( من قاتل دون ماله فهو شهيد)) لها شواهد
كثيرة في (( الصحيحين)) وغيرهما بألفاظ متقاربة، قد خرّجت بعضها في ((أحكام
الجنائز)) (ص ٥٦ - ٥٧ - طبعة المعارف)، وفيما يأتي من هذه السلسلة ، (المجلد
السابع رقم ٣٢٤٧) ، وفي بعضها بيان أنّ الحديث ببعض القيود ، مثل أن يذكّره
بالله ثلاثاً ، لعلَّه يرعوي ، فإن لم يرتدع ، استعان بمن حوله من المسلمين ، فإن لم
يكن حوله أحد ، استعان عليه بالسلطان إن أمكن ، فإذا تعاطى المظلوم هذه
الأسباب ونحوها فلم يندفع الظالم ، قاتله ، فإن قتله فهو في النار ، وإن قتل فهو
شھید .
٢٦٥٦ - ( إنَّ الله لا ينظُرُ إلى [أجسادكم، ولا إلى] صوركم
وأموالِكم ، ولكن [إنما ] ينظُرُ إلى قلوبكم [وأشار بأصابعه إلى صدره]
وأعمالكم ) .
أخرجه مسلم (٨ / ١١)، وابن ماجه (٤١٤٣)، وأحمد (٢ / ٥٣٩)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٩٨)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٤٨٠)
من طرق عن كثير بن هشام : ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصمّ عن أبي
هريرة مرفوعاً به . والزيادة الثانية لابن ماجه وأحمد والبيهقي . وقال أبو نعيم :
((رواه الثوري عن جعفر بن برقان به مثله)).
قلت : ثم وصله هو (٧ / ١٢٤) ، والبيهقي من طريق محمد بن غالب تمتام :
٣٢٨

ثنا قبيصة: ثنا سفيان به ، إلا أنّه قال: ((وأجسامكم)) بدل: ((وأموالكم)).
وقال أبو نعيم :
(( غريب من حديث الثوري عن جعفر، ولا أعلم رواه عنه [إلا] قبيصة)).
قلت : وتابعه غيره ؛ فقال أحمد (٢ / ٢٨٥) : ثنا محمد بن بكر البرساني :
ثنا جعفر ۔ یعني ابن برقان - به .
وله طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً به، وقال: ((أجسادكم)) مكان
((أموالكم))، وذكر الزيادة الأخيرة بدل ((وأعمالكم)) .
أخرجه مسلم من طريق أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيز قال :
سمعت أبا هريرة يقول : فذكره . والزيادة الأولى له .
وله شاهد صحيح معضل، فقال ابن المبارك في ((الزهد)» ( ١٥٤٤) : أخبرنا
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول اللّه ◌َ له: فذكره.
(تنبيه هام) : قال البيهقي عقب الحديث :
(( هذا هو الصحيح المحفوظ فيما بين الحفّاظ ، وأمّا الذي جرى على ألسنة
جماعة من أهل العلم وغيرهم: ((إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى
أعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم )) ، فهذا لم يبلغنا من وجه يثبت مثله ، وهو
خلاف ما في الحديث الصحيح ، والثابت في الرواية أولى بنا وبجميع المسلمين ،
وخاصّة بمن صار رأساً في العلم يقتدى به . وبالله التوفيق )).
قلت : ويبدو أنّ هذا الخطأ الذي جرى عليه من أشار إليهم البيهقي من أهل
العلم ، قد استمر إلى زمن الإمام النووي، فقد وقع الحديث في (( رياضه )) (رقم
٣٢٩

١٥٧٧ - المكتب الإسلامي) باللفظ الخطأ الذي حكاه البيهقي عن الجماعة (١) مع
أنّه أورده في أوّل كتابه (رقم ٨) مختصراً ليس فيه هذا الوهم ، ولا أدري أهو منه أم
من بعض ناسخي الكتاب ، ومن الغريب أن يستمر هذا الخطأ في أكثر النسخ
المطبوعة منه اليوم ، وأعجب منه أنّ شارحه ابن علاّن جرى على ذلك في شرحه
للحديث (٤ / ٤٠٦) مما هو ظاهر البطلان كما كنت شرحت ذلك في مقدِّمتي
لـ (( رياض الصالحين)) بتحقيقي.
وبهذه المناسبة لا بدَّلي من كلمة قصيرة حول طبع المكتب الإسلامي لهذا
الكتاب ((الرياض)) طبعة جديدة! سنة (١٤١٢).
لقد وضع لها مقدّمة سوداء ، ملؤها الزور والافتراء ، والغمز واللمز، مما لا
مجال الآن لتفصيل القول في ذلك فإنّه بحاجة إلى تأليف كتاب خاص ، والوقت
أضيق وأعزّ، وبخاصة أنّ كلّ من يقرأها ويقرأ بعض تعليقاته يقطع بأنّ الرجل
محرور، ومتناقض فيما يقول، و .. وإذا كانت الحكمة القديمة تقول: (( يغنيك
عن المكتوب عنوانه )) ، فيكفي القارىء دليلاً على ما أشرت إليه قوله تحت عنوان
الكتاب واسم المؤلف :
(( تحقيق جماعة من العلماء
تخريج محمد ناصر الدين الألباني » .
فغيّر وبدَّل ما كان في الطبعة الأولى: ((تحقيق محمد ناصر الدين الألباني))
فجعل مكان كلمة (تحقيق) كلمة (تخريج) ، لينسب التحقيق إلى غيره وهم
(جماعة العلماء)! وهذا أقلّ ما يقال فيه أنّه لم يتأدّب بأدب القرآن : ﴿ولا
تَبْخَسُوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ .
ثمّ من هم هؤلاء (العلماء)؟ لقد أبى أن يكشف عن أسمائهم لأمر لا يخفى
(١) ثم طبع هناك على الصواب مع التنبيه في الحاشية على خطأ الأصل.
٣٣٠

على كلّ قاريءٍ لبيب ، واعتذر هو عن ذلك بعذر أقبح من ذنب فقال في
((المقدّمة)) (ص ٦) :
(( اشترطوا علينا أن لا تُذكر أسماؤهم .. ))!
وإنّ من السهل جداً على القارىء أن يعرف حقيقة هؤلاء (العلماء) بالرجوع
إلى تعليقاتهم ، فإنّه سوف لا يجد علماً ولا تحقيقاً إلا ما كان في الطبعة الأولى،
وإلا ما ينقلونه من كتبي مثل ((صحيح أبي داود)) وغيره، بل إنّه سيرى ما يدلّ
على الجهل وقلّة العلم! وهاكم مثالاً على ذلك؛ ما جاء في حاشية (ص ٦٤٣)
تعليقاً على قول الإمام النووي رحمه الله في آخر الحديث (١٨٩١) :
((وفي رواية للبخاري ومسلم)).
(( قلت : رواها مسلم فقط ، فعزوها للبخاري وهم)» !
فأقول : بل هذا القائل هو الواهم، فإنّ الحديث في ((البخاري)) رقم (٣٢٤٥ -
فتح ٦ / ٣١٨) .
ثم أقول: من هو القائل: ((قلت ... ))؟
والجواب : مجهول باعتراف الناشر؛ الذي نقلت كلامه آنفاً ، فنسأله - وقد
حشر نفسه في (« جماعة العلماء )» باشتراكه معهم في التعليق والتصحيح مصرّحاً
باسمه تارة؛ هذا إن لم يكن هو المقصود بقوله: (( جماعة العلماء )) - فنسأله أو
نسأل ((جماعة العلماء)) - كلّه واحد! ـ : ما قيمة قول المجهول في علم مصطلح
· الحديث؟ وهذا إذا لم يكن قوله في ذاته خطأ ، فكيف إذا كان عين الخطأ كما
رأيت ؟!
ومن هذا القبيل قولهم أو قوله (!) تعليقاً على الحديث (١٣٥٦):
٣٣١

((يفهم من كلام الشيخ ناصر : أنّ الحديث ضعيف لتدليس الوليد بن
مسلم ، والأمر ليس كذلك ، فإنّ الوليد صرّح بالتحديث .. )).
قلت : فجهلوا أو جهل أنّ تدليس الوليد هو من نوع تدليس التسوية الذي لا
يفيد فيه تصريحه هو بالتحديث عن شيخه ، بل لا بدَّ أن يصرّح كل راو فوقه
بالتحديث من شيخه فما فوق ! فاعتبروا يا أولي الأبصار .
٢٦٥٧ - ( لما قدِمَ جعفرٌ من الحبشةِ عائَقَهُ النبيُّ عَليهِ).
أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٣ / ٣٩٨ / ١٨٧٦) من طريق إسماعيل بن
مجالد عن أبيه عن عامر عن جابر قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد مرشّح للتحسين ، مجالد - وهو ابن سعيد - ليس بالقوي ،
وبه أعلّه الهيثمي، فقال (٩ / ٢٧٢) :
(( .. وهو ضعيف، وقد وثّق، وبقيّة رجاله رجال الصحيح)).
وأقول : ولكن إسماعيل هذا ، وإن كان من رجال البخاري فقد تكلّم فيه
بعضهم من قبل حفظه . وقال الذهبي في (( الكاشف)):
(( صدوق)) .
وكذا قال الحافظ في ((التقريب ))، وزاد :
((يخطىء)) ..
قلت: وهذا أصحّ ، فمثله وسط ، يدور حديثه بين أن يكون حسناً لذاته أو
حسناً لغيره ، فإنْ توبع لم يتوقف الباحث عن تحسينه ، وهذا هو الواقع هنا ، فقد
تابعه مثله أو قريب منه ، وهو أسد بن عمرو عن مجالد بن سعيد به .
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٤ / ٢٨١).
٣٣٢

وأسد هذا اختلفوا فيه أيضاً، وهو من رجال ((اللسان))، وتجد أقوال الأئمة فيه
مفصلاً ، وفيه أنّ بعضهم تكلّم فيه لأنّه كان من أصحاب الرأي ، وقد وثّقه جمع
منهم أحمد وابن معين ، وعن هذا رواية أخرى من طريق أحمد بن سعيد بن أبي
مريم عنه قال: ((كذوب ليس بشيء)). وأشار الذهبي إلى رفض هذه الرواية ، ولعلّ
ذلك لجهالة أحمد بن سعيد هذا ، فإني لم أجد له ترجمة . وهي في نقدي حَرِيَّة
بالرَّفض لمخالفتها لكلِّ أقوال الأئمة الموثّقين والمضعّفين ، أما الموثّقين فواضح ، وأما
المضعَّفين ، فلأنَّ أكثرهم أطلق الضعف ، والآخرون غمزوه بضعف الحفظ ، أو أنَّ
عنده مناکیر ، وابن عدي الذي جاء من بعدهم ، ختم ترجمته بقوله فيه :
(( له أحاديث كثيرة عن الكوفيين ، ولم أر في أحاديثه شيئاً منكراً ، وأرجو أنّ
حديثه مستقيم ، وليس في أهل الرأي بعد أبي يوسف أكثر حديثاً منه )) .
قلت : فحريٌّ بمن كان كثير الحديث مثله ، وليس فيها ما ينكر أن يكون ثقة ،
ولئن وجد - كما ذكر بعضهم - فهو لقلَّته مغتفر . والله أعلم .
وبالجملة فالحديث بهذه المتابعة صحيح إلى مجالد بن سعيد ، ولكنَّه بحاجة
إلى ما يدعمه ، وقد وجدته ، فقال الأجلح عن الشعبي :
((أنَّ النبي ◌َ ﴿ استقبل جعفر بن أبي طالب حين جاء من أرض الحبشة ،
فقبَّل ما بين عينيه وضمَّه إليه (وفي رواية: واعتنقه))).
أخرجه ابن سعد (٤ / ٣٥)، وابن أبي شيبة (١٢ / ١٠٦)، ومن طريقه أبو
داود (٥٢٢٠) .
قلت : وهذا إسناد جيِّد مرسل ، الأجلح - وهو ابن عبد الله - صدوق ، فيه
كلام يسير لا يضرّ، ولذلك قال الذهبي في (( المغني)):
((شيعي ، لا بأس بحديثه، وليّنه بعضهم)).
٣٣٣

وقال الحافظ في (( التقريب)):
(( شيعيّ صدوق )) .
وزاد ابن أبي شيبة في أوله :
(( ما أدري بأيّهما أفرح؟ بقدوم جعفر، أو بفتح خيبر)).
وبهذه الزيادة أخرجه البيهقي في «السنن» (٧ / ١٠١)، و((شعب الإيمان))
(٦ / ٤٧٧ / ٨٩٦٨) ، وقال :
(( هذا مرسل)).
ثم رواه من طريق زياد بن عبد الله : ثنا مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي
عن عبد الله بن جعفر قال : فذكر حديث الترجمة (١) ، وقال :
(( والمحفوظ هو الأول؛ مرسل)).
قلت : وهذه متابعة ثالثة من زياد بن عبد الله ، وهو البَكّائي ، وفيه لين ، وقد
خالف ، فجعله من مسند عبد الله بن جعفر ، والصحيح عن مجالد من حديث
جابر كما تقدّم .
وقد وصله الحاكم (٣ / ٢١١) من طريق آخر عن الأجلح عن الشعبي عن
جابر به لكن ليس فيه (المعانقة) .
ثم رواه من طريق ثقتين عن الشعبي مرسلاً ، وقال :
(( هذا حديث صحيح ، إنّما ظهر بمثل هذا الإسناد الصحيح مرسلاً)).
قال الذهبي عقبهُ :
(١) قلت: وفي ((الشعب)) الزيادة المذكورة، وأخرى بلفظ: ((فقبَّل شفتيه))، وهي منكرة جداً،
والمحفوظ كما تقدّم، ويأتي بلفظ: ((ما بين عينيه)).
٣٣٤

(( وهو الصواب)) .
وهكذا مرسلاً ذكره الذهبي في ترجمة (جعفر) من كتابه (( السير)» (١ /
٢١٣). لكنَّه عاد فذكر فيما بعد الزيادة المشار إليها آنفاً، فقال (١ / ٢١٦):
(( وروي من وجوه أنّ النبي
لما قدم جعفر قال :
لأنا بقدوم جعفر أُسرّ منّي بفتح خيبر )) .
فأشار إلى أنّ للحديث أكثر من طريق واحد ، ولم يتنبّه لهذه الإشارة القويّة
المعلّق عليه ، فقال :
(( سبق تخريجه في الصفحة (٢١٣) تعليق (١))).
وإذا رجعت إلى التعليق المشار إليه ، فلا تجد فيه سوى العزو لابن سعد
والحاكم . ونقل كلامه المتقدّم، وتعقيب الذهبي عليه بأنّ المرسل هو الصواب !
وقد وجدت للحديث وجهين آخرين لعلّ الذهبي - وهو الحافظ النّحرير - أشار
إليهما :
الأول : عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال :
(( لما قدم جعفر على رسول الله ◌َ﴿ من أرض الحبشة، قبَّل رسولُ الله
ما بين عينيه ، ثم قال : ما أدري أنا بقدوم جعفر أسرّ، أو بفتح خيبر؟ )).
أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٢٢ / ١٠٠ / ٢٤٤) : حدثنا أبو
عقيل أنس بن سَلْم (الأصل: سالم) الخولاني وأحمد بن خالد بن مسرح قالا :
ثنا الوليد بن عبد الملك بن مسرح الحرّاني : ثنا مخلد بن يزيد عن عون بن أبي
جحيفة به .
قلت : وهذا إسناد جيّد: مخلد وعون ثقتان من رجال الشيخين . والوليد بن
٣٣٥

عبد الملك الحرّاني ، روى عنه جمع غير المذكورين ؛ منهم أبو زرعة - ولا يروي إلا
عن ثقة - وأبو حاتم ، وقال :
« صدوق » ..
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)» (٩ / ٢٢٧) ، وقال:
(( مستقیم الحديث)).
وأخرج له في ((صحيحه)) عدّة أحاديث، فانظر (( التيسير)).
وأبو عقيل أنس بن سَلْم الخولاني ، هو من الشيوخ المكثرين من الرواية ، فقد
ترجمه الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣ / ١٤٠) فذكر أنّه حدّث
بدمشق سنة (٢٨٩)(١) عن جمع من الشيوخ سمّاهم، منهم هشام بن عمار قارب
عددهم العشرين شيخاً . وروى عنه جمع من الشيوخ جاوز عددهم العشرة ، منهم
الطبراني وابن عدي . ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكن رواية هؤلاء عنه
تعديل له ، ولا سيَّما وقد أكثر الطبراني عنه، فروى له في كتاب ((الدعاء)» فقط
تسعة أحاديث (انظر المجلد الأول من (( الدعاء )) تحقيق الدكتور محمد سعيد
البخاري) وروى له في ((المعجم الأوسط)) (١ / ١٧١ / ٣١٨٨ - ٣١٩٠) ثلاثة
أحاديث، أحدهما في ((المعجم الصغير)) أيضاً (رقم ٦٨٩ - ((الروض النضير))).
وأمّا قرينه ( أحمد بن خالد بن مسرح) فقال الدارقطني كما في «اللسان»:
«ليس بشيء)).
ومن طريقه وحده أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير)» أيضاً (٢ / ١٠٧ /
(١) وذكره الذهبى فى وفيات هذه السنة تحت ترجمة (زكريا بن يحيى السجزي) من ((تذكرة
الحفّاظ» .
٣٣٦

١٤٧٠)، و ((المعجم الصغير)) (ص٨ - هندية رقم ٩٣٤ (( الروض النضير)))، وزاد
في (( الكبير)» :
((فعانقه)).
والوجه الآخر من الوجهين المشار إليهما ما ذكره الإمام البغوي في ((شرح
السنّة )) (١٢ / ٢٩٢) عقب الحديث المرسل :
﴿ تلقَّى جعفر بن أبي طالب ؛ فالتزمه ، وقبَّل
ما بين عينيه)) .
(( وعن البياضيّ أنّ النبي
والبياضيّ هذا لم أعرفه، وينسب إليها جمع من الصحابة فانظر ((الأنساب))
و ((تاج العروس))، ولم أقف على إسناده إليه، وقد وهم المعلّق على (( شرح
السنّة)) وهماً فاحشاً ، فقال :
(( أخرجه أبو داود (٥٢٢٠) في الأدب : باب في قبلة ما بين العينين ، ورجاله
ثقات ، لكنه مرسل )).
وإنّما عند أبي داود في الباب والرقم المشار إليهما حديث الشعبي المتقدِّم
معزواً إلى جمع منهم أبو داود بالرقم نفسه !
وثمَّة وجه ثالث لا يصلح للاستشهاد به ، أذكره بياناً لحاله ، وإلاّ ففيما تقدّم
كفاية ، وهو من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن يحيى بن سعيد
عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت :
(( لما قدم جعفر وأصحابه استقبله النبي :﴿ فقبَّله بين عينيه)).
أخرجه ابن عدي (٦ / ٢٢٠) ، ومن طريقه البيهقي ، وقال ابن عدي :
((رواه أبو قتادة الحرّاني عن الثوري عن يحيى بن سعيد: وقال : عن عمرة
عن عائشة )) .
٣٣٧

قلت : فذكر الحرّاني (عمرة) مكان (القاسم بن محمد) في رواية محمد بن
عبد الله بن عبيد ، وهو متروك كالحرّاني .
هذا وقد كنت منذ بعيد لا أرى تقبيل ما بين العینین لضعف حدیث جعفر
هذا بسبب الإرسال ، وعدم وقوفي على شاهد معتبر له ، فلما طبع (( المعجم
الكبير))، ووقفت فيه على إسناده من طريق (أنس بن سَلْم) ، وعلى ترجمته عند
ابن عساكر، وتبيّن لي أنّه شاهد قويّ للحديث المرسل ، رأيت أنّه من الواجب عليّ
نشره في هذه السلسلة ، أداءً للأمانة العلميّة ، ولعلمي أنّ الكثيرين من أمثالي لم
تقع أعينهم عليه فضلاً عن غيرهم ، فأحببت لهم أن يكونوا على بصيرة منه .
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
وللمعانقة في السفر شاهد قوي تقدم برقم (٢٦٤٧).
سبب النهي عن السير وحده
٢٦٥٨ - (نَهى عن الخلوةِ) .
أخرجه الحاكم (٢ / ١٠٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢/٢٢٩/٢/٢)،
وكذا البزّار في ((مسنده)) (رقم ٢٠٢٢ - كشف الأستار) من طريقين عن عبيد الله
ابن عمرو الرقّي عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
خرج رجل من خيبر ، فتبعه رجلان ، ورجل يتلوهما يقول: ((ارجعا)) حتى
أدركهما فردّهما، ثم [لحق الأول فـ] قال: إنّ هذين شيطانان، [وإني لم أزل
بهما حتى رددتهما عنك، فإذا أتيت رسول الله ◌َ﴿] فاقرأ على رسول الله
السلام ، وأعلمه أنّا في جمع صدقاتنا ، [و] لو كانت تصلح له بعثنا بها إليه ،
قال: فلما قدم [الرجل] على النبي ﴿ حدَّثه ، فنهى عند ذلك عن الخلوة .
وقال الحاكم - والسياق له ، والزيادات للبيهقي - :
٣٣٨

((صحيح الإسناد على شرط البخاري)). ووافقه الذهبي .
قلت : وهو كما قالا ، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري الحرّاني الثقة ، وليس
عبد الكريم بن أبي المخارق البصري الضعيف ، فإنّه وإن كان يروي أيضاً عن
عكرمة ، فليس هو من شيوخ عبيد الله الرّقي .
وفي هذا الحديث فائدة هامّة ، وهو تعليل النهي عن الوحدة بعّة غير معقولة
المعنى خلافاً لما كنت نقلته عن الطبري تحت الحديث (٦٢) ، فتنبه .
٢٦٥٩ - (لتُقاتلَنَّهُ وأنت ظالمٌ له . يعني الزبير وعلياً رضي الله
عنهما) .
أخرجه الحاكم (٣ / ٣٦٦) عن منجاب بن الحارث عن عبد الله بن الأجلح :
حدثني أبي عن يزيد الفقير ، (قال منجاب : وسمعت فضل بن فضالة يحدِّث به
جميعاً عن أبي حرب بن أبي الأسود قال :
(( شهدت علياً والزبير لما رجع الزبير على دابته يشق الصفوف ، فعرض له ابنه
عبد الله، فقال له: مالك؟ فقال: ذكرلي عليّ حديثاً سمعته من رسول الله خطيئة
يقول : ... (فذكره). فلا أقاتله. قال: وللقتال جئت؟ إنّما جئت لتصلح بين
الناس ويصلح الله هذا الأمر بك. قال: قد حلفت أن لا أقاتل . قال: فأعتق
غلامك جرجس ؛ وقف حتى تصلح بين الناس . قال : فأعتق غلامهُ جرجس ،
ووقف فاختلف أمر الناس فذهب على فرسه )) .
قلت : وهذا إسناد حسن من الوجه الأول ، وصحيح من الوجه الآخر إن
ثبتت عدالة فضل بن فضالة ، فإنّي لم أجد له ترجمة . ولا أستبعد أن يكون هو
فضيل بن فضالة الهوزني الشامي ، تحرّف اسمه على الناسخ ، وهو صدوق روى عنه
جمع، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وهو من رجال ((التهذيب)). أو أنّه
٣٣٩

فضيل بن فضالة القيسي البصري . روى عن أبي رجاء وعبد الرحمن بن أبي
بكرة ، روى عنه شعبة، وهو ثقة، وقال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٧٤) عن أبيه:
شيخ .
وهذا أقرب إلى طبقته من الأول ، فإنّه يروي عن التابعين كما ترى ، وذاك عن
الصحابة ، ثم هو بصري كشيخه أبي حرب . والله أعلم .
:
وتابعه عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الرقاشي عن جده عبد الملك عن
أبي حرب بن أبي الأسود الديلي قال : فذكره مختصراً .
أخرجه الحاكم أيضاً من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي : ثنا
أبو عاصم : ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الملك الرقاشي به . وقال :
-
« هذا حديث صحيح عن أبي حرب بن أبي الأسود ، فقد روى عنه یزید بن
صهيب الفقير وفضل بن فضالة في إسناد واحد )). ووافقه الذهبي .
ثم ساقه من الطريق المتقدّمة .
وقد خولف الرقاشي في إسناده، وهو ضعيف من قبل حفظه ، فقال أبو يعلى
في ((مسنده)) (١ / ١٩١ - ١٩٢) : حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم : نا أبو
عاصم عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي عن جده عبد الملك
عن أبي جرو المازني قال :
شهدت علياً والزبير به مختصراً .
وأبو يوسف هذا هو الدورقي الثقة . فروايته أرجح من رواية الرقاشي ، وتابعه
جعفر بن سليمان : ثنا عبد الله بن محمد الرقاشي : حدثني جدّي عن أبي جرو
المازني به .
أخرجه الحاكم . فهذا مما يرجِّح رواية أبي يوسف الدورقي .
٣٤٠