النص المفهرس
صفحات 241-260
وخالفهم ابن لهيعة وعمرو بن الحارث والليث بن سعد فقالوا :
((أصبت))، لم يقولوا: ((السنّة)).
قلت : ولا شكّ أنّ الصواب في إسناده إثبات البلوي فيه لاتفاق الثقات
الخمسة عليه كما رأيت .
وأما المتن ، فالصواب فيه إثبات لفظ ((السنّة ))، وذلك لأمور:
الأول : أن عدد النافين والمثبتين ، وإن كان متساوياً ، فالحكم للمثبتين
للقاعدة المعروفة: ((زيادة الثقة مقبولة)).
الثاني : أنّ هؤلاء المثبتين كلهم ثقات من رجال الشيخين ، بخلاف الأولين ،
ففيهم ابن لهيعة ، وليس من رجالهما على الكلام المعروف فيه .
الثالث : أنّ هناك ثقة آخر أثبت هذه الزيادة وهو موسی بن علي بن رباح كما
في الرواية الأولى ، ولم يختلف عليه فيها ، فهي الراجحة يقيناً، حتى لو كان
الأرجح رواية الثقات عن يزيد بن أبي حبيب ، لأن مدارها على البلوي وقد عرفت
أنّه مجهول لا يحتجّ به. وبهذه الجهالة أعلّه ابن حزم في ((المحلّى)) (٢ / ٩٢
- ٩٣)، فخفي عليه الطريق الأولى فضعّف الحديث من أصله فوهم، والظاهر أنّه لم
يقف عليها، فلا عجب منه، وإنّما العجب مما قاله الدارقطني في ((العلل))، فإنّه
بعد أن ذكر هذه الرواية الصحيحة قال :
(( وتابعه مفضل بن فضالة وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله
ابن الحكم البلوي عن علي بن رباح فقالا فيه: (( أصبت السنّة))، وخالفهم عمرو
ابن الحارث ، ويحيى بن أيوب، والليث بن سعد ، فقالوا فيه : ((فقال عمر:
أصبت))، ولم يقولوا: ((السنة))، وهو المحفوظ))(١).
(١) نقلته ملخصاً من ((الأحاديث المختارة)) ومن ((نصب الراية)) (١ / ١٨٠). ثم رأيته في ((علل
الدارقطني» (٢ / ١١٠ - ١١١).
٢٤١
قلت : وفيما قاله الدارقطني أخطاء تظهر لكلِّ من تأمّل تخريجنا السابق ،
وهاك بيانها ملخصاً :
الأول: ذكر ابن لهيعة مع مفضل في جملة من قال: ((أصبت السنّة))،
وإنّما هو ممن قال: ((أصبت )) فقط كما سبق .
الثاني : ذكر يحيى بن أيوب مع عمرو والليث اللذين قالا: ((أصبت)) كما
قال ابن لهيعة . والصواب أن يذكره بديل ابن لهيعة ، ويذكر هذا بديله هنا .
الثالث : قوله : وهو المحفوظ . والصواب العكس كما تقدَّم تحقيقه . ولعلّ
هذا الخطأ الثالث نشأ من الخطأين الأولين ، وهما نشاً من تلخيصه لروايات
المختلفين ، ومن الملاحظ أنّه لما جعل ابن لهيعة مع المفضل وحده ، وجعل يحيى
ابن أيوب مع عمرو والليث ضعف ذلك الجانب ، وقوي هذا الجانب ، زد على
ذلك أنّه نسي أن يجعل مع المفضل حيوة فازداد جانبه ضعفاً على ضعف ، كما
ذهل أن يقرن معهما موسى بن علي ، ولولا ذلك لتبيّن له الصواب إن شاء الله تعالى .
والخلاصة : أنّ الذين قالوا: ((أصبت السنّة )) هم أربعة :
١ - موسى بن علي بن رباح ..
٢ - المفضل بن فضالة .
٣ - حيوة بن شريح .
٤ - يحيى بن أيوب .
وكلّهم ثقات رجال الشيخين غير موسى
ابن علي ، فمن رجال مسلم وحده .
والذين قالوا : ((أصبت)) فقط هم ثلاثة :
١ - عبد الله بن لهيعة .
٢ - وعمرو بن الحارث .
٣ - واللیث بن سعد .
وهم من رجال الشيخين غير
ابن لهيعة كما تقدّم .
٢٤٢
وبهذا يتجلّى لك الصواب بإذن الله تعالى ، فلا جرم أنْ صحّحَ الحديث من
سبق ذكرهم، وتبعهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في (( مجموع الفتاوى))
(٢١ / ١٧٨) :
(( وهو حديث صحيح)).
ويمكن أن يُلحق بهم البيهقي والنووي وغيرهما ممن أورده ولم يضعِّفه ، بل
ساقه معارضاً به أحاديث التوقيت التي استدلَّ بها الجمهور ، فأجاب عنه البيهقي
عقبه بقوله :
((وقد روينا عن عمر بن الخطاب ◌ََّالله التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه
حين جاءه الثبت عن النبي ﴿ في التوقيت ، وإما أن يكون قوله الذي يوافق
السنَّة المشهورة أولى )) .
ونقله النووي في ((المجموع)) (١ / ٤٨٥) وارتضاه. فلو أنّهما وجدا مجالاً
لتضعيفه لاستغنيا بذلك عن التوفيق بينه وبين أحاديث التوقيت بما ذكراه .
على أنّه يمكن التوفيق بوجه آخر ، وهو أنْ يحمل حديث عمر على الضرورة
وتعذّر خلعه بسبب الرفقة أو غيره ، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
تعالى في بحثٍ طويلٍ له في المسح على الخفين .
وهل يشترط أن يكونا غير مخرّقين ؟ فقال (٢١ / ١٧٧):
(( فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوماً وليلة ، وثلاثة ولياليهن ، وليس
فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم ، والمفهوم لا عموم له ، فإذا كان يخلع بعد
الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث ، وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن
عامر لمّا خرج من دمشق إلى المدينة يبشّر الناس بفتح دمشق ، ومسح أسبوعاً
بلا خلع ، فقال له عمر : أصْبْتَ السنَّة. وهو حديث صحيح)) .
٢٤٣
وعمل به شيخ الإسلام في بعض أسفاره، فقال (٢١ / ٢١٥):
(( لما ذهبت على البريد ، وجدّ بنا السير، وقد انقضت مدّة المسح فلم يمكن
النزع والوضوء إلا بالانقطاع عن الرفقة ، أو حبسهم على وجه يتضرّرون بالوقوف ،
فغلب على ظنِّي عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة ، ونَزَّلتُ حديث
عمر وقوله لعقبة بن عامر: ((أصبت السنّة)) على هذا توفيقاً بين الآثار، ثم رأيته
مصرّحاً به في ((مغازي ابن عائذ)) أنه كان قد ذهب على البريد - كما ذهبت - لما
فتحت دمشق ... فحمدت الله على الموافقة ، (قال) : وهي مسألة نافعة جداً)).
قلت : ولقد صدق رحمه الله ، وهي من نوادر فقهه جزاه الله عنّا خير الجزاء ،
وقد نقل الشيخ علاء الدين المرادي في كتابه ((الإنصاف)) (١ / ١٧٦) عن شيخ
الإسلام أنه قال في (( الاختيارات)) :
(( لا تتوقت مدة المسح في المسافر الذي يشق (عليه) اشتغاله بالخلع واللبس ،
كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين)). وأقرّه .
وهو في ((الاختيارات)) (ص ١٥) المُفْردة .
٢٦٢٣ - (وَمَنْ أَمَركُ أن تُعَذِّب نفسك؟! صُم شَهْر الصبرِ ، ومِن
كُلِّ شهر يوماً . قلتُ : زِدْني . قال: صُم شهر الصَّيْرِ ، ومن كُلِّ شهرٍ
يومين . قلتُ: زِدْني أَجِدُ قُوَّة. قال: صُمْ شهر الصِّبْرِ ومن كلِّ شهر
=
=
ثلاثة أيام) .
أخرجه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٤ / ٢٣٨/١ - ٢٣٩)، والطيالسي
في ((مسنده)) (٣١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩ / ١٩٤ / رقم ٤٣٥)
عن حمّاد بن يزيد بن مُسلم : حدثنا معاوية بن قُرَّة عن كَهْمِس الهلالي قال :
٢٤٤
أسلمتُ، فأتيت النبيَّ ◌َّ فأخبرته بإسلامي ، فمكثت حولاً وقد ضمرت
ونحلَ جسمي [ثم أتيته] ، فخفض فيَّ البصر ثم رفعه ، قلت : أما تعرفني ؟ قال :
ومن أنت ؟ قلت : أنا كهمس الهلالي. قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قلت : ما
أفطرتُ بعدك نهاراً ، ولا نمتُ ليلاً، فقال : ... فذكره .
وأورده الحافظ في ((المطالب العالية)) (١ / ٣٠٣ / ١٠٣٦) من رواية الطيالسي
وسكت عليه ، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ١٩٧) :
((رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه حماد بن يزيد المنقري، ( قلت : وفي
(( الجرح)) المقرىء) ولم أجد من ذكره)).
قلت: وقد فاته أنّ البخاري ذكره في ((التاريخ)) (٢ / ١ / ٢٠) وكنّاهُ بأبي
يزيد البصري ، وقال :
(( سمع معاوية بن قرَّة، سمع منه موسى، وسمع أباه ومحمد بن سيرين)).
وكذا ذكره أيضاً ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ١٥١)، وزاد في شيوخه: بكر بن
عبد الله المزني ومخلد بن عقبة بن شرحبيل الجعفي . وفي الرواة عنه : يونس بن
محمد ، ومسلم بن إبراهيم ، ومحمد بن عون الزيادي ، وطالوت بن عباد
الجحدري . وينبغي أن يزاد فيهم : أبو داود الطيالسي ؛ فإنّه قد روى عنه هذا
الحديث، وذكره ابن حبان أيضاً في ((الثقات)) (٢ / ٦٢ - مخطوطة الظاهرية)،
وعلى هامشه بخط بعض المحدثين :
(( وذكره البزار، وقال: ليس به بأس)).
وللحديث شاهد من حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها بهذه القصة ،
وفي آخره زيادة أوردته من أجلها في ((ضعيف أبي داود)) برقم (٤١٩) .
٢٤٥
وعند الطيالسي في هذا الحديث قصة ، وفي آخرها حديث آخر أخرجه
الضياء في ((المختارة)) برقم (٢٥٨ و٢٥٩) من طريق الطيالسي وغيره .
متى يجوز صوم الفرض بنية النهار ؟
٢٦٢٤ - ( أَذِّن في قَوْمِك أو في النَّاس يوم عاشوراء : مَنْ [كان]
أَكَلِ فَلْيَصُم بقيّة يومِهِ [إلى الليلِ ] ، ومن لم يكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُم) .
ورد من حديث سَلَمة بن الأكوع ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، ومحمد بن صَيْفي ،
وهند بن أسماء ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، ورجال لم يسمّوا من
أسلم ، ومعبد القرشي ، ومحمد بن سيرين مرسلاً.
١ - أما حديث سلمة ؛ فقال أحمد (٤ / ٥٠): ثنا يحيى بن سعيد عن
يزيد بن عبيد قال: ثنا سلمة بن الأكوع أنّ رسول الله عَ لٍ قال لرجل من أسلم :
فذكره . وهذا إسناد ثلاثيّ صحيح على شرط الشيخين ، ويحيى بن سعيد هو
القطان .
ومن طريقه أخرجه البخاري (١٣ / ٢٠٥ - ٢٠٦)، والنسائي (١ / ٣١٩)،
وفي ((الكبرى)) (ق ٢٢ /١)، وابن خزيمة (٢٠٩٢)، ثم أخرجه البخاري (٤/
١١٣ - ١١٤ و ٢٠١)، ومسلم (٣ / ١٥١ - ١٥٢)، والدارمي (٢ / ٢٢)،
والبيهقي (٤ / ٢٢٠ و٢٨٨)، وأحمد (٤ / ٤٧، ٤٨)، وابن حبان (٥ / ٢٥٢ /
٣٦١٠) من طرق أخرى عن يزيد بن عبيد به . وإسناد أحمد والدارمي والبخاري
ثلاثيّ أيضاً والزيادة الأولى لأحمد ، والأخرى لمسلم .
٢ - وأما حديث الرُّبَيِّع؛ فقالت: أرسل رسول الله عَظله صبيحة عاشوراء
إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائماً فليتمّ صومه ، ومن كان
٢٤٦
١
!
أصبح مفطراً فليتمّ بقيّة يومه . قالت : فكنّا نصومه بعد ذلك ، ونصوِّم صبياننا
الصغار ، ونجعل لهم اللعبة من العِهن ، ونذهب بهم إلى المسجد ، فإذا بكى
أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار .
أخرجه البخاري (٤ / ١٦٣)، ومسلم (٣ / ١٥٢)، وابن خزيمة (٢٠٨٨)،
والطحاوي (١ / ٣٣٦)، وابن حبان (٣٦١١)، والبيهقي (٤ / ٢٨٨)، وأحمد
(٦ / ٣٥٩) .
٣ - وأما حديث محمد بن صيفي؛ فقال: قال لنا رسول الله عَظ له يوم
عاشوراء : أمنكم أحد طعم اليوم؟ فقلنا : منّا من طَعِم ، ومنا من لم يَطْعَم . قال :
فقال : أتموا بقيّة يومكم من كان طعم ومن لم يطعم ، وأرسلوا إلى أهل العروض
فليتمّوا بقيّة يومهم . يعني أهل العروض حول المدينة .
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣ / ٥٤ - ٥٥)، وعنه ابن ماجه
(١ / ٥٢٨ -٥٢٩)، وابن خزيمة (٢٠٩١)، وابن حبان (٩٣٢ - موارد)، وأحمد (٤
/ ٤٨٨) من طريق حصين عن الشعبي عنه .
قلت : وهذا إسناد صحيح كما قال البوصيري في ((الزوائد» (١١٠ / ١).
٤ - وأما حديث هند بن أسماء ؛ فيرويه محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله
ابن أبي بكر بن محمد عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عنه قال :
((بعثني رسول الله ﴿ إلى قومي من أسلم فقال: مُرْ قومك فليصوموا هذا
اليوم يوم عاشوراء ، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره )).
أخرجه أحمد (٣ / ٤٨٤)، والطحاوي (١ / ٣٣٥ -٣٣٦).
قلت : وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات معروفون ، غير حبيب بن هند ،
٢٤٧
: :
ترجمهُ ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ١١٠) برواية ثقتين آخرين عنه ، ولم يذكر فيه
جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في (( الثقات)) (٣ / ٣٨ - هندية).
وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند بن
حارثة - وكان هند من أصحاب الحديبية - وأخوه الذي بعثه رسول الله ◌َّهُ يأمر
قومه بصيام عاشوراء - وهو أسماء بن حارثة - فحدثني يحيى بن هند عن أسماء
ابن حارثة أنّ رسول الله ◌َ ﴿ بعثه، فقال: ((مُرْ قومك بصيام هذا اليوم ... ))
الحدیث نحوه .
لكن يحيى بن هند هذا لا يعرف إلا برواية ابن حرملة هذا ، وبها ذكره ابن
أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٩٤ - ١٩٥)، ولم يحك فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وأما ابن
حبان فأورده أيضاً في ((الثقات)) (٣ / ٢٨٧). وقال في ترجمة حبيب بن هند بن
أسماء المتقدم: ((كأنّهما أخوان إن شاء الله)). وقال الحافظ في التوفيق بين
روایتیهما :
(( قلت : فیحتمل أن یکون كلٌّ من أسماء وولده هند أرسلا بذلك ، ويحتمل
أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجدّ اسم الأب ، فيكون الحديث من رواية
حبيب بن هند عن جده أسماء ، فتتّحد الروايتان . والله أعلم)).
قلت : التوفيق فرع التصحيح ، وما أرى أنّ الرواية الأخرى ثابتة ، لما عرفت
من حال راويها يحيى بن هند . والله أعلم .
ثمّ رأيت رواية سعيد بن حرملة في (( صحيح ابن حبان)) (٥ / ٢٥٢ / ٣٦٠٩
- الإحسان) من طريق سهل بن بكار قال : ثنا وهيب عن عبد الرحمن بن حرملة
عن سعيد بن المسيب عن أسماء بن حارثة به .
٢٤٨
وهذا سند جيد ، يدلّ على أنّ له أصلاً عن أسماء ، ولعل ابن حرملة كان له
عنه إسنادان ، فتارة يرويه عن يحيى بن هند ، وتارة عن ابن المسيب .. والله أعلم .
٥ - وأما حديث أبي هريرة ؛ فيرويه حبيب بن عبد الله عن شبيل عنه قال :
كان النبي
** صائماً يوم عاشوراء فقال لأصحابه :
(( من كان أصبح منكم صائماً فليتمّ صومه ، ومن كان أصاب من غداء أهله
فلیتم بقية يومه )).
أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٩). ورجاله موثقون؛ غير حبيب بن عبد الله وهو
الأزدي اليحمدي ، وهو مجهول .
٦ - وأما حديث ابن عباس؛ فيرويه جابر عن عكرمة عنه قال :
(( أرسل رسول الله تَ﴿ٍ إلى أهل قرية على رأس أربعة فراسخ - أو قال
فرسخين - يوم عاشوراء فأمر من أَكّل أن لا يأكل بقيّة يومه ، ومن لم يأكل أن يتمّ
صومه)) .
أخرجه أحمد (١ / ٢٣٢). وجابر هو ابن يزيد الجعفي ، وهو ضعيف .
٧ - وأما حديث الرجال الأسلميين ، فيرويه ابن شهاب عن ابن سندر عن
: قال لرجل من أسلم : ... فذكره نحو
رجال منهم [من أسلم](١) أن رسول الله
الحدیث الأول .
أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٣٨ /١): أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال:
حدثنا يزيد - يعني - بن موهب قال : حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب .
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير ابن سندر، وقد جزم الحافظ في ((باب من
(١) زيادة من ((تهذيب التهذيب)).
٢٤٩
نسب إلى أبيه ... )) من (( التقريب)) أنه عبد الله . ثمّ لم يترجم له في الأسماء،
وهو تابع في ذلك لابن أبي حاتم؛ فقد قال في (( الجرح والتعديل)) (٢ / ١ /
٣٢٠) :
(( سندر أبو الأسود ، له صحبة ، روى عنه عبد الله بن سندر)).
والشطر الأول منه في ((التاريخ)» للبخاري (٢ / ٢ / ٢١٠) ، وزاد :
(( كنّاه عثمان بن صالح ، وروى الزهري عن سندر بن أبي سندر عن أبيه)).
ونقله هكذا في (( الإصابة )) ، وذكر فيه أنّ له ابناً آخر يدعى مسروحاً .
ويزيد بن موهب هو ابن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي .
وأحمد بن إبراهيم هو أبو عبد الملك القرشي البسري الدمشقي .
وقد خالف معمر عقيلاً فأرسله ، أخرجه عبد الرزاق (٧٨٣٤) قال : أخبرنا
معمر عن الزهري أن النبي ﴿﴿ لمّا قدم المدينة قال لرجل من أسلم : فذكره .
٨ - وأما حديث معبد القرشي ؛ فقال عبد الرزاق (٧٨٣٥) : عن إسرائيل
عن سماك بن حرب عنه قال :
: فذكره نحوه .
* بـ (قَدید) فأتاه رجل ، فقال له النبي
كان النبي
وعن عبد الرزاق أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠ / ٣٤٢ / ٨٠٣).
قلت : وهذا إسناد جيد، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ١٨٧) :
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله ثقات)).
٩- وأما مرسل ابن سيرين؛ فقال ابن أبي شيبة (٣ / ٥٧) : حدثنا ابن عليّة
عن أيوب عنه أنّ النبيّ ◌َ﴿ أمر رجلاً من أسلم يوم عاشوراء ... الحديث.
٢٥٠
وإسناده صحيح مرسل . ورواه عبد الرزاق (٧٨٥٢) عن عطاء مرسلاً .
وفي الباب أحاديث أخرى خرّجها الهيثمي في (« مجمع الزوائد )) ، فمن شاء
المزيد فليرجع إليه ، وآخر فيه زيادة منكرة بلفظ :
((فأتموا بقيّة يومكم واقضوه )).
وفي إسناده جهالة ، ولذلك خرّجته في المجلد الحادي عشر من (( الضعيفة))
برقم (٥١٩٩)، وفي (( ضعيف أبي داود )) برقم (٤٢٢) .
من فقه الحديث .
في هذا الحديث فائدتان هامّتان :
الأولى : أنّ صوم يوم عاشوراء كان في أول الأمر فرضاً ، وذلك ظاهر في
الاهتمام به الوارد فيه ، والمتمثل في إعلان الأمر بصيامه ، والإمساك عن الطعام لمن
كان أكل فيه ، وأمره بصيام بقيّة يومه ، فإنّ صوم التطوع لا يتصوّر فيه إمساك بعد
الفطر كما قال ابن القيم رحمه الله في ((تهذيب السنن)) (٣ / ٣٢٧) . وهناك
أحاديث أخرى تؤكد أنّه كان فرضاً، وأنّه لما فرض صيام شهر رمضان كان هو
الفريضة كما في حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما ، وهو مخرّج في (( صحيح
أبي داود)) برقم (٢١١٠).
والأخرى : أنّ من وجب عليه الصوم نهاراً ، كالمجنون يفيق ، والصبيّ يحتلم ،
والكافر يسلم ، وكمن بلغه الخبر بأنّ هلال رمضان رؤي البارحة ، فهؤلاء يجزيهم
النيّة من النهار حين الوجوب ، ولو بعد أن أكلوا أو شربوا ، فتكون هذه الحالة
مستثناة من عموم قوله #: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له))،
وهو حديث صحيح كما حققته في ((صحيح أبي داود)) (٢١١٨) . وإلى هذا
٢٥١
الذي أفاده حديث الترجمة ذهب ابن حزم وابن تيمية والشوكاني وغيرهم من
المحققين .
فإن قيل : الحديث ورد في صوم عاشوراء والدعوى أعمّ . قلت : نعم ، وذلك
بجامع الاشتراك في الفرضية ، ألست ترى أنّ الحنفية استدلّوا به على جواز صوم
رمضان بنيّة من النهار ، مع إمكان النيّة في الليل طبقاً لحديث أبي داود ،
فالاستدلال به لما قلنا أولى كما لا يخفى على أولي النُّهى . ولذلك قال المحقق أبو
الحسن السندي في حاشيته على (( ابن ماجه)) (١ / ٥٢٨ - ٥٢٩) ما مختصره :
(( الأحاديث دالّة على أنّ صوم يوم عاشوراء كان فرضاً، من جملتها هذا
الحديث ، فإنّ هذا الاهتمام يقتضي الافتراض . نعم الافتراض منسوخ بالاتفاق
وشهادة الأحاديث على النسخ .
واستدلّ به على جواز صوم الفرض بنيّة من النهار ، لا يقال صوم عاشوراء
منسوخ فلا يصح الاستدلال به . لأنّا نقول : دلّ الحديث على شيئين : أحدهما :
وجوب صوم عاشوراء. والثاني : أنّ الصوم واجب في يوم بنيّة من نهار ، والمنسوخ
هو الأول ، ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني ، ولا دليل على نسخه أيضاً .
بقي فيه بحث : وهو أنّ الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان
معلوماً من الليل ، وإنّما علم من النهار، وحينئذٍ صار اعتبار النيّة من النهار في
حقهم ضرورياً ، كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشك ، فلا يلزم جواز الصوم بنيّة
من النهار بلا ضرورة )) أهـ .
قلت : وهذا هو الحق الذي به تجتمع النصوص ، وهو خلاصة ما قال ابن حزم
رحمه الله في (( المحلّى)) (٦ / ١٦٦) وقال عقبهُ:
(( وبه قال جماعة من السلف كما روينا من طريق ... عبد الكريم الجزري أنّ
٢٥٢
قوماً شهدوا على الهلال بعد ما أصبح الناس ، فقال عمر بن عبد العزيز : من أكل
فليمسك عن الطعام ، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه)).
قلت : وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣ / ٦٩) وسنده صحيح على
شرط الشيخين .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في (( الاختيارات العلمية)) (٤ /
٦٣ - الكردي) :
(( ويصحُّ صوم الفرض بنيّة النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل ، كما إذا قامت
البيِّنَةُ بالرؤية في أثناء النهار، فإنّه يُتِمّ بقيّة يومه ولا يلزمه قضاء وإن كان أكل )).
وتبعه على ذلك المحقق ابن القيم ، والشوكاني ، فمن شاء زيادة بيان
وتفصيل فليراجع ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (٢٥ /١٠٩ و١١٧ - ١١٨)،
و ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ /٢٣٥)، و(تهذيب السنن)) له (٣ / ٣٢٨)،
و ((نيل الأوطار)) للشوكاني (٤ / ١٦٧).
وإذا تبيّن ما ذكرنا ، فإنه تزول مشكلة كبرى من مشاكل المسلمين اليوم ، ألا
وهي اختلافهم في إثبات هلال رمضان بسبب اختلاف المطالع ؛ فإنّ من المعلوم أنّ
الهلال حين يُرى في مكان فليس من الممكن أن يُرى في كل مكان ، كما إذا رؤي
في المغرب فإنّه لا يمكن أن يرى في المشرق ، وإذا كان الراجح عند العلماء أنّ
حديث ((صوموا لرؤيته ... )) إنّما هو على عمومه، وأنّه لا يصح تقييده باختلاف
المطالع، لأنّ هذه المطالع غير محدودة ولا معيّنة ، لا شرعاً ولا قدراً ، فالتقييد بمثله
لا يصح ، وبناء على ذلك فمن الممكن اليوم تبليغ الرؤية إلى كل البلاد الإسلامية
بواسطة الإذاعة ونحوها ، وحينئذٍ فعلى كل من بلغته الرؤية أن يصوم ، ولو بلغته
قبل غروب الشمس بقليل ، ولا قضاء عليه ، لأنّه قد قام بالواجب في حدود
٢٥٣
استطاعته ، ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها ، والأمر بالقضاء لم يثبت كما سبقت
الإشارة إليه ، ونرى أن من الواجب على الحكومات الإسلامية أن يوحِّدوا يوم
صيامهم ويوم فطرهم ، كما يوحِّدون يوم حجّهم ، ولريثما يتفقون على ذلك ، فلا
نرى لشعوبهم أن يتفرقوا بينهم ، فبعضهم يصوم مع دولته ، وبعضهم مع الدولة
الأخرى ، وذلك من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما هو مقرر في
علم الأصول . والله تعالى وليُّ التوفيق .
٢٦٢٥ - ( لو لَم تَكِلْهُ لأَكَلْتُم منه ، ولَقامَ لكُم ) .
أخرجه مسلم (٧ / ٦٠) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر أنّ رجلاً
أتى النبي #* يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه
وامرأته وضيفهما حتى كاله ، فأتى النبي {®. فقال : فذكره .
وتابعه ابن لهيعة : ثنا أبو الزبير به . أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٧، ٣٤٧) من
طريقين عنه . وخالفهما حسان بن عبد الله فقال : ثنا ابن لهيعة : ثنا يونس بن
يزيد : ثنا أبو إسحاق عن سعيد بن الحارث عن جده نوفل بن الحارث بن عبد
المطلب أنّه استعان رسول الله عَ﴿ في التزويج، فأنكحه امرأة ، فالتمس شيئاً فلم
يجده، فبعث رسول الله ﴿ أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناه عند رجل من اليهود
بثلاثين صاعاً من شعير، فدفعه رسول الله ﴿ إليّ ، فطعمنا منه نصف سنة ،
ثم كلْناه فوجدناه كما أدخلناه ، قال نوفل : فذكرت ذلك للنبي
ـهُ ، فقال :
فذكره؛ إلا أنه قال: ((ما عشت)) بدل: (( ولقام لكم)).
أخرجه الحاكم (٣ / ٢٤٦)، وعنه البيهقي في ((الدلائل)) (٦ / ١١٤).
وسكت عنه الحاكم والذهبي . وابن لهيعة فيه ضعف من قبل حفظه ، وأبو
٢٥٤
إسحاق هو السبيعي كما في (( الإصابة))، وكان اختلط ، مع تدليس له . وسعيد
ابن الحارث لم أعرفه ، فالإسناد مظلم ، والأول أقوى لمتابعة معقل لابن لهيعة
عليه ، لكن فيه عنعنة أبي الزبير ، وهو معروف بالتدليس ، فلا أدري إذا كان
سمعه من جابر أم لا ؟
ولعلّ الحافظ ابن حجر قد ترجّح عنده الأول، فقد أورده في (( الفتح))
(٢٤٠/١١) من رواية مسلم هذه ساكتاً عليه ، أو من أجل شواهد ذكرها قريباً ، وبها
يتقوى الحديث عندي إن شاء الله تعالى . منها حديث عائشة رضي الله عنها
قالت :
توفي رسول الله {# ** وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد ، إلا شطر شعير
في رفّ لي ، فأكلت منه حتى طال عليّ ، فكلْته ففنيَ .
أخرجه البخاري (٦ / ١٤٦ و١١ / ٢٣٩)، ومسلم (٢١٨/٨)، وابن ماجه
(٣٣٤٥)، وأحمد (٤ / ١٠٨)، وزاد: ((فليتني لم أكن كلّته)). وإسنادها جيد.
عمرة التنعيم
٢٦٢٦ - ( أَرْدِفْ أُخْتك عائشة فَأَعْمِرها من التَّنْعيم ، فإذا هَبَطْتَ
الأَكَمَةَ فَمُرْها فَلْتُحْرِمِ ، فإنّها عُمْرةٌ مُتَقَبَّلةٌ) .
أخرجه الحاكم (٣ / ٤٧٧) من طريق داود بن عبد الرحمن العطّار: حدثني
عبد الله بن عثمان بن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنت عبد الرحمن
قال له : فذكره . وسكت عنه . وقال الذهبي :
ابن أبي بكر عن أبيها أنَّ النبي
« قلت : سنده قوي )) .
٢٥٥
قلت : وقد أخرجه أحمد أيضاً (١ / ١٩٨): ثنا داود بن مهران الدباغ :
حدثنا داود - يعني العطار - به .
وأخرجه أبو داود أيضاً وغيره وهو في (( صحيح أبي داود )) برقم (١٥٦٩) .
وقد أخرجه البخاري (٣ / ٤٧٨)، ومسلم (٤ / ٣٥) من طريق أخرى عن
عبد الرحمن بن أبي بكر مختصراً .
وكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها ، وفي رواية لهما عنها قالت :
فاعتمرتُ ، فقال :
(( هذه مكان عمرتك )) . وفي أخرى : بنحوه قال :
((مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحصل منها ». وفي أخرى :
(( مكان عمرتي التي أمسكت عنها)). وفي أخرى: ((جزاءً بعمرة الناس التي
اعتمروا)). رواها مسلم .
وفي ذلك إشارة إلى سبب أمره ﴿﴿ لها بهذه العمرة بعد الحج . وبيان ذلك :
أنّها كانت أهلّت بالعمرة في حجتها مع النبي ﴿، إما ابتداءً أو فسخاً
للحج إلى العمرة (على الخلاف المعروف) (١) ، فلما قدمت (سرف) - مكان قريب
من مكة -، حاضت ، فلم تتمكن من إتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول
البيت ، لقوله ﴿ لها - وقد قالت له : إني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع
بحجتي ؟ قال - :
(١) قلت : والأول أرجح، وهو الذي اختاره ابن القيم ، ويؤيده قول عائشة في رواية لأحمد (٦
/ ٢٤٥) في رواية عنها
ـي* في حجة الوداع ، فنزلنا الشجرة ، فقال : من شاء فليهل بعمرة
((خرجنا مع رسول الله
... قالت: وكنت أنا ممن أهلٌ بعمرة)).
فهذا صريح فيما رجّحنا ، لأنّ الشجرة شجرة ذي الحليفة ميقات أهل المدينة ومبتدأ الإحرام .
٢٥٦
((انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلّي بالحج ، واصنعي
ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ولا تصلي حتى تطهري . (وفي رواية : فكوني في
حجك ، فعسى الله أن يرزقكيها) ))، ففعلتْ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت
طافت بالكعبة والصفا والمروة ، وقال لها . كما في حديث جابر:
((قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً ))، فقالت: يا رسول الله إنّي أجد
في نفسي أنّي لم أطف بالبيت حتى حججت ، وذلك يوم النفر ، فأبت ، وقالت :
أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها : يصدر الناس بنسكين وأصدر
بنسك واحد ؟ وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦ / ٢١٩) : صواحبي ،
وفي أخرى له (٦ / ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك) بعمرة وحجّة ، وأرجع أنا بحجّة ؟
وكان ◌َ﴿﴿ رجلاً سهلاً إذا هَوِيَتِ الشيء تابعها عليه ، فأرسلها مع أخيها
عبدالرحمن ، فأهلَّت بعمرة من التنعيم (١) .
فقد تبيَّن مما ذكرنا من هذه الرويات - وكلَّها صحيحة - أنَّ النبي ◌َ ﴿ إنّما
أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها ، ولذلك
قال العلماء في تفسير قوله ﴿ المتقدم : ((هذه مكان عمرتك)) أي: العمرة
المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة ، ثم أنشأوا الحج مفرداً (٢).
إذا عرفت هذا، ظهر لك جليّاً أنّ هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم
تتمكن من إتمام عمرة الحج ، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات ، فضلاً عن
الرجال . ومن هنا يظهر السرّ في إعراض السلف عنها ، وتصريح بعضهم بكراهتها ،
بل إنّ عائشة نفسها لم يصحّ عنها العمل بها ، فقد كانت إذا حجّت تمكث إلى أن
(١) انظر ((حجة النبي ﴿)) (٩٢ /١١١ - ١١٤).
(٢) انظر ((زاد المعاد)) (١ / ٢٨٠ - ٢٨١)، و(( فتح الباري)).
٢٥٧
يهلَّ المحرم ثم تخرج إلى الجحفة فتحرم منها بعمرة، كما في (( مجموع الفتاوى))
لابن تيمية (٢٦ / ٩٢) .
وقد أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤ / ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن
المسيب أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة .
وإسناده صحيح .
وأمّا ما رواه مسلم (٤ / ٣٦) من طريق مطر: قال أبو الزبير :
فكانت عائشة إذا حجّت صنعت كما صنعت مع نبي الله :﴿18 . ففي
ثبوته نظر ، لأن مطراً هذا هو الورّاق ؛ فيه ضعف من قبل حفظه ، لا سيّما وقد
خالفه الليث بن سعد وابن جريج كلاهما عن أبي الزبير عن جابر بقصة عائشة ،
ولم يذكرا فيها هذا الذي رواه مطر، فهو شاذ أو منكر ، فإن صحَّ ذلك فينبغي أن
يحمل على ما رواه سعيد بن المسيب ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في
((الاختيارات العلمية)) (ص ١١٩):
((يكره الخروج من مكة لعمرة تطوّع، وذلك بدعة لم يفعله النبي ﴿ ، ولا
أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها ، بل أذن لها
بعد المراجعة تطييباً لقلبها ، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقاً ، ويخرج عند
من لم يكرهه على سبيل الجواز)) .
وهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في ((مجموع الفتاوى))
(٢٦ / ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثم قال (٢٦ / ٢٦٤) :
((ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك ، فروى سعيد بن منصور في
(سننه)) عن طاوس - أجلّ أصحاب ابن عباس - قال: ((الذين يعتمرون من
٢٥٨
التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم یعذبون ؟ قيل : فلم يعذبون ؟ قال : لأنه يدع
الطواف بالبيت ، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء ، وإلى أن يجيء من أربعة أميال
[يكون] قد طاف مائتي طواف ، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في
غير شيء)). وأقرّه الإمام أحمد. وقال عطاء بن السائب: ((اعتمرنا بعد الحج،
فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير)). وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ... )).
وقال ابن القيّم رحمه الله في ((زاد المعاد)) (١ / ٢٤٣):
((ولم يكن {﴿ في عُمَرِهِ عمرة واحدة خارجاً من مكة كما يفعل كثير من
الناس اليوم ، وإنما كانت عُمَرُهُ كلها داخلاً إلى مكة ، وقد أقام بعد الوحي بمكة
ثلاث عشرة سنة ، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجاً من مكة في تلك المدة أصلاً ،
وشرعها فهي عمرة الداخل إلى مكة ، لا عمرة
فالعمرة التي فعلها رسول الله
ے
من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر ، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة
وحدها من بين سائر من كان معه ، لأنّها كانت قد أهلّت بالعمرة فحاضت ، فأمرها
فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة ، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبين الصفا
والمروة قد وقع عن حجّتها وعمرتها ، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحجٍّ
وعمرة مستقلين فإنهنّ كنّ متمتّعاتٍ ولم يَحِضْنَ ولم يَقْرِنّ ، وترجع هي بعمرة في
ضمن حجّتها ، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييباً لقلبها ، ولم يعتمر هو من
التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه )) أهـ .
قلت : وقد يشكل على نفيه في آخر كلامه ، ما في رواية للبخاري (٣ /
٤٨٣ - ٤٨٤) من طريق أبي نعيم: حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة،
- فذکر القصة - ، وفيه :
(( فدعا عبد الرحمن فقال : اخرج بأختك الحرم فلتهلّ بعمرة ، ثم افرغا من
طوافكما )) .
٢٥٩
لكن أخرجه مسلم (٤ / ٣١ - ٣٢) من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح
به؛ إلا أنّه لم يذكر: ((ثم افرغا من طوافكما)). وإنّما قال: (( ثم لتطف
بالبيت)) . فأخشى أن يكون تثنية الطواف خطأ من أبي نعيم ، فقد وجدت له
مخالفاً آخر عند أبي داود (١ / ٣١٣ - ٣١٤) من رواية خالد - وهو الحذّاء - عن
أفلح به نحو رواية مسلم ، فهذه التثنية شاذّة في نقدي ؛ لمخالفة أبي نعيم وتفرّده بها
دون إسحاق بن سليمان وخالد الحذّاء وهما ثقتان حجّتان .
ثم وجدت لهما متابعاً آخر وهو أبو بكر الحنفي عند البخاري (٣ / ٣٢٨)
وأبي داود . ويؤيد ذلك أنّها لم ترد لفظاً ولا معنىًّ في شيء من طرق الحديث عن
عائشة، وما أكثرها في ((مسند أحمد)) (٦ / ٤٣ و٧٨ و ١١٣ و١٢٢ و١٢٤
و ١٦٣ و١٦٥ و١٧٧ و١٩١ و٢١٩ و٢٣٣ و٢٤٥ و٢٦٦ و٢٧٣)، وبعضها في
((صحيح البخاري)) (٣ / ٢٩٧ و٣٢٤ و٤٦٤ و ٤٧٧ - ٤٧٨ و ٤٨٢ و٩٩/٤ و٨
/ ٨٤)، ومسلم (٢٧/٤ - ٣٤)، وكذا لم ترد في حديث جابر عند البخاري (٣
/ ٤٧٨ - ٤٨٠)، ومسلم (٤ / ٣٥ - ٣٦)، وأحمد (٣ / ٣٠٩ و٣٦٦)، وكذلك
لم ترد في حديث الترجمة لا من الوجه المذكور أولاً ، ولا من الطريق الأخرى عند
الشيخين وغيرهما .
نعم في رواية لأحمد (١ / ١٩٨) من طريق ابن أبي نجيح أنّ أباه حدثه أنّه
ـي ... فذكره
أخبره من سمع عبد الرحمن بن أبي بكر يقول : قال رسول الله
نحوه . إلا أنّه قال: ((فأهلا وأقبلا ، وذلك ليلة الصدر))، لكن الواسطة بين أبي
نجيح وعبد الرحمن لم يسمَّ ، فهو مجهول ، فزيادته منكرة ، وإن سكت الحافظ في
((الفتح)) (٣ / ٤٧٩) على زيادته التي في آخره: ((وذلك ليلة الصدر))، ولعل
ذلك لشواهدها . والله أعلم .
٢٦٠