النص المفهرس
صفحات 181-200
وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلاً باطلاً كما فعل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - في بعض رسائله ، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي #1: ، وحبهم إياه ، فينكرون أن يكون أبواه ◌َ ﴿ كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفقُ عليهما منه ◌ٍَّ !! وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي ◌َ﴿ أحيا الله له أمه ، وفي رواية : أبويه ، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني ، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني ، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب ((الأ باطيل والمناكير)) للجورقاني بتعلیق الدکتور عبد الرحمن الفریوائي (١ / ٢٢٢ - ٢٢٩) ، وقال ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ٢٨٤) : (( هذا حديث موضوع بلا شك ، والذي وضعه قليل الفهم ، عديم العلم ، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة ، لا بل لو آمن عند المعاينة ، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى : ﴿فَيَمُتْ وهو كافرٌ﴾، وقوله ﴿﴿ في (الصحيح): (( استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي)). ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني رحمه الله في تعليقه على (( الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة)) للإمام الشوكاني ، فقال (ص ٣٢٢) : (( كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطّى الحجة ويحاربها ، ومن وُفِّقَ علم أن ذلك منافٍ للمحبة الشرعية . والله المستعان )). قلت : وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه ، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم ، وحاول في كتابه ((اللآلىء)) ١٨١ (١ / ٢٦٥ -٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه ، بأنه منسوخ ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام ! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله : إنه في الجنة ! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء . ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضاً مطلقاً ، ولم يشر إليه أدنى إشارة ، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا ، فحكم عليه بالضعف متعلقاً بكلام بعضهم في راويه حماد بن سلمة ! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم ، وأن روايته عن ثابت صحيحة ، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما : أثبت أصحاب ثابت حماد ، ثم سليمان ، ثم حماد بن زيد ، وهي صحاح . وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديماً جداً في رسالة له في حديث الإحياء - طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه ، وأتتبع عواره ، فليراجعها من شاء التثبت . ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضاً في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هبّ ودبّ، مثل ((الجامع الصغير)) و ((زيادته)) و ((الجامع الكبير))! ولذلك خلا منه (( كنز العمال))، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: (( خرجت من نكاح غير سفاح))، قال عقبه : (( وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. )). ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه . ١٨٢ بفسخ الحج إلى العمرة أمره ٢٥٩٣ - ( أما شعرت أنّ أَمَرتُهم بأمر فهم يتردَّدُون ، ولو كنتُ استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهدي ولا اشتریتُه حتى أحِلّ كما حلُّوا) . أخرجه إسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) (٢/١٢٦/٤): أخبرنا النضر ووهب قالا : ثنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن علي بن حسين عن ذكوان مولی عائشة عن عائشة قالت : دخل عليّ رسول الله تَ ﴿ لأربع ليال خلون أو خمس من ذي الحجة في حجته وهو غضبان ، فقلت : يا رسول الله من أغضبك أدخله الله النار ؟! فقال : فذكره . قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وقد أخرجه مسلم (٣٣/٤ - ٣٤)، وأحمد (٦ / ١٧٥)، والبيهقي (٥ / ١٩) من طرق أخرى عن شعبة به. قلت : وهذا الحديث مثل أحاديث كثيرة ذكرها ابن القيم في ((زاد المعاد ))، فيها كلها أمره ﴿﴿ المفردِين والقارنين الذين لم يسوقوا الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، وآثرت هذا منها بالذكر ههنا لعزة مخرجه الأول: ((مسند إسحاق))، ـي* بسبب تردد أصحابه في تنفيذ الأمر بالفسخ ، علماً أن وحكاية عائشة غضبه ترڈُّدهم رضي الله عنهم لم یکن عن عصیان منهم ، فإن ذلك لیس من عادتهم ، وإنما هو كما قال راويه الحكم عند أحمد وغيره: (( كأنهم هابوا » ، وذلك لأنهم كانوا في الجاهلية لا يعرفون العمرة في أيام الحج كما جاء في بعض الأحاديث ريه لم يحل الصحيحة ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى : أنهم رأوا النبي معهم ، فظنوا أن في الأمر سعة فترددوا ، فلما عرفوا منه السبب وأكد لهم الأمر بادروا إلى تنفيذه رضي الله عنهم . ١٨٣ وإذا كان الأمر كذلك فما بال كثير من المسلمين اليوم - وفيهم بعض الخاصة - لا يتمتَّعون ، وقد عرفوا ما لم يكن قد عرفه أولئك الأصحاب الكرام في أول الأمر، ومن ذلك قوله ﴿ في بعض تلك الأحاديث: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) ، ألا يخشون أن تصيبهم دعوة عائشة رضي الله عنها ؟! ٢٥٩٤ - (أما كانَ فيكم رجلٌ رحيمٌ ؟!) . رواه الطبراني في «حديثه عن النسائي » (٣١٦ / ١): أنا محمد بن علي ابن حرب المروزي قال : نا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس : أن النبي ◌َ﴿ بعث سريّة فغنموا وفيهم رجل ، فقال لهم : إني لست منهم، عشقت امرأة فلحقتها ، فدعوني أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم ، فنظروا فإذا امرأة طويلة أدماء فقال لها : أسلمي حبيش قبل نفاذ العيش . بحلية أو أدركتكم بالخوانق أرأيت لو تبعتكم فلحقتكم أما كان حق أن ينوَّل عاشق تكلف إدلاج السرى والودائق؟ قالت : نعم فديتك ، فقدموه فضربوا عنقه ، فجاءت المرأة فوقفت عليه ، فشهقت شهقة ثم ماتت ، فلما قدموا على رسول الله ﴿﴿ أُخبر بذلك ، فقال : فذكره . ثم رأيته في (( السير)) للنسائي (١/٤٧/٢-٢) بهذا السند، إلا أنه قال: [بحلية أو أدركتكم](١) بالخوانق أرأيت إن تبعتكم فلحقتكم تكلف إدلاج السرى والودائق ألم يك حقاً أن ينول عاشق (١) زيادة من مطبوعة ((السنن الكبرى)) للنسائي (٥ / ٢٠١) ، ومنه صححت بعض الأخطاء . ١٨٤ ومن طريقه أخرجه في ((المعجم الكبير)) أيضاً (٣ / ١٤٤ / ٢) ، وفي («الأوسط)) (١ / ٩٢ /٢ / ١٦٨٨)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (١١٧/٥ - ١١٨) من طريق النسائي أيضاً، وكذا ابن منده في ((المعرفة)) (٢/٨٩/٢)، وقال الطبراني : (( لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد ، تفرد به محمد بن علي بن حرب)) . قلت : وثقه النسائي ، وروى عنه جمع ، ومَنْ فوقَه من رجال (الصحيح) ، إلا أن علي بن الحسين بن واقد روى له مسلم في ((المقدمة)) ، وهو صدوق يهم كما في ((التقريب))، فالإسناد حسن كما قال الهيثمي في ((المجمع)) (٦ / ٢١٠) . وللقصة طريق أخرى عند البيهقي وابن منده ، ولكن ليس فيها حديث الترجمة . حتى ٢٥٩٥ - ( أما يكفيكَ في سبيل الله ، ومع رسول الله تصومَ ؟! ) أخرجه أحمد (٣ / ٣٢٧) : ثنا زيد بن الحباب : ثني حسين بن واقد عن أبي الزبير قال : سمعت جابراً يقول : مرّ النبي ◌َ﴿ برجل يقلب ظهره لبطنه، فسأل عنه؟ فقالوا : صائم يا نبي الله ! فدعاه ، فأمره أن يفطر فقال : فذكره . وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم . ١٨٥ وله طرق أخرى عن جابر بنحوه في ((الصحيحين)) وغيرهما ، وهي مخرجة في ((الإرواء)) (٩٢٥) . وفي الحديث دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز الصوم في السفر إذا كان يضر بالصائم، وعليه يحمل قوله : (( ليس من البر الصيام في السفر))، وقوله : ((أولئك هم العصاة))، وفيما سوى ذلك فهو مخير إن شاء صام ، وإن شاء أفطر ، وهذا خلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب ، فلا تعارض بينها والحمد لله . ٢٥٩٦ - (أمّا أنتَ يا أبا بكر فأخذتَ بالوثقى، وأما أنتَ يا عمرُ فأخذت بالقُوّة) . رواه ابن ماجه (٣٦٣/١)، وأحمد (٣٣٠/٣٠٩/٣) عن زائدة : ثنا عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَص لأبي بكر : أيُّ حين توتر؟ قال : أول الليل بعد العتمة ، قال: فأنت يا عمر؟ فقال: آخر الليل، فقال النبي # : فذكره . وهذا سند حسن كما في ((زوائد ابن ماجه)) و ((التلخيص)» (٢٣٧/٤)، وله شواهد تبلغ بها إلى درجة الصحة ، فمنها عن ابن عمر نحوه . أخرجه ابن ماجه، وابن نصر في ((قيام الليل)) ص (١١٦)، والحاكم (١ / ١ -٣) عن محمد بن عباد المكي : ثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عنه . وقال الحاكم : ((إسناد صحيح)). ووافقه الذهبي، وكذلك قال صاحب ((الزوائد)). قلت : وهو على شرط الشيخين، فإن رجاله كلهم من رجالهما . ورواه ابن ماجه ، وابن حبان (٦٧٣ - موارد) أيضاً، قال الحافظ : ((وكذا البزار، وقال: (( لا نعلم رواه عن عبيد الله بن عمر عن نافع إلا يحيى ١٨٦ ابن سليم))، قال ابن القطان: هو صدوق، فالحديث حسن)). وله طريق أخرى ضعيفة عند البزار من حديث كثير بن مرة عن ابن عمر )) (١) . قلت : وإنما اقتصر على تحسينه لأن يحيى بن سليم وإن كان من رجال الشيخين فهو سيىء الحفظ . ومنها عن أبي قتادة نحوه . أخرجه أبو داود (١ / ٢٢٧)، والحاكم من طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني : ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عنه . وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والطبراني ، وله شواهد أخرى في أسانيدها ضعف ، فليراجعها من شاء في (( التلخيص)) و ((المجمع)) (٢ / ٢٤٥). فضل صلة الرحم وإن قُطعت ٢٥٩٧ - (إنْ كان كما تقولُ فكأنّما تُسِفُّهم الملَّ ، ولا يزالُ معك من الله ظهيرٌ [ما دمت على ذلك ]). رواه أبو إسحاق الحربي في ((الغريب)) (٥ / ٦٤ / ٢) عن زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة : أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة ، أصِلُهم ويقطعون ، وأحسن إليهم ويسيئون ، وأحْلُمُ ويجهلون ، قال : فذكره . قلت: ورجاله كلهم ثقات ؛ إلا أن زهير بن محمد - وهو أبو المنذر الخراساني - فيه ضعف من قبل حفظه . (١) قلت: حديث ابن عمر هذا لم يورده الهيثمي في ((كشف الأستار))، ولا في ((المجمع))، لا من هذه الطريق ولا التي قبلها . والله أعلم . ١٨٧ وسلم بن قادم شيخ الحربي له ترجمة جيدة في (( تاريخ بغداد)) (٩ / ١٤٥ - ١٤٦)، وقال : إنه ثقة. وكذلك وثقه صالح بن محمد الأسْدي ، وقال ابن معين: ((ليس به بأس))، كما أسنده الخطيب عنهما. وقد أورده في ((اللسان))، ولم يزد في ترجمته على قوله: ((قال ابن حبان في ((الثقات)): يخطىء))، وهذا قصور شديد ! وقد توبع، فقال أحمد (٢ / ٤٨٤) : ثنا عبد الرحمن عن زهير به . وفيه الزيادة التي بين المعقوفتين ، ولا أدري إذا كانت ساقطة من الأصل : ((غريب الحديث))، أو سقطت في حين عنه نقلتُ، والراجح الأول . وهي على كل صحيحة كأصل الحديث ، فقد توبع عليه زهير . أخرجه مسلم (٧ / ٨)، وأحمد (٢ / ٣٠٠) من طريق شعبة قال: سمعت العلاء بن عبد الرحمن به مع الزيادة . ثم أخرجه أحمد (٢ / ٤١٢) من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم القاص قال : ثنا العلاء بن عبد الرحمن به . (تَسُقُّهم) أي : تطعمهم . ( المَلّ ) : الرماد الحار. أحبُ الكلام إلى الله وأبغضُه إليه ٢٥٩٨ - (إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله أن يقولَ العبدُ : سبحانَك اللّهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك ، وتعالى جَدُّك ، ولا إله غَيْرُك . وإنّ أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجلُ للرجل : اتّق الله ، فيقول : عليكَ بنفسِك) . ١٨٨ رواه أبو عبد الله بن منده في « التوحيد)) (١٢٣ /٢)، ومن طريقه الأصبهاني في (( الترغيب)) (٧٣٩) : أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف : أبنا محمد بن إسحاق الصغاني : أبنا أبو جعفر محمد بن سعيد الأنصاري : أبنا أبو معاوية محمد بن خازم عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً . قلت : وهذا إسناد صحيح ، محمد بن يعقوب هذا هو أبو العباس الأصم حافظ ثقة ، وبقية رجاله ثقات رجال مسلم . وأبو جعفر محمد بن سعيد الأنصاري هو ابن الأصبهاني الملقب (حمدان ) ، ولم يذكروا في ترجمته أنه أنصاري . والله أعلم . والحديث أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١ / ٣٥٩ - هند) من طريق الحاكم عن أبي العباس الأصم . ورواه النسائي في (( عمل اليوم والليلة)) (٨٤٩) من طريق أخرى عن محمد ابن سعيد به . ٢٥٩٩ - (إنَّ الرَّجُل ليكونُ له عند الله المنزلةُ، فما يبلُغُها بعمل، فلا يزالُ اللهُ يَبْتَليه بما يكرهُ حتى يُبَلِّغَه إِيّاهَا) . أخرجه أبو يعلى في ((المسند)) (١٤٤٧/٤ - ١٤٤٨)، وعنه ابن حبان (٦٩٣ - موارد) : حدثنا أبو كريب : نا يونس بن بكير : نا يحيى بن أيوب : نا أبو زرعة : نا أبو هريرة قال: قال رسول الله ح الية :.... فذكره . ثم قال أبو يعلى (٤ / ١٤٤٩) : حدثنا عقبة : نا يونس به . ١٨٩ وأخرجه الحاكم (١ / ٣٤٤) من طريق أحمد بن عبد الجبار : ثنا يونس بن بکیر به . وقال : ((صحيح الإسناد)). وردّه الذهبي بقوله : (( قلت : يحيى وأحمد ضعيفان ، وليس يونس بحجة)). وأقول : الحق أن يونس هذا وسط ، فحديثه يحتج به في مرتبة الحسن ، وقد صرح بذلك الذهبي نفسه في آخر ترجمته من (( الميزان )) ، فقال : (« وقد أخرج مسلم ليونس في الشواهد ، لا الأصول ، وكذلك ذكره البخاري مستشهداً به ، وهو حسن الحديث)). فإعلال الحديث به مردود . ومثله يحيى بن أيوب وهو البجيلي ، فقد وثقه الجمهور ، وتناقض فيه ابن معين ؛ فمرة وثقه ، وأخرى ضعفه ، وقال الحافظ : « لا بأس به )). وأما أحمد بن عبد الجبار، فقد تابعه شيخا أبي يعلى أبو كريب ـ واسمه محمد بن العلاء -، وعقبة - وهو ابن مكرم البصري - وكلاهما ثقة من شيوخ مسلم ، فالإسناد حسن ، وهو صحيح بالشواهد الآتية : الأول : عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده - وكان لجدِّه صحبة - أنه خرج زائراً لرجل من إخوانه ، فبلغه شكاته ، قال : فدخل عليه فقال : أتيتك زائراً عائداً ومبشراً! قال : كيف جمعت هذا كله ؟ قال : خرجت وأنا أريد زيارتك ، فبلغني شكاتك ، فكانت عبادة ، وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله طالب قال : ٦ (( إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده أو في ماله ، أو في ولده، ثم صبّره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه)). ١٩٠ أخرجه أحمد (٥ / ٢٧٢) والسياق له ، وأبو داود (٣٠٩٠) ، وابن سعد في ((الطبقات)) (٧ /٤٧٧)، وكذا البخاري في ((التاريخ)) (١ / ١ / ٧٣) ، وابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (ق ١/٦٩)، والدولابي في ((الكنى)) (٢٧/١) (١) كلهم عن أبي المليح عن محمد بن خالد ... ومن هذا الوجه أخرجه أيضاً أبو يعلى، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) كما في ((الترغيب)) (٤ / ١٤٧) ، وقال : (( ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد)) . قلت : يشير بذلك إلى أنه مجهول ، وذلك ما صرح به الحافظ ابن حجر في ((التقريب))، ومثله ابنه محمد، فإنه لم يرو عنه غير أبي المليح ، وقال الذهبي في («الميزان» : (( محمد بن خالد عن أبيه عن جده أبي خالد السلمي، لا يدرى مَنْ هؤلاء، روى عنه أبو المليح الرقي)). الثاني : عن حماد بن أبي حميد الزرقي عن أبي عقيل مولى الزرقيين عن عبد الله بن إياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده قال : كنت مع رسول الله ﴿﴿ جالساً، فقال رسول الله ◌َ﴿: من أحب أن يصحّ فلا يسقم؟ قلنا: نحن يا رسول الله. قال رسول الله : ﴿: مه! وعرفناها في وجهه ، فقال : أتحبون أن تكونوا كالحمير الصيالة ؟ قال : قالوا : يا رسول الله لا . قال : ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : فقال رسول الله : فوالله إن الله ليبتلي ... الحديث . (١) وقع عنده ((خلف السلمي))، وهو خطأ . ١٩١ أخرجه ابن سعد (٧ / ٥٠٨)، والبخاري في ((التاريخ)) (٢٦٦/١/٤ - ٢٦٧) . قلت : وهذا إسناد ضعيف ، حماد هذا - وهو لقبه ، واسمه محمد - ضعيف . وأبو عقيل اسمه مسلم بن عقيل ، وفي ترجمته ساقه البخاري ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وكذلك صنع ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ١٩٠). وعبد الله بن إياس بن أبي فاطمة وأبوه لم أجد لهما ترجمة . وأما أبو فاطمة - وهو الضمري كما في إسناد ((التاريخ)) - فذكره ابن حجر في ((الإصابة )» ۔ القسم الأول - وساق له هذا الحديث ، ولم يزد ! الثالث: عن جابر: ثنا مَنْ سمع بريدة الأسلمي يقول: سمعت النبي خير يقول : (( ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبةٌ فما فوقها حتى ذكر الشوكة إلا لإحدى خصلتين ، إلا ليغفر الله له من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفر له إلا بمثل ذلك ، أو يبلغ به من الكرامة كرامة لم يكن ليبلغها إلا بمثل ذلك » . أخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً ( ق ٨٨ / ١ - ٢). قلت : وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذي حدَّث جابراً : فإنه لم يسمّ . وجابر ، وهو ابن يزيد الجعفي ؛ وهو ضعيف ، ولذلك أشار المنذري (٤ / ١٤٧) إلى تضعيف حديثه . ٢٦٠٠ - (إنَّ بَعْضَكم على بعضِ شُهداءُ ) . أخرجه الطيالسي (٢٣٨٨)، وأحمد (٢ / ٤٦٦ و٤٧٠)، وأبو داود (٣٢٣٣)، والنسائي (٢ / ٢٧٣) من طرق عن إبراهيم بن عامر عن عامر بن سعد عن أبي هريرة قال : ١٩٢ بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: وجبت. ثم مَرُّوا مَرُوا على النبي بأخرى فأثنوا شراً ، فقال : وجبت . ثم قال : فذكره . قلت : وهذا إسناد صحيح ، عامر بن سعد وهو البجلي ، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ١٨٦)، وخرَّج له مسلم في ((الصحيح))، وروى عنه جمع من الثقات ، وقد توبع كما يأتي . وإبراهيم بن عامر ، وهو ابن مسعود بن أمية بن خلف القرشي الكوفي ؛ ثقة بلا خلاف . ثم أخرجه أحمد (٢ / ٢٦١ و٤٩٨ و ٥٢٨) ، وابن ماجه (١٤٩٢) ، وابن حبان (٧٤٨) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به نحوه . وهذا إسناد حسن . وللحديث شاهد صحيح من حديث أنس نحوه . أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق عنه. وهو مخرج في (( أحكام الجنائز)) (ص ٤٤ - ٤٥). ٢٦٠١ - (آخرُ من يدخل الجنةَ رجلٌ ، فهو يمشي مرّةً ويكبو مرّةً، وتسفعُهُ النار مرة ، فإذا ما جاوَزها التفت إليها ، فقال : تبارك الّذي تجّاني منك ، لقد أَعْطاني اللهُ شيئاً ما أعطاه أحداً من الأوّلين والآخرين . فترفعُ له شجرةٌ ، فيقول : أيْ ربِّ أَدْنني من هذه الشجرة فَلَأَسْتَظِلَّ بظلها ، وأشربَ من مائها ، فيقول الله عزّ وجلّ : يا ابن آدم ! لَعلِّي إِنْ أعطيْتُكَها سألتني غيرها ؟ فيقول : لا يا ربّ ، ويُعاهده أن لا يسألَه غيرها ، وربّه يعذره لأنه يرى ما لا صَبْر له عليه ، فَيُدنيه منها، فيستظلُّ بظلِّها ، ويشربُ من مائها. ثم تُرفع له شجرةٌ هي أحسن من ١٩٣ الأُولى ، فيقول : أيْ ربِّ أَدْنني من هذه لأشرب من مائها ، وأستظلَّ بظلِّها ، لا أسألُك غيرها . فيقول : يا ابن آدم! ألم تُعاهِدْني أن لا تسألَني غيرَها؟ - فيقول - : لَعلِّي إِنْ أَدنيتُك منها تسألني غيرها ؟ فَيُعاهده أن لا يسأله غيرها ، وربُّه يعذره لأنه يرى ما لا صَبْر له عليه ، فَيُدنيه منها ، فيستظلُّ بظلُّها ، ويشربُ من مائها . ثم تُرفع له شجرةٌ عند باب الجنّة هي أحسنُ من الأُولَيْن ، فيقول : أي ربِّ أدْنني من هذه لأستظلَّ بظلُّها ، وأشربَ من مائها ، لا أسألك غيرها . فيقول : يا ابن آدمَ ! ألم تعاهدْني أن لا تسألني غيرها ؟ قال: بلى يا ربِّ هذه لا أسألك غيرها ، وربُّه يعذِرُه لأنه يرى ما لا صَبْر له عليه ، فَيُدنيه منها، فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي ربّ أدخلْنيها ! فيقول: يا ابن آدم ! ما يَصْريني منك ؟ أَيُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها ؟ قال: يا ربّ! أُتستهزىءُ منّي وأنت ربُّ العالمين؟ - فضحك ابنُ مسعود ، فقال : ألا تسألوني ثمّ أضحكُ ؟ فقالوا : تمّ تضحك؟ قال : هكذا ضحك رسول اللّه ◌َطيٍ ، فقالوا : مّ تضحكُ یا رسول الله؟ قال : من ضَحك ربِّ العالمين حين قال : أتستهزىءُ منّي وأنت ربُّ العالمين ؟ - فيقول : إنّي لا أستهزىء منك، ولكنّي على ما أشاء قادرٌ. (وفي رواية: قدير)) . أخرجه مسلم (١ / ١١٩ - ١٢٠)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص ٢٠٧) ، وأحمد (١ / ٤١٠ - ٤١١)، وأبو يعلى (٣ / ١٢٣٥ - ١٢٣٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٢/٤٨/٣) من طرق عن حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس عن ١٩٤ قال : فذكره . والرواية الأخرى لأحمد والطبراني . ابن مسعود أَنّ رسول الله وفي رواية من طريق عبيدة عن عبد الله مرفوعاً نحوه مختصراً ، وفيه : (( فقال له : تَمَنَّ. فيتمنّى ، فيقال له : لك الذي تمنّيت وعشرة أضعاف الدنيا . قال : فيقول : أتسخر بي وأنت الملك؟ ... )) الحديث . أخرجه مسلم، وأحمد (١ / ٣٧٨ - ٣٧٩)، والترمذي (٢ / ٩٨) وصحّحه . ( تنبيه): دلَّ قوله تعالى في آخر الحديث: ((ولكني على ما أشاء قادر أو قدير)) على خطأ ما جاء في التعليق على ((العقيدة الطحاوية)) (ص ٢٠) نقلاً عن بعض الأفاضل: (( يجيء في كلام بعض الناس : وهو على ما يشاء قدير ، وليس بصواب .. )) . فأقول : بل هو عين الصواب بعد ثبوت ذلك في هذا الحديث ، لا سيما ويشهد له قوله تعالى : ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ﴾ ( الشورى : ٢٩)، وذلك لا ينافي عموم مشيئته وقدرته تعالى كما توهم المشار إليه ، والله أعلم . ٢٦٠٢ - ( لن يُدْخِلَ أحداً منكم عملُه الجنّةَ، [ولا يُنجيه من النار]، قالوا : ولا أنتَ يا رسولَ الله ؟ قال: ولا أنا ،- [وأشار بيده هكذا على رأسه: ] - إلاّ أن يتغمّدنيَ اللهُ منه بفضلٍ ورحمة، [مرتين أو ثلاثاً] [فسدِّدوا وقاربوا] [وأَبْشِروا]، [واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلْجة، والقَصْدِ القَصْد تبلُغوا]، [واعلموا أنَّ أحبَّ العملِ إلى الله أدومُه وإنْ قلَّ ] ) . ورد عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم : أبو هريرة ، وعائشة ، وجابر ، وأبو سعيد الخدري ، وأسامة بن شريك . ١٩٥ ١ - أما حديث أبي هريرة ؛ فله عنه طرق : الأولى : عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف عنه قال : قال رسول · 製 الله أخرجه البخاري (٤ / ٤٨)، ومسلم (٨ / ١٤٠)، وأحمد (٢ / ٢٦٤)، والسياق لمسلم ، وفيه عند البخاري الزيادة السابعة . الثانية : عن سعيد المقبري عنه به ، وفيه الزيادة السّادسة . أخرجه البخاري (٤ / ٢٢٢)، وأحمد (٢ / ٥١٤ و ٥٣٧) . الثالثة : عن بسر بن سعيد عنه به ، وفيه بعض الزيادة الرابعة بلفظ : « ولکن سدِّدوا )) . أخرجه مسلم (٨ / ١٣٩)، وأحمد (٢ / ٤٥١). الرابعة : عن محمد بن سيرين عنه به . أخرجه مسلم ، وأحمد (٢ / ٢٣٥ و٣٢٦ و٣٩٠ و ٤٧٣ و٥٠٩ و٥٢٤) . وفيه عند مسلم الزيادة الثانية ، وعند أحمد الزيادة الأولى والثانية والثالثة . الخامسة : عن أبي صالح عنه به ، وفيه الزيادة الرابعة . أخرجه مسلم ، وابن ماجه ( ٤٢٠١)، وأحمد (٢ / ٣٤٤ و ٤٩٥). السادسة : عن زياد المخزومي عنه . وفيه الزيادة الثانية . أخرجه أحمد (٢ / ٢٥٦ و ٤٧٣) . السابعة : عن محمد بن زياد عنه . وفيه الزيادة الثانية . أخرجه أحمد (٢ / ٣٨٥ - ٣٨٦ و٤٦٩)، وإسناده صحيح. ١٩٦ الثامنة : عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه . وفيه الزيادة الرابعة والخامسة . أخرجه أحمد (٢ / ٤٨٢)، وإسناده جيد في المتابعات . التاسعة : عن أبي مصعب عنه . أخرجه أحمد (٢ / ٤٨٨) . العاشرة : عن أبي سلمة عنه . وفيه الزيادة الرابعة . أخرجه أحمد (٢ / ٥٠٣ و ٥٠٩)، وإسناده حسن . ٢ - وأما حديث عائشة؛ فيرويه موسى بن عقبة قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدّث عن عائشة به . وفيه الزيادة الرابعة والسابعة . أخرجه البخاري (٤ / ٢٢٣)، ومسلم (٨ / ١٤١)، وأحمد (٦ / ١٢٥). ٣ - وأما حديث جابر ؛ فله عنه طريقان : الأولى : عن أبي سفيان عنه . أخرجه مسلم، وأحمد (٢ / ٤٩٥ و٣ / ٣٣٧ و٣٦٢)، والدارمي (٢ / ٣٠٥) ، وفيه عنده الزيادة الرابعة . الأخرى : عن أبي الزبير عنه ، وفيه الزيادة الأولى . أخرجه مسلم ، وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (ق ٩ / ١). ٤ - وأما حديث أبي سعيد ؛ فيرويه عطية العوفي عنه ، وفيه الزيادة الثانية . أخرجه أحمد (٣ / ٥٢)، وعطية ضعيف، وقال المنذري (٤ / ٢٠٠): ١٩٧ (( رواه أحمد بإسناد حسن، ورواه البزار والطبراني من حديث أبي موسى والطبراني أيضاً من حديث أسامة بن شريك ، والبزار أيضاً من حديث شريك بن طارق بإسناد جيد)) . قلت : وتحسينه لإسناد أحمد غير حسن لضعف عطية ، إلا إنْ كان يعني تحسينه لغيره ، فهو مقبول . ٥ - وأما حديث أسامة؛ فيرويه المفضل بن صالح عن زياد بن علاقة عنه ، وفيه الزيادة الثانية . أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ٢٥ /٢)، والمفضل هذا ضعيف أيضاً . وفي الباب عن جمع آخر من الصحابة، فمن شاء فليراجع ((المجمع)) (١٠ / ٣٥٦ - ٣٥٧) . واعلم أنَّ هذا الحديث قد يُشْكِلُ على بعض الناس ، ويتوهّمُ أنه مخالفٌ لقوله تعالى : ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ونحوها من الآيات والأحاديث الدالّة على أنَّ دخول الجنّة بالعمل ، وقد أجيب بأجوبة ؛ أقربها إلى الصواب: أنَّ الباء في قوله في الحديث: (( بعمله )) هي باء الثمنيَّة ، والباء في الآية باء السببيَّة ، أي أنَّ العمل الصالح سبب لا بدَّ منه لدخول الجنة ، ولكنه ليس ثمناً لدخول الجنة ، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض فتاویه : (( ولهذا قال بعضهم : الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون سبباً نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ ١٩٨ في الشرع ، ومجرّد الأسباب لا يوجب حصول المسبّب ؛ فإنَّ المطر إذا نزل وبذر الحبّ لم يكن ذلك كافياً في حصول النبات ، بل لا بدَّ من ريح مُربية بإذن الله ، ولا بدَّ من صرف الانتفاء عنه ؛ فلا بدَّ من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره . وكذلك الولد لا يولد بمجرَّدٍ إنزال الماء في الفَرْج ، بل كم ممن أنزل ولم يولد له ؛ بل لا بدَّ من أنَّ الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع . وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرّد العمل ينال الإنسان السعادة ، بل هي سبب ، ولهذا قال النبي ﴿: (فذكر الحديث) ، وقد قال تعالى : ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾. فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم ، والذي نفاه النبي : باء المقابلة ، كما يقال : اشتريت هذا بهذا . أي ليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة ، بل لا بدَّ من عفو الله وفضله ورحمته ، فبعفوه يمحو السيِّئات ، وبرحمته يأتي بالخيرات ، وبفضلِهِ يضاعف الدرجات . وفي هذا الموضع ضلِّ طائفتانٍ من الناس : ١ - فريق آمنوا بالقدر وظنّوا أنَّ ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة . وهؤلاء يؤولُ بهم الأمر إلى أن يكفروا بکتب الله ورسله ودینه . ٢ - وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر ، مُتَّكلين على حولهم وقوتهم وعملهم ، وكما يطلبه المماليك . وهؤلاء جهّال ضلاّل: فإِنّ الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه ، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلاً به ، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ، ونهاهم عما فيه فسادهم . وهو سبحانه ١٩٩ كما قال: (( يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضرُّوني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)) . فالملك إذا أمر ملوكيهِ بأمرٍ أمرهم لحاجته إِليهم ، وهم فعلوه بقوّتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك ، والله تعالى غنيٌّ عن العالمين ، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ، وإن أساؤا فلها . لهم ما كسبوا ، وعليهم ما اكتسبوا ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلّمٌ لِلْعَبِيدِ﴾)) . انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله منقولاً من ((مجموعة الفتاوى )) (٨ / ٧٠ - ٧١)، ومثله في ((مفتاح دار السعادة)) لتلميذه المحقّق العلامة ابن قيّم الجوزيّة (ص ٩ - ١٠)، و ((تجريد التوحيد المفيد)) (ص ٣٦ - ٤٣) للمقريزي . من أذكار آخر الصلاة العزيزة ٢٦٠٣ - (اللهمّ اغفر لي، وتُبْ عليَّ؛ إنّك أنت التوّابُ الغفور [ مائة مَرَّة ] ) . أخرجه ابن أبي شيبة في ((المسند)) (٢ / ٧١ / ١) : ابن فضيل وابن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف عن زاذان قال : نا رجل من الأنصار قال : سمعت رسول الله ◌َ﴾ يقول في دُبُرِ الصلاة .. فذكره، إلا أنَّه قال: (( أنت التائب أو التوَّاب)) ، هكذا بالشكّ ، ولعلَّ الصواب ما أثبتُّهُ في الأعلى ، فقد تابعه شعبة عن حصين به دون شك، وزاد: ((مائة مرة))، إلا أنه قال: ((في صلاة))، بدل قوله: ((في دبر الصلاة)) .. أخرجه أحمد (٥ / ٣٧١ ) : حدثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة به . قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلّهم ثقات على شرط الشيخين ؛ غير هلال بن يساف وزاذان - وهو الكندي مولاهم الكوفي - وهما من رجال مسلم . ٢٠٠