النص المفهرس

صفحات 161-180

((تعجيل المنفعة)) (ص ٤٦٩)، خلافاً لابن أبي حاتم؛ فإنّه ذكر في (( الجرح
والتعديل )) (٤ / ٢ / ٣٤٢) عن أبيه أنّ محمد بن زيد بن المهاجر هو أخو أبي بكر
هذا . والله أعلم .
والحديث أخرجه البيهقي (١٠ / ٣) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن
إسحاق عن أبيه عن عمير ، فأسقط من السند أبا بكر هذا وقرينه عم إسحاق بن
عبد الله .
وأخرجه الحاكم (٤ / ١٣٢) من طريق ثالثة عن عبد الله موصولاً ، لكن وقع
في سنده شيء من التحريف ، لا أدري هو من الطابع أم من بعض الرواة ، وقال :
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي.
قلت : ولولا أنّ في عبد الرحمن هذا بعض الضعف من قبل حفظه لحكمت
على الحديث بالصحة ، فهو حسن فقط . والله أعلم .
من فقه الحديث :
فيه دليل على جواز الأكل من مال الغير بغير إذنه عند الضرورة ، مع وجوب
البَدل . أفاده البيهقي. قال الشوكاني (٨ / ١٢٨) :
((فيه دليل على تغريم السارق قيمة ما أخذه مما لا يجب فيه الحد ، وعلى أنّ
الحاجة لا تبيح الإقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به ، أو بقيمته ،
ولو کان مما تدعو حاجة الإنسان إلیه ، فإنّه هنا أخذ أحد ثوبیه ودفعه إلى صاحب
النخل )) .
ومن هنا يتبيّن خطأ الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه ((النظام الاقتصادي
في الإسلام))، فإنّه أباح فيه (ص ٢٠ - ٢١) للفرد إذا تعذّر عليه العمل ولم تقم
١٦١

الجماعة الإسلامية بأوده « أن يأخذ ما يقيم به أوده من أي مكان يجده ، سواء كان
ملك الأفراد أو ملك الدولة ، ويكون ملكاً حلالاً له ، ويجوز أن يحصل عليه
بالقوة ، وإذا أخذ الجائع طعاماً يأكله أصبح هذا الطعام ملكاً له)) !
ووجه الخطأ واضح جداً ، وذلك من عدة نواح ، أهمّها معارضته للحديث ؛
فإنّه لم يملّك الجائع ما أخذه من الطعام ما دام يجد بدله .
ومنها أنّ المحتاج له طرق مشروعة لا بدّله من سلوكها كالاستقراض دون
فائدة ، وسؤال الناس ما يغنيه شرعاً ، ونحو ذلك من الوسائل الممكنة .
فما بال الشيخ - عفا الله عنه - صرف النظر عنها ، وأباح للفرد أخذ المال بالقوة
دون أن يشترط عليه سلوك هذه الطرق المشروعة ؟! ولست أشكّ أنّه لو انتشر بين
الناس رأي الشيخ هذا لأدَّى إلى مفاسد لا يعلم عواقبها إلاّ الله تعالى.
٢٥٨١ - ( اقْرأ القُرآن على سَبْعَة أحرف كلّها شافٍ كافٍ).
رواه الحربي في ((غريب الحديث)) (٥ / ١٤٢ / ٢): حدثنا مسدد : حدثنا
يحيى عن حميد عن أنس مرفوعاً .
قلت : وهذا سند صحيح على شرط البخاري ، ومسدّد هو ابن مسرهد ، وقد
خولف في إسناده بحيث يتبيّن أنّه من مراسيل أنس ◌َالله، لكن مراسيل
الصحابة صحيحة كما هو مقرّر في علم المصطلح ، وبخاصة أنّه قد ثبت أنّه تلقاه
عن أبيّ بن كعب عن النبي ◌َ له، فقال الإمام أحمد (٥ / ١١٤) : حدثنا يحيى
ابن سعيد به .. عن أنس أنّ أبيّاً قال :
((ما حكّ في صدري شيء منذ أسلمت إلا أني قرأت آية .. )) فذكر
الحديث .
١٦٢

قلت : وتمامه كما في النسائي (١ / ١٥٠) من طريق آخر عن يحيى :
وقرأها آخر غير قراءتي ، فقلت: أَقْرَأنيها رسول الله عَ ليه، وقال الآخر :
أَقْرأنيها رسول الله ◌َ ﴿! فأتيت النبي ﴿ فقلت : يا نبي الله ! أقرأتني آية كذا
وكذا ؟ قال : نعم ، وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال :
(( نعم ؛ إنّ جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني ، فقعد جبريل عن
يميني، وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل الليعلام: اقرأ القرآن على حرف ، فقال
میکائیل : استزده استزده ، حتى بلغ سبعة أحرف ، فكل حرف شاف كاف » .
وقد سبق تخريجه برقم (٨٤٣) ، وقد رواه الإمام ابن جرير الطبري أيضاً في
مقدّمة (( تفسيره)) (رقم ٢٦ و٢٧) من طرق أخرى عن حميد الطويل به .
ورواه هو وأحمد من طريق حماد بن سلمة عن حميد به ، إلا أنّه أدخل بين
أنس وأُبيّ عبادة بن الصامت! وأظنّ أنّ ذلك من أوهام ابن سلمة لمخالفته لرواية
الثقات المتقدّمة عن حميد .
وله شاهد من رواية علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه
نحوه، وزاد :
(( ما لم يختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب ، كقولك: (هلمّ)
و (تعال) )).
أخرجه ابن جرير (٤٠)، والطحاوي في ((المشكل)) (١٩١/٤)، وأحمد
(٥ / ٥١) .
وعليّ بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف من قبل حفظه ، لكن هذه الزيادة
صحيحة ، لأنّ لها شاهداً من طريق أخرى عن أَبيّ صحيحة ، سبق ذكرها
وتخريجها في الموضع المشار إليه آنفاً .
١٦٣

وفي ذلك بيان أنّ المراد بالسبعة أحرف سبع لغات في حرف واحد وكلمة
واحدة باختلاف الألفاظ واتّفاق المعاني، كما شرحه وبيّنه بياناً شافياً الإمام
الطبري في مقدّمة تفسیره ، کما أوضح أنّ الأمّة ثبتت علی حرف واحد دون سائر
الأحرف الستة الباقية ، وأنّه ليس هناك نسخ ولا ضياع ، وأنّ القراءة اليوم على
المصحف الذي كان عثمان ◌َّتُ جمع الناس عليه ، في كلام رصينٍ متين ،
فراجعه ، فإنّه مفيد جداً .
تكسير البيع وتحويلها مساجد
٢٥٨٢ - (اخْرُجُوا فإذا أَتَيْتُم أَرْضَكم فاكسِروا بيعتكم ، وانضحوا
مكانَها بهذا الماء، واتَّخذُوها مَسْجداً. قالوا : إنّ البَلَدَ بعيدٌ ، والحرَّ
شديدٌ، والماءَ ينشفُ؟ فقال: مُدُّوهُ من الماء ، فإنّه لا يزيدُهُ إلاّ
طيباً) .
أخرجه النسائي (٨ / ١ المساجد - ١١ باب)، وابن حبان (٩٨ / ٣٠٤ -
موارد) من طريق عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي قال :
((خرجنا وفداً إلى النبي ◌َ﴿ فبايعناه وصلّينا معه وأخبرناه أنّ بأرضنا بيعة
لنا ، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبَّه في إداوة
وأمرنا ، فقال : فذكره . فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا ، ثم نضحنا
مكانها واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان؛ قال : والراهب رجلٌ من طيء
فلما سمع الأذان قال : دعوة حق ، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد )) .
قلت : إسناده صحيح ، ومن هذا الوجه أخرجه أحمد (٤ / ٢٣) ، والحربي
في ((غريب الحديث)) (٥ / ١٤١ / ٢ و١٥٦ / ٢) من الوجه المذكور مختصراً .
١٦٤

٢٥٨٣ - ( التمسوا الساعة التي تُرْجى في يوم الجمعة بعد العصر
إلى غيبوبة الشمس) .
٦
رواه الترمذي (رقم ٤٨٩)، والحسن بن شقيق في ((المنتقى من الأمالي)»
(٤٢ /٢)، وابن عدي (٣٠٠ / ٢ و٣٢٥ /١)، وأبو نعيم في (( أخبار أصْبهان))
(١ / ١٧٦ - ١٧٧) عن محمد بن حميد عن موسى بن وردان عن أنس بن مالك
مرفوعاً . وقال ابن عدي :
٢
((محمد بن حميد - ويقال : حماد بن أبي حميد - حديثه مقاربٌ ، وهو مع
ضعفه يكتب حديثه)). وقال في الموضع الآخر :
(( لا يرويه عن موسى غير محمد بن أبي حميد ، ومحمد ليِّن)).
قلت : نعم هو ليِّن ، ولكنّه قد توبع ، ولعلّ الترمذي أشار إلى ذلك بقوله
عقبهُ :
((حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن أنس عن النبي ◌َ لهم من غير
هذا الوجه)).
والمتابع هو ابن لهيعة، أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (١ / ٢٥٨ /
٧٤٧)، وفي ((الأوسط)) (١ / ١٠ / ١٣٥ - بترقيمي) من طريق يحيى بن بكير :
ثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان به ، وزاد في آخره :
((وهي قدر هذا. يعني: قبضته)).
وقال الطبراني :
١٦٥

(( لم يروه عن موسى إلا ابن لهيعة)).
قلت : ومن الطرائف ؛ أنّ قوله هذا مردود بقول ابن عدي المتقدّم وروايته ،
كما أنّ قول ابن عدي مردود بقول الطبراني وروايته ، وجلَّ من أحاط بكل شيء
علماً .
ثُمَّ إِنَّ الحديث عندي حسن بمجموع الطريقين، ثم إنّه يرتقي إلى درجة
الصحَّة بحديث جابر ◌َاللهُ مرفوعاً نحوه أتمّ منه، رواه أبو داود وغيره ، وصحّحه
جمع ، وهو مخرّج في (( صحيح أبي داود)) (٩٦٣).
بعض أدعيته
٢٥٨٤ - (اللهم حَبِّب إلينا المدينة كَحُبِّنا مكةَ أو أشد ،
وصحّحها، وبارك لنا في صاعِها ومُدِّها ، وانْقُل حُمّاها فاجعلها
بالجحفة) .
رواه البخاري (٢ / ٢٢٤ - ٢٢٥ و٤ / ٢٦٤ و ٧ /٥ و١٦٠)، ومسلم (٤ /
١١٩)، ومالك (٣ / ٨٧)، وابن حبان (٣٧١٦/١٥/٦ - الإحسان)، وأحمد (٦ /
٥٦ و٦٥ و٢٢١ - ٢٢٢ و٢٦٠) من حديث عروة عن عائشة قالت :
لما قدم رسول الله # المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت : فدخلت
عليهما ، فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت : فكان أبو
بكر إذا أخذته الحمّى يقول :
كلُّ امرىءٍ مُصَبِّحٌ في أهله
والموت أدنى من شِراك نعلِه
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول ، وفي رواية لأحمد :
١٦٦

تغنى فقال :
بوادٍ وحولي إذخر وجليلُ
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً
وهل يبدون لي شامة وطفيلُ
وهل أرِدَنَّ يوماً مياه مجنة
· فأخبرته ، فقال : فذكره . زاد أحمد
قالت عائشة : فجئت رسول الله :
في رواية :
قال : فكان المولود يولد بالجحفة ، فما يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمّى .
والسياق لأحمد، وسنده صحيح على شرط الستَّة. وله عنده (٦ / ٢٣٩ -
٢٤٠) طريق أخرى عنها . وسنده حسن .
(فائدة) : الجُحفة: بضم الجيم قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلاً من
مكة ، وكانت تسمى (مَهْيَعَة) كما في (( القاموس)). وقد كان سكانها في ذلك
الوقت اليهود ، ولم یکن بها مسلم ، ولذلك دعا رسول الله
بنقل حمّى المدينة
إليها كما قال ابن حبان ، ونحوه في (( شرح مسلم )) للنووي .
٢٥٨٥ - (اللهم اغْفِرٍ لِحُذَيْفة ولأُمِّه) .
رواه ابن أبي الدنيا في «التهجّد)) (٢ / ٦٠): حدثنا أبو عبد الرحمن
عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذْرعي : ثنا زيد بن الحباب : نا إسرائيل عن
ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زرّ بن حبيش عن حذيفة بن اليمان
قال :
(( أتيت النبي ﴿ فصليت معه المغرب ، فلما فرغ صلّى ، فلم يزل يصلي
حتى صلّى العشاء ثم خرج ، فتبعته ، قال : من هذا؟ قلت : حذيفة ، قال :
فذكره)) .
١٦٧

ورواه ابن عساكر (٤ / ١٤٧ /٢) من طريق أبي يعلى : نبأنا أبو عبد الرحمن
الأذرعي به ، ومن طريق أحمد : أنا حسين بن محمد : نبأنا إسرائيل به .
قلت: وهو في ((المسند)) (٥ / ٣٩١) : ثنا حسين بن محمد به أتمّ منه . ثم
أخرجه أحمد (٥ / ٤٠٤)، والحاكم (١ / ٣١٢ - ٣١٣) من طريق زيد بن الحباب
به مختصراً ليس فيه حديث الترجمة ، ورواية الحاكم مختصرة جداً ليس فيها إلا
الصلاة بين المغرب والعشاء. وهكذا رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١١٩٤) من
هذا الوجه، وعزاه المنذري في ((الترغيب)) (١ / ٢٠٥) للنسائي بإسناد جيّد .
هكذا أطلق العزو للنسائي، وهو إنّما أخرجه في (( السنن الكبرى / المناقب))
(٨٠/٥ - ٨١)، وقال الحاكم:
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي ، وهو من أوهامهما ؛ فإنّ
ميسرة بن حبيب ليس من رجالهما ، وهو ثقة .
والحديث أخرجه الترمذي في ((المناقب)) (٩ / ٣٣٨ / ٣٧٨٣) من طريق
أخرى عن إسرائيل مثل رواية ((المسند)) عن حسين بن محمد ، وابن نصر في
((قيام الليل)) (ص ٣٣) أخصر منه . وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل)).
قلت : هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهو ثقة ، تكلّم فيه بغير
حجّة كما في ((التقريب))، فالإسناد صحيح .
٢٥٨٦ - ( الطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكْثر أهلِها الفُقراء، واطَّلِعْتُ
في النار فرأيت أكثرَ أهلها النساء ) .
أخرجه مسلم (٨ / ٨٨)، والترمذي (٢٦٠٥)، وأحمد (١ / ٢٢٤) من
١٦٨

طريق أيوب عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعت ابن عباس يقول : قال محمد
: فذكره .
وتابعه حماد بن نجيح سمعه من أبي رجاء به .
أخرجه أحمد (١ / ٢٣٤)، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (٤٧) ، وقرن
مع حماد صخر بن جويرية بلفظ :
((المساكين)) مكان ((الفقراء))، والمعنى واحد، وله شاهد كما يأتي قريباً.
ورواه البخاري (٦٥٤١) ، والترمذي أيضاً (٢٦٠٦)، وابن حبان (٧٤١٢ -
الإحسان)، وأحمد (٤ / ٤٢٩) من طريق عوف بن أبي جميلة عن أبي رجاء
عن عمران مرفوعاً به . وقال الترمذي :
(( حديث حسن صحيح ، وهكذا يقول عوف: عن أبي رجاء عن عمران بن
حصين ، ويقول أيوب : عن أبي رجاء عن ابن عباس . وكلا الإسنادين ليس فيهما
مقال ، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعاً ، وقد روى غير عوف أيضاً
هذا الحديث: عن أبي رجاء عن عمران بن حصين)).
قلت : وهذا هو الراجح ؛ أنّ أبا رجاء يرويه عن ابن عباس ، وعن عمران فإنّه
ثقة حجة ، وقد تابعه مطرف عن عمران عند أحمد (٤ / ٤٤٣) .
ويشهد للحديث ما رواه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله
: :
((قمت على باب الجنة ، فإذا عامّة من دخلها المساكين ، وإذا أصحاب الجَدّ
محبوسون ؛ إلا أصحاب النار ؛ فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار ، فإذا
عامّة من دخلها النساء)).
١٦٩

أخرجه البخاري (٥١٩٦ و ٦٥٤٧) ، ومسلم أيضاً ، وابن حبان (٧٤١٣) ،
وأحمد (٥ / ٢٠٥ و ٢٠٩) .
وروي الحديث عن ابن عمرو أيضاً بإسناد ضعيف ؛ فيه لفظة منكرة ، وهي :
((الأغنياء والنساء))، ولذلك خرّجته في الكتاب الآخر (٢٨٠٠).
٢٥٨٧ - ( أفضل الصدقة المنيحةُ ، تَغْدُو بعِساءِ ، وتروح بعساءِ) .
رواه الخطابي في ((غريب الحديث)) (١٠٦ / ٢) عن الحميدي : نا سفيان:
نا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً ، وقال :
(( قال الحميدي : (العِساء) العس الكبير)). قال الخطابي :
(( ولم أسمعه إلا في هذا الحديث ، والحميدي من أهل اللسان ، ورواه ابن
المبارك فقال: ((تغدو برفد، وتروح برفد))، وكان ذلك شاهداً لقول الحميدي ، لأنّ
الرفد : القدح الكبير، وأول الأقداح الغُمر، وهو الذي لا يبلغ الريّ ، ثم القعب ،
وهو قدر ريّ الرجل ، ثم القدح ، وهو يروي الاثنين والثلاثة، ثم العُسّ ، يعبُ فيه
الجماعة ، ثم الرفد ، أكبر منه ، ثم الصحن ، أكبر منه، ثم التِّبن ، وهو أكبرها ، ثم
أكبر منها الجَنْبة ، تعمل من جنب البعير)).
وهكذا في النسخة المطبوعة من ((الغريب)) (١ / ٥٠٧ - ٥٠٨)، ونقل ابن
الأثير منه إلى قوله: (( من أهل اللسان )) ، وقال عقبهُ:
((ورواه أبو خيثمة، ثم قال: لو قال: (( بعساس)) كان أجود ، فعلى هذا يكون
جَمَعَ (العِسّ) ، أبدل الهمز من السين )).
والحديث في (( مسند الحميدي)) (١٠٦١) بهذا السياق، إلا أنّه وقع فيه :
(( بعسّ)) في الموضعين ، وذكر المعلّق عليه أنّ الأصل (نفس).
١٧٠

قلت : ولعلّ الأصل (بعساء) ، فلم يحسن الناسخ قراءته ، ثم صحّحه المعلّق
من بعض المصادر الحديثية ، فإنّ الحديث رواه أحمد (٢ / ٢٤٢) بإسناد الحميدي ،
فقال : ثنا سفيان بإسناده ، لكن بلفظ :
((إلا رجل يمنح أهل بيت ناقته تغدو بعسّ، وتروح بعسّ، إنّ أجرها
لعظيم )).
وهكذا أخرجه مسلم (٣ / ٨٨) من طريق زهير بن حرب : حدثنا سفيان بن
عيينة به .
وأخرجه البخاري (٢٦٢٩ و٥٦٠٨) من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ :
(( نعمَ الصدقة اللَّقِحة الصفيّ منحةً ، الشاة الصفي منحةً ، تغدو بإناء ،
وتروح بآخر )) .
ورواه أحمد (٢ / ٣٥٨ و ٤٨٣) نحوه من طریق آخر، وزاد :
((ومنيحة الناقة كعتاقة الأحمر ، ومنيحة الشاة كعتاقة الأسود)). وهي
زيادة منكرة فيها من لا يعرف حاله ، وانظر ترجمة عبد الله بن صبيح في (( تيسير
انتفاع الخلان)) يسّر الله لي إتمامه .
(اللَّقحَةُ) : الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة .
(الصَّفِيّ) : أي الكريمة الغزيرة اللبن .
٢٥٨٨ - ( أَصَلاتان معاً؟! قاله لرجلٍ يُصَلِّي والمؤذِّنُ يقيمُ ) .
أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٢٨٣ / ١) عن محمد بن عمرو عن أبي
سلمة عن أبي هريرة قال :
١٧١

((رأى رسول الله :﴿ رجلاً يصلّي، والمؤذّن يقيم ، فقال له رسول الله
... )) فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيّد ، رجاله ثقات معروفون ؛ غير عبد الغفار بن عبد الله
ابن الزبير شيخ أبي يعلى. أورده ابن أبي حاتم (٣ /١ / ٥٤)، وقال:
((روى عن علي بن مسهر وعبد الله بن عطاء الطائي . روى عنه إبراهيم بن
يوسف الهسنجاني )).
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقد ذكره ابن حبّان في ((الثقات)) (٨ /
٤٢١) ، وقال :
(( من أهل الموصل ، كنيته أبو نصر .. حدثنا عنه الحسن بن إدريس)).
قلت : وروى عنه غيره أيضاً ، وأخرج له ابن حبان في ((صحيحه)) ثمانية
أحاديث كلها من رواية أبي يعلى عنه، وأحدها مقرون بـ (الحسن بن إدريس) .
ويشهد للحديث ويقوّيه حديث ابن بُحَينة قال :
رجلاً يصلي والمؤذّن يقيم ، فقال :
أقيمت صلاة الصبح ، فرأى رسول الله
((أتصلي الصبح أربعاً ؟!)).
أخرجه مسلم (٢ / ١٥٤) ، وفي رواية له عنه قال :
أنّ رسول الله ح ◌ُهُ مرّ برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح ، فكلّمه بشيء
لا ندري ما هو؟ فلما انصرفنا أحطناه نقول: ماذا قال لك رسول الله عياء؟ قال:
قال لي :
(( يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً ؟! )).
وكذا رواه أبو عوانة (٢ / ٣٧ - ٣٨)، وابن ماجه (رقم ١١٥٣)، والبيهقي
(٢ / ٤٨١) .
ورواه البخاري (٦٦٣) نحو الرواية الأولى.
١٧٢

وله شواهد أخرى عند ابن خزيمة في «صحيحه» (١١٢٤ - ١١٢٦)، وابن
حبان (٤٤١)، والبزار في ((مسنده)) (١ /٢٤٥ / ٥٠٣ و٥١٧ و٥١٨).
٢٥٨٩ - ( اللهم فَقَّهْهُ في الدين ، وعلّمه التأويل).
أخرجه الطبراني (٣ / ١٦٤ / ٢)، وعنه أبو علي الصّف في ((الفوائد))
(٣ / ١٦٦ -١٦٧)، ورواه الضياء في ((المختارة)) (٢٢٦ / ٢) بإسنادين عن شبل
ابن عباد عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :
أنّهُ سكب للنبي ◌َهٍ وضوءاً عند خالته ميمونة ، فلما خرج قال : من وضع
لي وَضوئي؟ قالت : ابن أختي يا رسول الله ، قال : فذكره . قال الضياء :
((قصدنا من هذا الحديث: ((وعلّمه التأويل))، وأما قوله: ((فَقِّهْهُ في
الدين)) فقد أخرج في الصحيحين))(١).
ثم أخرجه هو (٢٣٣ - ٢٣٤)، والبيهقي في ((الدلائل)) (ج٢ باب ما جاء
في دعائه لابن عباس)، وأحمد (١ / ٢٦٦ و٣١٤ و٣٢٨ و٣٣٥) من طريق
عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير به .
وكذا أخرجه الطبراني (٣ / ٨٤ /٢)، وسنده صحيح على شرط مسلم .
ثم قال الضياء :
((ولم يخرجا: ((وعلّمه التأويل))، وهذه زيادة حسنة)).
قلت : وصحّحه الحاكم (٣ / ٥٣٤) ، ووافقه الذهبي .
(١) قلت: البخاري في ((الوضوء)) (باب ١٠)، ومسلم (٧ / ١٥٨) من طريق أخرى بلفظ :
(اللهم فِقّههُ في الدين))، وفي رواية للبخاري في ((الفضائل)): ((اللهم علَّمه الكتاب)» ، وفي أخرى
(( .. علِّمه الحكمة))، وصحّحه الترمذي (٣٨٢٤). وهو مخرج في ((الروض النضير)) (٣٩٥).
١٧٣

ثم أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٨٩ / ١-٢) و ((الصغير)) أيضاً (ص
١١٢ - هند) من طريق داود بن أبي هند عن ابن جبير به .
وله في (( الكبير)) طريق آخر عن ابن عباس، فقال (٣ / ١١٣ / ٢) : حدثنا
محمد بن علي بن شعيب السمسار: نا أبي : نا أبو النضر هاشم بن القاسم : نا
ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عنه مرفوعاً .
وتقدّم له طريق رابع بلفظ: ((اللهم أعط ابن عباس الحكمة ... )).
والجملة الثانية أخرجها الطبراني (٣ / ١٤٤ / ١) من طريق شبيب عن
عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً .
وبالجملة ؛ فالحديث صحيح بهذا التمام ، وقد عزاه في ((شرح الطحاوية))
(ص ٢٣٤) للبخاري ، وهو وهمٌ، كما كنت نبّهت عليه في تخريج الحديث
هناك، وقد ذكرت ثمَّة أنَّ الإمام أحمد رواه من طريق أخرى بلفظ آخر ، ذكرت
طرفاً منه ، والآن أرى أن أسوقه بتمامه لأنَّ فيه فائدة فقهية ، قلَّ من يعرفها ويعمل
بها ، وهو التالي :
٢٥٩٠ - (ما شأني (وفي رواية: ما لَكَ) أجعلُك حذائى
فَتَخْنَس؟!) .
أخرجه الحاكم (٣ / ٥٣٤) ، والرواية الثانية والزيادة الآتية بين المعقوفتين له ،
وأحمد (١ / ٣٣٠) والسياق له عن حاتم بن أبي صغيرة أبي يونس عن عمرو بن
دينار أن كريباً أخبره أن ابن عباس قال :
((أتيت رسول الله ◌َ ﴾ [وهو يصلي من آخر الليل] فصليت خلفه ، فأخذ
على صلاته خنست ،
بيدي فجرّني فجعلني حذاءه ، فلما أقبل رسول الله
١٧٤

﴿، فلما انصرف قال لي .. فذكره ، فقلت : يا رسول الله ! أو
فصلى رسول الله
ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك ، وأنت رسول الله الذي أعطاك الله ، قال :
فأعجبته ، فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً ، زاد أحمد :
((قال: ثم رأيت رسول الله ﴿ نام حتى سمعته ينفخ، ثم أتاه بلال فقال :
يا رسول الله! الصلاة . فقام فصلى ما أعاد وضوءاً )).
وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي ، وهو كما
قالا ، وقال الهيثمي (٩ / ٢٨٤):
((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح))، والجملة الأخيرة في الدعاء له ، قد
جاءت من طرق أخرى بأتم منها ، وقد سبق ذكرها قبل هذا الحديث .
وفيه فائدة فقهيّة هامة ، قد لا توجد في كثير من الكتب الفقهية ، بل في
بعضها ما يخالفها، وهي : أن السنة أن يقتدي المصلي مع الإمام عن يمينه
وحذاءه ، غير متقدم عليه ، ولا متأخر عنه ، خلافاً لما في بعض المذاهب أنه ينبغي
أن يتأخر عن الإمام قليلاً بحيث يجعل أصابع رجليه حذاء عقبي الإمام ، أو
نحوه ، وهذا كما ترى خلاف هذا الحديث الصحيح ، وبه عمل بعض السلف ،
فقد روى الإمام مالك في ((مُوَطّه)) (١ / ١٥٤) عن نافع أنه قال :
(« قمت وراء عبد الله بن عمر في صلاة من الصلوات وليس معه أحد غيري ،
فخالف عبد الله بيده ، فجعلني حذاءه )) .
ثم روى (١ / ١٦٩ - ١٧٠) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه قال:
دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة ، فوجدته يُسبح ، فقمت وراءه ،
فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه ، فلما جاء (يرفأ) تأخرتُ فصففنا وراءه .
١٧٥

وإسناده صحيح أيضاً .
** في قصة مرض وفاته حين خرج وأبو بكر
بل قد صح ذلك من فعله
الصديق يصلي الناس، فجلس 18 حذاءه عن يساره ، (مختصر البخاري /
٣٦٦) ، ومن تراجم البخاري (٥٧ - باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا
اثنين). انظر المختصر (١٠ - كتاب الأذان) والتعليق عليه .
تنبيه : تقدم حديث الترجمة برقم (٦٠٦) فقدر إعادته هنا بفوائد زائدة ،
والخيرة فيما اختاره الله .
٢٥٩١ - (أَلَيْسَ قد صام بعْده رمضان، وصلَّى بعده ستة آلاف
ركعة ، وكذا وكذا ركعة لصلاة السُّنةِ ؟) .
رواه البيهقي في ((الزهد)) (٧٣ / ٢) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن
طلحة بن عبيد الله :
أن رجلين من بليّ - وهو حي من قضاعة - قتل أحدهما في سبيل الله ، وأخر
الآخر بعده سنة ثم مات ، قال طلحة : فرأيت في المنام الجنة فتحت ، فرأيت
الآخر من الرجلين دخل الجنة قبل الأول ، فتعجبت . فلما أصبحت ذكرت ذلك ،
فبلغت رسول الله
: فذكره .
ړه ، فقال لي رسول الله
قلت : وهذا إسناد حسن إن كان أبو سلمة سمع من طلحة ، فقد نفى
سماعه منه ابن معين وغيره ، لكن الحديث صحيح ؛ لما له من الشواهد يأتي
الإشارة إلى بعضها .
وقد أخرجه ابن ماجه (٣٩٢٥)، وابن حبان (٢٤٦٦) من طريق محمد بن
إبراهيم التيمي عن أبي سلمة به أتم منه .
١٧٦

وكذا رواه أحمد (١ / ١٦١ - ١٦٢ و١٦٣)، فظننت أن (محمد بن عمرو)
الذي في إسناد (( الزهد)) وهم ، ثم ظهر أنه رواية ، فقد رأيت الإمام أحمد أخرجه
(٢ / ٣٣٣) من طريقه عن أبي سلمة عن أبي هريرة به ، ثم من طريقه عن أبي
سلمة عن طلحة .. وسنده عن أبي هريرة حسن كما قال المنذري في (( الترغيب))
(١ / ١٤٢) .
ويشهد له حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت سعداً وناساً
من أصحاب رسول الله عَ ليه يقولون : فذكره أتم منه .
أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣١٠)، والحاكم (١ / ٢٠٠)، وأحمد
(١ / ١٧٧) من طريق مخرمة عن أبيه عنه ، وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه، والعلة فيه أن طائفة من أهل مصر ذكروا أن
مخرمة لم يسمع من أبيه لصغر سنه ، .. وأثبت بعضهم سماعه منه)) .
قلت : والراجح أن روايته عن أبيه وجادة من كتاب أبيه ، وهي حجة ، ولعل
مالكاً رحمه الله أشار إلى ذلك حينما روى الحديث في ((الموطأ)) (١ / ١٨٧)
بلاغاً، فقال: إنه بلغه عن عامر بن سعد به ، إلا أنه لم يذكر: (( وناساً من
أصحاب رسول الله ﴿چ)) .
٢٥٩٢ - (إنَّ أبي وأباك في النَّارِ).
أخرجه الطبراني في (( الكبير)) (٣٥٥٢): حدثنا محمد بن عبدالله
الحضرمي : ثنا أبو كريب : ثنا أبو خالد الأحمر عن داود بن أبي هند عن
العباس بن عبد الرحمن عن عمران بن الحصين قال :
جاء حصين إلى النبي :﴿﴿ قال: أرأيت رجلاً كان يصل الرحم ، ويقري
١٧٧

: فذكره : فما مضت عشرون ليلة
ـله
الضيف مات قبلك ؟ فقال رسول الله
حتى مات مشركاً .
قلت : وهذا إسنادٌ رجاله كلُّهم ثقاتٌ ؛ غير العباس بن عبد الرحمن ، وهو
مولى بني هاشم، لا يعرف إلا برواية داود عنه كما في ((تاريخ البخاري)) (٥/١/٤)
و «الجرح والتعديل)) (٣ / ٢١١)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو
مجهول ، وقول الحافظ في (( التقريب ) :
((مستور))؛ سهو منه، لأنه بمعنى: ((مجهول الحال))، وذلك لأنه نص في
المقدمة أن هذه المرتبة إنما هي في (( من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق)).
قلت : وذهل عنه الهيثمي، فقال في ((المجمع)) (١ / ١١٧):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال (الصحيح) ))!
وذلك لأن العباس هذا لم يخرج له الشيخان ، ولا بقية الستة ، وإنما أخرج له
أبو داود في ((المراسيل)) و((القدر))، وحديثه في ((المراسيل)) يشبه هذا في
المعنى ، فقد أخرجه فيه (برقم ٥٠٨) من طريق داود أيضاً عنه قال :
جاء رجل إلى العباس فقال : أرأيت الغيطلة - كاهنة بني سهم - في النار مع
عبد المطلب ؟ فسكت : ثم قال : أرأيت الغيطلة .. ، فوجأ العباس أنفه ، فجاء إلى
:
، فقال رسول الله
النبي
(( ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر وإن كان حقاً ؟!)) .
وكذا رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٤ / ٢٤ - ٢٥) بأتم منه.
والحديث أخرجه الجورقاني(١) في ((الأباطيل والمناكير)) (١ / ٢٣٥) من
(١) اختلفوا في ضبطه اختلافاً كثيراً ، هل هو بالراء أم بالزاي؟ وهل هو بفتح الجيم أم بالضم .
انظر الحاشية على ((السير)) (٢٠ / ١٧٨).
١٧٨

طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا -
على أن من مات في الجاهلية مشركاً فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن
كثير من الناس ، وبخاصة الشيعة منهم ، ومن تأثر بهم من السنة !
ومن تلك الأحاديث ، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلاً
قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار. فلما قفى دعاه ، فقال : فذكر حديث
الترجمة حرفاً بحرف .
أخرجه مسلم (١٣٢/١ - ١٣٣)، وأبو عوانة (٩٩/١)، وأبو داود (٤٧١٨)،
والجورقاني (١ /٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣ /٢٦٨)، وأبو يعلى (٦ / ٢٢٩ /
٣٥١٦)، وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان)، والبيهقي (٧ / ١٩٠) من طرق عن
حماد بن سلمة به .
ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ :
(( حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار)).
فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله .
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله ﴿ لما زار قبر أمه :
(( استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها ،
فأذن لي .. )) الحديث .
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز)) (ص ١٨٧ - ١٨٨) من
حديث أبي هريرة وبريدة ، فليراجعهما من شاء .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة .
١٧٩

واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم
لقبول هذه الأحاديث الصحيحة ، وتبنّي ما فيها من الحكم بالكفر على والدي
الرسول ، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام - ليستنكر أشد
الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة !
وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصبّ منهم على النبي ◌َ ي الذي قالها
إن صدَّقوا بها . وهذا - كما هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل : على الأئمة الذين
رووها وصححوها ، وهذا فسق أو كفر صراح ، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين
بدينهم ، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به ، إلا من طريق نبيهم وم كما
لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه ، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم
وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح
باب عظيم جداً لرد الأحاديث الصحيحة ، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من
الكتّاب الذين ابتليَ المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان
وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم !
واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يُهدمَ بأقلام بعض المنتسبين إليه - أنّ
هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاصٍ أو إيمانهم ، إنما هو من الأمور
الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول ، لقوله تعالى: ﴿المَ ذلكَ الكتابُ
لا ريب فيه هدى للمتقين. الذينَ يؤمنون بالغيبِ﴾ (البقرة: ١-٣)، وقوله : ﴿وما
كانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضىَ الله ورسُولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخِيَرةُ مِنْ أمرِهم .. ﴾
(الأحزاب: ٣٦) ، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث
لهما - وأحلاهما مرّ -: إما تكذيب النبي ، وإما تكذيب رواتها الثقات كما
تقدم .
١٨٠