النص المفهرس
صفحات 21-40
من طريق هشيم وغيره عن عبد الحميد بن جعفر ، وخالفه خالد بن الحارث عنه في مخالفة لا تضر في صحة متنه كما تقدم بيانه برقم (١٩٢٩) ، وقد قُدِّر إعادة تخريجه هنا ، ولا يخلو من فائدة . ٢٥٠٥ - (إنَّ الرجُلَ يشفعُ الرَّجُلَيْنِ، وللثلاثةِ، والرَّجلَ للرجلِ) . أخرجه ابن خُزَيمة في («التوحيد)) (ص ٢٠٥) : حدّثنا إسحاق بن منصور قال : ثنا عبد الرزّاق عن مَعْمر قال : أخبرني ثابتٌ البُناني أنه سمع أنس بن مالك يقول : قال النبي ... فذكره . وأخرجه البزار (٣٤٧٣ - كشف) من طريقين آخرين عن عبد الرزاق دون الجملة الأخيرة . قلت : وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ! وأورده المنذري في ((الترغيب)) (٢٢٠/٤)، ثم الهيثمي في ((المجمع)) (١٠/ ٣٨٢) من رواية البزّار (٣٤٧٣ - كشف الأستار)، وقالا: « ورجالُهُ رجالُ الصحيح ». قلت : وله شاهدٌ يرويه عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخُدْريّ مرفوعاً به . أخرجه ابن خُزيمة (ص ٦٧٠)، وأحمد (٣ / ٢٠ و٦٣). وعطيّةُ ضعيفٌ كما هو معلوم . ٢١ ٢٥٠٦ - (ما اسْتَجارَ عبدٌ من النار سبعَ مرّاتٍ في يوم إلا قالت النّارُ : يا ربِّ إنّ عبدك فلاناً قد استجارَكَ مني فَأَجِرْهُ، ولا يسألُ اللهَ عبدٌ الجنَّةَ في يوم سبعَ مرّاتٍ إلا قالت الجنةُ : ياربٌ! إنّ عبدَك فِلاناً سأَلَنِي فَأَدْخِلْه الجنّة). أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٤ / ١٤٧٢ - ١٤٧٣)، والضّياء أيضاً في ((صفة الجنة)) (٣ / ٨٩ /١): حدثنا أبو خَيْثَمَة: نا جريً عَن يونُس/عن أبي : فذكره . وقال الضياء : عبد الحميد حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ((هذا الحديث عندي على شَرْط الصحيحين)). وكذا قال المنذري قبله في ((الترغيب)) (٤ / ٢٢٢)، وتبعهما ابن القيم في ((حادي الأرواح)) (١ / ١٤٨)، وهو كما قالوا ، وبيان ذلك: ١ - أبو حازم هو سَلْمان الأشجعي الكوفي ، وهو ثقةٌ بلا خلاف ، قيل : إنه مات في خلافة عُمر بن عبد العزيز . ٢ - يونُس هو ابن يزيد الأَيْلِيّ، قال الذهبي : (( ثقةٌ حُجَّةٌ شذّ ابنُ سعد في قوله: ليس بحجّة ... )). وقال الحافظ : (( ثقةٌ إلا أنّ في روايته عن الزُّهري وهماً قليلاً ، وفي غير الزُّهْري خطأ ). ٣ - جرير هو ابن حازم الأَزدي البصْري ، قال الذهبي : ((أحدُ الأئمة الكبار الثقات، ولو لا ذِكْرُ ابن عديّ له لَما أوردتُه)). وقال الحافظ : ٢٢ (( ثقةٌ، لكنْ في حديثه عن قتادة ضعفٌ ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه )). قلت : وليس هذا من حديثه عنه ، وإنما عن يونس الأيلي، وقد ذكروه في شيوخه . ٤ - أبو خيثمة هو زُهير بن حرب الحَرَشي النَّسائي ؛ ثقةٌ اتفاقاً. وقال الحافظ : (( ثقةٌ ثبتٌ ، روى عنه مسلمٌ أكثرَ من ألف حديث )) . وبالجملة ؛ فالحديثُ صحيحٌ بلا ريب، وما في بعض رواته من الكلام فهو يسيرُ لا يَضُرُّ في صحّته - كما هو ظاهر - والله أعلم . (فائدة) : لقد اعتاد بعضُ الناس في دمشق وغيرها التسبيحَ المذكور في هذا الحديث جَهْراً وبصوتٍ واحدٍ عَقِبَ صلاة الفجر ، وذلك مما لا أعلم له أصلاً في السُّنَّة المطهّرة ، ولا يصلح مستنداً لهم هذا الحديثُ لأنه مطلقٌ ، ليس مقيّداً بصلاة الفجر أولاً، ولا بالجماعة ، ولا يجوزُ تقييدُ ما أطلقه الشارعُ الحكيمُ ، كما لا يجوزُ إطلاقُ ما قيّده ، إذ كُلّ ذلك شرعٌ يختص به العليم الحكيم . فمن أراد العمل بهذا الحديث ، فليعمل به في أيِّ ساعة من ليل أو نهار، قبل الصلاة ، أو بعدها . وذلك هو مَحْضُ الاتِّباع ، والإخلاص فيه . رَزَقَنا اللهُ تبارك وتعالى إياه . وأما حديث: ((إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: (( اللهم أجرني من النار)) سبع مرات .. )) الحديث، فهو ضعيف كما تراه محققاً في (( الضعيفة)) (١٦٢٤) فلا تغترّ بمن حسِّنَه، فإنها زلة عالم ، ولا بمن قلده ، فإنه لا علم عنده . ثم طُبع (( مسند أبي يعلى )) بتحقيق الأخ حسين سليم أسد ، فإذا به يضيف حديث الترجمة ! ويقول في التعليق عليه : ٢٣ (( إسناده ضعيف ، يونس هو ابن خباب؛ قال يحيى بن سعيد : كان كذاباً .. )). ثم أفاض في نقل أقوال الأئمة في تضعيف يونس هذا، ثم نقل عن ((مجمع الزوائد» (١٠ / ١٧١) أنه قال : ((رواه البزار، وفيه يونس بن خباب ، وهو ضعيف)). قلت : أصاب البزار ، وأخطأ المعلِّق المشار إليه خطأً فاحشاً ، وخلط خلطاً قبيحاً بين راويين ، أحدهما ثقة ، وهو يونس بن يزيد الأيلي في إسناد أبي يعلى ، والآخر واه ، وهو يونس بن خباب ، وذلك لمجرد التقائهما في الاسم والطبقة ، وإن اختلف شيوخهما والرواة عنهما ! والواجب في مثل هذا؛ التأني والتحري في شأنهما حتى يتمكن من التعرف على شخصيتهما ، وإلا وقع في الخطأ ولا بد ؛ كما حصل للمشار إلیه ذلك لأن البزار رحمه الله قد ساق الحديث بأسانید له عن يونس بن خباب كما في (( كشف الأستار)) (٤ / ٥١) منها قوله: وحدثنا يوسف بن موسى : ثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن يونس بن خباب عن أبي علقمة عن أبي هريرة به . ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (١ / ٩ / ٦٨) من طريق أخرى عن جرير به، إلا أنه وقع فيه: « أبي حازم بن يونس)). وأظن أن قوله : ((ابن يونس)) خطأ من الناسخ أو الطابع، فإنه في ((حادي الأرواح)) على الصواب من الطريق نفسها. على أن قول يونس بن خباب: ((عن أبي حازم)) غير محفوظ عن يونس والظاهر أنه من تخاليط ليث ، وهو ابن أبي سليم ، كان تارة يرويه هكذا ، وتارة عن أبي علقمة ، كما في رواية البزار، وهو الصواب عن يونس ، لأنه كذلك هو في الطرق والأسانيد المشار إليها عند البزار . ويؤيده طريق أخرى عند الطيالسي في (( مسنده)) قال (٢٥٧٩): حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء ٢٤ قال : سمعت أبا علقمة - قال شعبة : حدثني يونس بن خباب سمع أبا علقمة عن أبي هريرة - ولم يرفعه يعلى إلى أبي هريرة قال : قال : (( من سأل الله الجنة سبعاً قالت الجنة .. )) الحديث . فقد دارت الطرق الصحيحة على يونس بن خباب عن أبي علقمة عن أبي هريرة ، بينما طريق أبي يعلى تدور على جرير بن حازم الذي لم يُذكر في تلك الطرق عن يونس ، فتبادر في ذهن ذلك المعلق أن يونسَ في هذه الطريق هو يونسُ ابن خباب في تلك الطرق ، وليس كذلك ، لاحتمال أن يكون راوياً آخرَ متابعٌ ، وهذا هو الراجح ، لأن جرير بن حازم من المعروف مِنْ ترجمته أنه يروي عن يونس ابن يزيد الأيلي كما تقدم ، فهذا هو ملحظ أولئك الحفاظ الذين صرحوا بصحة الحديث ، وأنه على شرط الصحيحين . فهل خفي هذا على ذاك المعلق فوقع في الخطأ ، أم أصابه غرورُ بعض الشباب بما عندهم من علم ضحل بهذا الفن الشريف ؟! ذلك ما لا أدريه ، ولكنني فوجئت بمعلق آخر اطلع على تصحيح الحفاظ المشار إليهم ، وهم ضياء الدين المقدسي ، والمنذري ، وابن القيم ، بل وأضاف إليهم رابعاً ، وهو الحافظ ابن كثير ! ثم أخذ يرد عليهم بأن يونس بن خباب ليس من رجال الشيخين ، وبأنه متكلم فيه ، قال : (( فالإسناد ضعيف واه )) ! ذلك هو المعلق على كتاب أبي نعيم المتقدم ذكره: ((صفة الجنة)). لقد كان يكفي لردع هذا الشاب عن تسرعه في الرد على أولئك الحفاظ وتخطئتهم ، أن يفكر قليلاً في السبب الذي حملهم على تصحيح الحديث ، إنه لو فعل ذلك لوجد أن الصواب معهم ، وأنه هو المخطىء في مخالفتهم ، ولكن المصيبة إنما هي التزئب قبل التحصرم . والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ٢٥ عائشة رضي الله عنها محفوظة غير معصومة ٢٥٠٧ - (أمّا بعْدُ يا عائشةُ! فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا ، [إنّما أنتِ من بناتٍ آدَمَ]، فإنْ كنتِ بريئةٌ فَسَيُبَرِّتُكِ اللهُ، وإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ فاسْتَغْفِري الله وتُوبي إليهِ ، فإنَّ العبدَ إذا اعْترف بذنبه ثم تاب إلى اللّه تابَ اللهُ عليه . وفي روايةٍ : فإنّ التوبةَ من الذّنْبِ النَّدَمُ). أخرجه البخاري (٨ /٣٦٣ - ٣٦٤ - فتح)، ومسلم (٨ /١١٦)، وأحمد (٦ / ١٩٦) والرواية الأخرى له (٦ / ٣٦٤)، وأبو يعلى (٣ / ١٢٠٨ و١٢١٨)، والطبري في (( التفسير)) (١٨ / ٧٣ و ٧٥)، والبغوي (٦ / ٧٤) من حديث عائشة رضي الله عنها، في حديثها الطويل عن قصّة الإفك ، ونزول الوحي القرآني ببراءتها في آيات من سورة النُّور: ﴿إِنّ الّذين جَاوْا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ ... ﴾ الآيات (١١-٢٠)، والزيادة التي بين المعقوفتين هي لأبي عوانة في ((صحيحه))، والطبراني في ((معجمه)) كما في ((الفتح)) (٨ / ٣٤٤ , ٣٦٤). وقوله : ((ألْمَمْتِ)). قال الحافظُ : أيْ وَقَع منك على خلاف العادة ، وهذا حقيقةُ الإلمام ، ومنه : أَلَمَّتْ بِنا وَاللَّيْلُ مُرْخِ ستورهُ . قال الداوودي: «أمَرَها بالاعتراف ، ولم يندبْها إلى الكتمان ؛ للفرق بين أزواج النبيِّ ◌َ ﴿ وغيرهنّ، فيجب على أَزواجه الاعترافُ بما يقع منهنّ ولا يَكْتُمْنَه إياه ، لأنه لا يحلُّ لنبيِّ إمساكُ من يقع منها ذلك؛ بخلافٍ نساء الناس ؛ فإنهنّ نُدِبْنَ إلى السَّتْرِ ». ٢٦ ثم تعقّبه الحافظ نقلاً عن القاضي عياض فيما ادّعاه من الأمر بالاعتراف ، فليراجعْه من شاء ، لكنّهم سلّموا له قوله : إنه لا يحلُّ لنبيِّ إمساكُ من يقع منها ذلك. وذلك غَيْرَةً من الله تعالى على نبيِّهِ وَ ﴿، ولكنّه سبحانه صان السيدة عائشة رضي الله عنها وسائر أُمّهات المؤمنين من ذلك كما عُرف ذلك من تاريخ حياتهنّ ، ونُزول التبرئة بِخُصوص السيّدةِ عائشة رضي الله عنها ، وإنْ كان وقوعُ ذلك ممكناً من الناحية النظرية لعدم وجود نصٌّ باستحالةِ ذلك منهنّ ، ولهذا كان موقفُ النبيِّ ◌َ ﴿ في القصّة موقفَ الْمُتَريّثِ المُتَرَقِّب نزول الوحي القاطع للشكّ في ذلك الذي يُنْبيء عنه قوله ٢َ﴿ في حديث الترجمة: ((إنّما أنتِ من بنات آدَمَ ، فإِنْ كنتٍ بريئةً فَسَيُبَرَّتُكِ اللهُ، وإِنْ كُنتِ الْمَمْت بذنبٍ فاسْتَغْفِري الله .. ))، ولذلك قال الحافظُ في صدد بيان ما في الحديث من الفوائدِ : ﴿ كان لا يَحْكُمُ لنفسه إلاّ بعد نزول الوحي . نبه عليه ((وفيه أن النبيّ الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرَة نفع الله به» . يعني أن النبيِّ ◌َ﴿ لم يقطع ببراءة عائشةَ رضي الله عنها إلاّ بعد نزول الوحي . ففيه إشعارٌ قويٌّ بأن الأمر في حَدِّ نفسه ممكن الوقوع ، وهو ما يدندن حولَه كلُّ حوادث القصة وكلام الشُّراح عليها ، ولا ينافي ذلك قولُ الحافظ ابن كثير (٤١٨/٨) في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً للّذين كَفَروا امْرَأَةَ نُوحٍ وامرأَةَ لُوطِ كانَتا تحتِ عَبْدَيْن مِنْ عبادنا صالِحَيْن فخانتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عنهما من الله شيئاً وقيلَ ادْخُلا النَّارَ مع الداخلين﴾ (التحريم : ١٠). (( وليس المراد بقوله: ﴿فَخانتاهُما﴾ في فاحشةٍ، بل في الدِّين؛ فإنّ نساءً الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة لِحُرمة الأنبياء كما قدّمنا في سورة النور )) . ٠ وقال هناك (٦ / ٨١) : ٢٧ (( ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَه هيِّناً وَهُوَ عِند الله عظيمٌ﴾ ، أي : تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين ، وتحسبون ذلك يسيراً سهلاً ، ولو لم تكن زوجة النبي الأُمّي خاتم الأنبياء وسيد ؛ لما كان هيّناً ، فكيف وهي زوجة النبي المرسلين ، فعظيمٌ عند الله أن يُقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل ، فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا، وهو سبحانه لا (١) يقدِّرُ على زوجة نبي من الأنبياء ذلك، حاشا وكلا ، ولما لم يكن ذلك ، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء زوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال تعالى: ﴿وتحسبونه هيِّناً وهو عند الله عظيم﴾)) . أقول : فلا ينافي هذا ما ذكرنا من الإمكان، لأن المقصود بـ ((العصمة)) الواردة في كلامه رحمه الله وما في معناها إنما هي العصمة التي دَلَّ عليها الوحي الذي لولاه لوجب البقاء على الأصل ، وهو الإمكان المشار إليه ، فهي بالمعنى الذي أراده النبي * بقوله: ((فالمعصوم من عصمه الله )) في حديث أخرجه البخاري وغيره ، وليس المراد بها العصمة الخاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي التي تنافي الإمكان المذكور، فالقول بهذه في غير الأنبياء إنما هو من القول على الله بغير علم ، وهذا ما صرح به أبو بكر الصديق نفسه في هذه القصة خلافاً لهواه كأب ، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه لما نزل عذرها قبّل أبو بكر ◌َالله رأسها، فقالت : ألا عذرتني؟ فقال : أيُّ سماءٍ تظلّني ، وأي أرضٍ تقلُّني إن قلت ما لا أعلم ؟! (٢) وهذا هو الموقف الذي يجب على كل مسلم أن يقفه تجاه كل مسألة لم يأت الشرع الحنيف بما يوافق هوى الرجل ، ولا يتخذ إلهه هواه . (١) كذا الأصل، ولعل الصواب ((لم)) كما يدل عليه قوله الآتي: ((ولما لم يكن ذلك ... )). (٢) كذا في ((روح المعاني)) للآلوسي (٦/ ٣٨)، وعزاه الحافظ في ((الفتح)) (٨ / ٣٦٦) للطبري وأبي عوانة . ٢٨ واعلم أن الذي دعاني إلى كتابة ما تقدم ، أن رجلاً عاش برهة طويلة مع إخواننا السلفيين في حلب ، بل إنه كان رئيساً عليهم بعض الوقت ، ثم أحدث فيهم حَدَثاً دون برهان من الله ورسوله ، وهو أنه دعاهم إلى القول بعصمة نساء النبي ﴿﴿ وأهل بيته وذريته من الوقوع في الفاحشة ، ولما ناقشه في ذلك أحد إخوانه هناك، وقال له : لعلك تعني عصمتَهن التي دل عليها تاريخ حياتهن ، فهن في ذلك كالخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة المشهورين ، المنزهين منها ومن غيرها من الكبائر؟ فقال : لا ، إنما أريد شيئاً زائداً على ذلك وهو عصمتهن التي دل عليها الشرع ، وأخبر عنها دون غيرها مما يشترك فيها كل صالح وصالحة ، أي العصمة التي تعني مقدَّماً استحالةَ الوقوع ! ولما قيل له : هذا أمر غيبي لا يجوز القول به إلا بدليل ، بل هو مخالف لما دلت عليه قصة الإفك ، وموقف الرسول وأبي بكر الصديق فيها ، فإنه يدل دلالة صريحة أنه ** كان لا يعتقد في عائشةَ العصمة المذكورة، كيف وهو يقول لها : إنما أنت من بنات آدم ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله ... الحديث : فأجاب بأن ذلك كان قبل نزول آية الأحزاب ٣٣ : ﴿إنما يريدُ الله ليذهب عنكم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطهركم تطهيراً﴾! جاهلاً أو متجاهلاً أن الآية المذكورة نزلت قبل قصة الإفك ، بدليل قول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عن صفوان بن المعطل السلمي : ((فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب)) ، وفيه أنها احتجبت منه . ودليل آخر ، وهو ما بيّنه الحافظ رحمه الله بقوله (٨ / ٣٥١): ((ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله ﴿﴿ بزينب بنت جحش، ٢٩ وفي حديث الإفك: أن النبي ◌َ ﴿ سأل زينب عنها . فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك)» . ثم اشتدت المجادلة بينهما في ذلك حتى أرسل إليَّ أحد الإخوان الغيورين الحريصين على وحدة الصف خطاباً يشرح لي الأمر ، ويستعجلني بالسفر إليهم ، قبل أن يتفاقم الأمر ، وينفرط عقد الجماعة . فسافرت بالطائرة - ولأول مرة - إلى حلب ، ومعي اثنان من الإخوان ، وأتينا الرجل في منزله ، واقترحت عليهما أن يكون الغداء عنده تألفاً له ، فاستحسنا ذلك. وبعد الغداء بدأنا بمناقشته فيما أحدثه من القول ، واستمر النقاش معه إلى ما بعد صلاة العشاء ، ولكن عبئاً ؛ فقد كان مستسلماً لرأيه ، شأنه في ذلك شأن المتعصبة الذين يدافعون عن آرائهم دون أي اهتمام للأدلة المخالفة لهم، بل لقد زاد هذا عليهم فصرح في المجلس بتكفير من يخالفه في قوله المذكور، إلا أنه تنازل - بعد جهد جهيد - عن التكفير المشار إليه ، واكتفى بالتصريح بتضليل المخالف أياً كان! ولما يئسنا منه قلنا له : إن فرضَك على غيرك أن يتبنى رأيك وهو غير مقتنع به ، ينافي أصلاً من أصول الدعوة السلفية ، وهو أن الحاكمية لله وحده ، وذكّرناه بقوله تعالى في النصارى : ﴿اتخذوا أحبَارَهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ ، ولهذا فحسبك أن يظل كل منكما عند رأيه ، ما دام أن أحدكما لم يقنع برأي الآخر ، ولا تضلِّلُه، كما هو لا يضلّلُك ، وبذلك يمكنك أن تستمر في التعاون معه فيما أنتما متفقان عليه من أصول الدعوة وفروعها . فأصرّ على فرض رأيه عليه وإلا فلا تعاون ، علماً بأن هذا الذي يريد أن يفرض عليه رأيه هو أعرف منه وأفقه بالدعوة السلفية أصولاً وفروعاً ، وإن كان ذاك أكثر ثقافة عامة منه . وصباح اليوم التالي بلّغْنا إخوانَه المقربين إليه بخلاصة المناقشة ، وأن الرجل ٣٠ لا يزال مصراً على التضليل وعدم التعاون إلا بالخضوع لرأيه . فأجمعوا أمرهم على عزله ، ولكن بعد مناقشته أيضاً ، فذهبوا إليه في بيته - بعد استئذانه طبعاً - وأنا معهم ، وصاحباي فطلبوا منه التنازل عن إصراره وأن يدع الرجل على رأيه ، وأن يستمر معهم في التعاون ، فرفض ذلك ، وبعد مناقشة شديدة بينه وبين مخالفه في الرأي وغيره من إخوانه ، خرج فيها الرجل عن طوره حتى قال لمخالفه لمّا ذكره بالله : أنا لا أريد أن تذكرني أنت بالله ! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لذكرها الآن ، وعلى ضوء ما سمعوا من إصراره ، ورأوا من سوء تصرفه مع ضيوفه اتفقوا على عزله ، ونصّبوا غيره رئيساً عليهم . ثم أخذت الأيام تمضي ، والأخبار عنه تتری بأنه ینال من خصمه ويصفه بما ليس فيه ، فلما تيقنتُ إصراره على رأيه وتقوله عليه ، وهو يعرف نزاهته وإخلاصه قرابة ثلاثين سنة ، أعلنت مقاطعته حتى يعود إلى رشده ، فكان كلما لقيني وهشَّ إليّ وبشَّ أعرضتُ عنه. ويحكي للناس شاكياً إعراضي عنه متجاهلاً فعلته ، وأكثر الناس لا يعلمون بها ، في الوقت الذي يتظاهر فيه بمدحي والثناء عليَّ وأنه تلميذي ! إلى أن فوجئت به في منزل أحد السلفيين في عمان في دعوة غداء في منتصف جمادى الأولى لسنة (١٣٩٦) فسارع إلى استقبالي كعادته ، فأعرضت عنه كعادتي ، وعلى المائدة حاول أن يستدرجني إلى مكالمته بسؤاله إياي عن بعض الشخصيات العلمية التي لقيتُها في سفري إلى (المغرب) ، وكنتُ حديثَ عهد بالرجوع منه ، فقلت له : لا كلام بيني وبينك حتى تنهي مشكلتك ! قال : أي مشكلة ؟ قلت : أنت أدرى بها ، فلم يستطع أن يكمل طعامه . فقصصت على الإخوان الحاضرين قصته ، وتعصبه لرأيه ، وظلمه لأخيه المخالف له ، واقترحت عقد جلسة خاصة ليسمعوا من الطرفين . وكان ذلك بعد ٣١ يومين من ذلك اللقاء ، فبعد أن انصرف الناسُ جميعاً من الندوة التّي كنت عقدتها في دار أحدهم في (جبل النصر) وبقي بعض الخاصة من الإخوان ، بدأ النقاش ، فإذا بهم يسمعون منه كلاماً عجباً، وتناقضاً غريباً ، فهو من جهة يشكوني إليهم لمقاطعتي إياه ، وأنه يهشّ إليّ ويبشّ ، ويتفاخر في المجالس بأني شيخه ، ومن جهة أخرى لما يجري البحث العلمي بيني وبينه يصرح بتضليلي أيضاً وبمقاطعتي ! فيقول له الإخوان : كيف هذا ، وأنت تشكو مقاطعته إياك ؟! فلا يجيب على سؤالهم ، وإنما يخوض في جانب آخر من الموضوع . وباختصار فقد انكشف للحاضرين إعجابه برأيه وإصراره عليه ، وتعدِّيه على من يزعم أنه شيخه وجزمه بضلاله ، والله المستعان. فإذا قيل له : رأيك هذا هو وحي السماء ، ألا يمكن أن يكون خطأ؟ قال : بلى ، فإذا قيل له : فكيف تجزم بضلال مخالفك مع احتمال أن يكون الصواب معه؟ لم يحر جواباً ، وإنما يعود ليجادل بصوت مرتفع ، فإذا ذكّر بذلك قال : عدم المؤاخذة ، لقد قلت لكم : هذه عادتي ! فلا تؤاخذوني ! فطالبه بعض الحاضرين بالدليل على العصمة التي يزعمها ، فتلى آية التطهير : ﴿إنما يريدُ الله ليذهِبَ عنكُم الرجسَ أهل البيتِ ويطهرَكُمْ تطهيراً﴾ ، فقيل له : الإرادة في هذه الآية شرعية أم كونية ، فأجاب : كونية ! فقيل له : هذا يستلزم أن أولاد فاطمة أيضاً معصومون ! قال : نعم . قيل : وأولاد أولادها ؟ فصاح وفرّ من الجواب . وواضح من كلامه أنه يقول بعصمة أهل البيت جميعاً إلى يوم يبعثون ، ولكنه لا يفصح بذلك لقبحه . فقام صاحب الدار وأتى برسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وقرأ منها فصلاً هاماً في بيان الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية ، فالأولى محبتُه تعالى ورضاه لما أراده من الإيمان والعمل ٣٢ الصالح ، ولا تستلزم وقوع المراد ، بخلاف الإرادة الكونية ، فهي تستلزم وقوع ما أراده تعالى ، ولكنها عامة تشمل الخير والشر، كما في قوله تعالى : ﴿إنما أمرُه إذا أرادَ شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ (یس: ٨٢)، فعلى هذا؛ فإذا كانت الإرادة في آية التطهير إرادة شرعية فهي لا تستلزم وقوع المراد من التطهير، وإنما محبته تعالى لأهل البيت أن يتطهروا ، بخلاف ما لو كانت إرادة كونية فمعنى ذلك أن تطهيرهم أمر كائن لا بد منه ، وهو متمسِّك الشيعة في قولهم بعصمة أهل البيت ، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ضلالهم في ذلك بياناً شافياً في مواطن عديدة من كتابه ((منهاج السنة))، فلا بأس من أن أنقل إلى القراء الكرام طرفاً منه لصلته الوثيقة بما نحن فيه ، فقال في صدد ردِّه على الشيعي المدعي عصمة علي محَمَالله بالآية السابقة : ((وأما آية (الأحزاب ٣٣) : ﴿ويطهركم تطهيراً﴾ فليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة ، بل فيها الأمر لهم بما يوجبهما ، وذلك كقوله تعالى (المائدة ٦) : ﴿ما يريدُ الله ليجعلَ عليكُم من حرج ولكن يريدُ ليُطهِّرَكم﴾، و(النساء: ٢٦): ﴿يريدُ الله ليبيِّنَ لكم ويهدِيَكم﴾، و(النساء: ٢٨): ﴿يريدُ الله أن يخفّف عنكم﴾. فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا ليست هي الملتزمة لوقوع المراد ، ولو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته . وهذا على قول شيعة زماننا أوْجَهُ ، فإنهم معتزلة يقولون : إن الله يريد ما لا يكون ، فقوله تعالى : ﴿يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ إذا كان بفعل المأمور وترك المحظور، كان ذلك متعلقاً بإرادتهم وبأفعالهم ، فإن فعلوا ما أمروا به طهُروا . ** أدار الكساء وما يبين أن ذلك مما أمروا به لا مما أخبر بوقوعه أن النبي على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: (( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب ٣٣ عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً )) . رواه مسلم من حديث عائشة . ورواه أهل السنن من حديث أم سلمة ، وفيه دليل على أنه تعالى قادر على إذهاب الرجس والتطهير ، وأنه خالق أفعال العباد ، رداً على المعتزلي . وما يبين أن الآية متضمّنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام : ﴿يا نساءَ النبيِّ مَنْ يأتِ منكُنَّ بفاحشة مبينةٍ - إلى قوله - ولا تبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى ، وأقِمْنَ الصلاةَ وآتينَ الزكاةَ وأطِعْنَ الله ورسولَهُ إنما يريدُ الله ليذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويُطَهِّرَكُم تطهيراً. واذكُرْنَ ما يُتْلى في بيوتكن﴾ (الأحزاب ٣٠ - ٣٤) ، فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، وأن الزوجات من أهل البيت ، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن ويدل الضمير المذكر على أنه عمَّ غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما))(١) . وقال في ((مجموعة الفتاوى)) (١١ / ٢٦٧) عقب آية التطهير : (( والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ، فمن أطاع أمره كان مطهراً قد أذهب عنه الرجس بخلاف من عصاه)) . وقال المحقق الآلوسي في تفسير الآية المذكورة بعد أن ذكر معنى ما تقدم عن ابن تيمية (٧ / ٤٧ - بولاق) : ((وبالجملة لو كانت إفادةُ معنى العصمة مقصودةً لقيل هكذا : إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيراً . وأيضاً لو كانت مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى (١) ((المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال)) (ص ١٦٨)، وراجع منه (ص ٨٤، ٤٢٧ - ٤٢٨ و٤٤٦ - ٤٤٨ و ٤٧٣ و٥٥١). ٣٤ فيهم: ﴿ولكنْ يريدُ ليطهرَكم وليُتِمَّ نعمتَه عليكم لعلكم تشكرون﴾، بل لعل هذا أفيد لما فيه من قوله سبحانه: ﴿وليتمَّ نعمتَه عليكم﴾، فإن وقوع هذا الإتمام لا يُتَصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان» . وللبحث عنده تتمة لا یخرج مضمونه عما تقدم ، ولکن فیه تأکید له ، فمن شاء فليراجعه . فأقول : لقد أطلت الكلام في مسألة العصمة المزعومة ، لأهميتها ولصلتها الوثقى بحديث عائشة رضي الله عنها . وتذكيراً للأخ المشار إليه لعله يجد فيما كتبت ما ينير له سبيل الهداية ، والعودة لمواصلة أخيه ، راجعاً عن إضلاله ، وللتاريخ والعبرة أخيراً . ثم توفي الرجل بعد كتابه هذا بسنين طويلة إلى رحمة الله ومغفرته ، ومعذرة إلى بعض الإخوان الذين قد يرون في هذا النقد العلمي وفيما يأتي ما لا یروق لهم ، فأذکرهم بأن العلم الذي عشته دهري هو الذي لا يسعني مخالفته ، وما قول البخاري وسليمان بن حرب الآتي تحت رقم ٢٦٣٠ في ( حرب بن ميمون ) : ((هو أكذب الخلق)) - وذلك بعد موته - عنهم ببعيد. ٢٥٠٨ - (إِنَّ فرْعَون أَوْتَدَ لا مرأته أربعة أوتاد في يَدَيْها ورجْلَيْها، فكان إذا تفرَّقوا عنها ظَلَّلَتْها الملائكةُ، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً في الجَنَّة ونَجِّنِي مِن فرْعَوْن وَعَمَلِه ونَجِّني من القوْم الظّالمين﴾ ، فَكَشَف لها عن بيتها في الجنّة) . أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٤ / ١٥٢١ - ١٥٢٢) : حدثنا هدية : نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن فرعون ... إلخ . هكذا ٣٥ وقع فيه موقوفاً عليه غير مرفوع ، وهو في حكم المرفوع ، لأنه لا يقال بمجرد الرأي ، مع احتمال کونه من الإسرائیلیات . قلت : وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أورده السيوطي في ((الدرّ المنثور)) (٦ / ٢٤٥) موقوفاً أيضاً ، وقال : ((أخرجه أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة)). ثم عزاه لعبد بن حميد عن أبي هريرة موقوفاً أيضاً نحوه . وقال الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)) (٣ / ٣٩٠): (( صحيح موقوف )) . وقال الهيثمي (٩ / ٢١٨) : ((ورجاله رجال الصحيح )). وله شاهد من حديث سلمان ◌َاشِ قال : كانت امرأة فرعون تُعَذَّبُ بالشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة . أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (٢٨ / ١١٠)، والحاكم (٢ / ٤٩٦)، وقال : ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة أيضاً وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في (( شعب الإيمان )) . قلت : ثم طُبع ((شعب الإيمان)) هذا، فرأيته قد أخرجه (٢ / ٢٤٤ / ١٦٣٧) من طريقين عن يزيد بن هارون : أنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان به موقوفاً أيضاً . ٣٦ وإسناده صحيح . ثم أخرج (١٦٣٨) من طريق معمر عن ثابت عن أبي رافع قال : (( وتَدَ فرعونُ لامرأته أربعة أوتاد. ثم حمل على بطنها رحىَّ عظيمة حتى ماتت )) . وهذا صحيح . لكنه مع وقفه مرسل . ٢٥٠٩ _ (لَوْ كانَ في هذا المسجد مائةُ [أُلْفٍ] أو يزيدونَ، وفيه رجلٌ من أهل النّار فَتَنَفَّس فأصابَهمِ نَفَسُهُ ؛ لاحترق المسجدُ ومن فيه) . أخرجه البزار (٣٤٩٩)، وأبو يعلى في ((المسند)) (٤ / ١٥٧٣ - ١٥٧٤)، وابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (ق ٨ / ٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٣٠٧) والسياق له من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل : قال : ثنا أبو عُبيدة الحداد : قال : ثنا هشام بن حسّان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشيّة عن سعيد بن جُبير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ◌َ ، فذكره . وقال أبو نعيم : ((غريب من حديث سعيد ، تفرد به أبو عبيدة عن هشام)). قلت : وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال ((التهذيب))؛ غير محمد بن شبيب، وهو الزهراني ، ترجمه ابن أبي حاتم ، فقال (٣ / ٢ / ٢٨٥): (( روى عن الحسن وعبد الملك بن عمير ، روى عنه هشام الدستوائي وهشام ابن حسان وحماد بن زيد ، ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال : محمد بن شبيب الزهراني ثقة)). ٣٧ وسمع منه شعبة أيضاً كما في ((تاريخ البخاري)) (١ / ١ / ١١٤). وجهله ابن الجوزي وغيره ، فأورده الذهبي في (« الميزان )) ، فقال : ((محمد بن شبيب. قال ابن الجوزي: مجهول. ثم ساق له في (( الواهيات)) حديثاً، وهو : هشام بن حسان عن محمد بن شبيب ... (فذكره) . قال أحمد ابن حنبل : هذا حديث منكر)). قلت : ومن الغريب أن الذهبي لم يتنبه أنه الزهراني المترجَم عند البخاري وابن أبي حاتم ، وقد يقال أنه تنبه لذلك ولكنه يرى أنه غيره . فأقول : فكان الواجب الذي يقتضيه هذا العلم أن ينبِّه على ذلك ، على النحو الذي صنعه الحافظ ابن حجر، ولو أنه لم يصب الهدف، فإنه عقّب عليه في (( اللسان)) بقوله : « ومحمد بن شبيب المذکور هو محمد بن عيسى بن شبيب النهدي ، فنسب إلى جده، وله ترجمة في (الكامل))). قلت : ففاته أيضاً أنه الزهراني، أو أن يُنبّه أنه غيرُه على الأقل . على أنني لم أجد في ترجمة من اسمه (محمد) من (( الكامل )) لابن عدي؛ مَنْ اسمُ جدّه (( شبيب النهدي)) . والله أعلم . والحديث قال المنذري (٤ / ٢٢٧) : (( رواه أبو يعلى وإسناده حسن ، وفي متنه نكارة، ورواه البزار ولفظه .. )). وقال الهيثمي (١٠ / ٣٩١) : (( رواه أبو يعلى عن شيخه إسحاق ، ولم ينسبه ، فإن كان ابن راهويه فرجاله رجال الصحيح ، وإن كان غيره فلم أعرفه )) . قلت : بل هو غيره قطعاً ، فقد ساق له حديثاً قبل هذا، وحديثاً آخر قبلهما ، ٣٨ وقد سماه فيه فقال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل : حدثني .... فإذا قال بعده؟ : حدثنا إسحاق ... ولم ينسبه فهو الذي قبله يقيناً، فلا أدري كيف لم يتنبه الهيثمي لهذا، فإن مثلَه لا يخفى عليه مثلُه! وقد ازددت بذلك يقيناً حين رأيت أبا نعيم قد نسبه في روايته كما سبق ، وسماه ابن أبي الدنيا إسحاق بن إبراهيم ، وهو هو وكنيته أبو يعقوب المروزي ، وهو ثقة . وأما قوله: ((فرجاله رجال الصحيح))، فوهم أيضاً لما عرفتَ من ترجمة محمد بن شبيب، وأنه ليس من رجال ((التهذيب))، ولعله توهم أنه محمد بن سیرین ، فقد وقع كذلك عند البزار في (( مسنده » (ص ٣١٥ - زوائده) من طريق عبد الرحيم بن هارون الغساني عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن جعفر بن أبي وحشية به نحوه . وعبد الرحيم هذا ضعيف كذبه الدارقطني كما في « التقريب » ، وقوله : (( محمد بن سيرين)) يحتمل أنه فيه فيدل على ضعفه لمخالفته أبا عبيدة الحداد الثقة ، ويحتمل أنه من الناسخ ، ويؤيد الأول قول الهيثمي : « رواه البزار، وفيه عبد الرحيم بن هارون ، وهو ضعيف ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال : يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه ، فإن في حديثه مِنْ حفظه بعض مناكير، وبقية رجاله رجال الصحيح )) . فإن قوله: (( ... رجال الصحيح))، يشعر بأنه وقع في نسخته أيضاً: محمد بن سيرين . لكن يحتمل أنه وهِمَ فيه أيضاً كما وهِمَ في إسناد أبي يعلى . فالله سبحانه وتعالى أعلم . هذا ولم يتبين لي وجه النِّكارة التي ذكر المنذري ، وحكاها ابن الجوزي عن الإمام أحمد، ونحن على الصحة التي تقتضيها صحة الإسناد ، لا نخرج عنها إلا ٣٩ بحجة بينة ، ويعجبني بهذه المناسبة كلمة رائعة وقفت عليها في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٩ / ١٨٨): ((قال يحيى بن سعيد (وهو القطان الإمام): لا تنظروا إلى الحديث ، ولكن انظروا إلى الإسناد ، فإن صح الإسناد ، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد )) . والله تعالى هو الموفق . هل هذا زمانه؟ ٢٥١٠ - (إنّكم اليومَ في زمانٍ كثير علماؤُهُ، قليل خطباؤهُ ، مَنْ ترك عُشْرِ ما يَعْرِفُ فقد هوى ، ويأتي مِنْ بعدُ زمانٌ كثيرٌ خطباؤهُ ، قليلٌ علماؤُه، مَنِ استمسكَ بِعُشْرِ ما يعرِفُ فقد نجا). أخرجه الهروي في ((ذم الكلام)) (١ / ١٤ - ١٥) من طريقين عن محمد بن طفر بن منصور : ثنا محمد بن معاذ: ثنا علي بن خشرم : ثنا عيسى بن يونس عن الحجاج بن أبي زياد عن أبي الصديق أو أبي نضرة - شك الحجاج - عن أبي ذر مرفوعاً به . قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ؛ غير محمد بن طفر هذا، فإني لم أجد له حتى الآن ترجمة ، وهو الذي كان حالَ بيني وبين تصحيح الحديث لما خرّجتُ حديث أبي هريرة بنحوه في (( الضعيفة)) (٦٨٤)، ثم وجدت أنه لم يتفرد به ، فلم أر منُ الأمانة العلمية إلا تصحيحَه ، فقد قال البخاري في ترجمة الحجاج بن أبي زياد الأسود (١ / ٢ / ٣٧٤) : ((قال إبراهيم بن موسى : أخبرنا عيسى بن يونس ... (قلت : فساق إسناده مثله والطرف الأول من متنه ، ثم قال : ) وقال إسحاق : ثنا المؤمل سمع ٤٠