النص المفهرس
صفحات 421-440
ابن عبد الله . ثم إن الحديث رواه ابن نصر (٥٥)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٨ / ١٣٧ / ١٤٦٢٩) بسند صحيح عن شريح قال: فذكره من قوله مثل لفظ حديث الترجمة بالحرف الواحد . قلت: وسماك هو ابن حرب، وهو تابعي معروف، قال: أدركت ثمانين صحابياً. فتفسيره للحديث ينبغي أن يقدم - عند التعارض - ولا سيما وهو أحد رواة هذا الحديث، والراوي أدرى بمَرويِّه من غيره، لأن المفروض أنه تلقى الرواية من الذي رواها عنه مقروناً بالفهم لمعناها، فكيف وقد وافقه على ذلك جمع من علماء السلف وفقهائهم: ١ - ابن سیرین؛ روی أیوب عنه: أنه كان يكره أن يقول: أبيعك بعشرة دنانير نقداً، أو بخمسة عشر إلى أجل. أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨ / ١٣٧ / ١٤٦٣٠) بسند صحيح عنه. وما کره ذلك إلا لأنه نھي عنه . ٢ - طاوس؛ قال : إذا قال: هو بكذا وكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا، فوقع المبيع على هذا، فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين. أخرجه عبد الرزاق أيضاً (١٤٦٣١) بسند صحيح أيضاً. ورواه هو (١٤٦٢٦)، وابن أبي شيبة (٦ / ١٢٠) من طريق ليث عن طاوس به مختصراً، دون قوله: ((فوقع البيع .. )). وزاد: ((فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه، فلا بأس به)). فهذا لا يصح عن طاوس؛ لأن ليثاً - وهو ابن أبي سليم - كان اختلط. ٣ - سفيان الثوري؛ قال: ٤٢١ إذا قلت: أبيعك بالنقد إلى كذا، وبالنسيئة بكذا وكذا، فذهب به المشتري، فهو بالخيار في البيعين، ما لم يكن وقع بيع على أحدهما، فإن وقع البيع هكذا، فهو مكروه، وهو بيعتان في بيعة، وهو مردود، وهو منهي عنه، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته، وإن كان قد استهلك فلك أوكس الثمنين، وأبعد الأجلين. أخرجه عبد الرزاق (١٤٦٣٢) عنه . ٤ - الأوزاعي؛ نحوه مختصراً، وفيه: ((فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين؟ فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين)). ذكره الخطابي في («معالم السنن)) (٥ / ٩٩). ثم جرى على سنتهم أئمة الحديث واللغة، فمنهم: ٥ - الإِمام النسائي؛ فقال تحت باب («بيعتين في بيعة)): ((وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمئة درهم نقداً، وبمئتي درهم نسيئة)). وينحوه فسر أيضاً حديث ابن عمرو: ((لا يحل شرطان في بيع))، وهو مخرج في ((الإِرواء)) (١٣٠٥)، وانظر ((صحيح الجامع)) (٧٥٢٠). ٦ - ابن حبان؛ قال في ((صحيحه)) (٧ / ٢٢٥ - الإِحسان): ((ذكر الزجر عن بيع الشيء بمئة دينار نسيئة، وبتسعين ديناراً نقداً)). ذكر ذلك تحت حديث أبي هريرة باللفظ الثاني المختصر. ٧ - ابن الأثير في ((غريب الحديث))؛ فإنه ذكر ذلك في شرح الحديثين المشار إليهما آنفاً. حكم بيع التقسيط : وقد قيل في تفسير (البيعتين) أقوال أخرى، ولعله يأتي بعضها، وما تقدم أصح ٤٢٢ وأشهر، وهو ينطبق تماماً على المعروف اليوم بـ (بيع التقسيط). فما حكمه؟ لقد اختلف العلماء في ذلك قديماً وحديثاً على ثلاثة أقوال: الأول: أنه باطل مطلقاً. وهو مذهب ابن حزم. الثاني: أنه لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما. ومثله إذا ذكر سعر التقسيط فقط. الثالث: أنه لا يجوز، ولكنه إذا وقع ودفع أقل السعرین جاز. ١ - دليل هذا المذهب ظاهر النهي في الأحاديث المتقدمة، فإن الأصل فيه أنه يقتضي البطلان. وهذا هو الأقرب إلى الصواب لولا ما يأتي ذكره عند الكلام على دليل القول الثالث. ٢ - ذهب هؤلاء إلى أن النهي لجهالة الثمن، قال الخطابي: ((إذا جهل الثمن بطل البيع. فأما إذا باتَّه على أحد الأمرين في مجلس العقد، فهو صحیح)) . وأقول: تعليلهم النهي عن بيعتين في بيعة بجهالة الثمن، مردود؛ لأنه مجرد رأي مقابل النص الصريح في حديث أبي هريرة وابن مسعود أنه الربا . هذا من جهة . ومن جهة أخرى أن هذا التعليل مبني على القول بوجوب الإِيجاب والقبول في البيوع، وهذا مما لا دليل عليه في كتاب الله وسنة رسول اللّه وَّر، بل يكفي في ذلك التراضي وطيب النفس، فما أَشْعَرَ بهما ودل عليهما فهو البيع الشرعي، وهو المعروف عند بعضهم بـ ((بيع المعاطاة))، قال الشوكاني في ((السيل الجرار)) (٣ / ١٢٦): ((وهذه المعاطاة التي تحقق معها التراضي وطيبة النفس هي البيع الشرعي الذي أذن الله به، والزيادة عليه هي من إيجاب ما لم يوجبه الشرع)). وقد شرح ذلك شيخ الإِسلام في ((الفتاوى)) (٢٩ / ٥ - ٢١) بما لا مزيد عليه، ٤٢٣ فليرجع إليه من أراد التوسع فيه . قلت: وإذا كان كذلك، فالشاري حين ينصرف بما اشتراه، فإما أن ينقد الثمن، وإما أن يؤجل، فالبيع في الصورة الأولى صحيح، وفي الصورة الأخرى ينصرف وعليه ثمن الأجل - وهو موضع الخلاف - فأين الجهالة المدعاة؟ وبخاصة إذا كان الدفع على أقساط، فالقسط الأول يدفع نقداً، والباقي أقساط حسب الاتفاق. فبطلت علة الجهالة أثراً ونظراً. ٣ - دليل القول الثالث حديث الترجمة وحديث ابن مسعود، فإنهما متفقان على أن ((بيعتين في بيعة ربا))، فإذن الربا هو العلة، وحينئذ فالنهي يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإذا أخذ أعلى الثمنين، فهو ربا، وإذا أخذ أقلهما فهو جائز؛ كما تقدم عن العلماء الذين نصوا أنه يجوز أن يأخذ بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، فإنه بذلك لا يكون قد باع بيعتين في بيعة، ألا ترى أنه إذا باع السلعة بسعر يومه، وخير الشاري بين أن يدفع الثمن نقداً أو نسيئة أنه لا يصدق عليه أنه باع بيعتين في بيعة كما هو ظاهر، وذلك ما نص عليه 18َ في قوله المتقدم: ((فله أوكسهما أو الربا))، فصحح البيع لذهاب العلة، وأبطل الزيادة لأنها ربا، وهو قول طاوس والثوري والأوزاعي رحمهم الله تعالى كما سبق. ومنه تعلم سقوط قول الخطابي في ((معالم السنن)) (٥ / ٩٧): ((لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين، إلا شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل)). قلت: يعني الجهل بالثمن؛ كما تقدم عنه، وقد علمت مما سلف أن قوله هو الفاسد، لأنه أقامه على علة لا أصل لها في الشرع، بينما قول الأوزاعي قائم على نص الشارع كما تقدم، ولهذا تعقبه الشوكاني بقوله في ((نيل الأوطار)) (٥ / ١٢٩): ((ولا يخفى أن ما قاله الأوزاعي هو ظاهر الحديث؛ لأن الحكم له بالأوكس يستلزم ٤٢٤ صحة البيع)). قلت: الخطابي نفسه قد ذكر أن الأوزاعي قال بظاهر الحديث، فلا فرق بينه وبين الخطابي من هذه الحيثية، إلا أن الخطابي تجرأ في الخروج عن هذا الظاهر ومخالفته؛ لمجرد علة الجهالة التي قالوها برأيهم؛ خلافاً للحديث. والعجيب حقاً أن الشوكاني تابعهم في ذلك بقوله : ((والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين .. )). وذلك لأن هذه المتابعة تتماشى مع الذين يوجبون الإِيجاب والقبول في البيوع، والشوكاني يخالفهم في ذلك، ويقول بصحة بيع المعاطاة، وفي هذه الصورة (أعني المعاطاة) الاستقرار متحقق كما بينته آنفاً. ثم إنه يبدو أن الشوكاني - كالخطابي - لم يقف على من قال بظاهر الحديث - كالأوزاعي -، وإلا لما سكت على ما أفاده كلام الخطابي من تفرد الأوزاعي ، وقد روينا لك بالسند الصحيح سلفه في ذلك - وهو التابعي الجليل طاوس - وموافقة الإِمام الثوري له، وتبعهم الحافظ ابن حبان، فقال في «صحيحه)) (٧ / ٢٢٦): ((ذكر البيان بأن المشتري إذا اشترى بيعتين في بيعة على ما وصفنا وأراد مجانبة الربا كان له أوكسهما)). ثم ذكر حديث الترجمة، فهذا مطابق لما سبق من أقوال أولئك الأئمة، فليس الأوزاعي وحده الذي قال بهذا الحديث. أقول هذا بياناً للواقع، ولكي لا يقول بعض ذوي الأهواء أو من لا علم عنده، فيزعم أن مذهب الأوزاعي هذا شاذ! وإلا فلسنا - والحمد الله - من الذين لا يعرفون الحق · إلا بكثرة القائلين به من الرجال، وإنما بالحق نعرف الرجال. والخلاصة؛ أن القول الثاني ثَمَّ أضعف الأقوال؛ لأنه لا دليل عنده إلا الرأي؛ مع ٤٢٥ مخالفة النص، ويليه القول الأول؛ لأن ابن حزم الذي قال به ادعى أن حديث الترجمة منسوخ بأحاديث النهي عن بيعتين في بيعة، وهذه دعوى مردودة؛ لأنها خلاف الأصول، فإنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذّر الجمع، وهذا من الممكن هنا بيسر، فانظر مثلاً حديث ابن مسعود، فإنك تجده مطابقاً لهذه الأحاديث، ولكنه يزيد عليها ببيان علة النهي، وأنها (الربا). وحديث الترجمة يشاركه في ذلك، ولكنه يزيد عليه فيصرح بأن البيع صحيح إذا أخذ الأوكس، وعليه يدل حديث ابن مسعود أيضاً لكن بطريق الاستنباط على ما تقدم بيانه . هذا ما بدا لي من طريقة الجمع بين الأحاديث والتفقه فيها، وما اخترته من أقوال العلماء حولها، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله أسأل أن يغفره لي وكلَّ ذنبٍ لي . واعلم أخي المسلم! أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم، وهي بيع التقسيط، وأخذ الزيادة مقابل الأجل، وكلما طال الأجل زِيدَ في الزيادة، إن هي إلا معاملة غير شرعية من جهة أخرى؛ لمنافاتها لروح الإِسلام القائم على التيسير على الناس، والرأفة بهم، والتخفيف عنهم كما في قوله شلاغير : ((رحم الله عبداً؛ سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)). رواه البخاري . وقوله : ((من كان هيناً، ليناً، قريباً؛ حرمه الله على النار)). رواه الحاكم وغيره، وقد سبق تخريجه برقم (٩٣٨). فلو أن أحدهم اتقى الله تعالى، وباع بالدين أو بالتقسيط بسعر النقد، لكان أربح له حتى من الناحية المادية؛ لأن ذلك مما يجعل الناس يقبلون عليه، ويشترون من عنده، ويبارَك له في رزقه، مصداق قوله عز وجل: ﴿ومَن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِن ٤٢٦ حيثُ لا يَحْتَسِبُ﴾(١). وبهذه المناسبة أنصح القراء بالرجوع إلى رسالة الأخ الفاضل عبد الرحمن عبد الخالق: ((القول الفصل في بيع الأجل))، فإنها فريدة في بابها، مفيدة في موضوعها، جزاه الله خيراً. ٢٣٢٧ - (مَنْ باعَ دَاراً ولم يجعل ثمنَها في مثلها؛ لم يُبارَكْ له فيها) . أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٤ / ٢ / ٣٢٨)، وابن ماجه (٢ / ٩٧)، والطيالسي (١ / ٢٦٣)، وابن عدي (٣٥٨ / ١) عن يوسف بن ميمون عن أبي عبيدة ابن حذيفة عن أبيه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله حصل *: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، يوسف بن ميمون - هو المخزومي مولاهم الكوفي الصباغ - ضعيف، ومع ذلك قال ابن عدي : «هذا الحدیث لا أرى به بأساً)). قلت: لعل ذلك لأنه تابعه يزيد بن أبي خالد الدالاني عن أبي عبيدة به . أخرجه البخاري أيضاً، وكذا الطيالسي، والبيهقي (٦ / ٣٣). ويزيد هذا - هو أبو خالد الدالاني - من رجال ((التهذيب))، قال الحافظ: ((صدوق يخطىء كثيراً، وكان يدلس)). ولم يعرفه البوصيري في ((زوائده))، فقال (١٥٥ / ١): (لم أعلم يزيد بن أبي خالد بعدالة ولا جرح)) قلت: والسبب في ذلك أنه عزاه للبيهقي فقط، ووقع فيه: ((يزيد بن أبي خالد)) (١) الطلاق: ٢. . ٤٢٧ ليس فيه زيادة: ((الدالاني))، وهي ثابتة عند البخاري، ثم هو مشهور بکنیته، واسم أبيه . عبدالرحمن، فهو يزيد بن عبد الرحمن، وهكذا ذكروا اسمه لما ترجموا الابن في كنيته المذكورة، فخفي أمره على البوصيري . أقول: ومن ضعفه أنه اضطرب في إسناده، فرواه وهب بن جرير: نا شعبة عنه به مرفوعاً. أخرجه من هذا الوجه البخاري، والبيهقي، وأبو جعفر الرزاز في ((حديثه )) (٤ / ٧٥ / ١). وتابعه سلم بن قتيبة سمع شعبة رفعه . أخرجه البخاري . وخالفهم ابن مهدي ومندر وآدم، ثلاثتهم عن شعبة به موقوفاً على حذيفة . أخرجه البخاري عنهم . وتابعهم الطيالسي، فقال: حدثنا شعبة به موقوفاً. وقد ذكر ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ٢٩٠) هذا الاختلاف على شعبة، وساق رواية وهب المرفوعة، ورواية الطيالسي الموقوفة، ثم قال عن أبيه : «موقوف عندي أقوی، ویزید أبو خالد ليس بالدالاني)). كذا قال! وبعد تصريح البخاري في بعض روايات الحديث بأنه الدالاني، فلا وجه للنفي، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وللحدیث شاهد من حديث سعید بن حريث مرفوعاً به. أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وأحمد (٣ / ٤٦٧، ٤ / ٣٠٧)، وابن عدي (٩ / ١)، والضياء في ((المنتقى من مسموعاته)) (٧٩ / ٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر: حدثني عبد الملك بن عمیر عن عمرو بن حریث عن أخیه سعید بن حریث به . ٤٢٨ قلت: وإسماعيل هذا ضعيف كما في ((التقريب)). لکن تابعه أبو حمزة عن عبد الملك بن عمیر به . أخرجه البيهقي من طريق الحاكم بسنده عن محمد بن موسى بن حاتم: ثنا علي ابن الحسن بن شقيق : ثنا أبو حمزة. قلت: وأبو حمزة - هو محمد بن ميمون السكري - ثقة من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه، إلا أن محمد بن موسى بن حاتم متكلم فيه. قال القاسم السياري : ((أنا بريء من عهدته)). وقال ابن أبي سعد: ((إن كان محمد بن علي الحافظ سبىء الرأي فيه)). وتابعه قيس بن الربيع أيضاً عن عبد الملك بن عمير به . ذكره البوصيري دون أن يعزوه لمخرج، وأظنه يعني ما أخرجه أحمد (١ / ١٩٠) عن قيس بن الربيع: ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث قال: ((قدمت المدينة، فقاسمت أخي، فقال سعيد بن زيد: إن رسول الله عوض الله قال: ((لا يبارك في ثمن أرض ولا دار لا يجعل في أرض ولا دار)). قلت: فأنت ترى أن قيس بن الربيع جعله من حديث سعيد بن زيد لا من حديث سعيد بن حريث. ولعل ذلك من سوء حفظه الذي ضعف بسببه . وقد روي من طريق أخرى عن عمرو بن حريث مرفوعاً، ولكن إسناده واه، فقال ابن أبي حاتم (٢ / ٣٢٤): ((سألت أبي عن حديث رواه عقبة بن خالد عن الصباح بن يحيى عن خالد بن أبي أمية عن عمرو بن حريث: (فذكره)، قال أبي : يروونه عن عمرو بن حريث عن أخيه سعيد بن حريث)) . ٤٢٩ قلت: يشير إلى أنه منكر من مسند عمرو بن حريث، وآفته الصباح هذا، فقد أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ١١١) عن حذيفة وعمرو بن حريث معاً مرفوعاً، وقال: ((رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه الصباح بن يحبى، وهو متروك)). ثم إن للحديث شاهداً آخر من حديث أبي أمامة، غير أن سنده واه جداً، فإنه من رواية إبراهيم بن حبان بن حكيم بن علقمة بن سعد بن معاذ عن حماد بن سلمة عن برد ابن سنان عن مكحول عنه مرفوعاً . أخرجه ابن عدي في ترجمة إبراهيم هذا (ق٤ / ١)، وقال: ((ضعيف الحديث)). ثم ساق له حديثين هذا أحدهما، ثم قال: ((وهذان الحديثان مع أحاديث أخرى عامتها موضوعة مناكير ، وهكذا سائر أحاديثه)) . وجملة القول؛ أن الحديث بمتابعاته وشاهده الأول لا ينزل عن رتبة الحسن. والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم رأيت في بعض أصولي وأوراقي القديمة بخطي أن الحافظ السخاوي حسنه أيضاً في ((الفتاوى الحديثية)) (ق٣٠ / ٢). ثم وجدت له شاهداً ثالثاً يرويه عبد القدوس بن محمد العطار: ثنا يزيد بن تميم ابن زيد: حدثني أبو مرحوم السندي : حدثني المنتصر بن عمارة عن أبيه عن أبي ذر مرفوعاً نحوه. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٤٣ / ٢)، وقال: ((لا يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإِسناد، تفرد به عبد القدوس)). قلت: هو صدوق من شيوخ البخاري، لكن من بينه وبين أبي ذر لم أعرفهم، وقد ٤٣٠ نقل الحافظ في ((اللسان)) عن ((تلخيص)) الذهبي أنه قال في المنتصر بن عمارة وأبيه: «مجهولان)» . (تنبيه): بعد كتابة ما تقدم رجعت إلى بعض أصولي القديمة التي عندي، فوجدت فيه أن أبا يعلى الموصلي أخرج الحديث في ((حديث محمد بن بشار)) (١٢٧ / ١) من طريق شعبة بسنده المتقدم عن حذيفة مرفوعاً وموقوفاً، والوقف أكثر. وجاء في بعض طرقه ما يأتي : ((قال بندار - هو محمد بن بشار -: فقلت لعبد الرحمن بن مهدي: تحفظ هذا الحديث عن شعبة؟ قال: نعم. قلت: حدِّثني به. فقال: حدثني شعبة عن يزيد أبي خالد. قلت له: الدالاني؟ قال: ليس بالدالاني. فقلت له: فإن ههنا من يرويه عن شعبة عن يزيد أبي خالد الدالاني، فألح علي؟ قلت: حرمي بن عمارة، قال: ويحه! ما أقل علمه بالحديث! يزيد الدالاي أصغر من أن يسمع من أبي عبيدة بن حذيفة)). قلت: ولا أجد ما يحملنا على نفي سماعه منه، فأبو عبيدة تابعي من الطبقة الثانية عند الحافظ، وقد ذكروا له - أعني أبا خالد - رواية عن قتادة، وهو رأس الطبقة الرابعة عنده، وعن أبي إسحاق السبيعي، وهو من الطبقة الثالثة، ويحيى بن إسحاق بن عبدالله ابن طلحة الأنصاري، وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، وهما من الخامسة، وكل هؤلاء رووا عن الصحابة، كأبي عبيدة، فما الذي يمنع أن يكون أبو خالد سمع منه كما سمع من هؤلاء التابعين الذين ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكر؟ بل هذا هو الذي يشير إليه صنيع الحافظ في ترجمة أبي خالد، فإنه قال: ((إنه من السابعة)). وقد ذكر في المقدمة أن الطبقة السادسة هم الذين عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج، وأن السابعة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري . ٤٣١ فإذن أبو خالد الدالاني في اطلاع الحافظ العسقلاني - وكفى به حجة في هذا العلم - هو من كبار أتباع التابعين، فليس هناك ما يمنع من إمكان سماعه من الطبقة الثانية، وهي تعني كبار التابعين. والله أعلم. ومما يسترعي الانتباه أن هذا النفي الذي رواه أبو يعلى عن محمد بن بشار عن ابن مهدي قد روى البخاري عنه ما ينافيه، وعليه اعتمدت في إثبات أنه الدالاني، فقد قال في ترجمة يزيد أبي خالد الواسطي عن إبراهيم السكسكي: قال لي محمد بن بشار: نا ابن مهدي وغندر عن شعبة عن يزيد بن أبي خالد الدالاني عن أبي عبيدة ... فعلق عليه المحقق اليماني بقوله : ((هكذا في الأصلين، وكأنه من أوهام ابن بشار، زاد كلمة: ((ابن))، وزاد: ((الدالاني)). والله أعلم)) . وكان عمدته في هذا التوهيم قول ابن أبي حاتم المتقدم : «ولیس بالدالاني)). وقد نقله اليماني عنه قبيل تعليقه المذكور. وبالجملة؛ فهذه مسألة مشكلة، تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق، فإن تخطئة الإِمام البخاري أو أحد رواته الثقات ليس بالأمر الهين، فعسى الله أن ييسر لي أو لغيري ممن له عناية بهذا العلم الشريف ما يكشف عن الحقيقة، ويزيل المشكلة، ولكن ذلك لا يمنع من تحسين الحديث. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٣٢٨ - (مَنْ تَواضَعَ اللّه رَفَعَهُ الله). أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٨ / ٤٦) عن علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد: ثنا إبراهيم بن أدهم قال: سمعت محمد بن عجلان يذكر عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: ٤٣٢ ((غريب من حديث إبراهيم، لا أعرف له طريقاً غيره)). قلت: وهو صدوق مع زهده، فالحديث حسن، لأن من فوقه ثقات معروفون، لولا أن الراوي عن إبراهيم لم أعرفه، لكن صنيع أبي نعيم يشعر بأنه لم يتفرد به. ومن الغريب قوله : ((لا أعرف له طريقاً غيره)). مع أن مسلماً أخرجه في ((صحيحه)) (٨ / ٢١) من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً به في حديث، وأخرجه غيره أيضاً، وقد خرجته في ((إرواء الغليل)) (٢٢٦٢). وله شاهد من حديث عمر مرفوعاً، وزاد: ((وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر خفضه الله، وقال: اخسأ خفضك الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى يكون أهون عليهم من كلب)). أخرجه أبو نعيم (٧ / ١٢٩)، والخطيب (٢ / ١١٠)، وقالا: ((غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن سلام)). قلت: وهو كذاب، كما قال أحمد وغيره، ولذا خرجته في ((الضعيفة)) (١٢٩٥). وللحديث شاهد آخر من رواية دراج، وهو ضعيف، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ : ((من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة، حتى يجعله في أعلى عليين، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين)). أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٤٤)، وابن حبان (١٩٤٢). ثم وجدت لحديث عمر طريقاً أخرى من رواية عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن ٤٣٣ عمر عنه - قال: لا أعلمہ إلا - رفعه، قال: ((يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا، رفعته هكذا. وجعل يزيد (ابن هارون) باطن كفه إلى الأرض وأدناها إلى الأرض، ((رفعته هكذا)) وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء)). أخرجه أحمد (١ / ٤٤) بسند صحيح، ومن طريقه وطريق غيره أخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (رقم ١٩٩ - ٢٠١ بتحقيقي). ٢٣٢٩ - (مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مواليهِ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ). أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٢)، والبخاري في ((التاريخ)) (٢ / ١ / ١٤٣) عن يعقوب ابن محمد بن طحلاء: ثنا خالد بن أبي حيان عن جابر مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير خالد بن أبي حيان، قال ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٢٤): ((سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: مديني ثقة)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٥٦ - هند). النهي عن مساكنة المشركين ٢٣٣٠ - (مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ). أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) عن سليمان بن موسى أبي داود: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب: حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف، سليمان بن سمرة قال الحافظ : : ٤٣٤ «مقبول)). وابنه خبیب مجهول . وجعفر بن سعد بن سمرة ليس بالقوي . وسلیمان بن موسى أبو داود الكوفي الخراساني فيه لين. ومن هنا تعلم خطأ المناوي في قوله في ((التيسير)»: ((وإسناده حسن)). مع أنه في ((الفيض)) تعقب رمز السيوطي لحسنه بضعف سليمان هذا! قلت: لكن له طريق أخرى يتقوى بها، أخرجه الحاكم (٢ / ١٤١ - ١٤٢) عن إسحاق بن إدريس: ثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً بلفظ : ((لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا)). وقال : ((صحيح على شرط البخاري))، ووافقه الذهبي، إلا أنه زاد: ((ومسلم)) . ولا أدري إذا كانت هذه الزيادة منه، أو من بعض نساخ كتابه: ((التلخيص)). وسواء كان هذا أو ذاك، فتصحيحه وهم فاحش منهما لأن إسحاق بن إدريس هذا ليس من رجال الشيخين، ولا هو بثقة، بل إنه اتُّهم بالوضع، فقد أورده الذهبي نفسه في ((الميزان)) وقال : ((تركه ابن المديني، وقال أبو زرعة: واه. وقال البخاري: تركه الناس. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال: يحيى بن معين: كذاب يضع الحديث)). لكني وجدت له متابعاً قوياً يرويه إسحاق بن سيار: ثنا محمد بن عبد الملك عن همام به . ٤٣٥ أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ / ١٢٣) عن أبي العباس الشعراني عنه. ومحمد بن عبد الملك - هو أبو جابر الأزدي البصري - قال أبو حاتم: ((أدركته، وليس بقوي)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٩ / ٦٤)(١). وإسحاق بن سيار - وهو النصيبي أبو يعقوب - قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٢٣): ((أدركناه، وكتب إلي ببعض حديثه، وكان صدوقاً ثقة)). وأبو العياس الشعراني اسمه أحمد بن محمد بن جعفر الزاهد الجمال، وفي ترجمته ساق أبو نعيم الحديث، وقال: ((كان من العُباد الراغبين في الحج، وكان يصلي عند كل ميل ركعتين))! قلت: هذه الصلاة بدعة، لم يفعلها السلف، وإمامهم سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي محمد)). ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فالرجل مستور. وبالجملة؛ فالحديث عندي حسن بمجموع الطريقين، ولا سيما وقد مضى له شاهد بنحوه، فراجعه برقم (٦٣٦). ٢٣٣١ - (مَنْ جَلَبَ عَلَى الخَيْلِ يَومَ الرِّهانِ؛ فليسَ مِنَّا). أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٢٦ / ٢): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي : ناضرار بن صرد أبو نعيم: نا عبد العزيز بن محمد عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً. (١) ترجم له في ((الميزان))، و((اللسان))، و((التهذيب)) أيضاً على خلاف قاعدته؛ أن لا يترجم في ((اللسان)) لمن ترجم له في ((التهذيب))، ورمز له فيه بـ ((م))، وأظنه وهماً، ولم يترجم له في ((التقريب)). ٤٣٦ قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، رجاله كلهم ثقات، غير ضرار هذا، فهو متروك الحديث، كما قال البخاري والنسائي، وضعفه غيرهما، إلا أن أبا حاتم قال فيه : ((صدوق، صاحب قرآن وفرائض، يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثاً عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي وَ ط# في فضيلة بعض الصحابة ينكرها أهل المعرفة بالحديث)). قلت: ولخص ذلك الحافظ بقوله : ((صدوق، له أوهام)). ولا يخفى ما فيه من التساهل، ولعل المناوي اغتر به حين قال في ((التيسير)): «وإسناده لا بأس به)). لكنه لم يتفرد به، فقد قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤ / ١٦٥): ((رواه ابن أبي عاصم (يعني في ((الجهاد)))، والطبراني من حديث ابن عباس، وإسناد ابن أبي عاصم لا بأس به)). قلت: ولعل رواية ابن أبي عاصم هذه من الطريق التي رواها أبو يعلى في ((مسنده)) (٤ / ٣٠٣ / ٢٤١٣)، وعنه الضياء في ((المختارة)) (٦٤ / ٢٤ / ٢) بسنده الصحيح عن ثور بن زيد عن إسحاق بن جابر عن عكرمة عن ابن عباس به . وقال الضياء : ((إسحاق بن جابر العدني، لم يذكره ابن أبي حاتم في (كتابه)). قلت: بلى قد ذكره، لكنه قال: ((إسحاق بن عبدالله العدني، هو الذي يقال له: إسحاق بن جابر)). فكأن جابراً جده. وهكذا ذكره البخاري (١ / ١ / ٣٩٧) منسوباً لأبيه عبدالله. وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٨ / ١٠٧) منسوباً لجده برواية عبدالله بن نافع الصائغ عنه. فقد روى عنه ثقتان: هذا، وثور بن زيد، فلعله لذلك قال الحافظ : ٤٣٧ «لا بأس بإسناده)). (الجلب) في السباق: أن يتبع الرجل فرسه إنساناً، فيزجره، ويصيح حثاً على السوق. ٢٣٣٢ - (مَنْ حَلَفَ على يَمينِ مَصْبُورَةٍ كَاذباً [مُتَعَمِّداً] فَلْيَتَبَوَّأَ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ). أخرجه أبو داود (٢ / ٧٤) والزيادة له، والطبري في ((تفسيره)) (٦ / ٥٣٣ / ٧٢٨٧)، والحاكم (٤ / ٢٩٤)، وأحمد (٤ / ٤٣٦، ٤٤١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ٢٧٧) من طرق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين مرفوعاً، وقال الحاكم : ((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا، على الخلاف في سماع ابن سيرين من عمران بين الإِمام أحمد والدارقطني، فالأول أثبت، والآخر نفى، والمثبت مقدم على النافي، ولا سيما وله في مسلم ثلاثة أحاديث (١ / ١٣٧ و٥ / ٩٧ و١٠٥)، الأول منها صرح فيه بالتحديث عن عمران . ٢٣٣٣ - (مَنْ تَوَضَّأَ ثمَّ قالَ: سُبْحَاتَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدَِ، لا إِلهَ إلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلِيكَ، كُتِبَ فِي رَقِّ، ثم طُبِعَ بطابِعٍ ، فلم يُكْسَرْ إِلى يومِ القيامةِ). أخرجه النسائي في ((اليوم والليلة))(١) (رقم ٨١)، والحاكم (١ / ٥٦٤)، والضياء في ((المنتقى من مسموعاته بمرو)) (٦٨ / ١) عن أبي غسان يحيى بن كثير: ثنا شعبة عن (١) ((تحفة الأشراف)) (٣ / ٤٤٧). ٤٣٨ أبي هاشم [عن أبي مجلز] عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَّل *: (فذكره). وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي . وأقول: بل هو على شرط الشيخين، فإن رجاله كلهم ثقات من رجالهما. وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى، واسم أبيه دينار، وقيل غير ذلك. وتابعه روح بن القاسم عن أبي هاشم به مرفوعاً. أخرجه أبو إسحاق المزكي في ((الفوائد المنتخبة)) (١ / ١٥٠ / ١) عن عيسى بن شعيب: نا روح بن القاسم. وهذا إسناد حسن، روح بن القاسم ثقة حافظ من رجال الشيخين أيضاً. وعيسى بن شعيب - وهو النحوي البصري الضرير - صدوق له أوهام. وتابعه الوليد بن مروان عن أبي هاشم به نحوه . أخرجه أبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٣ / ١ / ٢٥٧ /١). والوليد هذا مجهول. وتابعه قيس بن الربيع عن أبي هاشم به مرفوعاً. ذكره أبو نعيم في «اليوم والليلة)) له. وقيس سيىء الحفظ . وتابعه سفيان الثوري عن أبي هاشم به . أخرجه ابن السني (٢٨)، والمعمري(١) عن يوسف بن أسباط عنه. لكن يوسف هذا فيه ضعف، وقد خالفه عبد الرحمن بن مهدي، فقال: ثنا سفيان (١) ((النكت الظراف)) للحافظ (٣ / ٤٤٧). ٤٣٩ به، إلا أنه أوقفه على أبي سعيد. أخرجه الحاكم. وتابعه عبد الله بن المبارك عن سفيان به موقوفاً. أخرجه النسائي . ثم أخرجه من طريق غندر عن شعبة بإسناده موقوفاً. ولا شك أن الوقف أصح إسناداً، لكن قال الحافظ(١): ((مثله لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع)). ثم وجدت للحديث شاهداً، فقال ابن بشران في ((الأمالي)) (١٤٧ / ١): أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن طاهر العلوي - بالمدينة -: ثنا محمد بن الحسن بن نصر البغدادي المعروف بـ (المقدسي): ثنا محمد بن حسان الأزرق: ثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً به . قلت: الأزرق ثقة مترجم في ((التهذيب))، ومن فوقه من رجال الشيخين. والمقدسي لم أعرفه، ولم أره في ((تاريخ بغداد))، وهو من شرطه. والعلوي لم أعرفه أيضاً. والخلاصة: أن الحديث صحيح بمجموع طرقه المرفوعة، والموقوف لا يخالفه لأنه لا يقال بمجرد الرأي كما تقدم عن الحافظ. ولعله من أجل ذلك ساقه ابن القيم في ((زاد المعاد)) (١ / ٦٩) مساق المسلمات، ولكنه عزاه لـ ((سنن النسائي))، وهو وهم، لم يتنبه له المعلق عليه، ثم قصر في تخريجه تقصيراً فاحشاً، فلم يعزه إلا لابن السني وضعف إسناده - وهو كذلك كما تقدم دون الأسانيد التي قبله - فأوهم أن الحديث ضعيف. والله المستعان . (١) ((النكت الظراف)) للحافظ (٣ / ٤٤٧). ٤٤٠