النص المفهرس

صفحات 301-320

قلت: فهذا مرسل لم يذكر في إسناده: ((عن أبي محذورة)) إلا أن يكون سقط من
الناسخ أو الطابع، فهذا محتمل. وعبد الله هذا ثقة من شيوخ مسلم، وهو ابن عمر بن
محمد بن أبان المعروف بـ (مشكدانه).
وبالجملة؛ فالإِسناد ضعيف، لأنه إن سلم من الإِرسال فلن يسلم من إبراهيم أو
أبيه أو جده، ومع ذلك قال الهيثمي في كل من الحديثين (١ / ٣١١):
(وإسناده حسن)»!
وقد كنت اعتمدت عليه حين خرجت أحاديث ((الجامع الصغير وزيادته))، وجعلته
قسمين؛ ((الصحيح))، و((الضعيف))، ولم أكن قد وقفت على إسناده، فأوردته في
((الصحيح)) برقم (٢٩٥)، والآن وقد وقفت عليه وتبينت ضعفه وتساهله في تحسينه،
فحقه أن يودع في ((ضعيف الجامع))، لكن منعني من ذلك أنني وجدت له شاهداً قوياً
من حديث سلمة بن الأكوع قال:
((كان النبي ◌َّ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس، إذا غاب حاجبها)).
أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٤٤٣).
قوله: ((فاحدرها))، أي: صلاة المغرب. قال ابن الأثير في ((النهاية)):
(((فاحدر)، أي: أسرع، حدر في قراءته وأذانه يحدر حدراً، وهو من الحدور ضد
الصعود، ويتعدى ولا يتعدى)).
:
قلت: وهذه من السنن المتروكة في بلاد الشام، ومنها عمَّان، فإن داري في جبل
هملان من جبالها، أرى بعيني طلوع الشمس وغروبها، وأسمعهم يؤذنون للمغرب بعد
غروب الشمس بنحو عشر دقائق، علماً بأن الشمس تغرب عمن كان في وسط عمان
ووديانها قبل أن تغرب عنا! وعلى العكس من ذلك فإنهم يؤذنون لصلاة الفجر قبل دخول
وقتها بنحو نصف ساعة. فإنا لله وإنا إليه راجعون .
٣٠١

دعاؤه ويله لمكة والمدينة والشام بالبركة
٢٢٤٦ - (اللهمَّ بارِْ لنا في مَكَّتِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في مَدينَتِنا، اللهمَّ
بارِْ لنا في شامِتًا، وبارِْ لنا في صاعِنا، وبارِكْ لنا في مُدِّنا.
فقالَ رجلٌ : يا رسولَ الله! وفي عراقِنا. فَأَعْرَضَ عنهُ، فردَّدَها ثلاثاً،
كلُّ ذُلك يقولُ الرجلُ: وفي عِراقِنا، فيُعْرِضُ عنه، فقالَ:
بها الزَّلازلُ والفِتَنُ، وفيها يَطْلُعُ قرنُ الشّيطانِ).
أخرجه يعقوب الفسوي في ((المعرفة)) (٢ / ٧٤٦ - ٧٤٨)، والمخلّص في
((الفوائد المنتقاة)) (٧ / ٢ - ٣)، والجرجاني في ((الفوائد)) (١٦٤ / ٢)، وأبو نعيم في
((الحلية)) (٦ / ١٣٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١ / ١٢٠) من طرق عن توبة
العنبري عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن النبي ◌َّو دعا، فقال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقد تابعه زياد بن بيان: ثنا سالم به .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١ / ٢٤٦ / ١ / ٤٢٥٦)، وأبو علي
القشيري الحراني في ((تاريخ الرقة)) (٢ / ٢٠ / ١ -٢)، والربعي في ((فضائل الشام
ودمشق)) (١١ / ٢٠)، وابن عساكر (١ / ١٢١ -١٢٢)، وقال الطبراني:
((لم يروه عن زياد إلا إسماعيل، تفرد به ابنه حماد))!
كذا قال! وهو عند ابن عساكر من طريق سليمان بن عمر بن خالد الأقطع: نا
إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - به. وعند القشيري من طريق العلاء بن إبراهيم:
ثنا زياد بن بيان به .
قلت: وزياد بن بيان - هو الرقي - صدوق عابد؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))،
٣٠٢

فالإسناد جيد.
وتابعه نافع عن ابن عمر به، ولم يذكر مكة.
أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٢ / ٣٨٤ / ١٣٤٢٢)، وفي ((الأوسط)) (١ /
٢١٥ / ١ / ٣٨٥١) من طريق إسماعيل بن مسعود: نا عبيد الله بن عبد الله بن عون عن
أبيه عنه .
قلت: وهذا إسناد جيد أيضاً، عبيد الله هذا؛ قال البخاري في ((التاريخ)) (٣ / ١
/ ٣٨٨) :
((معروف الحديث)).
وقال ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ٣٢٢) عن أبيه :
((صالح الحديث)).
وتابعه أزهر بن سعد أبو بكر السمان: أخبرنا ابن عون به، إلا أنه قال:
«نجدنا)) مكان (عراقنا))، والمعنى واحد.
أخرجه البخاري (١٠٣٧ و٧٠٩٤)، والترمذي (٣٩٤٨)، وابن حبان (٧٢٥٧ -
الإِحسان)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٤ / ٢٠٦ / ٤٠٠٦) وصححوه، وأحمد (٢ /
١١٨)، وابن عساكر (١ / ١٢٢ - ١٢٤).
وتابعه عبد الرحمن بن عطاء عن نافع به، إلا أنه قال:
((مشرقنا)) مكان ((عراقنا)»، وزاد في آخره:
((وبها تسعة أعشار الشر)).
أخرجه أحمد (٢ / ٩٠)، والطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٠٢ / ٢ / ٢٠٨٧)،
وابن عساكر (١ / ١٢٥)، وقال الطبراني :
((لم يروه عن عبد الرحمن بن عطاء إلا سعيد بن أبي أيوب، تفرد به ابن وهب)).
٣٠٣

قلت: ولفظ الزيادة عنده:
((وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال)).
فلعله يعني بالتفرد هذه الزيادة، وإلا فالحديث مع الزيادة الأولى قد تابعه عليه أبو
عبد الرحمن - وهو عبد الله بن يزيد - عند أحمد وابن عساكر، ورجاله ثقات رجال
الشيخين، غير عبد الرحمن بن عطاء، وهو ثقة على ضعف فيه؛ كما يشعر به قول
الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق، فيه لين)).
فعندي وقفة في ثبوت هذه الزيادة؛ لتفرد عبد الرحمن بها دون سائر الرواة،
ولاسيما وقد رواها الفسوي (٢ / ٧٥٠ و ٧٥١) عن ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما
موقوفاً، ولا يظهر لي أنها في حكم المرفوع. والله أعلم.
وتابعه أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك عن نافع به، إلا أنه قال:
((العراق ومصر)).
أخرجه أبو عبد الله القطان في ((حديثه)) (ق٥٩ / ٢)، وأبو أمية الطرسوسي في
(«مسند ابن عمر» (ق٢٠٧ / ١ - ٢)، وابن عساكر (١ / ١٢٤ - ١٢٥) من طريق محمد
ابن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه: حدثني أبو رزين الفلسطيني عنه.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، أبو عبيد ثقة، لكن أبو رزين الراوي عنه لم أعرفه،
وقد أورده الذهبي في ((المقتنى في الكنى)) بهذه الرواية، ولم يسمه. والرهاوي ليس
بالقوي؛ كما قال الحافظ، فذكر ((مصر)) في هذه الطريق منكر. وبالله التوفيق.
وله شاهد، يرويه إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس مرفوعاً نحو حديث الترجمة .
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢ / ٨٤ / ١٢٥٥٣).
٣٠٤

لكن إسناده ضعيف جداً؛ إسحاق قال البخاري :
((منكر الحديث)).
وأبوه عبد الله صدوق يخطىء كثيراً؛ كما قال الحافظ في ((التقريب)).
وشاهد آخر من رواية الحسن البصري مرسلاً.
أخرجه يعقوب الفسوي (٢ / ٧٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر (١ / ١٢٨).
وإسناده صحيح مرسل.
وقد روي من حديث معاذ، وفيه زيادة في آخره جواباً لقول الرجل: ((وفي عراقنا))
تخالف جواب النبي ◌ّلتر الثابت في جميع طرق الحديث، ولذلك أوردته في الكتاب
الآخر: ((الضعيفة)) (٥٥١٨)، مع بيان المتهم بوضعه.
وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه؛ لأن
بعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإِمام محمد بن
عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره
من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة
بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء
قديماً كالإِمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
وجهلوا أيضاً أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذموم أيضاً
إذا كان صالحاً في نفسه، والعكس بالعكس. فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق
وفاجر، وفي العراق من عالم وصالح. وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما
دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام :
((أما بعد؛ فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإِنسان عمله)).
وفي مقابل أولئك المبتدعة من أنكر هذا الحديث وحكم عليه بالوضع لما فيه من
٣٠٥

ذم العراق كما فعل الأستاذ صلاح الدين المنجد في مقدمته على ((فضائل الشام
ودمشق))، ورددت عليه في تخريجي لأحاديثه، وأثبت أن الحديث من معجزاته وله
العلمية، فانظر الحدیث الثامن منه.
مشروعية القبض في القيام الذي قبل الركوع دون الذي بعده
٢٢٤٧ - (كانَ إِذا قامَ في الصَّلاةِ قَبَضَ على شِمالِهِ بَيَمِينِهِ).
أخرجه يعقوب الفسوي في ((المعرفة)) (٣ / ١٢١)، ومن طريقه البيهقي في
((السنن الكبرى)) (٢ / ٢٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢ /٩ /١) من طريق آخر:
حدثنا أبو نعيم قال: ثنا موسى بن عمير العنبري قال: حدثني علقمة بن وائل عن أبيه أن
النبي صَ﴿ كان ... ورأيت علقمة يفعله. قال الفسوي:
((وموسى بن عمير كوفي ثقة)).
قلت: ووثقه آخرون من الأئمة، وسائر الرواة ثقات من رجال مسلم، فالسند
صحيح .
وأخرجه النسائي (١ / ١٤١) من طريق عبد الله بن المبارك عن موسى بن عمير
العنبري وقيس بن سليم العنبري قالا: حدثنا علقمة بن وائل به نحوه دون فعل علقمة .
ورواه أحمد (٤ / ٣١٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٣٩٠): ثنا وكيع:
ثنا موسى بن عمير العنبري به مختصراً بلفظ :
((رأيت رسول الله وَّر واضعاً يمينه على شماله في الصلاة)). فلم يذكر القيام.
ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٣ / ٣٠) من طريق أخرى عن وكيع .
وهكذا رواه أحمد (٤ / ٣١٦ - ٣١٩) من طرق أخرى عن وائل بن حجر دون
القيام .
٣٠٦

ولا يشك الباحث في طرق هذا الحديث أنه مختصر أيضاً - كرواية وكيع - من
حديث وائل المبين لصفة صلاة النبي وس# والقيام الذي قبض فيه يديه، وهو الذي قبل
الركوع، جاء ذلك من طريقين :
الأولى: عن عبد الجبار بن وائل عن علقمة بن وائل ومولى لهم أنهما حدثاه عن
أبیه وائل بن حجر:
أنه رأى النبي ◌َ ﴿ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر - وصف همام - حيال أذنيه.
ثم التحف بثوبه .
ثم وضع يده اليمنى على اليسرى.
فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع .
فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه .
فلما سجد سجد بين كفَّيْهِ .
أخرجه مسلم (٢ / ١٣)، وأبو عوانة (٢ / ١٠٦ - ١٠٧)، وأحمد (٤ / ٣١٧ -
٣١٨)، والبيهقي (٢ / ٢٨ و٧١).
الثانية: عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال:
((قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله وَ# كيف يصلي؟ قال: فقام رسول اللّه ◌َل
فاستقبل القبلة فکبر فرفع یدیه حتى حاذتا أذنيه .
ثم أخذ شماله بیمینه .
فلما أراد أن يركع رفعها مثل ذلك.
ثم وضع یدیه علی رکیتیه .
فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك.
٣٠٧

فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بین یدیه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى
.. وأشار بالسبابة .. )) الحديث.
:
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم بسند صحيح، وهو مخرج في ((صحيح
أبي داود)) (٧١٦ - ٧١٧) برواية آخرين من الأئمة عن جمع من الثقات عن عاصم، يزيد
بعضهم على بعض، وأتمهم سياقاً زائدة بن قدامة وبشر بن المفضل، وهو ثقة ثبت،
والسياق له، ولا بن ماجه منه قوله :
((رأيت النبي وسلم يصلي فأخذ شماله بيمينه)).
أقول: فإذا نظر الناظر إلى هذه الجملة لوحدها، ولم يعلم، أو على الأقل لم
يستحضر أنها مختصرة من الحديث، فهم منها مشروعية الوضع لليدين في كل قيام سواء
كان قبل الركوع أو بعده، وهذا خطأ يدل عليه سياق الحديث، فإنه صريح في أن الوضع
إنما هو في القيام الأول، وهو في سياق عاصم أصرح، فإنه ذكر رفع اليدين في تكبيرة
الإِحرام، ثم الركوع والرفع منه، يقول فيهما: مثل ذلك، فلو كان في حفظ وائل وضع
اليدين بعد الرفع لذكره أيضاً كما هو ظاهر من ذكره الرفع ثلاثاً قبله، ولكن لما فُصِلَت
تلك الجملة عن محلها من الحديث أوهمت الوضع بعد الرفع، فقال به بعض أفاضل
العلماء المعاصرين، دون أن يكون لهم سلف من السلف الصالح فيما علمت.
ومما يؤكد ما ذكرنا رواية ابن إدريس عن عاصم به مختصراً بلفظ :
((رأيت رسول الله (َ ر حين كبر أخذ شماله بيمينه)).
ومثل هذا الوهم بسبب الاختصار من بعض الرواة أو عدم ضبطهم للحديث يقع
كثيراً، ولقد كنت أقول في كثير من محاضراتي ودروسي حول هذا الوضع وسببه: يوشك
أن يأتي رجل ببدعة جديدة اعتماداً منه على حديث مطلق لم يدر أنه مقيد أيضاً، ألا وهي
الإِشارة بالإصبع في غير التشهد! فقد جاء في ((صحيح مسلم)) حديثان في الإِشارة بها
في التشهد أحدهما من حديث ابن عمر، والآخر من حديث ابن الزبير، ولكل منهما
٣٠٨

لفظان مطلق ومقيد، أو مجمل ومفصل: ((كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه
ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإِبهام فدعا بها .. ))، فأطلق الجلوس. والآخر: ((كان إذا
قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته
اليمنى .. )) الحديث. فقيد الجلوس بالتشهد. ونحوه لفظا حديث ابن الزبير.
فاللفظ الأول ((جلس)) يشمل كل جلوس، كالجلوس بين السجدتين، والجلوس
بين السجدة الثانية والركعة الثانية المعروفة عند العلماء بجلسة الاستراحة .
فكنت أقول: يوشك أن نرى بعضهم يشير بإصبعه في هاتين الجلستين! فلم يمض
على ذلك إلا زمن يسير حتى قيل لي بأن بعض الطلاب يشيرون بها بين السجدتين! ثم
رأيت ذلك بعيني من أحد المتخرجين من الجامعة الإِسلامية حين زارني في داري في
أول سنة (١٤٠٤)! ونحن في انتظار حدوث البدعة الثالثة؛ ألا وهي الإِشارة بها في جلسة
الاستراحة! ثم حدث ما انتظرته، والله المستعان!
وقد وقع مثل هذا الاختصار الموهم لشرعية الإِشارة في كل جلوس في حديث وائل
أيضاً من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عنه، وهو في ((مسند أحمد)) (٤ / ٣١٦ -٣١٩)
علی وجھین :
الأول: الإِشارة مطلقاً دون تقييد بتشهد .
أخرجه (٤ / ١١٦ - ١١٧) من طريق شعبة عنه بلفظ :
((وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه السبابة)) .
وكذا أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١ / ٣٤٥ / ٦٩٧)، لكنه قال في آخره:
((يعني في الجلوس في التشهد)).
وهذا التفسير، إما من وائل، وإما من أحد رواته، والأول هو الراجح لما يأتي .
وفي لفظ له في ((المسند)) (٤ / ٣١٦) من رواية عبد الواحد بلفظ:
٣٠٩

((فلما قعد افترش رجله اليسرى .. وأشار بإصبعه السبابة)).
وتابعه عنده (٤ / ٣١٧ و٣١٨) سفيان - وهو الثوري - وزهير بن معاوية، ورواه
الطبراني (٢٢ / ٧٨ و ٨٣ و٨٤ و ٨٥ و٩٠) من طريقهما وآخرين.
والآخر: الإِشارة بقيد التشهد.
وهو في ((المسند)) (٤ / ٣١٩) من طريق أخرى عن شعبة بلفظ:
((فلما قعد يتشهد .. أشار بإصبعه السبابة وحلق بالوسطى)).
وسنده صحيح، وأخرجه ابن خزيمة أيضاً (٦٩٨).
وتابعه أبو الأحوص عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ١٥٢)، والطبراني
في ((المعجم الكبير)» (٢٢ / ٣٤ / ٨٠)، وزاد:
((ثم جعل يدعو بالأخرى)).
وتابعهما زائدة بن قدامة بلفظ :
((فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها)).
أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب السنن، وأحمد (٤ / ٣١٨)، والطبراني (٢٢
/ ٣٥ / ٨٢)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي وابن القيم، وهو
مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٧١٧).
وتابعهم أبو عوانة بنحوه، وفيه :
«ثم دعا)) .
أخرجه الطبراني (٢٢ / ٣٨ / ٩٠).
وابن إدريس مثله .
رواه ابن حبان (٤٨٦).
٣١٠

وسلام بن سليم عند الطيالسي (١٠٢٠).
قال الطحاوي عقب رواية أبي الأحوص المتقدمة:
(«فيه دليل على أنه كان في آخر الصلاة)).
قلت: وهذا صريح في رواية أبي عوانة المشار إليها آنفاً، فإنه قال:
((ثم سجد، فوضع رأسه بین کفیه، ثم صلى ركعة أخرى، ثم جلس فافترش رجله
اليسرى، ثم دعا ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى، وكفه اليمنى على ركبته
اليمنى، ودعا بالسبابة)).
وإسناده صحيح .
ونحوه رواية سفيان (وهو ابن عيينة)، ولفظه :
((وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى
على فخذه اليمنى، ونصب إصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على رجله اليسرى)) .
أخرجه النسائي (١ / ١٧٣) بسند صحيح، والحميدي (٨٨٥) نحوه.
قلت: فتبين من هذه الروايات الصحيحة أن التحريك أو الإِشارة بالإصبع إنما هو
في جلوس التشهد، وأن الجلوس المطلق في بعضها مقيد بجلوس التشهد، هذا هو
الذي يقتضيه الجمع بين الروايات، وقاعدة حمل المطلق على المقيد المقررة في علم
أصول الفقه، ولذلك لم يرد عن أحد من السلف القول بالإِشارة مطلقاً في الصلاة ولا
في كل جلوس منها فيما علمت، ومثل ذلك يقال في وضع اليدين على الصدر، إنما هو
في القيام الذي قبل الركوع، إعمالاً للقاعدة المذكورة.
فإن قال قائل: قد روى عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم بن كليب بإسناده
المتقدم عن وائل .. فذكر الحديث والافتراش في جلوسه قال:
((ثم أشار بسبابته ووضع الإِبهام على الوسطى حلق بها وقبض سائر أصابعه، ثم
٣١١

سجد فکانت یداه حذو أذنيه)).
فهذا بظاهره يدل على أن الإِشارة كانت في الجلوس بين السجدتين، لقوله بعد
أن حكى الإِشارة :
((ثم سجد .. )).
فأقول: نعم قد روى ذلك عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢ / ٦٨ - ٦٩)، ورواه عنه
الإِمام أحمد (٤ / ٣١٧)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢ / ٣٤ - ٣٥)، وزعم
الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه عليه:
((أنه أخرجه الأربعة إلا الترمذي والبيهقي مفرقاً في أبواب شتى)).
وهو زعم باطل يدل على غفلته عن موجب التحقيق، فإن أحداً منهم ليس عنده
قوله بعد الإِشارة: ((ثم سجد))، بل هذا مما تفرد به عبد الرزاق عن الثوري، وخالف به
محمد بن يوسف الفريابي، وكان ملازماً للثوري، فلم يذكر السجود المذكور. رواه عنه
الطبراني (٢٢ / ٣٣ / ٧٨).
وقد تابعه عبد الله بن الوليد: حدثني سفيان ... به.
أخرجه أحمد (٤ / ٣١٨).
وابن الوليد صدوق ربما أخطأ، فروايته بمتابعة الفريابي له أرجح من رواية
عبدالرزاق، ولا سيما وقد ذكروا في ترجمته أن له أحاديث استنكرت عليه؛ أحدها من
روايته عن الثوري، فانظر ((تهذيب ابن حجر)) و ((ميزان الذهبي))، فهذه الزيادة من
أوهامه .
وإن مما يؤكد ذلك، أنه قد تابع الثوري في روايته المحفوظة جمع كثير من الثقات
الحفاظ منهم عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وبشر بن المفضل، وزهير
ابن معاوية، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وابن إدريس، وسلام بن سليمان، وسفيان بن
٣١٢

عيينة، وغيرهم، فهؤلاء جميعاً لم يذكروا في حديث وائل هذه الزيادة، بل إن بعضهم
قد ذكرها قبيل الإِشارة، مثل بشر وأبي عوانة وغيرهما، وقد تقدم لفظهما، وبعضهم صرح
بأن الإشارة في جلوس التشهد كما سبق.
وهذا هو الصحيح الذي أخذ به جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء، ولا أعلم
أحداً قال بشرعيتها في الجلوس بين السجدتين، إلا ابن القيم، فإن ظاهر كلامه في ((زاد
المعاد)) مطابق لحديث عبد الرزاق، ولعل ذلك الطالب الجامعي الذي تقدمت الإِشارة
إليه قلده في ذلك، أو قلد من قلده من العلماء المعاصرين، وقد بينت له ولغيره من
الطلاب الذين راجعوني شذوذ رواية عبد الرزاق ووهاءها، ولقد أخبرني أحدهم عن أحد
العلماء المعروفين في بعض البلاد العربية أنه يعمل بحديث عبد الرزاق هذا ويحتج به!
وذلك مما يدل على أنه لا اختصاص له بهذا العلم، وهذا مما اضطرني إلى كتابة هذا
التخريج والتحقيق، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي. سائلاً المولى
سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا، ويهدينا إلى الحق الذي اختلف فيه الناس، إنه يهدي
من يشاء إلى الصراط المستقيم. والحمد لله رب العالمين.
الإِشارة بالإصبع في التشهد فقط
٢٢٤٨ - (كانَ إذا جَلَسَ في النِّنْتَيْنِ أو في الأربعِ يَضَعُ يدَيْهِ على
رُكْبَتَيْهِ، ثم أَشارَ بِإِصْبَعِهِ).
أخرجه النسائي (١ / ١٧٣)، والبيهقي (٢ / ١٣٢)، من طريقين عن ابن المبارك
قال: أنبأنا مخرمة بن بكير: ثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه (٢ / ٩٠) من طريق أبن
عجلان عن عامر به نحوه بلفظ :
((كان إذا قعد يدعو .. ))، ليس فيه ذكر الثنتين والأربع، وهي فائدة هامة تقضي
٣١٣

على بدعة الإِشارة بإصبعه في غير التشهد، ولذلك خصصتها بالتخريج بياناً للناس.
ورواه أحمد (٤ / ٣) بلفظ :
((كان إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على
فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته)).
وأخرجه أبو داود وغيره نحوه، وزاد في رواية :
((ولا يحركها».
وهي زيادة شاذة كما بينته في ((ضعيف أبي داود)) (١٧٥).
وخرجت الرواية الأولى في ((صحيح أبي داود)) (٩٠٨ و٩٠٩).
وفي الحديث مشروعية الإِشارة بالإصبع في جلسة التشهد، وأما الإِشارة في
الجلسة التي بين السجدتين التي يفعلها بعضهم اليوم؛ فلا أصل لها إلا في رواية لعبد
الرزاق في حديث وائل بن حجر، وهي شاذة كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله بياناً
لا تراه في مكان آخر، والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
صبره تعالى على أذى المشركين
٢٢٤٩ - (ليسَ أَحدٌ أَصْبَرَ على أَذىَّ سَمِعَهُ مِن الله، إِنَّهِم لَيَدْعونَ له
وَلَدَأَ، [وَيَجْعَلونَ له ندَأَ]ِ، وإِنَّهُ لَيُعافيهِم [ويَدْفَعُ عنْهُم]، وبَرْزُقُهُم،
[ويُعْطِيهِم]).
أخرجه البخاري (٦٠٩٩ و٧٣٧٨)، ومسلم (٨ / ١٣٣ - ١٣٤)، ويعقوب
الفسوي في ((المعرفة)) (٣ / ١٤٩ - ١٥٠)، وأحمد (٤ / ٣٩٥ و٤٠١ و٤٠٥)،
والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص٥٠٤ - ٥٠٥)، من طرق عن الأعمش: حدثنا
سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى مرفوعاً .
٣١٤
٠

والزيادة الأولى والأخيرة لمسلم، والوسطى لأحمد. وعزاه السيوطي في ((الصغير))
و ((الكبير)) للشيخين فقط بالزيادة الأولى !!
٢٢٥٠ - (إذا خَلَصَ المُؤمنونَ مِن النارِ يومَ القيامةِ، وأَمِنُوا، فما
مُجادَلَةُ أحدِكُم لِصاحبهِ في الحقِّ يكونُ لهُ في الدنيا بأشدَّ مجادلةً له مِن
المؤمِنِينَ لَرَبِّهِم؛ في إِخوانِهم الذينَ أُدْخِلوا النَّارَ. قالَ: يقولونَ: ربَّنَا!
إِخوانَنا كانوا يصلّونَ معَنا، ويصومونَ مَعنا، ويحجُون معَنا، فَأُدخَلْتَهم
النارَ. قالَ: فيقولُ: اذهبوا فَأُخْرجوا مَن عَرَفْتُم، فيأتونَهم، فيعرفونَهم
بصوَرِهِم، لا تَأْكُلُ النارُ صورَهم، فمِنْهِم مَن أَخَذَتْهُ النارُ إلى أنصافٍ
ساقَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إلى كعْبِيهِ، فَيُخْرِجونَهم، فيقولون: ربَّنا!
أَخْرَجْنا مَن أَمَرْتَنَا. ثم يقولُ: أخرِجوا مَن كانَ فِي قلبِهِ وزنُ دينارٍ من
الإِيمانِ، ثم مَن كانَ في قلبِه وزنُ نَصفِ دينارٍ، حتى يقولَ: مَن كانَ في
قلبه مثقال ذرَّةٍ - قال أبو سعيد: فَمَن لم يُصَدِّق بهذا فلْيقرأ هذه الآية:
﴿إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يضاعِفْها ويؤتٍ من لَدُنْهُ أجراً
عظيماً)(١) - قال: فيقولون: ربَّنا! قدْ أُخْرَجنا مَن أمرْتَنا، فلم يَبْقَ في النارِ
أحدٌ فيهِ خيرٌ. قال: ثم يقولُ الله: شَفَعَتِ الملائكةُ، وشفَعَ الأنبياءُ،
وشَفَعَ المؤمنونَ، وبقيَ أرحَمُ الراحمين. قال: فَقْبِضُ قَبْضَةً من النَّارِ
- أو قال: قبضَتَيْن - ناسٌ لم يَعملوا للهِ خيراً قطّ، قد احترقوا حتى صاروا
حِمماً. قال: فَيُؤْتِى بهم إلى ماءٍ يُقالُ له: ماءُ الحياةِ، فَيُصَبُّ عليهم،
فيَنْبتون كما تَنْبتُ الحبَّةُ في حميلِ السَّيلِ ، فيخرجونَ من أجسادِهم مثلَ
(١) النساء: ٤٠ .
٣١٥

اللؤلؤ، في أعناقهم الخاتمُ: عُتَقَاءُ الله. قالَ: فيقالُ لهم: ادخُلُوا الجنَّةَ،
فما تَمَنَّيْتُم أو رأيتُم مِن شيءٍ فهو لكُم، عندي أفضلُ من هذا. قالَ:
فيقولون: ربَّنا! وما أفضلُ مِن ذلكَ؟ قال: فيقولُ: رضائِي عليكُم، فلا
أَسْخَطُ عليكُم أبداً).
أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢ / ٩٤): ثنا عبد الرزاق - وهذا في ((مصنفه))
(١١ / ٤٠٩ / ٢٠٨٥٧) - قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن
أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَل: فذكره.
وكذلك أخرجه النسائي (٥٠١٠)، وابن ماجه (٦٠)، وابن خزيمة في ((التوحيد))
(١٨٤)؛ كلهم عن عبدالرزاق به، إلا أن النسائي وقعت الآية عنده: ﴿إِنَّ الله لا يغفِرُ أنْ
يُشرَكَ بِهِ ويغفِرُ ما دونَ ذلكَ لمنْ يشاءُ﴾(١).
وهو مخالف لرواية الآخرين، ولا أدري ممن الوهم، ولكن رواية الجماعة أولى،
والأخرى شاذة .
وإن مما يؤيد ذلك أن الحديث أخرجه البخاري (٧٤٣٩) من طريق سعيد بن أبي
هلال، ومسلم (١ / ١١٤ - ١١٧) من طريق حفص بن ميسرة؛ كلاهما عن زيد بن أسلم
به مطولاً بالآية الأولى .
٢٢٥١ - (صَدَقَ أُبَيِّ).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٣٨ / ٢) من طريق إبراهيم عن ابن
مسعود أنه سأل أبي بن كعب - ونبي اللّه ◌َلا يخطب - عن آية من كتاب الله؟ فأعرض
عنه، ولم يرد عليه، فلما قضى صلاته قال: ((إنك لم تجمِّع)). فسأل ابن مسعود رسول
الله ◌َّ؟ فقال: فذكره .
(١) النساء: ٤٨ و١١٦.
٣١٦

قلت: وإسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير شيخ الطبراني وهو
علي بن عبد العزيز - وهو البغوي - ثقة حافظ، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي .
وقد يقول قائل: إنه مرسل منقطع بين إبراهيم وابن مسعود فكيف تحسن إسناده؟
فأقول: نعم، ولكن جماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما
أرسله عن ابن مسعود كما نقله في ((التهذيب)).
وقول البيهقي هو الصواب؛ لقول الأعمش: قلت لإِبراهيم: أسند لي عن ابن
مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت:
قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله .
فهذا صريح في أن ما أرسله عن ابن مسعود يكون بينه وبين ابن مسعود أكثر من
واحد، وهم وإن كانوا مجهولين، فجهالتهم مغتفرة، لأنهم جمع من جهة، ومن التابعين
- بل وربما من كبارهم - من جهة أخرى، وهذه فائدة أخرى سبق أن ذكرتها في موضع
آخر، لا يحضرني الآن .
ومما يقوي هذه القصة بين ابن مسعود وأبي بن كعب، أنها رويت من حديث جابر
ابن عبد الله رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنهما.
١ - أما حديث جابر؛ فأخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٢ / ٤٩٧ - ٤٩٨)، وعنه
ابن حبان (٥٧٧)، والطبراني في «الأوسط)) (١ / ٢٥٢ / ٢)، من طريق يعقوب القمي
عن عيسى بن جارية عن جابر به نحوه. وقال المنذري (١ / ٢٥٨):
((رواه أبو يعلى بإسناد جيد وابن حبان في (صحيحه)).
قلت: إسناده محتمل للتحسين، للكلام المعروف في عيسى بن جارية ويعقوب
ابن عبد الله القمي.
٢ - وأما حديث ابن عباس؛ فأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٨٠٩) بإسناد
٣١٧

فيه ضعيف، كما بينته فيما علقته عليه .
وروى الطبراني أيضاً في ((الكبير)) من طريق إبراهيم بن المهاجر البجلي:
استقرأ رجل عبد الله بن مسعود والإِمام يخطب يوم الجمعة، فلم يكلمه عبد الله،
فلما قضى الصلاة قال له عبد الله :
((الذي سألت عنه نصيبك من الجمعة)).
والبجلي هذا صدوق سبىء الحفظ .
ثم روي بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال:
((كفى لغواً أن تقول لصاحبك: أنصت، إذا خرج الإِمام في الجمعة)).
وقد وقع مثل هذه القصة بين أبي ذر وأبي بن كعب عند ابن خزيمة والطحاوي
وأحمد وغيرهم، وترى ذلك في ((الترغيب)) (١ / ٢٥٧ - ٢٥٨)، و((المجمع)) (٢ /
١٨٦)، ولا منافاة بينهما، لجواز تعددها، كما لا يخفى.
٢٢٥٢ - (إِنِ اتَّخَذْتَ شعراً فَأَكْرِمهُ).
أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (١١ / ٢٧٠ / ٢٠٥١٦) عن معمر عن سعيد
ابن عبد الرحمن الجحشي أن النبي صل# قال لأبي قتادة: فذكره. قال:
((وكان أبو قتادة - حسبتُ ۔ یرجِّلُه كل يوم مرتین)).
وأخرجه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) (٢ / ٢٦٥ / ٢) من طريق عبد الرزاق، وزاد
في الإِسناد بعد سعيد: ((عن أشياخهم))، فإذا صحت هذه الزيادة فيكون الحديث
•وصولاً، وإلا فهو مرسل؛ لأن سعيداً هذا تابعي روى عن بعض الصحابة، وقد وثقه ابن
حبان، وقال النسائي :
«ليس به بأس)).
٣١٨

مع أنه لم يرو عنه غير معمر، كما ذكرته في ((تيسير انتفاع الخلان بكتاب (ثقات
ابن حبان)))، وحققت فيه أنه وقع في ترجمة سعيد هذا عنده عدَّة تصحيفات، منها نسبة
(الجحشي) هذه، وقعت فيه: (الحجبي)، كما أنها تحرفت في ((الشعب)) إلى
(الجرشي)، الأمر الذي حال بيني وبين معرفتي إياه؛ حين أوردت حديثه هذا شاهداً
تحت الحديث المتقدم (٦٦٦)، وكان ذلك من دواعي إعادة تخريجه وتصحيح نسبته،
إلى فوائد أخرى يأتي ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى .
وقوله: ((وكان أبو قتادة - حسبت - يرجّله كل يوم مرتين))، لا يصح عندي، لشك
الراوي :
أولاً: في قوله: ((حسبت)).
وثانياً: لثبوت نهيه ﴿ عن الترجّل إلا غبّاً، كما تقدم تخريجه من طرق برقم
(٥٠١).
وكذلك لا يصح ما أخرجه النسائي (٥٢٣٧) من طريق عمر بن علي بن مقدم قال:
حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة قال :
((كانت له جُمَّة ضخمة، فسأل النبي ◌َّه؟ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل
یوم))
قلت: وهذا أنكر من سابقه، فإنه رفع الترجل كل يوم إلى النبي وَّر، وهذا خلاف
الحديث الصحيح الذي أشرت إليه آنفاً، وعلته الانقطاع بين محمد بن المنكدر وأبي
قتادة، فإنه لم يسمع منه كما حققه الحافظ في ((التهذيب)).
ويمكن استخراج علة ثانية، وهي الإِرسال.
وعلة ثالثة، وهي التدليس، فإن ابن مقدم هذا كان يدلس تدليساً عجيباً، يعرف
عند العلماء بتدليس السكوت، فانظر ترجمته في ((التهذيب)).
٣١٩

ومع هذا فقد خالفه حماد بن زيد: ثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر أن
أبا قتادة اتخذ شعراً .. الحديث فأرسله.
أخرجه البيهقي .
ويؤيده أنه تابعه سفيان (وهو الثوري) فقال: عن محمد بن المنكدر قال:
((كان لأبي قتادة شعر .. )) الحديث مثله، إلا أنه قال:
((وكان يدهنه يوماً، ويدعه يوماً)).
رواه البيهقي .
وهذا يؤكد نكارة رواية ابن مقدم، ويوافق الحديث الصحيح، وهو المظنون بهذا
الصحابي الجليل.
وقد أشار الحافظ المزي في ((التحفة)) (٩ / ٢٦٤) إلى ترجيح المرسل بقوله:
((ورواه المفضل بن فضالة عن ابن جريج عن عطاء عن ابن المنكدر أن أبا
قتادة .. )) فذكره.
ورواه هشام بن عروة أيضاً عن محمد بن المنكدر، لكنه قال: عن جابر.
وقد تقدمت هذه الرواية مع شواهد أخرى لحديث الترجمة تؤيد صحته تحت
الحديث المشار إليه آنفاً (٦٦٦).
ومن شواهده ما أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٤٤٨): حدثنا ابن
إدريس عن يحيى عن (الأصل: بن) عبدالله بن أبي قتادة، قال: فذكره مرسلاً.
وهذا إسناد مرسل صحيح، ولعل عبدالله تلقاه عن أبيه أبي قتادة. والله أعلم.
(تنبيه): لقد ذكر الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على حديث الترجمة
رواية النسائي المتقدمة عن أبي قتادة، ساكتاً عليها، موهماً القراء أنه لا علة فيها، وهذا
شأنه في أكثر تعليقاته. والله المستعان.
٣٢٠