النص المفهرس

صفحات 721-740

خيراً.
ولكن لا بد من تقديم بعض النماذج لتأكيد جنايته على السنة الصحيحة التي
شملت أيضاً الأحاديث المتقدمة في هذا المجلد، وهذه أرقامھا (٥٤٥ - م و٥٦٣ و٥٦٩
و٥٨٠ و٥٩٦ و٦٢٩ و٦٨٦ و٧١٨ ٧٦٤ - خ و ٩٠٨ ٩١٩ و٩٢٢ و٩٢٧ و٩٣٨ ٩٤٣
و٩٤٦ و٩٥٤).
فالحديث (٥٦٩) طعن فيه - هداه الله - بأن فيه انقطاعاً بين زرارة بن أوفي
وعبدالله بن سلام مع أنه صرح بسماعه منه؛ ولکنه شكك فیه بقوله (ص ٥٢٨):
(«ما أراه يصح والله أعلم، ولا أدري الوهم ممن هو؟ أمن ابن أبي شيبة أم أبي
أسامة؟!)).
يقول هذا وهو يعلم أن ابن أبي شيبة هو الثقة الحافظ صاحب كتاب
((المصنف)). وأبو أسامة هو حماد بن أسامة الثقة الثبت، وقد احتج البخاري في
((تاريخه)) (٢ /١ / ٤٣٩) برواية ابن أبي شيبة هذه لإثبات سماع زرارة من ابن سلام،
ودعمها برواية أخرى فقال: وقال سليمان عن حماد قال: ثنا زرارة قال: نا عبدالله بن
سلام. وهذا إسناد صحيح متصل. فسليمان هو ابن حرب، وحماد هو ابن زيد،
وكلاهما ثقة من رجال الشيخين. ثم روى البخاري بسند صحيح عن زرارة: حدثني
تميم الداري. وتميم توفي قبل ابن سلام بثلاث سنين، فأين الوهم أيها الغارق في
الوهم والإِيهام؟! فلا جرم أن أجمع العلماء على تصحيح هذا الحديث، فصرح
بتصحيحه الترمذي والبغوي والحاكم والذهبي، وأقرهم المنذري والنووي والحافظ،
وقد كتم هذا عن قرائه ليوهمهم أن لا معارض له! بل إنه فعل ذلك في كل الأحاديث
التي ضعفها، ومن ذلك حديث ((ضعيفته)) (٩٣ - ما من أحد يسلم علي .. )، لما نقل
عن ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) (ص ١٩) إعلال ابن تيمية إياه لم يذكر أن ابن القيم
قال: ((وقد صح إسناد هذا الحديث))، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة، أنهم حين
ردهم على أهل البدعة يذكرون ما لهم وما عليهم، ثم يبينون الصواب من ذلك كما
- ٧٢١ -

قال ابن تيمية رحمه الله في كتبه، على أن ابن تيمية قد صحح هذا الحديث في بعض
ردوده على خصومه، واحتج به الإِمام أحمد وغيره في جواز زيارة قبره مصر، وليس هذا
مجال بیان ذلك.
وأما الحديث (٩٥٤) فجاء فيه بإفك له قرنان كما يقال في بعض اللغات، فزعم
(ص ٥١٥) أن راويه ابن عقيل ((ضعيف، كلهم ضعفوه إلا ابن عبدالبر .. انظر
(التهذيب)))!
فإذا رجع القارىء إلى ((التهذيب)) وجد فيه أنه احتج به الأئمة: أحمد وابن
راهويه والحميدي. فهل هؤلاء ليسوا بأئمة عنده أم الأمر كما قيل: ((حبك الشيء
یعمي ویصم)»؟!
ثم إنه تعامى عن قول الحافظ العجلي في ((ثقاته)) (٢٧٧ / ٨٨٠ - ترتيب):
((تابعي ثقة، جائز الحديث)).
وعن قول ابن القطان بعد أن ذكر الخلاف فيه :
((حسن الحديث)).
فلم يأخذ بقوله هذا وهو الصواب، بينما اعتمد عليه في تضعيفه لحديث
العرباض وهو مخطىء !! لم يسبقه إليه أحد!
كما تجاهل قول الحافظ الذهبي في ((المغني)):
((حسن الحدیث، احتج به أحمد وإسحاق)).
وقول الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق)).
وبعد؛ فإن مجال القول فيما صنع الرجل في ((رياض النووي)) وما حطم من
صحاح أحاديثه، ومن أحاديث ((الصحيحة)) لواسع جداً، فلنقتصر على ما تقدم من
- ٧٢٢ -

الأمثلة والبينات، فإنها تدل دلالة قاطعة لدى كل منصف لا يحابي ولا يداري على أن
الرجل غير موثوق بعلمه، ولا هو مؤتمن في نقله، بل هو مغرور بنفسه، لا يبالي
بمخالفته للقواعد العلمية، ولا بأقوال الأئمة الحفاظ النقاد، بل إن لسان حاله يقول:
هم رجال ونحن رجال! وقد سمعنا ذلك مراراً من بعض الجهال.
وإن من غروره بنفسه وعجبه بعلمه أنه تمنى في مقدمة ((ضعيفته)) أن أرجع أنا
إلى موافقته في تضعيفاته! كما رجع شيخه شعيب حيث وافقه في نحو مائة حديث منها
فيما ذكر هو عقبها، وأظنه كان مبالغاً في ذلك، لأني رأيت الشيخ في بعض تعليقاته
يخالف بعض ما نسبه إليه، أقول هذا بياناً للواقع لا تبرئة للشيخ، فإننا نعرف منه إنكاره
لبعض الأحاديث الصحيحة كحديث: ((إذا وقع الذباب)) ونحوه، فالرجل يريدني أن
أكون مثله في تحطيم السنة الصحيحة، وأنا بفضل الله الناصر لها، والذاب عنها جهل
الجاهلين، وانتحال المبطلين.
هذا، وإن مما شجعني على الرد عليه في هذا الاستدراك - علاوة على ما لا بد
منه من بيان الحق، وتبصير من قد يغتر بكثرة كلامه ونُقوله المبتورة - أنه تكشف لي
إعجابه برأيه وإصراره على خطئه، وبطره الحق في نقاش جرى بيني وبينه في أول ليلة
من رمضان المبارك لهذه السنة (١٤١٢) حول تضعيفه لحديث العرباض، بحضور
بعض الأفاضل، فقد وجهت إليه بعض الأسئلة، تبين لنا من أجوبته عليها أنه ليس
على معرفة بهذا العلم ومتعلقاته، إلى درجة أنه لا يتبنى قول العلماء: ((المثبت مقدم
على النافي)) ونحوه من القواعد العلمية! ولهذا فهو يقدم الجرح مطلقاً على التعديل،
والتجهيل على التوثيق، والتضعيف على التصحيح، بل وجهله على علم غيره! فلا
يقبل خبر أحدهم بأن للحديث الضعيف سنداً آخر يقويه، ولا حكمه بثبوته حتى يقف
هو عليه ويرتضيه، ولذلك فهو يكتمه ويطويه، إلى غير ذلك مما لا يتيسر لي الآن أن
أحصیه .
أقول هذا تحذيراً للقراء من جنايته على السنة، ونصحاً له على أنه أخ لنا في
- ٧٢٣ -

الدين، ولعله يصحح موقفه منها على ضوء ما تقدم من البيان، ومستعيناً بأقوال العلماء
الذين سبقونا في هذا الشأن، وملتزماً لقواعدهم، وبخاصة من شهد لهم القاصي
والداني بنبوغهم في هذا الميدان من المتقدمين والمتأخرين، كابن تيمية وابن قيم
الجوزية وابن كثير والذهبي والعسقلاني وغيرهم، فإذا فعل ذلك انتُفع بعلمه مع
الإخلاص لله فيه .
ومع هذا كله فلا أجد في نفسي حرجاً من الاعتراف بأن الرجل كان في نقاشه
معي أديباً لطيفاً، ومصرحاً في أوله بما كان الأولى به أن يُعلنه في مقدمة ((ضعيفته))؛
ليكون أقرب إلى الإِخلاص لله، وأبعد عن المحاباة والمداراة، فقد قال بعد توطئة
وتودد :
((وأنا ما تعلمت هذا العلم - إن كان عندي قليل من العلم - فما تعلمته إلا بك،
فأنت الذي فتحت لنا هذا الباب في كتبك، ووالله لولا كتبك واستفادتنا منها ومطالعتنا
لها ما توصلنا إلى ما توصلنا إليه الآن. حتى الشیخ شعیب کان عندي قبل فترة وشهد
بهذا، وقال: إنه استفاد من كتبك كثيراً)).
هكذا قال. وأرجو أن تكون هذه الكلمة خرجت من قلبه، لنرى آثارها الطيبة
برجوعه قريباً إلى الصواب إن شاء الله تعالى .
١٤ - ٩٥٩ - (أمتي أمة مرحومة).
كنت خرجته ثمة من رواية جمع عن المسعودي عن سعيد عن أبي بردة عن أبي
موسى رضي الله عنه، وأعللته باختلاط المسعودي .
ثم رأيت الروباني قد أخرج الحديث في ((مسنده)) (٢٣ / ٣ / ٢) قال: نا
محمد بن معمر: نا معاذ بن معاذ: نا المسعودي به .
فأقول هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير المسعودي،
وهو ثقة هنا، قال الحافظ :
- ٧٢٤ -

((صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه بـ (بغداد) فبعد
الاختلاط)).
قلت: ومعاذ بن معاذ، وهو العنبري البصري، فيكون سمع منه قبل الاختلاط،
وقد صرح بذلك الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص ٤٠٢)، وتبعه ابن
الكيال (٢٩٣ - ٢٩٥)، فعليه فقد زالت العلة، وصح الإِسناد والحمد لله، وهذا من
فضله تعالى وتوفيقه إياي في خدمة السنة والذب عنها .
أقول هذا لأنني وقفت في هذه الأيام على رسالة صغيرة لمؤلف مجهول في هذا
العلم الشريف؛ سماها ((المنهج الصحيح في الحكم على الحديث النبوي الشريف))
بقلم عادل مرشد؛ ذكر في مقدمتها أنه من تلامذة الشيخ شعيب الأرناؤوط، تبين لي
منها أنه لا يعرف من هذا العلم إلا التقليد والنقل من هنا وهناك على جهل أيضاً بعلم
المصطلح كقوله (ص ٢٤):
((وتدرك العلة بتفرد الراوي)).
فهذا خطأ؛ لأن الراوي إذا كان ثقة وتفرد بحديث؛ فهو صحيح ما لم يخالف
من هو أوثق منه أو أكثر عدداً، فالعلة تدرك بالمخالفة وليس بالتفرد.
ولا أريد الآن الرد عليه وعلى ما في رُسَيْلته من الأخطاء، لأن الوقت أضيق من
أن يتسع للرد على مثلها، وإن كان قد تبين لي منها أن تأليفه إياها إنما كان بباعث حقد
دفين، فقد اختار أربعة أحاديث صحيحة مما كنت صححته في بعض كتبي، فضعفها
هو كلها، أحدها مما صححه جمع كمسلم وابن حبان وغيرهما، وهو قوله وَليّ:
((خلق الله التربة يوم السبت .. )) الحديث، أعله بزعم مخالفته للقرآن، وهو
زعم كنت رددته؛ بل بينت بطلانه في غير ما كتاب من كتبي مثل: ((مختصر العلو))
(١١١ - ١١٢)، وهذه السلسلة (١٨٣٣)، والتعليق على ((المشكاة)) (٥٧٣٥)، ولم
يأت المشار إليه في تأييد زعمه بشيء جديد، وإنما هو يجتر ما قاله غيره مما قد رددته
- ٧٢٥ -

هناك، دون أن يدلي ولو بكلمة واحدة للرد علي متجاهلاً ذلك كله، وليس ذلك من
شأن من يريد الحق، وهو في ذلك كله قد قلد شيخه في تعليقه على ((صحيح ابن
حبان)) (١٤ / ٣٠ - ٣٢)، وهو قد رأى يقيناً ردي المشار إليه في كتبي، فإنه كثير
الاستفادة منها كما تقدم (ص ٧٢٤)، فاكتفى فيه بحكاية الأقوال المردود عليها، دون
الجواب عن ردي على مذهب من قال: ((عنزة ولو طارت))، ومن أراد الوقوف على
الحقيقة فليرجع إلى المواضع المشار إليها من كتبي .
ولذلك فقد أنصف الأستاذ رضاء الله المباركفوري في تعليقه على كتاب
((العظمة)) لأبي الشيخ (٤ / ١٣٥٨ - ١٣٦٠)، فحكى أقوال الذين أعلوه بالمخالفة،
وردي لها، ثم أعاد شيئاً من ذلك في مكان آخر (ص ١٣٧٧)، ثم انتهى إلى موافقته
إياي على صحة الحديث، وأنه لا حجة عند من أعلوه بالمخالفة، فجزاه
الله خيراً.
فإذن لا داعي لإِعادة ردي المشار إليه آنفاً، ولكن لا بد لي من أن أقدم طريقاً
أخرى للحديث هي نص فيما ذهبنا إليه، وهو ما أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى))
(٦ / ٤٢٧ / ١١٣٩٢) من طريق الأخضر بن عجلان عن ابن جريج المكي عن عطاء
عن أبي هريرة مرفوعاً:
((يا أبا هريرة! إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم
استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت .. )) الحديث. ورجاله
ثقات. فقد جمع هذا النص بين الأيام المذكورة في القرآن والأيام السبعة المذكورة
في الحديث الذي بين فيه ما جرى على الأرض من تطوير في الخلق، وهو ما كنا
حملنا عليه الحديث الصحيح في رد ما أعلوه به، فالحمد لله على توفيقه، ونسأله
المزيد منه بفضله وكرمه .
(تنبيه): لقد شارك شعيباً في تضعيف هذا الحديث الصحيح تلميذه الآخر
المدعو (حسان عبدالمنان) في ((ضعيفته)) التي سبقت الإشارة إليها في بعض
- ٧٢٦ -

الاستدراكات المتقدمة، وكأنه شعر مما حكاه من التعليل الذي ذكره شيخه وغيره
وليس فيه ما تقوم به الحجة، فأراد هو أن يتظاهر بما لم تستطعه الأوائل! فقال
(ص ٢٦٦) في أحد رواته إسماعيل بن أمية :
((لم يصرح بالتحديث)).
قلت: وإسماعيل هذا ثقة ثبت كما قال الحافظ، وقد احتج به الشيخان، ولم
یتهم بتدلیس .
ومن هنا يتجلى خطورة ما عليه الشيخ شعيب من تشبثه في تضعيف الأحاديث
الصحيحة بأوهى العلل، وتشجيعه للطلاب الذين يتمرنون على يديه في تخريج
الأحاديث على تقليده في ذلك، وابتكار العلل التي لا حقيقة لها في التضعيف. والله
المستعان .
ومعذرة إلى القراء فقد جرني البحث إلى الابتعاد عما كنت أريد الكتابة فيه،
ألا وهو حديث هذا الاستدراك، فإنه من الأحاديث الأربعة الصحيحة التي ضعفها
المومى إليه في رسيلته! (ص ٣٦ - ٣٧) بزعم أنه يخالف الأحاديث الصحيحة من
رواية غير واحد من أصحابه #38 أنه يخرج ناس من أمته من النار بالشفاعة!
قلت: فأكد بزعمه جهله بطريقة التوفيق بين الأحاديث التي يظهر لبعضهم
التعارض بينها؛ والحقيقة أنه لا تعارض عند التأمل والابتعاد عن التظاهر بالتحقيق
المزيف كما هو الواقع في هذا الحديث الصحيح، فإنه ليس المراد به كل فرد من أفراد
الأمة، وإنما من كان منهم قد صارت ذنوبه مكفرة بما أصابه من البلايا في حياته؛ كما
قال البيهقي في ((شعب الإِيمان)) (١ / ٣٤٢):
((وحديث الشفاعة يكون فيمن لم تَصِر ذنوبه مكفرة في حياته)).
قلت: فالحديث إذن من باب إطلاق الكل وإرادة البعض؛ أطلق ((الأمة)) وأراد
بعضها؛ وهم الذين كفرت ذنوبهم بالبلايا ونحوها مما ذكر في الحديث، وما أكثر
- ٧٢٧ -

المكفرات في الأحاديث الصحيحة والحمد لله، وفي ذلك ألف الحافظ ابن حجر
كتابه المعروف في المكفرات.
والباب المشار إليه واسع جداً في الشرع، من كان على معرفة به لم يتعرض
لمثل هذا الجهل الذي وقع فيه هذا المغرور، من ذلك قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾؛
أي: صلاة الفجر، وقوله: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾؛ أي: صَلُّ ما تيسر من صلاة
اللیل، ونحو ذلك وهو کثیر.
ومن هذا القبيل الحديث المتقدم (٧٦٤ - إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي .. )
الحديث؛ فإنه ليس على إطلاقه. قال الداودي :
((المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم)).
قال الحافظ عقبه في ((الفتح)) (١٠ / ٤٢٠):
((أي فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هذا المجموع لا
الجمیع)).
وقد يستنكر بعض القراء وصفي لهذا المؤلف بـ ((المغرور))، فأقول: إن لم يكن
هذا وأمثاله مغروراً فليس في الدنيا من يستحق هذا الوصف، فاسمعوا كيف يقول بعد
تخريج هذا الحديث (ص ٣٦):
((صحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، وحسن سنده ابن حجر، وصححه
الشيخ ناصر الدين الألباني في «الصحيحة» (٩٥٩) لطرقه! وهذا الحديث مع أن أكثر
أسانيده لا تصح(١) منكر المتن؛ لأنه يخالف الأحاديث الصحيحة ... )) إلخ ما تقدم
عنه .
فلنفترض أيها القراء! أن الشيخ الألباني لا علم عنده في رأي هذا المغرور،
(١) فيه إشارة إلى أن بعض أسانيده صحيح، فهو موافق للذين ذكر عنهم تصحيحه، لكنه
تعالی علیهم بإدعاء نکارته! فما أجهله!
- ٧٢٨ -

فهل الأمر كذلك عنده بالنسبة للحافظ ابن حجر والذهبي والحاكم؟! فإن لم يكن
كذلك، فكيف يستعلي عليهم وينسبهم بلسان الحال - ولسان الحال أنطق من لسان
المقال في بعض الأحوال - إلى أنهم جهلوا ما علمه هو من النكارة؟!
ثم ليتأمل القراء في قوله عني : إنني صححت الحديث بطرقه، فإنه إذا رجع
إلى تخريجي هناك فسيجد أنني خرجت الحديث أولاً من طريق المسعودي عن سعيد
ابن أبي بردة ... ثم من طرق كثيرة عن أبي بردة به. فإذن الطرق مدارها على أبي بردة
وحده .
وعليه؛ فقوله بأنني صححت الحديث لطرقه، كذب إن كان يدري معنى قول
العلماء في الحديث: ((صحيح لطرقه))؛ فإنه بمعنى قولهم: ((صحيح لغيره)).
ومن الواضح جداً أن تصحيحي لغيره، لأنني لم أذكر طريقاً لغير أبي بردة،
وتأكيداً لهذا المعنى أضفت في هذه الطبعة الجديدة: ((فهو إسناد صحيح جداً)؛ لأن
أبا بردة ثقة محتج به في ((الصحيحين))، فهل كان كذبه هذا عمداً تمويهاً على القراء
وتضعيفاً للثقة بصحة الحديث؛ أو أنه لا يدري معنى ما قال؟! فما أحسن ما قيل في
مثل هذه المناسبة :
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
ثم وجدت لأبي بردة متابعاً قوياً، أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب))
(٢ / ١٠٠ / ٩٦٨) من طريق البختري بن المختار قال: سمعت أبا بكر وأبا بردة
يحدثان عن أبيهما - يعني أبا موسى الأشعري - عن رسول الله وَالت به.
قلت: وهذا إسناد جيد، أبو بكر ثقة كأخيه أبي بردة، والبختري بن المختار
وثقه وكيع وابن المديني، وهو من رجال مسلم، وقال الذهبي والحافظ العسقلاني :
((صدوق)) .
هذا؛ وقد بقي شيء كدت أن أنساه، وهو قول المغرور عقب ما تقدم نقله عنه
- ٧٢٩ -

من إعلاله الحديث بحديث الشفاعة :
((قال الإِمام البخاري في ((التاريخ الصغير)) بعد أن أورد طرق هذا الحديث وأبان
عن عللها: والخبر عن النبي (وَّي في الشفاعة .. أكثر وأبين)).
فأقول: هذا حق لا شك فيه عند أهل العلم، أما أنه أكثر فهو المعروف في كتب
السنة، وقد كنت خرجت طائفة منها في ((ظلال الجنة)) (٢ / ٤٠١ - ٤٠٤).
وأما أنه أبين؛ فيكفي للدلالة عليه أن المذكور إنما أشكل عليه حديث الترجمة
ولم يتبين وجهه؛ بخلاف حديث الشفاعة فتبناه، وضرب به حديث الترجمة، مع أنه
لا تعارض بينهما كما تقدم بيانه .
لكن قول المذكور عن البخاري أنه أبان عن علل طرق الحديث التي أوردها؛
فهو كذب على البخاري! فإنه لم يزد البخاري في ((الصغير)) على أن خرج الحديث
باللفظ المختصر الذي كنت خرجته هناك في آخر التخريج من طريق أبي بردة عن
عبدالله بن يزيد، فقد خرجه البخاري في ((الصغير)) (ص ١١٨ - هندية) من طريق
أربعة عن أبي بردة، قال في ثلاث منها: ((عن رجل من الأنصار)) لم يسمه، وزاد في
الثانية منها: ((عن أبيه)). وقال في الرابعة: ((عن عبدالله بن يزيد سمعت النبي وصلات))،
فسماه وصرح بسماعه إياه من النبي ◌َّر، وقد كنت خرجته هناك كشاهد لحديث أبي
موسى .
وعبدالله بن يزيد هو الأنصاري الخطمي، له ولأبيه صحبة.
ثم عقب البخاري على هذه الطرق الأربعة بقوله:
((ويروى عن طلحة بن يحيى و .. وسعيد بن أبي بردة و .. والبختري بن
المختار .. وعن أبي بردة عن أبيه عن النبي وَّر، وفي أسانيدها نظر، والأول أشبه،
والخبر عن النبي 18َّ في الشفاعة .. أكثر وأبين)).
قلت: فأنت ترى أن البخاري لم يبين علة هذه الطرق التي أشار إليها، وإنما
- ٧٣٠ -

اقتصر على قوله: ((في أسانيدها نظر)). فأين البيان المزعوم؟!
والحقيقة أن في أكثر الطرق التي أشار البخاري إليها بتسميته لرواتها الذين
دارت الطرق عليهم، وعددهم أحد عشر راوياً، أكثرهم ضعفاء، ولذلك حذفتهم
مشيراً إلى ذلك بالنقط ( ... ) وأبقيت الثلاثة الذين تراهم؛ لأنهم ثقات محتج بهم
كما تقدم؛ إلا طلحة بن يحيى فلم يسبق له ذكر، وهو ثقة من رجال مسلم فيه كلام
يسير، أشار إليه الحافظ بقوله :
((صدوق يخطىء)).
وقد أخرج حديثه وحديث الآخرين الذين سردهم البخاري آنفاً في ((التاريخ
الكبير)) (١ / ١ / ٣٧ - ٣٩)، ولكنه لم يسق ألفاظ جميعهم، وختم ذلك بقوله:
((ألفاظهم مختلفة إلا أن المعنى قريب)).
٦
قلت: وليس بخاف على الخبير بهذا العلم وما ذكره العلماء في باب الشواهد
والمتابعات أن اتفاق مثل هذا العدد الغفير على رواية هذا الحديث عن أبي بردة عن
أبي موسى يجعل الحديث صحيحاً، بل ومتواتراً عن أبي بردة، حتى ولو فرضنا أنهم
جميعاً ضعفاء، فكيف وفيهم أولئك الثقات الثلاثة؟!
وجملة القول: إن الرجل قد أساء جداً في اعتباره هذا الحديث الصحيح سنداً
مثالاً لما ينتقد متناً، لأنه قد دل بذلك على جهل بالغ بطرق التوفيق بين الأحاديث،
كما أساء في ذكره حديث خلق التربة مثالاً آخر لما ذكر، وإن كان مسبوقاً إليه، فإنه
مقلد لا يميز الخطأ من الصواب .
ثم إنه لم يقف جهله وتعديه على الأحاديث الصحيحة إلى هذا الحد؛ بل
ضعف حديثين آخرين بدعوى الشذوذ، أحدهما: حديث وائل في تحريك الإصبع
في التشهد، مع أنني كنت رددت على من سبقه إلى ذلك من بعض من يماثله في
الجهل بهذا العلم في «تمام المنة))، ثم رددت عليه خاصة فيما زعم من تفرد زائدة بن
- ٧٣١ -

قدامة به، مثبتاً بطلان زعمه لبعض التخريجات التي أيد بها زعمه! وذلك فيما سيأتي
من هذه السلسلة - إن شاء الله - المجلد السابع (رقم ٣١٨١).
والآخر سأتكلم عليه - إن شاء الله تعالى - في الطبعة الجديدة للمجلد الأول
من هذه السلسلة رقم (٦٠).
١٥ - ٩٦٣ - (لا يزال هذا الدين قائماً .. ).
يضاف في آخر (ص ٦٥٣) بعد قوله: ((والله سبحانه وتعالى أعلم)) ما يأتي :
ثم بدا لي احتمال آخر؛ وهو أن قوله: ((عن أبي خليفة)) محرف من ((ثني أبي
خليفة))، فقد رأيت في ((تهذيب الحافظ)) (٨ / ٣٠١) أن فطر بن خليفة روى عن أبيه،
وكذلك ذكر في ترجمة خلیفة نفسه أنه روی عنه ابنه فطر، فإن صح هذا فیکون صواب
الرواية: ((عن فطر بن خليفة: ثني أبي خليفة .. ))، لكن يشكل على هذا أن الحافظ
ذكر في ترجمة أبي خالد الوالبي أنه روى عنه فطر بن خليفة، وليس أبوه خليفة! وهكذا
في ((الجرح والتعديل))، فالأمر بعد يحتاج إلى مزيد من التحقيق، فمن وجده فليتفضل
به ونحن له من الشاكرين.
١٦ - ٩٨٠ - (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام .. ).
(فائدة هامة): واعلم أن قوله ◌َ لير في هذا الحديث: ((إلا أن يكون في صوم
يصومه أحدكم)) ينبغي أن يفسر باللفظ الآتي في الحديث الذي بعده: (( .. إلا وقبله
يوم، أو بعده يوم))، وهو متفق عليه، وبالروايات الأخرى المذكورة تحته، فإنها تدل
على أن يوم الجمعة لا يصام وحده، ويؤكد ذلك الشاهد المذكور هناك بلفظ: ((لا
تصوموا يوم الجمعة مفرداً))، ومعناه في ((صحيح البخاري)) من حديث جابر (١٩٨٤)،
فقول الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ٢٣٤):
((ويؤخذ من الاستثناء جواز صيامه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة يصومها؛
كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة))!
- ٧٣٢ -

فأقول: لا يخفى على الفقيه البصير أن الاستثناء المذكور فيه مخالفتان:
الأولى: الإعراض عن الروايات المفسرة والمقيدة بجواز صيامه مقروناً بيوم قبله
أو بعده .
والأخرى: النهي المطلق عن إفراد صوم يوم الجمعة، ومن المعلوم أن المطلق
يجري على إطلاقه ما لم يأت ما يقيده، فإذا قيد بقيد لم يجز تعدّيه، ولا يصلح تقييد
النهي هنا بما جاء من الفضل في صوم يوم معين - كعرفة أو عاشوراء أو أيام البيض -
لمخالفته لقاعدة: الحاظر مقدم على المبيح، مثل صيام يوم الإثنين أو الخميس إذا
اتفق مع يوم عيد الفطر أو أحد أيام الأضحى، فإنه لا يصام، لا لنهي خاص بهذه
الصورة وإنما تطبيقاً للقاعدة المذكورة، وما نحن بصدده هو من هذا القبيل.
كتبت هذا - بياناً وأداءً للأمانة العلمية - بمناسبة أن الحكومة السعودية أعلنت
أن يوم عرفة سيكون يوم الجمعة في موسم سنة (١٤١١ هـ)، فاضطرب الناس في
صيامه، وتواردت عليّ الأسئلة من كل البلاد، وبخاصة من بعض طلاب العلم في
الجزائر، فكنت أجيبهم بخلاصة ما تقدم، فراجعني في ذلك بعضهم بكلام الحافظ،
ففصلت له القول تفصيلاً على هذا النحو، وذكرته ببعض الروايات التي ذكرها الحافظ
نفسه، وأحدها بلفظ: (( .. يوم الجمعة وحده، إلا في أيام معه)). وفي شاهد له بلفظ:
((إلا في أيام هو أحدها)). فالجواز الذي ذكره الحافظ يخالف القاعدة والقيد
المذکورین .
وبهذه المناسبة أقول: إن هناك حديثاً آخر يشبه هذا الحديث من حيث
الاشتراك في النهي مع استثناء فيه، وهو قوله ريماهر: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما
افترض عليكم .. ))، وهو حديث صحيح يقيناً، ومخرج في ((الإِرواء)) (رقم ٩٦٠)،
فأشكل هذا على كثير من الناس قديماً وحديثاً، وقد لقيتُ مقاومة شديدة من بعض
الخاصة، فضلاً عن العامة، وتخريجه عندي كحديث الجمعة، فلا يجوز أن نضيف
إليه قيداً آخر غير قيد ((الفرضية)) كقول بعضهم: ((إلا لمن كانت له عادة من صيام، أو
- ٧٣٣ -

مفرداً))؛ فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم، ولا يخفى قبحه.
وقد جرت بيني وبين كثير من المشايخ والدكاترة والطلبة مناقشات عديدة حول
هذا القول، فكنت أذكرهم بالقاعدة السابقة وبالمثال السابق، وهو صوم يوم الاثنين أو
الخميس إذا وافق يوم عيد، فيقولون يوم العيد منهي عن صيامه، فأبين لهم أن موقفكم
هذا هو تجاوب منكم مع القاعدة، فلماذا لا تتجاوبون معها في هذا الحديث الناهي
عن صوم يوم السبت؟! فلا يُحيرون جواباً؛ إلا قليلاً منهم فقد أنصفوا جزاهم الله
خيراً، وكنت أحياناً أطمئنهم وأبشرهم بأنه ليس معنى ترك صيام يوم السبت في يوم
عرفة أو عاشوراء مثلاً أنه من باب الزهد في فضائل الأعمال، بل هو من تمام الإِيمان
والتجاوب مع قوله عليه الصلاة والسلام :
((إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه)). وهو مخرج
في ((الضعيفة)) بسند صحيح تحت الحديث (رقم ٥).
هذا؛ وقد كان بعض المناقشين عارض حديث السبت بحديث الجمعة هذا،
فتأملت في ذلك، فبدا لي أن لا تعارض والحمد لله، وذلك بأن نقول: من صام يوم
الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت، وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته
الإِفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله {$ في حديث السبت:
((إلا فيما افترض عليكم)).
ولكن هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو غافل عن النهي عن إفراده، ولم يكن
صام الخميس معه كما ذكرنا، أما من كان على علم بالنهي ؛ فليس له أن يصومه؛ لأنه
في هذه الحالة يصوم ما لا يجب أو يفرض عليه، فلا يدخل - والحالة هذه - تحت
العموم المذكور، ومنه يعرف الجواب عما إذا اتفق يوم الجمعة مع يوم فضيل، فلا
يجوز إفراده كما تقدم، كما لو وافق ذلك يوم السبت؛ لأنه ليس ذلك فرضاً عليه .
وأما حديث: ((كان ◌َّ يكثر صيام يوم السبت))، فقد تبين أنه لا يصح من قبل
- ٧٣٤ -

إسناده، وقد توليت بيان ذلك في ((الضعيفة)) برقم (١٠٩٩) من المجلد الثالث،
فليراجعه من شاء الوقوف على الحقيقة .
واعلم أن هذا الحديث مع تصحيح من تقدم ذكرهم من الأئمة والحفاظ هناك
- وهم الإِمام مسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي، ومن أقر تصحيحهم
كالبيهقي في ((سننه))، والنووي في ((رياضه))، والعسقلاني في ((فتحه)) (٤ / ٢٣٣٠)
و ((تلخيصه)) (٤ / ٢١٥) وغيرهم كثير ممن احتج به على بدعية صلاة الرغائب كما
يأتي - مع ذلك كله فقد خالفهم المدعو (حسان عبد المنان) كعادته - فأورده في
((ضعيفته)) التي سبق الكلام عليها، وبيان بعض الطامات والمخالفات التي فيها تحت
الاستدراك (١٣) - متشبثاً بإعلال أبي حاتم وأبي زرعة إياه بدعوى أن حسيناً الجعفي
وهم في ذكر أبي هريرة في روايته عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه، وإنما هو
عن ابن سيرين مرسل ليس فيه أبو هريرة. رواه أيوب وهشام وغيرهما كذا مرسل.
كذا وقع في ((علل ابن أبي حاتم)): ((وهشام))، وأظنه خطأ؛ لأن رواية هشام
مسندة عن أبي هريرة عند مسلم وغيره ممن خرج حديثه كما تقدم، وكذلك ذكرها
المزي كما عرفت .
ومهما يكن من أمر؛ فتوهیم حسين في إسناده عن أبي هريرة مما لا وجه له؛
لأنه لم يتفرد به، فقد وصله أيضاً عاصم بن سليمان الأحول عن ابن سيرين؛ لكنه
قال: ((عن أبي الدردا . وهذا اختلاف شكلي لا يضر؛ لأنه انتقال من صحابي إلى
آخر، وكلهم عدول، مع احتمال أن يكون ابن سيرين تلقاه عنهما كليهما، فكان يرويه
تارة عن هذا وتارة عن هذا، وليس ذلك بكثير على مثل ابن سيرين الثقة الثبت .
أخرجه أحمد (٦ / ٤٤٤) قال: ثنا أسود بن عامر: ثنا إسرائيل عن عاصم به .
ومن طريق الأسود أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٢ / ١٤١ - ١٤٢).
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
- ٧٣٥ -

وذكره الحافظ المزي في ((تحفته)) (٨ / ٢٣٢ / ١٠٩٦٢) من رواية النسائي
فقط، وقال عقبها :
«وتابعه معمر عن أیوب عن ابن سیرین)).
وهذا ظاهر في أنه يعني أن أيوب قد تابع عاصماً في روايته عن ابن سيرين
مسنداً عن أبي الدرداء، فاحفظ هذا لما يأتي .
ثم أشار الحافظ إلى رواية هشام المسندة عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ثم
قال :
((وروي عن هشام عن ابن سيرين عن بعض أصحاب النبي وَلات)).
وقال :
((وروي عن أيوب وابن عون ويونس بن عبيد عن محمد بن سيرين أن النبي ◌ِ له
قال لأبي الدرداء)).
قلت: يعني: أنهم أرسلوه لم يذكروا أبا هريرة، ورواية أيوب هذا إنما يرويها
عنه معمر، وعنه عبدالرزاق في ((المصنف)) (٤ / ٢٧٩ / ٧٨٠٣)، وعنه الطبراني في
((المعجم الكبير)) (٦ / ٢٦٧ - ٢٦٨)، وهي من رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري عن
عبدالرزاق، وفيها كلام معروف؛ لأن الدبري سمع من عبدالرزاق وهو ابن سبع
سنين، وهي على خلاف رواية معمر الأولى عن أيوب المتابعة لرواية عاصم عن ابن
سيرين المسندة كما تقدم عن المزي؛ فتذكر.
وأما رواية ابن عون فهي المتقدمة هناك تحت الحديث من رواية ابن سعد بسند
صحيح عن ابن سيرين مرسلًا، وفيه سبب الحديث.
وأما رواية يونس بن عبيد فلم أقف على من وصلها(١)، وكذا رواية معمر الأولى.
(١) نعم وصله عنه ابن عدي (٤ / ٣٣٥) عن طريق عباد بن كثير عنه عن الحسن عن أبي
الدرداء مرفوعاً. فأسنده! لكن عباداً هذا - وهو الثقفي - متروك باعتراف الجاني!
- ٧٣٦ -

وعلى هذا التحقيق فإني أقول: إذا أسقطنا هاتين الروايتين من عين الاعتبار
- لجهلنا بحال الإِسناد إليهما - فإنه يبقى لدينا روايتان معروفتان لكل من المسند
والمرسل، وإذا تذكرنا أن روايتي المسند صحيحتان، وروايتي المرسل إحداهما فقط
صحيحة، والأخرى ضعيفة - وهي رواية أيوب المعلولة بالدبري - يترجح بوضوح لا
خفاء فيه أن الحديث مسند عن أبي هريرة وأبي الدرداء، بل أستطيع أن أقول بأرجحية
المسند حتى لو فرضنا صحة رواية أيوب المرسلة أيضاً؛ لأن المسند معه زيادة من
ثقتين، وهي مقبولة في مثل هذه الحالة اتفاقاً.
فلننظر الآن ماذا فعل هذا الجاني على السنة - المضعف للأحاديث
الصحيحة - من قلب للحقائق وكتم للعلم؛ ليظهر نفسه أنه محقق غير مقلد في هذا
العلم الجليل :
أولاً: كتم رواية معمر الأولى عن أيوب التي ذكرها المزي!
ثانياً: كتم ضعف روايته الأخرى عن أيوب، وهو يعلم أنها من رواية الدبري
عنه، وهو يضعف عادة من هو أوثق منه بكثير إذا روى ما لا يهوى!
ثالثاً: تجاهل صحة إسناد الرواية المسندة عن أبي الدرداء فنسبها للنسائي وكفى !
رابعاً: تغافل عن تصحيح من ذكرنا لرواية أبي هريرة، وعن احتجاج من احتج
به من العلماء - كما سبقت الإشارة إليه - المستلزم لصحة المحتج به كما لا يخفى،
فقال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) :
((واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب، قاتل
الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة .. )) إلخ كلامه الطيب، ونقله عنه الصنعاني
والشوكاني وغيرهما وأقروه .
وإن مما يلفت النظر ويسترعي انتباه الباحث أن الرجل في جل الأحاديث التي
ضعفها يختم كلامه بذكر موافقة الشيخ شعيب إياه على التضعيف، وقد رابني ذلك
- ٧٣٧ -

منه لكثرة ما رأيت في تعليقات الشيخ خلاف ما ينسب إليه - وقد سبقت الإشارة إلى
ذلك في بعض الاستدراكات المتقدمة - ومن ذلك هذا الحديث، فقد علق الشيخ
عليه في (( .. صحيح ابن حبان)) بقوله (٨ / ٣٧٧).
((إسناده صحيح رجاله ثقات .. )).
ثم خرجه برواية مسلم وابن خزيمة وتصحيح الحاكم وموافقة الذهبي، فلا
أدري هل تراجع الشيخ عن تصحيحه مسايرة منه لتلميذه؛ أم أن هذا قال على شيخه
ما لم يقل تقوية لموقفه؟! ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة إن شاء الله تعالى(١).
وإن من المفارقات العجيبة والأوهام الظاهرة - التي لا يقع في مثلها إلا من كان
مبتدئاً في هذه الصناعة - نسبة الشيخ شعيب لحديث ابن سيرين المرسل لرواية
البخاري عن أبي جحيفة! فقد ذكر الذهبي هذا المرسل في ((السير)) (١ / ٥٤٣)،
فقال الشيخ في تخريجه :
((أخرجه أحمد (٦ / ٤٤٤) .. وابن سعد (٤ / ١ / ٦١) مطولاً، والبخاري
نحوه في ((الصوم)) .. عن أبي جحيفة .. ))، وساق لفظه المطول، وليس فيه ولا كلمة
مما في المرسل! ومن جهة أخرى أوهم أن الحديث عند أحمد مرسل أيضاً كما هو
عند ابن سعد، وإنما هو مسند عن أبي هريرة! ومثل هذا التخريج الواهي يجعلني
أعتقد أن كثيراً من التخريجات التي نراها منسوبة للشيخ شعيب ليست له، وإنما هي
بقلم بعض من يتدرب تحت يده ممن لا علم عندهم كحسان هذا، ومثله المعلق على
((الإِحسان))، ففي تعليقاته عليه أوهام كثيرة - تبينت لي أثناء تحقيقي لكتاب ((موارد
الظمآن)»، وهو وشيك الانتهاء إن شاء الله - استبعدت أن تقع من الشيخ شعيب؛ لأنها
أوهام مكشوفة!
ثم رأيت الحديث في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣ / ٤٥) من رواية سفيان عن
(١) وبعد كتابة هذا بأيام هتف إليّ من أظن به الصدق والمعرفة فيما هتف أن الشيخ استدرج
إلى الموافقة! ولله في خلقه شؤون .
- ٧٣٨ -

عاصم عن ابن سيرين قال:
((لا تخصوا .. )). فذكر الحديث موقوفاً على ابن سيرين كما ترى، وإسناده
صحيح؛ ولكنه لا يعل به المرفوع مسنداً ومرسلاً؛ لما سبق ذكره أن زيادة الثقة مقبولة.
فأحببت أن أذكر هذا خشية أن يعثر عليه جاهل آخر بهذا العلم فيعل الحديث
بهذا الموقوف كما أعله حسان بالإِرسال!
وحقيقة الأمر؛ أنه لا غرابة في ورود الحديث على وجوه مختلفة؛ تارة مسنداً،
وتارة مرسلاً، وتارة موقوفاً، والراوي واحد كابن سيرين هنا، وذلك لأنه قد ينشط الراوي
أحياناً فيسنده، وقد يرسله تارة اختصاراً، وقد لا ينشط فيذكره موقوفاً، وقد يكون السبب
شعوره بأن الحديث معروف بالرفع فلا يرى ضرورة للتصريح برفعه، والعبرة في هذه
الحالة المصير إلى الترجيح المسوغ للبت بأنه مرفوع مسند، أو مرفوع مرسل، أو
موقوف، فإذا ترجح الأول لم ينافِه ما دونه لما ذكرت. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن مما يؤكد صحة الحديث وشهرته عند السلف ما رواه ابن أبي شيبة عن
إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعي - قال :
((كانوا يكرهون أن يخصوا يوم الجمعة والليلة كذلك بالصلاة)).
ورجاله ثقات .
هذا؛ وبمناسبة ما ابتلينا به من كثرة الشباب وغيرهم الذين يكتبون في هذا
العلم - وهم عنه غرباء مفلسون، كما يقطع بذلك كل منصف وقف على النماذج
الكثيرة من الأوهام؛ بل والجهالات المتقدمة في هذه الاستدراكات، وفي المقدمة
أيضاً في هذا المجلد وغيره(١) - فإني أرى لزاماً علي أن أذكر - ﴿والذكرى تنفع
المؤمنین﴾ - فأقول:
إني أنصح أولئك الكاتبين والناقدين أن لا يتسرعوا بالكتابة - إن كانوا
(١) انظر مقدمة (المجلد الأول) من ((السلسلة الضعيفة)) الطبعة الجديدة، وقد صدرت حديثاً.
- ٧٣٩ -

مخلصين - لمجرد أنهم ظنوا أنهم صاروا أهلاً لذلك، بل عليهم أن يتريثوا ويتمرسوا
فيه زمناً طويلاً؛ حتى يشعروا في قرارة نفوسهم أنهم صاروا علماء فيه، وذلك بأن
يقابلوا نتائج كتاباتهم وتحقيقاتهم بأحكام من سبقنا من الحفاظ والنقاد في هذا العلم،
فإذا غلب عليها موافقتهم كان ذلك مؤشراً قد سلكوا سبيل المعرفة بهذا العلم.
هذا أولاً.
وثانياً: أن يشهد لهم بذلك بعض أهل العلم الصالحين المعاصرين بعد أن
يطلعوا على شيء من كتاباتهم وتحقيقاتهم، ذاكرين نصيحة الشاطبي المتقدمة
(ص ٧١٣)، فإنها صريحة في أنه من اتباع الهوى أن يشهد المرء لنفسه بأنه عالم! وأنا
أقرب هذا لكل مخلص من طلاب العلم بلفت نظره إلى مثل قوله تعالى: ﴿فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، فإنه يدل بفحوى الخطاب على أن المجتمع
الإِسلامي من حيث العلم والجهل قسمان: أهل الذكر - وهم العلماء بالقرآن والسنة
وهم الأقلون - والذين لا يعلمون وهم الأكثرون، بنص القرآن وبحكم المشاهدة
والواقع، فإذا علم هذا؛ فلينظر أولئك المشار إليهم هل هم من الأقلين أم من
الأكثرين؟ وفي ظني أنهم سوف لا يجدون أنفسهم - إذا كانوا من المتقين - إلا من
الأكثرين، وحينئذ عليهم أن يعودوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم من حشرهم
أنفسهم في زمرة أهل الذكر، فإذا بدا لهم أنهم من هؤلاء؛ فعليهم أن يحتاطوا لدينهم
وأن يسألوا أهل الذكر حقاً، فإن شهدوا لهم بذلك حمدوا الله وسألوه المزيد من علمه،
وإلا فهم من المغرورين المعجبين بأنفسهم، الهالكين بشهادة نبيهم ومطهر القائل:
((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوىَّ متّبع، وإعجاب المرء بنفسه))(١). كيف لا وهو
القائل: ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك؛ العُجْبَ العُجبَ))؟! ,﴿إن
في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)».
(١) سيأتي تخريجه برقم (١٨٠٢)، والذي بعده مضى برقم (٦٥٨)، ومن أراد الوقوف على
آفات العجب ومصائبه وعلته وعلاجه فليرجع إلى كتاب ((الإحياء)» للغزالي، فإنه نافع في بابه.
- ٧٤٠ -