النص المفهرس

صفحات 681-700

وكذا قال الذهبي .
وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا
الحديث عن الزهري عن النبي وَ ل# مرسلاً، وقد رواه حبان بن علي العنزي عن عُقيل عن
الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ◌َّر، ورواه الليث بن سعد عن عقيل عن
الزهري عن النبي (وَلقر مرسلاً)».
قلت: جرير بن حازم ثقة احتج به الشيخان، وقد وصله، وهي زيادة يجب قبولها،
ولا يضره رواية من قصر به على الزهري، ولذلك قال ابن القطان كما في ((الفيض)):
((هذا ليس بعلة، فالأقرب صحته)).
وقد تابعه حبان بن علي العنزي على وصله كما ذكره الترمذي .
ووصله لوين في ((حديثه)) (ق ٢/٢): حدثنا حبان بن علي به.
وهكذا وصله ابن عدي (١/١٠٨)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٢٢٦/٢)
من طریق أخری عنه.
وأخرجه الطحاوي في ((المشكل)) (٢٣٨/١) من طريق النسائي عن لُوَين به.
وزاد في آخره:
((إذا صبروا وصدقوا)).
وقال النسائي :
((وحبان ليس بالقوي )).
وأخرجه الدارمي (٢١٥/٢) هكذا: ثنا محمد بن الصلت: ثنا حبان بن علي عن
يونس وعقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مرفوعاً به نحوه
بلفظ :
((وما بلغ اثني عشر ألفاً فصبروا وصدقوا ، فغلبوا من قلة)).
- ٦٨١ -

وأخرجه أحمد (٢٩٩/١)، وأبو يعلى (٢٧١٤/١٠٣/٥) عن حبان عن عقيل
وحده .
ورجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير حبان بن علي وهو ضعيف؛ لكنه لم يترك
کما قال الذهبي، فمثله یستشهد به .
ورواية الليث التي علقها الترمذي عن عقيل عن الزهري مرسلاً وصلها الطحاوي
من طريق ابن صالح عنه.
وابن صالح اسمه عبد الله كاتب الليث، وفيه ضعف؛ فلا يحتج به عند التفرد؛
فكيف عند المخالفة؟!
استدراك :
هذا ما كان وصل إليه علمي منذ أكثر من عشرين سنة، ثم وقفت على أمور
اضطررت من أجلها إلى أن أعدل عن القول بصحة الحديث، راجياً من المولى سبحانه
وتعالى أن يلهمني الصواب في ذلك، وإليك الأمور المشار إليها:
أولاً : أنه لا يصح التعلق بضعف عبد الله بن صالح الذي رواه عن الليث عن
عقيل عن الزهري مرسلاً؛ لأن الليث قد توبع كما سأذكر قريباً، وذلك من أسباب العدول
المذكور.
ثانياً : أن ما تقدم في کلام الترمذي أنّ جرير بن حازم تفرد بروايته عن يونس عن
الزهري بسنده المتصل عن ابن عباس، وبناءً عليه أجبت بأن جريراً ثقة .. فهذا كان
جواباً ناقصاً؛ لأن الرجل فيه ضعف يسير من قبل حفظه؛ كما يستفاد من قول الحافظ في
: ((التقريب)):
((ثقة؛ لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه)).
ونحوه ذكر الذهبي في ((الضعفاء)).
وعليه فالجواب المشار إليه ضعيف، وقد أشار إلى ذلك البيهقي في ((سننه)) (٩ /
١٥٦) عقب روايته للحديث بقوله :
- ٦٨٢ -

((تفرد به جرير بن حازم موصولاً، ورواه عثمان بن عمر عن يونس عن عقيل عن
الزهري عن النبي وَلّ منقطعاً. قال أبو داود: أسنده جرير بن حازم، وهو خطأ)).
قلت : وعثمان بن عمر هو ابن فارس العبدي، وهو أوثق من جرير، فقد اتفقوا
على توثيقه، بل قال العجلي :
(( ثقة ثبت )).
ومما يؤيد ما قلت؛ إذا قابلت قول الحافظ المتقدم في جرير بقوله في عثمان
هذا :
(ثقة، قيل: کان یحیی بن سعيد لا يرضاه)).
وقول يحيى جرح غير مفسر؛ فلا قيمة له، وبخاصة مع اتفاق الأئمة الآخرين على
توثيقه .
ثالثاً : وعلى افتراض أن جريراً حفظه عن يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - فيكون
هذا هو المخطىء في وصله؛ فإنه وإن كان ثقة محتجّاً به في ((الصحيحين))؛ فإن له
أوهاماً كما بينه الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (ص ٤٥٥)؛ فقال:
((وثقه الجمهور مطلقاً، وإنما ضعفوا بعض رواياته؛ حيث تخالف أقرانه؛ أو
يحدث من حفظه، فإذا حدث عن كتابه فهو حجة)) .
وقال في ((التقريب)) :
(ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ)).
قلت : وهذا الحديث مما أخطأ فيه على الزهري - إن لم يكن أخطأ عليه جرير بن
حازم کما تقدم - وذلك لأنه خالفه ثقتان احتج بهما الشيخان :
الأول : عُقيل - وهو ابن خالد الأيلي - فقال: عن الزهري مرفوعاً. لم يجاوز به
الزهري. وعقيل قال الحافظ :
(( ثقة ثبت )).
٠
- ٦٨٣ -

أخرجه سعيد بن منصور في «سننه)) (٢٣٨٧/١٦٠/٢/٣)، وعنه أبو داود في
أ ((المراسيل» (٣١٣/٢٣٨).
والآخر : معمر - وهو ابن راشد البصري - فقال: عن الزهري به .
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٠٩٩/٣٠٦/٥).
ومعمر قال الحافظ :
((ثقة ثبت فاضل؛ إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا
فیما حدث به بالبصرة)).
قلت : فاتفاق هذين الثقتين على رواية الحديث عن الزهري مرسلاً مما يؤكد
للمتأمل وهم جرير أو يونس في وصله عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس.
وإذا تبينت هذا؛ فستعرف أن رواية حبان بن علي عن يونس وعقيل مما لا يصلح
للاستشهاد به لمخالفته - مع ضعفه في نفسه كما تقدم - لرواية الثقتين المذكورين كما هو
ظاهر.
وإنه مما يؤكد ما تقدم من التحقيق جزم أبي داود والبيهقي بخطأ الرواية المسندة
كما تقدم، وكذلك قال غيرهما؛ مثل أبي حاتم وابنه، فقد ساق هذا الحديث في كتابه
((العلل)) (١٠٢٤/٣٤٧/١) من الوجهين المسندين - أعني طريق جرير وحبان - ثم قال:
((فسمعت أبي يقول: مرسل أشبه. لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي
◌َتر)) .
قلت: ولعل نفي أبي حاتم رحمه الله لهذا الاحتمال إنما هو لمخالفة الحديث
لظاهر قوله تعالی :
﴿يا أيُّها النبيُّ حرض المؤمنينَ على القتالِ إنْ يكنْ منكم عِشْرُونَ صابرونَ يَغْلِبُوا
مائتينٍ وإنْ يكنْ منكم مائةٌ يَغْلُوا ألفاً منَ الذينَ كَفَرُوا بأنهم قومٌ لا يَفْقَهُونَ. الآنَ خَفَّفَ
الله عنكم وعَلِمَ أنَّ فيكم ضعفاً فإنْ يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبُوا مائتينٍ وإنْ يكن منكم
ألفٌ يغلبُوا ألفينِ بإذنِ الله والله معَ الصابرينَ﴾ .
- ٦٨٤ -

والشاهد منه التخفيف المذكور فيه، فقد قال ابن كثير في تفسير قوله عز وجل :
.. وعلم أن فيكم ضعفاً﴾:
((فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا منهم، وإذا كانوا
دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم)).
وظاهر الحديث أنه لا يجوز لهم التحوز إذا كان عددهم اثني عشر ألفاً؛ مهما كان
عدد عدوهم، وهذا خلاف قول ابن عباس - راوي الحديث - :
((إن فر من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة لم يفر)).
رواه الطحاوي بسند صحيح عنه، وكذا رواه ابن أبي شيبة (٥٣٧/١٢) وزاد:
((يعني من الزحف))، وقد روي مرفوعاً ولا يصح، وبيانه في ((الضعيفة)) (٦١٨٢)
هذا وقد روي الحديث عن أنس بنحوه وفيه زيادات في متنه، وإسناده ضعيف
بمرة، وقد خرجته في ((الضعيفة)) (٦١٨٠).
وجملة القول: إن الحديث لا يصح، فما جاء مخالفاً لهذا في بعض كتاباتي فأنا
راجع عنه قائلاً:
﴿ربنا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أخطأْنا﴾.
٩٨٧ - (لا إِلَ إِلا الله، ويلٌ للعربِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقتربَ! فُتِحَ اليومَ من
رَدْمٍ يَأْجُوجَ ومأُجُوجَ مِثْلُ هذه، وحَلَّقَ بإصبعِهِ الإِبهامِ والتي تَلِيها، فقلتُ: يا
رسولَ اللهِ! أنهلِكُ وفِينا الصالحونَ؟ قال: نَعَم إذا كَثُرَ الخَبَثُ).
أخرجه البخاري (٩/١٣ - ١٠ و٩١ - ٩٢)، ومسلم (١٦٥/٨ - ١٦٦)، وابن
حبان (١٩٠٦ - الموارد) والترمذي أيضاً (٢١٨٨)، وابن أبي شيبة
(١٩٠٦١/٤٢/١٥)، وعنه ابن ماجه (٣٩٥٣)، والبيهقي في ((السنن)) (٩٣/١٠)
و((الشعب)) (٧٥٩٨/٩٨/٦) و((الدلائل)) (٤٠٦/٦)، وأحمد (٤٢٨/٦)، والحميدي
(٣٠٨/١٤٧/١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٤ /٥١ - ٥٥) عن أم حبيبة عن
زينب بنت جحش زوج النبي ێ قالت:
- ٦٨٥ -

((خرج رسول الله وعليه يوماً فزعاً محمراً وجهه يقول: )) فذكره.
( تنبيه ) : سقط من إسناد ابن حبان ذكر زينب بنت جحش، ولذلك أورده الهيثمي
في ((الموارد)) ظنّاً منه أن الحديث من مسند أم حبيبة، ولعله لم يتنبه لهذا السَّقَط؛ مع أن
ابن حبان قد رواه في مكان آخر من ((صحيحه)) على الصواب (١ / ٢٧٢ / ٣٢٧ -
الإحسان).
٩٨٨ - (لا تَجْنِي نفسٌ على أُخرى).
i
أخرجه ابن ماجه (١٤٨/٢): ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل: ثنا
عمرو بن عاصم: ثنا أبو العوام القطان عن محمد بن جحادة عن زياد بن علاقة عن
أسامة بن شريك مرفوعاً. قال في ((الزوائد)):
((إسناده صحيح، محمد بن عبد الله ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال النسائي :
لا بأس به. وأبو العوام القطان اسمه عمران بن داور وثقه الجمهور، وباقي رجال الإسناد
على شرط الشيخين)).
قلت: عمران متكلم فيه من جهة حفظه، وفي ((التقريب)):
«صدوق یھم)) .
فحديثه لا يبلغ درجة الصحيح، بل هو حسن فقط؛ غير أن حديثه هذا صحيح ؛
لأن له شاهداً من حديث الأشعث بن سليم عن أبيه عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع.
مرفوعاً بهذا اللفظ.
أخرجه النسائي (٢٥١/٢)، وأحمد (٣٧٧/٥)، وسنده صحيح رجاله رجال
الشیخین .
وله شاهد آخر بلفظ : .
((ألا لا يجني جان إلا على نفسه ... ))، وسيأتي إن شاء الله تعالى برقم (١٩٧٤).
وشاهد ثالث وهو :
- ٦٨٦ -

٩٨٩ - (لا تَجْنِي أُمّ على وَلَدٍ، لا تَجْنِي أُمِّ على ولدٍ).
أخرجه النسائي (٢٥١/٢)، وابن ماجه (١٤٧/٢)، وابن حبان (١٦٨٣)،
والحاكم (٦١١/٢ - ٦١٢) وصححه عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن جامع بن شداد
عن طارق المحاربي مرفوعاً به .
وهذا سند صحيح، ويزيد هذا ثقة.
والحديث رواه أبو يعلى أيضاً، وأبو نعيم كما في ((المنتخب)) (٥١٨/٢).
٩٩٠ - (لا تَجْنِي عليهِ، ولا يَجْنِي عليكَ).
أخرجه ابن ماجه (١٤٧/٢ - ١٤٨)، وأحمد (٣٤٤/٤ - ٣٤٥ و٨١/٥) عن
هشيم: أنا يونس بن عبيد عن حصين بن أبي الحر عن الخشخاش العنبري قال:
((أتيت النبي ◌َّه ومعي ابن لي، قال: فقال: ابنك هذا؟ قال: قلت: نعم. قال:))
فذكره. قال في ((الزوائد)):
((إسناده كلهم ثقات؛ إلا أن هشيماً كان يدلس)).
قلت: ولكنه قد صرح بسماعه كما في هذه الرواية وهي لأحمد، فالإِسناد
صحيح، ولفظه على القلب:
((لا يجني عليك، ولا تجني عليه)).
والحديث رواه أيضاً أبو يعلى، والبغوي، وابن قانع، وابن منده، والطبراني في
((الكبير))، وسعيد بن منصور في ((سننه)) كما في ((المنتخب)) (١٢٦/٦). وهو في ((معجم
الطبراني)» (٤١٧٧/٢٥٧/٤) باللفظ الأول مع التحديث.
وله شاهد من حديث أبي رمثة، وهو مخرج في ((إرواء الغليل)) (٢٣٦٢).
٩٩١ - (مَنْ أحَبَّ الأنصارَ أُحَبَّهُ الله، ومَنْ أَبْغَضَ الأنصارَ أَبْغَضَهُ الله).
أخرجه ابن ماجه (١ / ٧٠) من حديث البراء بن عازب، وسنده صحيح على شرط
الشیخین .
- ٦٨٧ -

وقد أخرجاه في حديث: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن))، وسيأتي بإذن الله
(١٩٧٥).
وقد ورد بهذا اللفظ تماماً من حديث أبي هريرة.
أخرجه أحمد (٥٠١/٢ و ٥٢٧) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه.
وهذا إسناد حسن، وقال الهيثمي (٣٩/١٠):
((رواه أبو يعلى وإسناده جيد، ورواه البزار وفيه محمد بن عمرو وهو حسن
الحديث، وبقية رجاله رجال (الصحيح))).
وكأنه ذهل عن كونه في ((المسند)) من هذا الوجه؛ وإلا لعزاه له قبل أولئك.
وورد من حديث الحارث بن زياد مرفوعاً.
أخرجه ابن حبان (٢٢٩١ - الموارد).
ومن حديث معاوية بن أبي سفيان.
أخرجه أحمد أيضاً (١٠٠/٤) عن الحكم بن ميناء عن يزيد بن جارية عنه.
وهذا إسناد محتمل للتحسين أو هو حسن لغيره.
وقال الهيثمي :
((رواه أحمد، وأبو يعلى قال مثله، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجال
أحمد رجال (الصحيح))).
كذا قال! وليس بصحيح؛ فإن يزيد بن جارية هذا لم يرو له من الستة إلا النسائي
ووثقه؛ لكن وقع في ((كتاب الهيثمي)): ((عن زيد بن ثابت)) بدل ((يزيد بن جارية))؛ فلا
أدري الوهم منه أو من بعض النساخ؟ وورد الحديث بلفظ:
((من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فيبغضي أبغضهم)).
رواه الطبراني من حديث أبي هريرة؛ قال في ((مجمع الزوائد)) (٣٩/١٠):
- ٦٨٨ -

((ورجاله رجال ((الصحيح))؛ غير أحمد بن حاتم وهو ثقة، ورواه الطبراني أيضاً
عن معاوية بهذا اللفظ، ورجاله رجال ((الصحيح))؛ غير النعمان بن مرة وهو ثقة)).
قلت: وهو في ((المعجم الصغير)) (ص ٢٤١ - ٢٤٤) في حديث طويل عن
وائل بن حجر أنه قال لمعاوية: فكيف تصنع بقول رسول الله ومطهر: (فذكره)؟
وفيه ضعف وجهالة.
٩٩٢ - (كانَ إذا بَعَثَ أحداً من أصحابِهِ في بعضِ أمرِهِ قال: بَشِّرُوا ولا
تُنَفِّرُوا، ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا).
أخرجه مسلم (١٤١/٥)، وأبو داود (٢٩٣/٢) من طريق أبي أسامة عن بريد بن
عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: كان رسول الله وَيقول إذا ... الحديث، وسيأتي
في ((يسروا ولا تعسروا ... )) برقم (١١٥١).
٩٩٣ - (كانَ أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقولونَ: الطَّيَرَةُ مِنَ الدَّار والمرأةِ والفَرَس).
أخرجه أحمد (١٥٠/٦ و٢٤٠ و٢٤٦)، والطحاوي في ((مشكل الآثار))
(٣٤١/١) عن قتادة عن أبي حسان قال:
((دخل رجلان من بني عامر على عائشة؛ فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي
وسلم أنه قال: (فذكره) فغضبت، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، وقالت:
والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله وَلا قط؛ إنما قال: كان أهل الجاهلية
يتطيرون من ذلك)).
وفي رواية لأحمد :
((ولكن نبي الله وَّ كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار
والدابة، ثم قرأت عائشة: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في
کتاب﴾ إلى آخر الآية)).
وأخرجها الحاكم (٤٧٩/٢) وقال:
- ٦٨٩ -

((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا، بل هو على شرط مسلم؛ فإن أبا حسان هذا قال الزركشي في
«الإِجابة)) (ص ١٢٨):
((اسمه مسلم الأجرد، يروي عن ابن عباس وعائشة)).
قلت: وهو ثقة من رجال مسلم .
ورواه ابن خزيمة أيضاً كما في ((الفتح)) (٤٦/٦).
ويشهد له ما أخرجه الطيالسي في ((مسنده)) (١٥٣٧): حدثنا محمد بن راشد عن
مكحول قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَلّ: الشؤم في ثلاث: في الدار
والمرأة والفرس. فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة؛ لأنه دخل ورسول الله وَ له يقول:
((قاتل الله اليهود يقولون: إن الشؤم في الدار والمرأة والفرس. فسمع آخر الحديث، ولم
يسمع أوله)).
وإسناده حسن لولا الانقطاع بين مكحول وعائشة؛ لكن لا بأس به في المتابعات
والشواهِد إن كان الرجل الساقط من بينهما هو شخص ثالث غير العامريين المتقدمين.
هذا ولعل الخطأ الذي انكرته السيدة عائشة هو من الراوي عن أبي هريرة وليس
من أبي هريرة نفسه؛ فقد روى أحمد (٢٨٩/٢) من طريق أبي معشر عن محمد بن قيس
قال :
((سئل أبو هريرة: سمعت من رسول الله وعليه: الطيرة في ثلاث: في المسكن
والفرس والمرأة؟ قال: كنت إذن أقول على رسول الله وَل# [ما لم يقل؛ ولكن سمعت
رسول الله وَل#](١) يقول: أصدق الطيرة الفأل، والعين حق)).
وأبو معشر فيه ضعف.
(١) سقطت من ((المسند)) واستدركتها من ((الإِجابة))، وصححت منها كلمة وقعت فيه
محرفة.
- ٦٩٠ -

وقد وجدت لحديث الترجمة شاهداً من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ :
((الطيرة في المرأة والدار والفرس)).
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣٨١/٢)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (٢/١٩٢/٣) من طرق عن محمد بن جعفر عن عتبة بن مسلم عن حمزة بن
عبدالله بن عمر عن أبيه .
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ لكنه شاذ بهذا الاختصار؛ فقد خالفه
سليمان بن بلال: حدثني عتبة بن مسلم بلفظ:
((إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس .. )) الحديث.
أخرجه مسلم (٣٤/٧)، والطحاوي .
قلت : فزادا في أوله :
((إن كان الشؤم في شيء)).
وهي زيادة من ثقة فيجب قبولها؛ لا سيما وقد جاءت من طريق أخرى عن ابن عمر
عند البخاري، ولها شواهد كثيرة منها عن سهل بن سعد وجابر، وقد خرجتها فيما تقدم
(٧٩٩).
ومنها عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً بلفظ:
((لا طيرة، وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة .. )).
أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق أن
سعيد بن المسيب حدثه قال:
((سألت سعداً عن الطيرة؟ فانتهرني (زاد في رواية: فقال: من حدثك؟ فكرهت
أن أحدثه) وقال: سمعت رسول الله وَلت)) فذكره.
- ٦٩١ -

وإسناده جيد؛ فقد ذكر له شاهداً من رواية ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد
به، وآخر من حديث أنس، وسنده حسن.
ونحوه حديث صخر أو حكيم بن معاوية مرفوعاً بلفظ:
((لا شؤم، وقد يكون اليمن في ثلاثة: في المرأة والفرس والدار)).
وهو صحيح الإِسناد كما بينته فيما سيأتي (١٩٣٠).
وجملة القول: إن الحديث اختلف الرواة في لفظه؛ فمنهم من رواه كما في
الترجمة، ومنهم من زاد عليه في أوله ما يدل على أنه لا طيرة أو شؤم (وهما بمعنى واحد
كما قال العلماء)، وعليه الأكثرون، فروايتهم هي الراجحة؛ لأن معهم زيادة علم فيجب
قبولها، وقد تأيد ذلك بحديث عائشة الذي فيه أن أهل الجاهلية هم الذين كانوا يقولون
ذلك، وقد قال الزركشي في ((الإِجابة)) (ص ١٢٨):
((قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله تعالى (يعني
من حديث أبي هريرة)؛ لموافقته نهيه عليه الصلاة والسلام عن الطيرة نهياً عاماً،
وکراهتها وترغيبه في تركها بقوله:
يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وهم الذين لا يكتوون (الأصل: لا
يكنزون)، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)).
قلت: وقد أشار بقوله: ((بعض الأئمة)) إلى الإِمام الطحاوي رحمه الله تعالى؛ فقد
ذهب إلى ترجيح حديث عائشة المذكور في ((مشكل الآثار))، ونحوه في ((شرح
المعاني))، وبه ختم بحثه في هذا الموضوع، وقال في حديث سعد وما في معناه:
((ففي هذا الحديث ما يدل على غير ما دل عليه ما قبله من الحديث (يعني : حديث
ابن عمر برواية عتبة بن مسلم وما في معناه عن ابن عمر)، وذلك أن سعداً انتهر سعيداً
حين ذكر له الطيرة، وأخبره عن النبي وَل أنه قال: لا طيرة. ثم قال: إن تكن الطيرة في
شيء ففي المرأة والفرس والدار. فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء
- ٦٩٢ -

ففيهن؛ أي: لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذ لم تكن في هؤلاء الثلاث
فليست في شيء)).
٩٩٤ - (إنَّ التجارَ يُبْعَثُونَ يومَ القيامةِ فُجَّاراً؛ إلا مَنِ اتَّقَى الله وَبَرَّ
وصَدَقَ).
أخرجه الترمذي (٢٢٨/١)، والدارمي (٢٤٧/٢)، وابن ماجه (٥/٢)، وابن
حبان (١٠٩٥)، والحاكم (٦/٢)، والبيهقي (٢٦٦/٥) وفي ((الشعب)) (٢١٩/٤) من
طريق عبدالله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده:
((أنه خرج مع النبي وله إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر
التجار! فاستجابوا لرسول الله وَّار، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال:)) فذكره. وقال
الترمذي .
(حديث حسن صحيح)) .
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي؛ مع أنه قال في ترجمة إسماعيل هذا:
((ما علمت روى عنه سوى عبدالله بن عثمان بن خثيم؛ ولكن صحح هذا
الترمذي)).
وفي ((التقريب)):
((إنه مقبول )).
وللحديث شاهد يرتقي به إلى درجة الحسن إن شاء الله. ولفظه:
((إن التجار هم الفجار. قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى؛
ولكنهم يحلفون فيأثمون، ویحدثون فیكذبون)).
- ٦٩٣ -

وقد مضی تخريجه برقم (٣٦٦) فراجعه.
وله شاهد آخر أتم من هذا سيأتي في المجلد الثالث رقم (١٤٥٨).
٩٩٥ - (إنَّ أرواحَ المؤمنينَ في أجوافٍ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ بِشَجَرِ الجنةِ).
رواه ابن ماجه (١٤٤٩)، والحربي في ((غريب الحديث)) (١/٢١٠/٥)، وابن
منده في ((المعرفة)) (١/٣٦٣/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٢/٦٤/١٩) عن
محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك عن أبيه قال:
((لما حضر كعباً الوفاة دخلت عليه أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا أبا
عبد الرحمن! إن لقيت ابني فأقرئه مني السلام. فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر! نحن
أشغل من ذلك. فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: (فذكره)؟
قال: بلى. قالت: فهو ذلك)).
:
قلت: وهذا سند ضعيف، رجاله ثقات، وإنما علته ابن إسحاق فقد كان يدلس،
والظاهر أنه تلقاه عن بعض الضعفاء ثم أسقطه، فقد رواه معمر عن الزهري عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال:
((قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو شاكٍ: اقرأ على ابني السلام. تعني: مبشراً.
فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر! أو لم تسمعي ما قال رسول الله ولايته: إنما نسمة المسلم
طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله عز وجل إلى جسده يوم القيامة؟ قالت:
صدقت، فأستغفر الله)).
أخرجه أحمد (٤٥٥/٣)، والطبراني (١١٩/١٩).
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وفيه مخالفة لما روى ابن إسحاق؛ فإن قولها: ((صدقت، فأستغفر الله)) صريح في
أن كعباً أقام الحجة عليها؛ بخلاف رواية ابن إسحاق فإنها على العكس من ذلك كما هو
- ٦٩٤ _

ظاهر. ويؤيد رواية معمر ويؤكدها رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به .
أخرجه الطبراني (١٢٥)؛ لكنه قال: ((الشهداء)) مكان ((المسلم))، ويأتي بيان ما
فيها .
ومتن الحديث دون القصة أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١ /٤٩/٢٤٠)، وعنه
النسائي (٢٩٢/١)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٤٤٥/٣)، والطبراني (١٢٠)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (١٥٦/٩)؛ كلهم عن مالك عن الزهري بنحوه .
وتابعه صالح ويونس عن ابن شهاب .
رواه أحمد (٤٥٥/٣).
وتابعه أيضا عمرو بن دينار من طريق سفيان بن عيينة .
رواه أحمد (٣٨٦/٦)، والترمذي (٣٠٩/١) وقال:
((حديث حسن صحيح)).
وتابعهم اللیث بن سعد.
عند ابن حبان في ((صحيحه)) (٧٣٤)، والأوزاعي عند الطبراني (١٢٣)، وكلهم
قالوا: ((المسلم) أو ((المؤمن))؛ إلا سفيان فإنه قال: ((الشهداء))، فروايته شاذة. والله
أعلم.
٩٩٦ - (قاتلَ الله قوماً يُصَوِّرُونَ ما لا يَخْلُقُونَ).
رواه الضياء في ((المختارة)) (٤٣٤/١) من طريق الطيالسي، وهذا في ((المسند))
(٦٢٣): ثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال: حدثني عمير مولى ابن عباس
عن أسامة بن زيد قال:
((دخلت على رسول الله وَ لير في الكعبة، فرأى صوراً، قال: فدعا بدلو من ماء،
فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: )) فذكره.
- ٦٩٥ -

ثم رواه الضياء، وابن أبي شيبة (٤٨٤/٨ و٤٩٠/١٤)، والطبراني
(٤٠٧/١٣٠/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥ /١٩٠) من طرق عن ابن أبي ذئب به، ثم
قال :
((لم نعتمد في رواية هذا الحديث على خالد العمري، بل على رواية أبي داود)).
قلت: لكن شيخه ابن مهران - وهو المديني مولى بني هاشم - مجهول كما قال
الحافظ في ((التقريب)).
ثم رواه (١ /٤٣٧ - ٤٣٨) من طريق أحمد بن عبد الرحمن: نا عمي ابن وهب:
حدثني ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن كريب مولى ابن عباس عن
أسامة بن زيد به، وقال:
((أحمد بن عبد الرحمن متكلم فيه، وقد أخرج له مسلم في ((صحيحه))، وتقدم
هذا الحديث في رواية عمير مولى ابن عباس)).
قلت: فالحديث بمجموع الطريقين ثابت إن شاء الله تعالى؛ ولا سيما وفي لعن
المصورين وأنهم أشد الناس عذاباً أحاديث كثيرة؛ بعضها في ((الصحيحين))، وقد مضى
بعضها (٣٦٤).
ثم تبين لي أن أحمد بن عبد الرحمن قد وهم على عمه ابن وهب في إسناده؛ فقد
خالفه عند البيهقي بحر بن نصر الثقة؛ فإنه قال: ثنا ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب عن
عبد الرحمن بن مهران .. فهذا هو المحفوظ عن ابن أبي ذئب كما رواه الجماعة، فرجع
الحديث إلى أنه عن ابن مهران فقط، وقد عرفت أنه مجهول عند الحافظ، ومع ذلك قال
في ((الفتح)) (٤٦٨/٣):
((إسناده جيد)) .
فلعل ذلك للأحاديث المشار إليها آنفاً. والله أعلم .
- ٦٩٦ -

شَدُّ الرحالِ إلى القبورِ
٩٩٧ - (إنما تُضْرَبُ أكبادُ المَطِيِّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ،
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (ق ١/٣٠٦): ثنا محمد بن المنهال: ثنا يزيد بن
زريع: ثنا روح عن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري :
((أن أبا بصرة جميل بن بصرة لقي أبا هريرة وهو مقبل من (الطور)، فقال: لو
لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته؛ إني سمعت رسول الله وص له يقول:)) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وهو على شرط الشيخين إن كان
محمد بن المنهال هذا هو التميمي الحافظ، وفي طبقته محمد بن المنهال البصري
الأنماطي أخو الحجاج، وهو ثقة اتفاقاً، وكلاهما يروي عن يزيد بن زريع، وعنهما أبو
یعلی .
وقد أخرجه الطبراني (٢ /٢١٥٩/٣١٠) من طريق أخرى صحيحة عن يزيد بن
زریع به .
ثم أخرجه هو وأحمد (٧/٦ و ٣٩٧) من طريق أخرى صحيحة عن أبي بصرة.
والحديث في ((الصحيحين)) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تشد
الرحال))، وقد خرجتها في ((إرواء الغليل)) (رقم ٩٥١)، وإنما خرجته هنا لهذه الزيادة
التي فيها إنكار أبي بصرة على أبي هريرة رضي الله عنهما سفره إلى الطور، ولها طرق
أخرى أوردتها هناك، فلما وقفت على هذه الطريق أحببت أن أقيدها هنا، وقد فاتتني ثم.
وفي هذه الزيادة فائدة هامة؛ وهي أن راوي الحديث - وهو الصحابي الجليل أبو
بصرة رضي الله عنه - قد فهم من النبي ◌ّلتر أن النهي يشمل غير المساجد الثلاثة من
المواطن الفاضلة كالطور؛ وهو جبل كلم الله عليه موسى تكليماً، ولذلك أنكر على أبي
هريرة سفره إليه، وقال: ((لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته))، وأقره على ذلك أبو هريرة ولم
- ٦٩٧ -

يقل له كما يقول بعض المتأخرين:
((الاستثناء مفرغ، والمعنى: لا يسافر لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة))!
بل المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء
بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد.
وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر
رضي الله عنه؛ كما بينته في كتابي ((أحكام الجنائز وبدعها)) (ص ٢٢٦)، وهو الذي
اختاره جماعة من العلماء: كالقاضي عياض، والإِمام الجويني، والقاضي حسين؛
فقالوا :
((يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة؛ كقبور الصالحين، والمواضع
الفاضلة)). ذكره المناوي في ((الفيض)).
فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له فضل الدعوة
إليه، والانتصار له بالسنة وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير
الجزاء.
فهل آن للغافلين أن يعودوا إلى رشدهم، ويتبعوا السلف في عبادتهم، وأن ينتهوا
عن اتهام الأبرياء بما ليس فيهم؟
٩٩٨ - (أَوْثَقُ عُرَى الإِيمانِ الْمُؤَالَةُ في اللهِ، والمُعَادَاةُ في اللهِ، والحُبُّ
في اللهِ، والبُغْضُ في اللهِ).
رواه الطبراني (٢/١٢٥/٣)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٦٨/٥٣/١٣) عن
حنش عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ويلير لأبي ذر:
((أي عرى الإِيمان - أظنه قال : - أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال:
الموالاة ... )).
- ٦٩٨ -

قلت: وهذا سند ضعيف جداً، حنش هذا متروك كما في ((التقریب) وغيره، وانظر
تعليقي على ((المشكاة)) (٤٩/٦٠٩/٢).
لکن للحدیث شواهد عدة یتقوی بها:
الأول: عن البراء بن عازب؛ يرويه ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن
مقرن عنه مرفوعاً به دون الموالاة والمعاداة .
أخرجه الطيالسي (٢١١٠/٤٨/٢)، وأحمد (٢٨٦/٤)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (٢/١٨٧/١٢).
ورجاله ثقات؛ غير ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف.
الثاني : عن عبد الله بن مسعود، وله عنه طريقان :
الأولى : يرويه الصعق بن حزن قال: حدثني عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن
سوید بن غفلة عنه .
أخرجه الطيالسي (٣٧٨ - مسنده)، وابن أبي شيبة (١/١٨٩/١٢)، والطبراني
في ((المعجم الكبير)) (٢/٨١/٣)، وفي ((الصغير)) (ص ١٣٠)، والحاكم (٤٨٠/٢)
وقال :
((صحيح الإِسناد))، ورده الذهبي بقوله:
((قلت: ليس بصحيح؛ فإن الصعق وإن كان موثقاً؛ فإن شيخه منكر الحديث.
قاله البخاري)).
والأخرى : من رواية هشام بن عمار : ثنا الوليد بن مسلم: ثني بكير بن معروف
عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن مسعود به نحوه.
أخرجه الطبراني (٢/٧٤/٣).
- ٦٩٩ -

قلت: وهذا إسناد حسن في الشواهد والمتابعات، ورجاله ثقات، وفي بعضهم
کلام لا يضر فيها .
فالحديث بمجموع الطرق لا ينزل عن مرتبة الحسن على الأقل. والله أعلم.
٩٩٩ - (إنَّ أعظمَ الذُّنُوبِ عندَ اللهِ رجلٌ تزوجَ امرأةً؛ فلما قَضَى حاجَتَهُ
منها طَلَّقَها وَذَهَبَ بِمَهْرِها، ورجلٌ استعملَ رجلًا فَذَهَبَ بِأُجْرَتِهِ، وآخرُ يَقْتُلُ
دابةً عَبَثاً).
رواه الحاكم (١٨٢/٢) من طريق ابن خزيمة أبي بكر محمد بن إسحاق الإِمام
المشهور: ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري: ثني أبي عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن سيرين عن ابن عمر مرفوعاً. وقال
الحاكم :
((صحيح على شرط البخاري))، ووافقه الذهبي.
قلت: وليس كما قالا؛ فإن عبد الوارث بن عبد الصمد ليس من رجال البخاري ؛
وإنما هو من رواه مسلم .
ثم إن عبد الرحمن بن عبدالله وإن روى له البخاري؛ فهو متكلم فيه، وقال
الذهبي في («الميزان»:
((إنه صالح الحدیث، وقد وثق)).
وفي ((التقريب)):
((صدوق يخطىء)) .
فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، وبخاصة أن لغالبه شواهد معروفة؛ فانظر:
((ثلاثة أنا خصمهم .. ))، وفيه: ((ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يؤته أجره)). رواه
البخاري. وفي سنده ضعف مبين في ((الإِرواء)) (٣٠٨/٥)، وحديث: ((من قتل عصفوراً
- ٧٠٠ -