النص المفهرس

صفحات 121-140

٥٧٨ - (لا تقومُ الساعةُ حتى يمرَّ الرجلُ بقبر الرجلِ ، فيقولُ: يا ليتني
مكانَهُ، ما به حُبُّ لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ).
أخرجه أحمد (٢ /٥٣٠): ثنا علي: أنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله (ص 18: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه كما يأتي، وعلي هذا هو
ابن حفص المدائني أبو الحسن البغدادي، وهو ثقة.
والحديث أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٣٩/١)، وعنه البخاري (٦٣/١٣)،
ومسلم (١٨٢/٨)، وأحمد (٢٣٦/٢) عن أبي الزناد به دون قوله: ((ما به حب لقاء الله
عز وجل)). وكذا رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٤٩/٨ /٦٦٧٢ - الإِحسان) عن
مالك.
ومن أجل هذه الزيادة خرجته هنا. ويشهد لها ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله وَالَ: فذكره نحوه بلفظ :
((يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر. وليس به الدِّين إلا البلاء)).
أخرجه مسلم وابن ماجه (٢ /٤٩٤).
ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تديناً وتقرباً إلى الله وحباً في لقائه؛ وإنما لما
نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه. ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تديناً، ولا
ينافيه قوله ◌َله: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به .. ))؛ لأنه خاص بما إذا كان
التمني لأمر دنیوي كما هو ظاهر.
قال الحافظ :
((ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال
النووي: لا كراهة في ذلك؛ بل فعله خلائق من السلف؛ منهم عمر بن الخطاب و .. )).
٠
- ١٢١ -

٥٧٩ - (يُبَايَعُ لرجلٍ ما بينَ الرُّكْنِ والمَقَامِ، ولن يَسْتَحِلَّ البيتَ إلا
أَهْلُهُ، فإذا اسْتَحَلُّوهُ؛ فلا يُسْألُ عنْ هلكةِ العربِ، ثم تأتِي الحَبَشَةُ فَيُخرِبونَهُ
خراباً لا يعمرُ بعده أبداً، وهُمُ الذين يستخرجونَ كَنْزَهُ).
أخرجه أحمد (٢٩١/٢ و٣١٢ و٣٢٨ و٣٥١)، وابن حبان (١٠٣٠)، والحاكم
(٤٥٢/٤ - ٤٥٣) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا
هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله وَ لقر قال: فذكره. وسيأتي تخريجه بأوسع (٢٧٤٣).
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير سعيد بن سمعان وهو
ثقة، ولذلك سكت الحافظ في ((الفتح)) (٣٦٢/٣) عليه بعدما عزاه لأحمد فقط! وقال
الحاکم :
((صحيح على شرط الشيخين))!
٥٨٠ - (كانَ لا يفْطِرُ أيامَ البِيضِ فِي حَضَرٍ ولا سَفَرٍ).
أخرجه النسائي في «سننه» (٣٢١/١): أخبرنا القاسم بن زكريا قال: حدثنا
عبيدالله قال: حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد عن ابن عباس قال: فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير يعقوب وجعفر
الراوي عن سعید وهو ابن جبير.
أما الأول فهو يعقوب بن عبدالله بن سعد القمي، وأما الآخر فهو جعفر بن أبي
المغيرة القمي؛ قال الحافظ في كل منهما: ((صدوق يهم))، وقال الذهبي في الآخر
منهما: ((صدوق))، وفي الأول: ((عالم أهل (قم)، قال النسائي وغيره: ليس به بأس.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي. قلت: خرج له البخاري تعليقاً)).
وأخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (١/٢١٢/٥٩) من طريق الطبراني،
وهذا في ((المعجم الكبير)) (١١/١٢/ ١٢٣٢٠) من طريق أخرى ضعيفة عن يعقوب،
فالعمدة على رواية النسائي .
- ١٢٢ -

٥٨١ - (يقولُ الله عزَّ وجلّ: مَنْ عَمِلَ حسنةً فله عَشْرُ أمثالِها أو أُزِيدُ،
ومَنْ عَمِلَ سيئةً فجزاؤها مِثْلُها أو أَغْفِرُ، ومن عَمِلَ قُرابَ الأرضِ خطيئةً، ثم
لَقِيَني لا يُشْرِك بي شيئاً؛ جعلتُ له مِثْلَها مغفرةً، ومن اقتربَ إليَّ شِبْراً اقتربتُ
إليه ذراعاً، ومَنِ اقتربَ إليّ ذراعاً اقتربتُ إليه باعاً، ومَنْ أتاني يمشي أتيتُهُ
هَرْوَلةً).
أخرجه مسلم (٦٧/٨)، وابن ماجه (٣٨٢١)، وأحمد (١٥٣/٥ و١٦٩) واللفظ
له، والطيالسي (ص ٦٢ رقم ٤٦٤) من طريقين عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال:
قال رسول الله ◌َطاهر: فذكره.
وإسناده صحيح على شرط الستة .
ورواه الحاكم (٢٤١/٤) من طريق ثالث عن المعرور به ببعض اختصار وقال:
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي. ورواه ابن حبان (٢٢٦ - الإِحسان) أخصر منه.
٥٨٢ - (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أولِ سورةِ ﴿الكهفِ﴾؛ عُصِمَ مِنْ
[فتنةِ] الدجالِ).
أخرجه الإمام أحمد (٤٤٩/٦): ثنا روح: ثنا سعيد عن قتادة: ثنا سالم بن أبي
الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أبي الدرداء عن النبي وَّ قال:
فذكره. وأخرجه المحاملي في ((الأمالي)) (٣٣١ / ٣٥٦ - المكتبة الإسلامية) من طريق
أخری عن سعيد بن أبي عروبة به .
قلت: وهذا إسناد صحيح متصل، رجاله رجال الشيخين؛ غير أن البخاري لم
يخرج لمعدان هذا، وقد أخرجه مسلم كما يأتي، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وقد تابعه
جماعة؛ فقال أحمد: ثنا حسين في ((تفسير شيبان)) عن قتادة: ثنا سالم بن أبي الجعد
به. وشيبان هذا هو ابن عبد الرحمن التميمي أبو معاوية النحوي، ثم قال: ثنا عبد الصمد
وعفان قالا: ثنا همام ـ قال عفان في حديثه: ثنا همام قال: كان قتادة يقص به علينا -
قال: ثنا سالم بن أبي الجعد به .
- ١٢٣ -

ثم رجع إلى حديث عبد الصمد قال: ثنا همام: ثنا قتادة به؛ إلا أنه قال: ((من
حفظ عشر آيات من سورة ﴿الكهف﴾)).
قلت: ومعنى هذا - والله أعلم - أن عبد الصمد وعفاناً اختلفا على همام في هذا
الحرف من الحديث، فقال عبد الصمد: ((من سورة (الكهف))) لم يذكر فيه «أول))،
وقال عفان: ((من أول سورة ﴿الكهف﴾)) كما قال الجماعة عن قتادة، ولا شك أن هذا هو
الصواب؛ لأن الجماعة أحفظ؛ لا سيما ومعهم زيادة، ويؤكد ذلك أن عفاناً قد توبع،
فقال الإمام أحمد (١٩٦/٥): ثنا يزيد: أنا همام بن يحيى عن قتادة به. ويزيد هو ابن
هارون، ومن طريقه أخرجه الواحدي في ((تفسيره)) (١٧٤ /٢).
وقال أبو داود في ((سننه)) (٤٣٢٣): حدثنا حفص بن عمر: ثناهمام: ثنا قتادة به .
وقال:
((وكذا قال هشام الدستوائي عن قتادة؛ إلا أنه قال: ((من حفظ من خواتيم سورة
﴿الكهف))). وقال شعبة عن قتادة: ((من آخر ﴿الكهف))).
قلت: رواية هشام أخرجھا مسلم (١٩٩/٢): حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا
معاذ بن هشام: حدثني أبي ... فذكره مثل رواية الجماعة، وتابعه محمد بن بشار:
حدثنا معاذ بن هشام به .
أخرجه الترمذي (١٤٥/٢).
فلا أدري أوهم أبو داود فيما عزى إلى هشام؛ أم أن هذا اختلف عليه الرواة على
نحوما سبق من الخلاف على همام؟ وهذا أقرب.
وأما رواية شعبة فهي كما ذكر أبو داود، وقد وصلها أحمد (٤٤٦/٦)، والداني في
((الفتن)) (٢/١٣٢)، ومسلم، وقال عقبها:
((وقال همام: ((من أول ﴿الكهف))) كما قال هشام)).
يشير بذلك إلى ترجيح روايتهما على رواية شعبة، وهو كذلك لو كانا وحیدین؛
- ١٢٤ -

فكيف ومعهما رواية سعيد بن أبي عروبة وشيبان بن عبدالرحمن كما سبق؛ بل إن شعبة
قد وافقهم عليها في رواية عنه أخرجها الترمذي وصححها، ولكنه شذ عنهم جميعاً في
لفظ آخر فقال: ((ثلاث)) مكان ((عشر)»، وبيان ذلك في ((السلسلة الأخرى)) (١٣٣٦).
ثم رأيت شعبة قد روى ذلك الحرف على وجه آخر بلفظ: ((من سورة
﴿الكهف)))، ولم يقل: ((أول)) ولا ((آخر))، وكأنه لتردده بينهما.
أخرجه عنه هكذا الخطيب في «تاريخه)) (١ /٢٩٠).
(فائدة) : قد جاء في حديث آخر بيان المراد من الحفظ والعصمة المذكورين في
هذا الحديث، وهو قوله ◌َّر في حديث الدجال:
((فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة ﴿الكهف﴾، فإنها جواركم من فتنته)).
أخرجه أبو داود (٤٣٢١) بسند صحيح، وأصله عند مسلم (١٩٧/٨) دون قوله:
((فإنها .. )).
٥٨٣ - (يَكْشِفُ ربُّنا عن ساقِهِ؛ فيسجدُ له كُلُّ مؤمن ومؤمنةٍ، ويبقَى مَنْ
كانَ يسجدُ في الدنيا رياءً وسمعةً، فيذهبُ لِيَسْجُدَ فيعودُ ظَهرُهُ طَبَقاً واحداً).
أخرجه البخاري (٥٣٨/٨ - فتح): حدثنا آدم: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد
عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه قال: سمعت النبي ◌َّلل يقول: فذكره.
وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (١٦٩/١) من طريق آخر عن آدم بن أبي إياس
به .
قلت: هكذا ساقه البخاري في ((التفسير))، وهو قطعة من حديث أبي سعيد
الطويل في رؤية الله في الآخرة؛ ساقه بتمامه في ((التوحيد)) (١٣ /٣٦٢ - ٣٦٤): حدثنا
يحيى بن بكير : حدثنا الليث به بلفظ :
- ١٢٥ -

((فيقول - يعني : الرب تبارك وتعالى للمؤمنين - : هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟
فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه؛ فيسجد .. )).
وأخرجه ابن منده في ((الرد على الجهمية)) (٢/٣٦)، والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)) (ص ٣٤٤) بسندهما عن يحيى بن بكير به. وقال البيهقي :
((رواه البخاري في ((الصحيح)) عن ابن بكير، ورواه عن آدم بن أبي إياس عن
الليث مختصراً، وقال في هذا الحديث: ((يكشف ربنا عن ساقه)). ورواه مسلم عن
عيسى بن حماد عن الليث كما رواه ابن بكير. وروي ذلك أيضاً عن عبد الله بن مسعود
عن النبي (وَ ل®)).
قلت: أخرجه مسلم في ((الإِيمان)) من ((صحيحه)) (١١٤/١ - ١١٧): حدثني
سويد بن سعيد قال: حدثني حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم به؛ إلا أنه قال: (( ....
فيقولون: نعم. فيكشف عن ساقٍ ... )).
ثم ساقه مسلم عن عيسى بن حماد عن الليث به نحوه لم يسق لفظه. لكن ساقه
ابن حبان (٧٣٣٣/٣٣٤/٩ - الإِحسان) بلفظ سُوَيد.
ثم ساقه من طريق هشام بن سعد: حدثنا زيد بن أسلم به نحوه لم يسق لفظه
أيضاً، وإنما أحال فيهما على لفظ حديث حفص.
وقد أخرج حديث (هشام) ابن خزيمة في ((التوحيد)) (ص ١١٣)؛ وأبو عوانة أيضاً
وكذا الحاكم (٥٨٢/٤ - ٥٨٤) وقال:
((صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي، وفيه عنده: ((نعم الساق، فيكشف عن
ساقٍ)).
وأخرجه ابن خزيمة وأحمد أيضاً (١٦/٣ - ١٧) من طريق عبد الرحمن بن
إسحاق: ثنا زيد بن أسلم به بلفظ: ((قال: فيكشف عن ساق)). ولفظ ابن بكير عند
البخاري: ((هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق)). وهو لفظ مسلم عن سعيد بن
- ١٢٦ -

سويد؛ إلا أنه قال: ((نعم)) مكان ((الساق)). وجمع بينهما هشام بن سعد عند الحاكم كما
رأيت، وهي عند مسلم؛ ولكنه لم يسق لفظه كما سبق.
وجملة القول: إن الحدیث صحیح مستفیض عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار
عن أبي سعيد. وقد غمزه الكوثري - كما هي عادته في أحاديث الصفات - فقال في
تعليقه على ((الأسماء)) (ص ٣٤٥):
((ففي سند البخاري ابن بكير وابن أبي هلال، وفي سند مسلم سويد بن سعيد)).
قلت: وإذا أنت ألقيت نظرة منصفة على التخريج السابق؛ تعلم ما في كلام -
الكوثري هذا من البعد عن النقد العلمي النزیه؛ فإن ابن بکیر لم یتفرد به عن اللیث؛ بل
تابعه آدم عند البخاري كما رأيت في تخريجنا ، وفي كلام البيهقي الذي تجاهله
الكوثري لغاية في نفسه، وتابعه أيضاً عيسى بن حماد عند مسلم، على أن ابن بكير وإن
تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه؛ فذلك في غير روايته عن الليث، فقال ابن عدي :
((كان جار الليث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه)).
وأما سويد بن سعيد؛ فهو وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه، فلا يضره ذلك هنا؛
لأنه متابع من طرق أخرى عن زيد كما سمعت ورأيت، ومثل ذلك يقال عن سعيد بن أبي
هلال؛ فقد تابعه حفص بن ميسرة وهشام بن سعد وعبد الرحمن بن إسحاق، فاتفاق
هؤلاء الثلاثة على الحديث يجعله في منجاة من النقد عند من ينصف.
نعم لقد اختلف هؤلاء في حرف منه، فقال الأول: ((عن ساقه)). وقال الآخرون:
((عن ساقٍ)). والنفس إلى رواية هؤلاء أميل، ولذلك قال الحافظ في ((الفتح)) (٥٣٩/٨)
بعد أن ذكره باللفظ الأول:
((فأخرجها الإِسماعيلي كذلك. ثم قال: في قوله: ((عن ساقه)) نكرة. ثم أخرجه
من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: ((يكشف عن ساق)). قال
الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة؛ لا يظن أن الله ذو أعضاء
- ١٢٧ -

وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، ﴿ليس كمثله
شيء﴾)).
قلت: نعم ﴿ليس كمثله شيءٍ﴾؛ ولكن لا يلزم من إثبات ما أثبته الله لنفسه من
الصفات شيء من التشبيه أصلاً، كما لا يلزم من إثبات ذاته تعالى التشبيه، فكما أن ذاته
تعالى لا تشبه الذوات - وهي حق ثابت - فكذلك صفاته تعالى لا تشبه الصفات، وهي
أيضاً حقائق ثابتة تتناسب مع جلال الله وعظمته وتنزيهه، فلا محذور من نسبة الساق إلى
الله تعالى إذا ثبت ذلك في الشرع، وأنا وإن كنت أرى من حيث الرواية أن لفظ: ((ساق))
أصح من لفظ: ((ساقه))؛ فإنه لا فرق بينهما عندي من حيث الدراية؛ لأن سياق الحديث
يدل على أن المعنى هو ساق الله تبارك وتعالى، وأصرح الروايات في ذلك رواية هشام
عند الحاكم بلفظ :
((هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم الساق. فيكشف عن
ساق .. )).
قلت: فهذا صريح أو كالصريح بأن المعنى إنما هو ساق ذي الجلالة تبارك
وتعالى. فالظاهر أن سعيد بن أبي هلال كان يرويه تارة بالمعنى حين كان يقول: ((عن
ساقه))، ولا بأس عليه من ذلك ما دام أنه أصاب الحق.
وإن مما يؤكد صحة الحديث في الجملة ذلك الشاهد عن ابن مسعود الذي ذكره
البيهقي مرفوعاً - وإن لم أكن وقفت عليه الآن مرفوعاً - وقد أخرجه ابن خزيمة في
((التوحيد)) (ص ١١٥) من طريق أبي الزعراء قال:
((ذكروا الدجال عند عبد الله، قال: تفترقون أيها الناس! عند خروجه ثلاث
فرق .. فذكر الحديث بطوله، وقال: ثم يتمثل الله للخلق، فيقول: هل تعرفون ربكم؟
فيقولون: سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه. فعند ذلك يكشف عن ساق؛ فلا يبقى مؤمن ولا
مؤمنة إلا خَرَّ لله ساجداً)).
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي الزعراء - واسمه عبدالله بن هانیء
- ١٢٨ -

الأزدي - وقد وثقه ابن سعد وابن حبان والعجلي، ولم يرو عنه غير ابن أخته سلمة بن
کھیل.
ووجدت للحديث شاهداً آخر مرفوعاً، وهو نص في الخلاف السابق في
((الساق))، وإسناده قوي، فأحببت أن أسوقه إلى القراء لعزته وصراحته، وهو:
٥٨٤ - (إذا جمعَ الله العبادَ بصَعِيدٍ واحدٍ نادى منادٍ : يَلْحَقُ كُلَّ قومٍ بما
كانُوا يَعْبُدُونَ. فَيَلحقُ كُلُّ قومٍ بما كانُوا يَعْبُدُونَ، ويبقَى الناسُ على حالِهِم،
فيأتِيهم فيقولُ: ما بالُ الناسِ ذَهَبُوا وأنتم ههنا؟ فيقولونَ: ننتظرُ إِلهَنَا.
فيقولُ: هل تَعْرِفُونَهُ؟ فيقولونَ: إذا تَعَرَّفَ إِلينا عَرَفْنَاهُ. فَيَكْشِفُ لهم عنْ
ساقِهِ فَيَقَعُونَ سُجوداً، وذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿يومَ يُكْشَفُ عِنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ
إلى السُّجُودِ فلا يستطيعونَ﴾، ويبقى كُلِّ منافقٍ فلا يستطيعُ أنْ يَسْجُدَ، ثم
يَقُودُهُم إلى الجنةِ).
أخرجه الدارمي في «سننه» (٣٢٦/٢): أخبرنا محمد بن يزيد البزاز عن يونس بن
بكير قال: أخبرني ابن إسحاق قال: أخبرني سعيد بن يسار قال: سمعت أبا هريرة
يقول: سمعت رسول الله ( 8) يقول: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الصحيح؛ إلا أن ابن إسحاق إنما أخرج
له مسلم متابعة .
ثم وجدت له طريقاً أخرى عن أبي هريرة مختصراً بلفظ:
«﴿يوم يكشف عن ساق﴾ قال: يكشف الله عز وجل عن ساقه)).
أخرجه ابن منده (٨/٣٩) من طريق يحيى بن حماد: ثنا أبو عوانة عن الأعمش
عن أبي صالح عنه.
وهذا إسناد صحيح إن سلم ممن دونه؛ فإن فيهم من لم أعرفه .
ثم رأيت حديث ابن مسعود المتقدم (ص ١٢٨) عند الطبراني (٥٧٦٣) بسند
صحيح .
- ١٢٩ -

٥٨٥ _ (كانَ لا ينامُ حتى يقرأ: ﴿ألم. تنزيلُ السجدة﴾ و﴿تباركَ الذي
بيده الملكُ﴾).
صحيح. أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٠٩) والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة))، وكذا ابن السني (٦٦٩)، والترمذي (١٤٦/٢)، والدارمي (٤٥٥/٢)،
وأحمد (٣٤٠/٣)، والبغوي في «تفسيره)) (٤٩٦/٦) عن ليث عن أبي الزبير عن جابر
مرفوعاً. وقال الترمذي :
((هذا حديث رواه غير واحد عن ليث بن أبي سليم مثل هذا. ورواه مغيرة بن مسلم
عن أبي الزبير عن جابر عن النبي وَ ل# نحو هذا. وروى زهير قال: قلت لأبي الزبير:
سمعت من جابر (فذكر هذا الحديث)؟ فقال أبو الزبير: إنما أخبرنيه صفوان أو ابن
صفوان. وكأن زهيراً أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر)).
قلت: وهذا التعليق وصله النسائي أيضاً (٧٠٩)، والحاكم (٤١٢/٢)، والبغوي
في ((الجعديات)) (ق ٢/١١٧)، وعنه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٥٤/٦) فقال:
حدثنا علي: أخبرنا زهير قال: قلت .. إلخ.
قلت: فِعِلَّة الحديث هو صفوان أو ابن صفوان؛ لم ينسب؛ لكني رأيت الحافظ
ابن حجر قد أورده في ((باب من نسب إلى أبيه أو جده .. )) بأنه «صفوان بن عبد الله بن
صفوان؛ نسب لجده))، فإذا كان كذلك فهو صفوان بن صفوان، وهو ثقة من رجال
مسلم. وكذلك سائر رجاله عند البغوي، وزهير هو ابن معاوية بن حديج أبو خيثمة،
فالسند صحيح، كما قال الحاكم والذهبي، والله ولي التوفيق.
وأما رواية المغيرة بن مسلم؛ فقد وصلها الثعلبي في ((تفسيره)) (١/٨٤/٣)،
والواحدي في «الوسيط» (١/١٩٩/٣) بإسنادهما عنه عن أبي الزبير عن جابر به، وزاد:
((ويقول: هما يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين سنة، ومن قرأهما كتبت له
سبعون حسنة ، ومحي عنه سبعون سيئة، ورفع له سبعون درجة)).
- ١٣٠ -

والمغيرة هذا صدوق كما قال الحافظ، ولكني في شك من ثبوت هذه الزيادة عنه،
وليس في متناول يدي الآن إسناد الحديث إليه لأعيد النظر فيه، ولما كنت نقلته من
المصدرين المذكورين؛ لم أنقل منه إلا قسمه الأعلى المذكور هنا، وإني لأخشى أن
تکون هذه الزيادة مدرجة في الحدیث، فقد روی الدارمي (٤٥٥/٢): حدثنا عفان: ثنا
حماد بن سلمة: أنا أبو الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال:
((من قرأ ﴿تنزيل السجدة﴾ و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾؛ كتب له سبعون حسنة،
وحط عنه بها سبعون سيئة، ورفع له بها سبعون درجة)).
قلت: وهذا إسناد مقطوع حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الله بن
ضمرة؛ وثقه العجلي وابن حبان، وروى عنه جمع من الثقات. والبحث في هذه الزيادة
يحتاج إلى مزيد من التحقيق، فعسى أن ييسر لي ذلك قريباً.
ثم رأيت النسائي قد أخرجه (٧٠٦) من طريق المغيرة دون الزيادة. وصرح ابن
السني في روايته المتقدمة أنها من قول طاوس. والله أعلم.
(تنبيه) قد أُعلَّ الحديث المعلِّق على ((شرح السنة)) (٤٧٢/٤) بضعف الليث
وعنعنة أبي الزبير، وغفل أو تغافل - لا أدري؟ ! - عن رواية صفوان السالمة من العلتين،
والتي صححها الحاكم والذهبي كما تقدم .
٥٨٦ - (﴿ قلْ يا أيُّها الكافرونَ﴾ تَعْدِلُ ربعَ القرآنِ).
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (ق ١/٥٥) والحاكم (٥٦٦/١ - تلخيص) من
طريق غسان بن الربيع: حدثنا جعفر بن ميسرة الأشجعي عن أبيه عن نافع عن ابن عمر
قال: قال رسول الله رَالَ: فذكره. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد))، وتعقبه الذهبي بقوله :
((قلت: بل جعفر بن ميسرة منكر الحديث جدّاً قاله أبو حاتم. وغسان ضعفه
الدارقطني)).
- ١٣١ -

قلت: هذا قد وثق، فالعلة من جعفر؛ فقد ضعفه البخاري جدّاً بقوله:
((منكر الحديث))؛ لكنه لم يتفرد به، فقد جاء من طريق أخرى عن ابن عمر.
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢/٢٠٣/٣) من طريقين عن سعيد بن
أبي مريم: أنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه
مرفوعاً به. وزاد في أوله: ((﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن)). وهذا القدر منه في
((الصحيحين)) وغيرهما عن جماعة من الصحابة، وهو صحيح مشهور يكاد يكون
متواتراً، ولذلك لم أخرجه هنا، وهو في ((صحيح أبي داود)) (١٣١٤).
ورجاله ثقات؛ غير ابن زحر وابن أبي سليم؛ فإنهما ضعيفان من قبل حفظهما،
فيتقوى حديثهما بما روى سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول
اللّهِ وَّ: فذكره وزاد: ((و﴿إِذا زلزلت﴾ ربع القرآن، و﴿إذا جاء نصر الله﴾ ربع
القرآن)).
أخرجه أحمد (١٤٦/٣ - ١٤٧)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٨٠/١١)،
والترمذي (١٤٧/٢) وقال: ((حديث حسن)). ورجاله ثقات؛ غير سلمة؛ فإنه ضعيف
لسوء حفظه أيضاً، فالحديث حسن بمجموع الطرق؛ لا سيما وله طريق أخرى عن
أنس، وشاهد آخر عن ابن عباس، وهما مخرجان في ((السلسلة الأخرى)) (١٣٤٢).
وله شاهد ثالث من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً.
أخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ٣٢)، وعنه أبو نعيم في ((أخبار
أصبهان)) (١٠٥/١). وقال الطبراني:
((تفرد به زكريا بن عطية)).
قلت: وهو مجهول.
والحديث ذكره الحافظ في ((نتائج الأفكار)) من طريق الطبراني هذه، وأعله
بالجهالة ثم قال :
- ١٣٢ -

((وللحديث شواهد مرسلة))!
ثم ساق شاهدين اثنين مقطوعين! ففاتته هذه الشواهد الكثيرة الموصولة. والموفق
الله تبارك وتعالى .
٥٨٧ - (كانَ الكتابُ الأولُ يَنْزِلُ مِنْ بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ،
ونزلَ القرآنُ مِنْ سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرفٍ ).
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٨٤/٤ - ١٨٥)، وابن جرير الطبري في
((التفسير)) (٥٣/١)، والحاكم (٥٥٣/١)، وابن حبان (١٧٨٢)، والهروي في ((ذم
الكلام)) (ق ٢/٦٢)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٧٥/٨) من طرق عن حيوة بن شريح
عن عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن
رسول الله یپڼ قال: فذكره وزاد.
((زجرٌ، وأمرٌ، وحلالٌ، وحرامٌ، ومحكمٌ، ومتشابٌ، وأمثالٌ، فَأَحِلُوا حَلَاَلَهُ،
وحَرّمُوا حَرَامَهُ، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وانْتَهُوا عما نُهِيتُم عَنْهُ، واعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، واعْمَلُوا
بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بمتَشَابِهِهِ، وقُولُوا: آمنًا بِهِ كُلِّ مِنْ عندِ ربِّنا)).
قلت: وهذا إسناد قال الحاكم: ((صحيح))! ووافقه الذهبي، ورجاله ثقات رجال
الشیخین؛ غیر سلمة هذا، فقد ترجمه ابن أبي حاتم، وروی عن أبيه أنه قال:
«لا بأس به)).
لكن أعله الطحاوي بالانقطاع؛ فإنه ساقه بعده من طريق عبد الله بن صالح قال:
حدثني الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سلمة
ابن أبي سلمة [عن أبيه] أن رسول الله وَالر ... ثم ذكر هذا الحديث، ولم يذكر فيه
عبدالله بن مسعود. ثم قال الطحاوي :
((فاختلف حيوة والليث عن عقيل في إسناده، فرواه كل واحد منهما على ما ذكرناه
في روايته إياه عنه، وكان أهل العلم بالأسانيد يدفعون هذا الإِسناد بانقطاعه في إسناده؛
- ١٣٣ -

لأن أبا سلمة لا يتهيأ في سنه لقاء عبد الله بن مسعود، ولا أخذه إياه عنه)).
وأقول: في إسناد طريق الليث عبد الله بن صالح، وفيه ضعف من قبل حفظه،
ولذلك فرواية حيوة أصح؛ لكنها منقطعة لما ذكره الطحاوي من عدم سماع أبي سلمة من
ابن مسعود، فقد مات هذا سنة (٣٢)، وهي السنة التي مات فيها عبد الرحمن بن عوف
والد أبي سلمة، وقد ذكروا أنه لم يسمع من أبيه لصغره، فهذه هي علة الحديث:
الانقطاع، وبه أعله ابن عبد البر أيضاً، وتبعه الحافظ في ((الفتح)) (٢٩/٩).
وقد وجدت له طريقاً أخرى موصولة؛ يرويها عثمان بن حيان العامري عن فلفلة
الجُعْفي قال:
((فزعت فيمن فزع إلى عبد الله - يعني: ابن مسعود - في المصاحف، فدخلنا
عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين؛ ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر. قال:
إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإن الكتاب الأول كان
ینزل من باب واحد علی حرف واحد».
أخرجه الطحاوي (٤ /١٨٢)، وأحمد (٤٤٥/١).
قلت: وهذا إسناد جيد موصول، رجاله كلهم ثقات معرفون؛ غير فلفلة هذا،
واسم أبيه عبد الله، أورده ابن أبي حاتم (٩٢/٢/٣ - ٩٣) ولم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين)) (١٨٥/١)، وروى عنه جماعة من الثقات
كما في ((التهذيب))، ويمكن أن يكون فلفلة هذا هو الواسطة في رواية هذا الحديث بين
أبي سلمة وابن مسعود.
وبالجملة فالحديث حسن عندي بهذه الطريق. والله أعلم.
وقد روي من حديث أبي هريرة؛ غير أن إسناده واه جدّاً؛ فلا يصلح للاستشهاد،
وفي أوله زيادة أوردته من أجلها في ((الكتاب الآخر)) (١٣٤٦).
- ١٣٤ -

٥٨٨ - (إنَّ لكلِّ شيءٍ سناماً، وسنامَ القرآنِ سورةُ ﴿البقرةِ﴾، وإنَّ
الشيطانَ إذا سمِعَ سورةَ ﴿البقرةِ﴾ تُقْرَأُ؛ خرجَ مِنَ البيتِ الذي يُقْرَأُ فِيهِ
سورةُ ﴿البقرةِ﴾).
أخرجه الحاكم (١/ ٥٦١) من طريق عمرو بن أبي قيس عن عاصم بن أبي النجود
عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود موقوفاً ومرفوعاً. وقال:
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو عندي حسن؛ لأن في عاصم هذا بعض الضعف من قبل حفظه.
ولنصفه الآخر طریق أخری عنده عن عاصم به نحوه.
والنصف الأول أخرجه الدارمي (٤٤٧/٢) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم به
موقوفاً على ابن مسعود وزاد:
((وإن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن المفصل)).
قلت: وإسناده حسن.
وللحديث شاهد من حديث سهل بن سعد مرفوعاً نحوه، وآخر من حديث أبي
هريرة نحوه. وهما مخرجان في ((الكتاب الآخر)) (١٣٤٨ و١٣٤٩).
ولطرفه الأول منه شاهد آخر من حديث معقل بن يسار مرفوعاً بلفظ:
((البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستخرجت ﴿الله
لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ من تحت العرش فوصلت بها ... )).
أخرجه أحمد (٢٦/٥) عن رجل عن أبيه عنه.
قلت: وهذا إسناد ظاهر الضعف، وقد سمي الرجل الأول في بعض الطرق بأبي
عثمان، وصرح فيها بأنه ليس النهدي، فهو مجهول على كل حال.
- ١٣٥ -

٥٨٩ - (مَنْ قَرَأْ ﴿قُلْ هُوَ الله أحَدٌ﴾ حتى يَخْتِمَها عَشْرَ مراتٍ؛ بَنَّى الله
له قصراً في الجنة).
أخرجه أحمد (٤٣٧/٣)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٤٧) من طريق ابن لهيعة
ورشدين بن سعد قالا: ثنا زبان بن فائد الحَمْراوي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني
عن أبيه معاذ بن أنس الجهني صاحب رسول الله صلقر عن النبي ◌َ ◌ّ قال: فذكره وزاد:
((فقال عمر: إذن نستكثر قصوراً يا رسول الله! فقال: الله أكثر وأطيب)).
وأخرجه ابن السني (٦٨٧) عن ابن لهيعة وحده دون الزيادة.
قلت: وهذا إسناد لين من أجل زبان؛ قال الحافظ :
(ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٥/٧):
«رواه الطبراني وأحمد، وفي إسنادهما رشدین بن سعد وزبان وكلاهما ضعيف،
وفيهما توثيق لین)).
قلت: رشدین قد تابعه ابن لهيعة عند أحمد، وذلك مما يقويه ويبعد العلة عنه،
وزبان غیر متهم، فحديثه مما يستشهد به.
وقد وجدت له شاهداً موصولاً وآخر مرسلاً.
أما الأول؛ فأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي هريرة مرفوعاً به دون الزيادة،
وزاد:
((ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاث)).
قال الهيثمي: ((وفيه هانىء بن المتوكل وهو ضعيف)).
وأما الآخر؛ فقال الدارمي في ((سننه)) (٤٥٩/٢): حدثنا عبد الله بن يزيد: ثنا
حيوة قال: أخبرني أبو عقيل أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله وَلّ قال: فذكر
الحديث مثل حديث معاذ بن أنس بتمامه، وفيه الزيادة الثانية التي في الشاهد الأول.
- ١٣٦ -

قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي عقيل
- واسمه زهرة بن معبد - فهو من رجال البخاري وحده، فإذا ضم إلى هذا المرسل
الصحيح الموصولان من حديث معاذ وأبي هريرة؛ تقوى الحديث وبلغ رتبة الحسن على
أقل الدرجات.
٥٩٠ - (سَيَلِيكُم أمراءُ بعدي، يُعَرِّفُونَكم ما تُنْكِرُونَ، ويُنْكِرُونَ عليكم
ما تَعْرِفُونَ، فَمَنْ أُدرَكَ ذلك منكم؛ فلا طاعةَ لِمَنْ عَصَى الله).
أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٢٥)، والحاكم (٣٥٦/٣) من طريق عبدالله بن
واقد عن أبي الزبير عن جابر عن عبادة بن الصامت مرفوعاً به. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد))، ورده الذهبي بقوله:
((قلت: تفرد به عبد الله بن واقد وهو ضعيف)).
فقال المناوي عقبه :
((وبه يعلم أن رمز المصنف لحسنه غير حسن)).
وقال العقيلي :
(«وقد روي في هذا رواية من غير هذا الوجه أصلح من هذه الرواية بخلاف هذا
اللفظ)» .
والحديث عزاه السيوطي للطبراني أيضاً في ((الكبير))، ولم أره في ((المجمع))،
ولعل رمزه عليه بالحسن باعتبار أن له طريقاً أخرى عن عبادة، وقد وقفت عليها إلا أن فيها
زيادة لم ترد في هذه الطريق، ولذلك أوردتها في ((السلسلة الأخرى)) (١٣٥٣)، وهي
التي رواها الطبراني، وذكرها في ((المجمع)) (٢٢٦/٥ -٢٢٧)، وأما هذه فقد استخرت
الله تعالى، فأوردتها هنا لتقويها بمجموع الطريقين. والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم وجدت له شاهداً من حديث ابن مسعود مرفوعاً بلفظ :
- ١٣٧ -

((سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة
عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد!
كيف تفعل؟! لا طاعة لمن عصى الله)).
أخرجه أحمد وابنه (٣٩٩/١ - ٤٠٠)، وابن ماجه (٢٨٦٥) والسياق له، والبيهقي
(١٢٧/٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢/٧٤/٣) من طرق عن عبد الله بن
عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه عن جده
عبد الله بن مسعود به. ولفظ الطبراني :
((سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ويحدثون البدع ... ))
الحدیث.
قلت: وإسناده جيد على شرط مسلم.
٥٩١ - (إِنَّ أولَ ما هلكَ بنو إسرائيلَ أنَّ امرأةَ الفقيرِ كأنت تُكلِّفُهُ منَ
الثيابِ أو الصِّيَغِ - أو قال: منَ الصِّيغَةِ - ما تُكَلِّفُ امرأةُ الغَنِيِّ. فذكرَ امرأةً
من بني إسرائيلَ كانت قَصِيرةً، واتخذتْ رِجْلَيْن من خَشَب، وخَاتماً له غَلَقٌ
وَطَبَقٌ، وَحَشَتْهُ مِسْكاً، وخرجتْ بِينَ امرأتينٍ طَوِيَتَيْنِ أوْ جَسِيمَتَيْنِ، فَبَعَثُوا
إنساناً يتبعُهُم، فعرفَ الطَّوِيلَتَيْنِ، ولم يعرِفْ صاحبةَ الرِّجْلَيْنِ منْ خشبٍ).
أخرجه ابن خزيمة في («التوحيد)» (ص ٢٠٨): حدثنا محمد بن عبد الأعلى
الصنعاني قال: ثنا المعتمر عن أبيه قال: ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أو جابر أن نبي الله
* خطب خطبة فأطالها، وذكر فيها أمر الدنيا والآخرة، فذكر أن أول ما هلك ..
الحدیث.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في ((صحيحه)) (٤٧/٧ -
٤٨)، وابن حبان (٥٥٦٥ - الإِحسان) من طرق عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً نحوه
بقصة المرأة القصيرة فقط، ولذلك خرجته .
- ١٣٨ -

وكذلك أخرجه أحمد (٤٦/٣) من طريق المستمر بن الريان الإِيادي: ثنا أبو
نضرة العبدي عن أبي سعيد الخدري به؛ إلا أنه زاد في أوله فقال:
((إن رسول الله { لقد ذكر الدنيا فقال:
((إن الدنيا خضرة حلوة؛ فاتقوها واتقوا النساء)). ثم ذكر نسوة ثلاثاً من بني
إسرائيل ... )) الحديث نحوه دون بعث الإِنسان.
وسنده صحيح أيضاً، وصححه ابن حبان (٥٥٦٤). وروى منه مسلم (٨٩/٨)
طرفه الأول.
٥٩٢ - (إنَّ لكلِّ أمةٍ فتنةً، وفتنةَ أمتي المالُ).
أخرجه الترمذي (٥٤/٢)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٢٢/١/٤)، وابن
حبان (٢٤٧٠)، والحاكم (٣١٨/٤)، وأحمد (١٦٠/٤)، والقضاعي في ((مسند
الشهاب)) (ق ١/٨٦) من طرق عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن
عبدالرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن كعب بن عياض قال: سمعت النبي وَلّ
يقول: فذكره. وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح غريب)). وقال الحاكم :
«صحيح الإسناد)»، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالوا؛ بل هو عندي على شرط مسلم، وقد أعل بما لا يقدح
كما يأتي .
وروي من حديث أبي هريرة.
أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٩٩) عن علي بن قتيبة: ثنا مالك عن موسى
الأحمر عنه مرفوعاً به. وقال:
((ليس له أصل من حديث مالك، ولا من وجه يثبت، وعلي بن قتيبة الرفاعي
بصري لين الحديث، عن الثقات بالبواطيل وما لا أصل له)).
- ١٣٩ -

وقوله: «ولا من وجه یثبت» مردود بحدیث کعب بن عیاض؛ فإنه لا علة له، وقد
صححه من ذكرنا، وكذا ابن عبد البر في ترجمة كعب هذا من ((الاستيعاب))، وأقرهم
الحافظ في ((الفتح)) (٢٥٣/١١)؛ وقال:
«وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور عن جبير بن نفير مثله)).
وأقول: هذا لا يصلح للشهادة؛ لأنه من طريق المشهود له الموصول من طريق
جبیر نفسه كما تقدم. فتأمل.
٥٩٣ - (مَنْ سَرَّهُ أنْ يستجيبَ الله له عندَ الشدائدِ والكُرَبَ؛ فَلْيُكْثِرِ
الدعاءَ في الرخاءِ).
رواه الترمذي (٢٤٤/٢)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٦٣٩٦/٢٨٣/١١)، وابن
عدي (١/٢٥٥)، وعبدالغني المقدسي في ((الدعاء)) (١٤٤ - ١٤٥)، وكذا ابن عساكر
(١/١٨٣/٣) عن عبيد بن واقد: ثنا سعيد بن عطية عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة
مرفوعاً.
قلت: وأشار الترمذي إلى تضعيفه بقوله: ((غريب)).
وقال ابن عدي: ((وعبيد بن واقد عامة ما يرويه لا يتابع عليه)).
وأقول: وفاته أنه قد توبع؛ فرواه أبو يعلى (٣٩٧*) من طريق أبي بشر جعفر بن
إياس عن شهر بن حوشب به. فالعلة من شهر لسوء حفظه .
وله طريق أخرى عند الحاكم (٥٤٤/١)، ومن طريقه ابن النجار في ((الذيل))
(١/١٠٧/١٠)، وعنه المقدسي عن عبد الله بن صالح: ثنا معاوية بن صالح عن أبي
عامر الألهاني عن أبي هريرة. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد، احتج البخاري بابن صالح، وأبو عامر الألهاني أظنه الهوزني،
وهو صدوق))، ووافقه الذهبي.
- ١٤٠ -