النص المفهرس

صفحات 41-60

وللحدیث شاهدان من حديث سهل بسند صحيح، وحديث ابن مسعود بسند
حسن نحوه أتم منه، وسيأتي تخريجهما برقم (٣١٠٢).
٥١٤ - (لو غُفِرَ لكم ما تَأْتُوُنَ إلى البهائمِ لَغُفِرَ لكم كثيراً).
أخرجه أحمد (٦ /٤٤١): ثنا هيثم بن خارجة قال: أنا أبو الربيع سليمان بن عتبة
السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي ◌َثِير:
فذكره .
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات معرفون؛ غير سليمان بن عتبة - وهو
الدمشقي الداراني - مختلف فيه، فقال أحمد :
((لا أعرفه)).
وقال ابن معين: ((لا شيء)).
وقال دحيم: ((ثقة)).
ووثقه أيضاً أبو مسهر والهيثم بن خارجة وهشام بن عمار وابن حبان. ومع أن
الموثقين أكثر؛ فإنهم دمشقيون مثل المترجم، فهم أعرف به من غيرهم من الغرباء. والله
أعلم .
وقال الحافظ في ((التقريب)) :
((صدوق له غرائب)).
وقال عبد الله بن أحمد في ((زوائده على المسند)) (٤٤٢/٦):
((حدثني الهيثم بن خارجة عن أبي الربيع بهذه الأحاديث كلها؛ إلا أنه أوقف منها
حديث: (لو غفر لكم ما تأتون ... ))، وقد حدثناه أبي عنه مرفوعاً)).
قلت: الأب أجل من الولد وأحفظ، والكل حجة، ولا بعد أن ينشط الراوي تارة
فيرفع الحديث، ولا ينشط أخرى فيوقفه، فالظاهر أن الهيثم حدث به أحمد مرفوعاً،
- ٤١ -

وحدث ابنه موقوفاً، فحفظ كل ما سمع. فالحديث ثابت مرفوعاً وموقوفاً، والرفع زيادة،
فهو المعتمد، وهذا في رأيي خير من قول المنذري في ((الترغيب)) (٢١٢/٣):
((رواه أحمد والبيهقي مرفوعاً هكذا، ورواه عبد الله في ((زياداته)) موقوفاً على أبي
الدرداء، وإسناده أصح، وهو أشبه)).
كذا قال، وهو من الغرائب؛ فإن إسناد الموقوف هو عين إسناد المرفوع، وإنما
الخلاف بين أحمد وابنه، فإذا كان لا بد من الترجيح بين روايتيهما؛ فإن مما لا شك فيه
أن رواية أحمد أرجح؛ لأنه أحفظ كما سبق، ولكني أرى أن لا مسوغ لذلك مع إمكان
الجمع الذي ذكرته .
ومن العجيب أن المناوي نقل عن الهيثمي مثلما قال المنذري من الترجيح،
والظاهر أنه سبق قلم منه، لأن الهيثمي (١٩١/١٠ و٢١٧) لم يزد على أن جود إسناده.
ثم وجدت متابعاً لأحمد أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٢/٩٥/٢) من طريق
عباس بن محمد الدوري: ثنا الهيثم بن خارجة به مرفوعاً.
٥١٥ - (مَنْ أَدْرََ والدَيْهِ أو أَحَدَهُما، ثم دَخَلَ النارَ مِنْ بَعْدِ ذلكَ؛
فَأَبْعَدَهُ اللّهُ وأَسْحَقَهُ).
أخرجه الإمام أحمد (٤ /٣٤٤ ٢٩/٥) عن شعبة عن قتادة قال: سمعت زرارة
ابن أوفى يحدث عن أبي بن مالك عن النبي وَلقر أنه قال: فذكره، وأخرجه الطيالسي
(١٣٢١) ومن طريقه البيهقي في ((الشعب)) (١٩٦/٦): حدثنا شعبة به دون قوله:
((وأسحقه)).
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي بن مالك - وهو
صحابي - عداده في أهل البصرة، وقد اختلف في اسمه على أقوال؛ رجح الحافظ هذا
الذي في رواية قتادة هذه، وقد خالفه ابن جدعان، فقال الطيالسي أيضاً (١٣٢٢):
حدثنا شعبة عن علي بن زيد أن زرارة يحدث عن رجل من قومه يقال له: مالك أو أبو
مالك أو ابن مالك عن النبي وهلر: فذكره بزيادة فيه دون الزيادة المتقدمة.
- ٤٢ -

وكذلك رواه حماد بن سلمة: أنا علي بن زيد عن زرارة إلا أنه قال: عن مالك بن
عمرو القشيري. جزم بذلك ولم يشك. وابن جدعان ضعيف، فلا يحتج به لا سيما مع
مخالفته لمثل قتادة، وهو ثقة محتج به في ((الصحيحين)).
٥١٦ - (رِضَى الربِّ في رِضَى الوالدِ، وسُخْطُ الربِّ في سُخْطِ
الوالدِ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٢)، والترمذي (١ /٣٤٦)، وابن حبان
(٢٠٢٦)، والحسن بن سفيان في ((الأربعين)) (ق ٢/٦٩) من طريق خالد بن الحارث:
حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ به .
ثم أخرجه الترمذي من طريق محمد بن جعفر، والبخاري في ((الأدب المفرد)) رقم
(٢) عن شعبة به موقوفاً على ابن عمرو ولم يرفعه. وقال الترمذي :
((وهذا أصح، وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه
عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة،
وخالد بن الحارث ثقة مأمون)».
قلت: وقد احتج به الشيخان، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ثقة ثبت)).
وقد وجدت له متابعین علی رفعه :
الأول : عبد الرحمن: ثنا شعبة به مرفوعاً .
أخرجه الحاكم (١٥١/٤ - ١٥٢) من طريقين عنه وقال: ((صحيح على شرط
مسلم))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وعبدالرحمن هو ابن مهدي، وهو من هو في
الثقة والحفظ والضبط، وأحد طريقيه عند الحاكم من رواية عبدالله بن أحمد عن أبيه عنه
ولم أره في ((مسند أحمد)). والله أعلم.
- ٤٣ -

والآخر : أبو إسحاق الفزاري عن شعبة به.
أخرجه أبو الشيخ في ((الفوائد)) (ق ٢/٨١) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١/٧٦/٤).
وأبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، وهو إمام ثقة حافظ محتج به
في ((الصحيحين)) أيضاً.
قلت: فهؤلاء ثلاثة من الثقات الأثبات اتفقوا على رواية الحديث عن شعبة
مرفوعاً، فثبت الحديث بذلك، وأن قول الترمذي: ((إن الموقوف أصح)) إنما هو باعتبار
أنه لم يعلم أحداً رفعه غير خالد بن الحارث، أما وقد وجدنا غيره قد رفعه؛ فالرفع
أصح، وذلك كله مصداق لقول من قال: كم ترك الأول للآخر.
وله طريق أخرى عن يعلى بن عطاء عند أبي نعيم في ((الحلية)) (٢١٥/٦)، ولكن
لا أدري إذا كان وقع في إسناده تحريف أم لا؟
ثم وجدت هنا على هامش نسختي من الطبعة السابقة استدراكاً خلاصته: أن عطاء
والد يعلى لم يرو له مسلم، وأنه لا يعرف إلا برواية ابنه يعلى، وعليه فقد رجعت عن
موافقتي للحاكم والذهبي على تصحيح الحديث على شرط مسلم؛ بل رجعت عن
تصحيح إسناده تصحيحاً مطلقاً، بينما استمر مقلِّدي المتستر، والمتظاهر بالنقد الحاقد
في تعليقه على ((سير أعلام النبلاء)) (١٤ /١٤٧)! فلعل لديه من الجرأة الأدبية ما يحمله
على اتباعي في رجوعي إلى الصواب !!
ولكني مع ذلك فقد أداني البحث والتحقيق إلى القول بأن الحديث لا ينزل عن
رتبة الحسن بمجموع طرقه التي منها حديث أبي هريرة عند الطبراني في ((المعجم
الأوسط)) (٢٤٤٣/١٢٥/١ بترقيمي)، وفيه لين، وآخر مختلف فيه كما في ((مجمع
الزوائد)) (١٣٦/٨ - ١٣٧).
ومنها: عن ابن عباس قال: فذكر نحوه موقوفاً عليه.
أخرجه البخاري أيضاً (رقم ٧) بسند رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير تابعيه سعيد
القيسي؛ لا يعرف.
- ٤٤ -

٥١٧ - (سُبْحانَ اللهِ! وهَلْ أَنزَلَ الله مِنْ داءٍ في الأرضِ إلا جَعَلَ له
شِفاءً؟!).
أخرجه الإمام أحمد (٣٧١/٥): ثنا إسحاق بن يوسف: ثنا سفيان عن منصور
عن هلال بن يساف عن ذكوان عن رجل من الأنصار قال:
((عاد رسول الله وَ لَه رجلاً به جرح، فقال رسول الله وَالله: («ادعوا له طبيب بني
فلان)). قال: فدعوه فجاء، فقال: يا رسول الله! ويغني الدواء شيئاً؟ فقال ... )) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم؛ غير
الرجل الأنصاري، وهو صحابي كما هو الظاهر، وجهالة الصحابي لا تضر، لا سيما
وأصل الحديث مشهور عن النبي ◌ّ، رواه عنه جماعة من الصحابة؛ منهم أنس بن
مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وجابر، وأسامة بن شريك، وعبدالله بن
مسعود، وصفوان بن عسال، وقد خرجت أحاديثهم وتكلمت على أسانيدها - وجلها
صحيح - في ((تخريج أحاديث الحلال والحرام)) رقم (٢٩٠)، وإنما أوردت هذا هنا لهذه
الفائدة التي تفرد بها من بيان سبب ورود الحديث. والحمد لله على توفيقه.
٥١٨ - (إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يُنْزِلْ داءً إلا أَنزَلَ له شفاءً؛ إلا الهَرَمَ،
فَعَلَيْكُم بِأَلْبانِ الْبَقَرِ؛ فإنها تَرُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ).
أخرجه الطيالسي (٣٦٨): حدثنا المسعودي عن قيس بن مسلم عن طارق بن
شهاب عن عبد الله عن النبي وَلِ .
ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم في ((الطب)) (ق ٢/١٢٦)، والحاكم (١٩٧/١)،
ورجاله ثقات؛ غير أن المسعودي كان اختلط قبل موته، واسمه عبد الرحمن بن
عبدالله بن عتبة بن مسعود الكوفي؛ لكنه قد توبع، فأخرجه الطبراني في ((المعجم
الكبير)) (١/٤٩/٣) من طريق زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة عن قيس بن مسلم به. وهذه
متابعة لا بأس بها، وخالفهما يزيد بن أبي خالد فقال: عن قيس بن مسلم عن طارق بن
شهاب أن النبي پ# قال: فذكره. لم يذكر فيه عبدالله وهو ابن مسعود.
- ٤٥ -

أخرجه أحمد (٣١٥/٤): ثنا عبد الرحمن بن مهدي: ثنا سفيان عن يزيد بن أبي
خالد به .
ومن هذا الوجه أخرجه النسائي في ((طب الكبرى)) (ق ١/٤٣٢).
ويزيد هذا هو ابن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني. قال الحافظ:
((صدوق یخطىء کثیراً، وکان یدلس)).
وذكره الذهبي في ((الضعفاء)).
قلت: فمثله لا يعارض روايتي المسعودي وأبي حنيفة، فروايتهما أرجح، ويؤيده
ما أخرجه الحاكم (٤ /١٩٦) من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي: ثنا أبو
زيد سعيد بن الربيع: ثنا شعبة عن الركين بن الربيع عن قيس بن مسلم عن طارق بن
شهاب عن عبد الله مرفوعاً بلفظ :
((ما أنزل الله من داء إلا وقد أنزل له شفاء، وفي ألبان البقر شفاء من كل داء)).
وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي.
وفيما قالاه نظر؛ فإن رجاله على شرط مسلم غير الرقاشي، ثم هو ضعيف
الحفظ، قال الحافظ :
((صدوق يخطىء، تغير حفظه)).
قلت: فمثله يحتج به فیما وافق غيره، أما فيما خالف أو تفرد فلا، وقد تفرد هنا
بقوله: ((شفاء من كل داء))، وقد رواه الربيع بن الركين عن إبراهيم بن مهاجر عن
قیس بن مسلم به، ولفظه :
((تداووا بألبان البقر؛ فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء؛ فإنها تأكل من الشجر)).
أخرجه الطبراني (١/٤٩/٣)، وأبو نعيم في ((الطب)) (ق ١/١٢٧).
والربيع بن الركين هو الربيع بن سهل بن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري،
وهو ضعيف اتفاقاً، وهو حفيد الركين بن الربيع الذي في سند الحاكم، وهو على
- ٤٦ -

ضعفه؛ فلفظ روايته أقرب إلى معنى لفظ المسعودي من تابعه الدالاني في رواية
الرقاشي .
وجملة القول: إن الصواب في إسناد الحديث أنه من مسند ابن مسعود؛ لاتفاق
الجميع عليه خلافاً لأبي خالد الدالاني، وفي متنه لفظُ المسعودي لمتابعة من ذكرنا له
خلافاً للرقاشي الذي لم يستثن الهرم. والله أعلم.
ثم وجدت للمسعودي متابعاً آخر فقال البغوي في ((حديث علي بن الجعد))
(ق ١/٩٧): ثنا أبو الربيع الزهراني : ثنا أبو وكيع الجراح بن مليح عن قيس بن مسلم
به سنداً ومتناً.
وهذا سند جید، رجاله ثقات رجال مسلم، وفي أبي وکیع ضعف يسير في حفظه،
وقال الحافظ فيه :
«صدوق یهم)).
وأخرجه من طريق قيس عن قيس بن مسلم به مرسلاً لم يذكر ابن مسعود، وذكر
فيه تلك الزيادة بلفظ :
«هو دواء من كل داء)).
وقيس هو ابن الربيع الأسدي، وهو ضعيف أيضاً لسوء حفظه.
ثم أخرجه هو والنسائي في ((الوليمة)) (ق ٢١٣ /١) من طريق حجاج بن نصير: ثنا
شعبة عن الربيع بن الركين بن الربيع عن قيس بن مسلم مثل رواية الرقاشي سنداً ومتناً.
لكن حجاج بن نصير ضعيف.
ثم رأيت لأبي الدالاني متابعاً قوياً عند النسائي بسنده الصحيح عن أيوب الطائي
عن قيس عن طارق مرسلاً بلفظ حديث الترجمة. فصح الحديث مرسلاً ومسنداً. والله
أعلم.
- ٤٧ -

٥١٩ - (إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدنيا
والآخرةِ. وصِلَّةُ الرَّحِمِ، وحُسْنُ الخُلُقِ وحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرانِ الدِّيارَ،
وَيِزِيدَانِ فِي الأَعْمارِ).
أخرجه أحمد (١٥٩/٦): ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث: ثنا محمد بن مهزم عن
عبد الرحمن بن القاسم: ثنا القاسم عن عائشة أن النبي و لتر قال لها: فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٤٥٣٠/٢٤/٨).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن مهزم،
وقد وثقه ابن معین، وقال أبو حاتم:
(ليس به بأس)). وذكره ابن حبان في «الثقات))، وقال المنذري في ((الترغيب)»
(٢٢٤/٣) وتبعه الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٣/٨):
((رواه أحمد، ورواته ثقات؛ إلا أن عبد الرحمن بن القاسم لم يسمع من عائشة))!
كذا قالا، وكأنه سقط من نسختهما من ((المسند)) قوله: ((ثنا القاسم))، وهو ثابت
في النسخة المطبوعة، وهو صحيح، فقد تابعه عبد الرحمن بن أبي بكر عن القاسم بن
محمد به .
أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٩١/٧٤/١٣)، وضعفه بعبد الرحمن هذا؛
لكن عبد الرحمن بن القاسم ثقة، فمتابعته إياه تنفع ولا تضر.
وقد رأيت الحديث في ((جزء من رواية محمد بن محمد بن سليمان الباغندي)) قال
(مجموع ١٠٧ - ظاهرية): ثنا إسحاق بن إبراهيم وأحمد بن الدورقي قالا: ثنا
عبد الصمد بن عبد الوارث ... فساقه مثل أحمد تماماً؛ إلا أنه لم يسق من متنه إلا
الجملة الأخيرة منه بلفظ :
((حسن الخلق، وحسن الجوار، وصلة الرحم يزدن في الأعمار، ويعمرن
الديار)).
- ٤٨ -

وللشطر الأول من الحديث شاهد من طريق ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن
أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ قال:
((من أعطي حظه من الرفق؛ فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من
الرفق؛ فقد حرم حظه من الخیر».
أخرجه أحمد (٤٥١/٦)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٣٥٢ - طبع
الهند)، والترمذي (٣٦٢/١) وقال:
(حديث حسن صحيح)).
كذا قال. ويعلى بن مملك قال الذهبي :
«ما روی عنه سوی ابن أبي مليكة)».
ومعنى هذا أنه مجهول، ونحوه قول الحافظ :
«مقبول)).
ثم رأيت الحديث من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر أنه سمع القاسم بن محمد
ابن [أبي] بكر يقول: سمعت عمتي عائشة تقول .. الحديث دون قوله: ((وصلة
الرحم ... ))، وزاد: ((ومن حرم حظه من الرفق؛ حرم حظه من خيري الدنيا والآخرة)).
أخرجه أبو نعيم (١٥٩/٩)، وإسناده ضعيف من أجل عبد الرحمن هذا، ولكن
لعله لا بأس به في المتابعات، فقد قال الساجي :
«صدوق فيه ضعف يحتمل)).
٥٢٠ - (قالَ اللَّهُ: أنا اللّهُ، وأنا الرحمنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وشَقَقْتُ لها
مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَهَا بَنَتُهُ).
أخرجه أبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (٣٤٨/١) من طريق سفيان بن عيينة عن
الزهري عن أبي سلمة قال:
- ٤٩ -

((اشتكى أبو الرداد الليثي، فعاده عبد الرحمن بن عوف، فقال: خيرهم
وأوصلهم، وما علمت أبا محمد؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله وَّر يقول: ))
فذكره.
ثم أخرجاه من طريق معمر عن الزهري: حدثني أبو سلمة أن الرداد الليثي أخبره
عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله وَّر بمعناه.
وأخرجه أحمد (١٩٤/١) من هذه الطريق بلفظ سفيان وابن حبان (٢٠٣٣)
بنحوه .
وقال الترمذي :
((حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح، ومعمر كذا يقول، قال محمد:
وحديث معمر خطأ)). وتعقبه المنذري بقوله (٢٢٥/٣):
((وفي تصحيح الترمذي له نظر؛ فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه
شیئاً، قاله یحیی بن معین وغيره)).
قلت: الذي يبدولي أن الترمذي لا يعني أن الحديث صحيح بالنظر إلى نسبته إلى
النبي وَلهو، وإنما بالنسبة للزهري فقط، يعني أن ما نسبه سفيان إليه من الحديث بالسند
المذكور صحيح النسبة إليه؛ بخلاف ما نسبه إليه معمر فهو خطأ، هذا الذي يتبادر إلى
الذهن من النظر إلى جملة كلامه، وذلك لا يعطي أن الحديث عنده صحيح عن النبي
وَلجر. والله أعلم.
هذا أقوله تخريجاً وتوجيهاً لكلام الترمذي؛ وإلا فالحديث صحيح عندي، ولم
يخطىء فيه معمر، بل إن سفيان هو الذي قصر في إسناده فصيره منقطعاً، والدليل على
ذلك أن معمراً قد توبع عليه، فقال الإِمام أحمد عقب روايته السابقة - وكأنه أشار إلى
تقويتها - : ثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة: حدثني أبي عن الزهري: حدثني أبو سلمة
ابن عبد الرحمن أن أبا الرداد الليثي أخبره عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله
وَله يقول: فذكره. فهذه متابعة قوية لمعمر من شعيب بن أبي حمزة، فإنه ثقة، واحتج به
- ٥٠ -

الشيخان، بل هو من أثبت الناس في الزهري كما قال الحافظ في ((التقريب))، ولذلك
جزم في ((التهذيب)) بأن حديث معمر هو الصواب، ويؤيده أنه قد تابعه أيضاً محمد بن
أبي عتيق عن ابن شهاب به. أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٣). ومحمد هذا
هو ابن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو حسن
الحديث عن الزهري كما قال الذهلي .
قلت: فهذان متابعان قويان لمعمر يشهدان لحديثه بالصحة، فكيف يصح الحكم
عليه بالخطإ ولو من إمام المحدثين؟ ورحم الله مالكاً إذ قال:
((ما منا من أحد إلا رد ورد عليه؛ إلا صاحب هذا القبر)). يعني: النبي ◌َّو.
والخلاصة: أن الصحيح في إسناد هذا الحديث أنه من رواية أبي سلمة أن الرداد
أخبره عن عبد الرحمن بن عوف. فهو إسناد متصل غير منقطع، ولكن ذلك لا يجعله
صحيحاً؛ لأن أبا الرداد هذا لا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولهذا
قال الحافظ: ((مقبول)). يعني: عند المتابعة، وإلا فلين الحديث. ولكنه قد توبع، فقال
الإِمام أحمد (١٩١/١): ((ثنا يزيد بن هارون: أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي
كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف
وهو مريض، فقال له عبد الرحمن: وصلتك رحم، إن النبي ◌َّ قال:)) فذكره.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الله بن قارظ والد إبراهيم، فلم أجد
من ترجمه، ولا ذكروه في شيوخ ابنه إبراهيم، فكأنه غير مشهور، وفي كلام ابن حجر ما
يشعر بذلك، فإنه قال بعد أن صوب رواية معمر المتقدمة :
((وللمتن متابع، رواه أبو يعلى بسند صحيح من طريق عبد الله بن قارظ عن
عبدالرحمن بن عوف من غير ذكر أبي الرداد فيه)).
وفاته أن هذه الطريق في ((مسند أحمد)) أيضاً.
وقد وجدت للحديث شاهداً قوياً؛ فقال الإِمام أحمد (٤٩٨/٢): ثنا يزيد قال:
وأنا محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: فذكره.
- ٥١ -

قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ إلا أنهما إنما أخرجا لمحمد
- وهو ابن عمروبن علقمة الليثي المدني - متابعة، وهو حسن الحدیث کما قال الذهبي .
وبذلك صح الحديث والحمد لله. وهو يدل على أن أبا سلمة كان له فيه إسنادان: الأول
عن أبى الرداد عن عبد الرحمن كما تقدم، والآخر هذا، كما أن يزيد بن هارون له فيه
إسنادان: أحدهما إسناده المتقدم عن الدستوائي عن ... عن ابن قارظ، والآخر هذا.
وهو من الأحاديث التي فاتت الحافظ الهيثمي؛ فلم يورده في كتابه ((مجمع الزوائد)) - مع
أنه على شرطه - لتفرد أحمد به عن الستة بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة.
وأما ما أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢/١١٨/١) من طريق محمد بن يزيد
البكري الجوزجاني: نا أبو مطيع البلخي الحكم بن عبد الله: نا شعبة عن سليمان
الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير مرفوعاً بلفظ:
((إن الله كتب في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض: أنا الرحمن
الرحيم، خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها
قطعته)) .
قلت: فهذا ضعيف جدّاً من أجل البلخي، فقد ضعفوه، واتهمه بعضهم بالكذب
والوضع، والبكري هذا لم أعرفه.
٥٢١ - (انْطَلِقُوا بِنا إلى البَصيرِ الذي في بني واقِفٍ نَعُوُدُهُ. قال: وكانَ
رجلاً اُعْمَى).
أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في ((معجمه)) (ق ١/١٣٣): نا ابن عفان: ناحسين
الجعفي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر مرفوعاً .
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن عفان هذا،
وهو الحسن بن علي بن عفان العامري؛ كما صرح البيهقي (١٠ /٢٠٠) في روايته عنه.
وهو صدوق كما قال الحافظ في ((التقريب))، وقد توبع، فأخرجه السلفي في
((الطيوريات)) (ق ١٧٤ /١) من طريقين آخرين عن حسين بن علي الجعفي به. وقال:
- ٥٢ -

((قال ابن صاعد: وقوله: ((عن جابر بن عبد الله)) وهم، والصحيح: (عن
محمد بن جبير بن مطعم))).
ثم رواه السلفي من طريق ابن صاعد عن سعيد بن عبد الرحمن وعبد الجبار بن
العلاء: نا سفیان عن عمرو عن محمد بن جبير مرسلاً به.
قلت: وقال ابن وهب في ((الجامع)) (٣٨):
«وسمعت سفیان بن عیینة یحدث عن عمرو به)).
ثم رواه السلفي من طريق إبراهيم بن بشار: نا سفيان بن عيينة: نا عمرو بن دينار
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعاً. فزاد في السند: ((عن أبيه))، فصيره مسنداً
عن جبير بن مطعم. وإبراهيم بن بشار هو الرمادي، وهو ثقة حافظ، وله أوهام كما في
((التقريب))، وقد تابعه محمد بن يونس الجمال كما في ((تاريخ بغداد)) (٤٣١/٧)
و ((سنن البيهقي)) وقالا - واللفظ للأول - :
((والمحفوظ : عن محمد بن جبير فقط)).
قلت: الأرجح عندي أنه عن جابر كما رواه الجعفي، وهو ثقة محتج به في
((الصحيحين)). ولم يتفرد به حتى يحكم عليه بالوهم، فقد أخرجه الخطيب من طريق
الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد - ولم نسمعه إلا منه - : حدثنا ابن علويه الصوفي
الحسن بن منصور: حدثنا سفيان بن عيينة به. وقال الدارقطني :
«تفرد به ابن مخلد عن ابن علويه عن ابن عيينة، وهو معروف برواية حسين
الجعفي عن ابن عيينة)).
قلت: وهذا إسناد صحيح كسابقه، الحسن بن منصور من شيوخ البخاري في
((صحيحه))، وابن مخلد - وهو العطار الدوري - ثقة حافظ. فهي متابعة قوية لرواية
الجعفي من الحسن بن منصور، وإذا كان قد خالفهما سعيد بن عبد الرحمن - وهو ابن
حسان وعبد الجبار بن العلاء كما تقدم؛ فإن معهما من المرجحات ما ليس مع
- ٥٣ -

مخالفيهما؛ من ذلك أنهما من رجال ((الصحيح))، والآخران ليسا كذلك، ومنه أن معهما
زيادة وهي الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة، فكيف من ثقتين؟!
فإن قيل: فهلا رجحت بهذه الطريقة نفسها رواية إبراهيم بن بشار التي أسندها عن
جبير بن مطعم؟
أقول: كنت أفعل ذلك لو أن الذي تابعه - وهو محمد بن یونس الجمال - كان ثقة،
أما وهو ضعيف - كما في ((التقريب)) - فتبقى روايته مرجوحة لتجردها عن المتابع القوي،
ومع ذلك فإنه يمكن اعتبار روايته مرجحاً آخر لرواية الجعفي والحسن بن منصور على ما
خالفهما بجامع الاشتراك في إسناد الحديث، ومخالفة من أرسله، غاية ما في الأمر أنه
وقع في روايته أن صحابي الحديث جبير بن مطعم، وفي روايتهما: جابر بن عبدالله،
فترجح روايتهما على روايته بالكثرة والثقة. والله أعلم.
والحديث أورده المنذري في ((الترغيب)) (٢٤٠/٣) عن جبير بن مطعم وقال:
((رواه البزار بإسناد جيد))!
وقد عرفت أن الأرجح أنه من حديث جابر بن عبد الله، وهو رواية للبزار
(١٩١٩/٣٨٩/٢) قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي : ثنا الحسين بن علي
الجعفي به.
٥٢٢ - (إِنَّ المسلمَ المُسَدِّدَ لَيُدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّوَّامِ القَوَّامِ بِآيَاتِ اللهِ عزَّ
وجلَّ؛ لِكْرَمٍ ضَرِيبَتِهِ، وحُسْنِ خُلُقِهِ).
أخرجه الإمام أحمد (٢٢٠/٢): ثنا علي بن إسحاق: ثنا عبد الله: أنا ابن لهيعة:
أخبرني الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة الأكبر عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول
الله ﴿ ل﴾ يقول: فذكره.
ثم أخرجه (٢ /١٧٧) من طريقين آخرين صحيحين عن ابن لهيعة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وابن لهيعة - واسمه عبد الله - وإن
كان قد ساء حفظه؛ إلا أن عبد الله هذا - وهو ابن المبارك - صحيح الحديث عنه؛ لأنه
- ٥٤ -

سمع منه قديماً كما نبه على ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد وغيره. ولم يتنبه لهذا
المنذري في ((الترغيب)) (٢٥٧/٣)، ثم الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢/٨)، فأعلَّه بابن
لهيعة! وعزاه الثاني منهما للطبراني أيضاً في ((الكبير)) و ((الأوسط)) وقال:
((وبقية رجاله رجال الصحيح)).
والحديث أخرجه أيضاً الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (ص ٦٠/٩) عن
ابن لهيعة .
وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
((إن الله ليبلغ العبد بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة)).
أخرجه الحاكم (١ /٦٠) وقال:
((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وأخرجه هو وغيره من حديث عائشة مرفوعاً نحوه بلفظ:
((درجات قائم الليل صائم النهار)). وقال أيضاً:
((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان (١٩٢٧).
قوله : ((ضريبته))؛ أي: طبيعته وسجيته كما في ((النهاية)).
٥٢٣ - (يا عائشةُ ارْفقي؛ فإِنَّ اللّهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيراً دَلْهُمْ على
باب الرِّفْقِ).
أخرجه أحمد (١٠٤/٦): ثنا أبو سعيد قال: ثنا سليمان - يعني: ابن بلال - عن
شريك - يعني: ابن أبي نمر - عن عطاء بن يسار عن عائشة أن رسول الله وج ليل قال لها:
فذكره .
قلت: وهذا إسناد على شرط البخاري، وفي شريك - وهو ابن عبد الله بن أبي نمر-
- ٥٥ _

كلام من قبل حفظه؛ لكنه لم يتفرد بالحديث، فقال أحمد أيضاً (٧١/٦): ثنا هيثم بن
خارجة قال: ثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: قال
رسول الله وَل: فذكره؛ إلا أنه قال: ((أدخل عليهم الرفق)). وبهذا اللفظ أورده المنذري
(٢٦٢/٣) من حديث عائشة وقال:
((رواه أحمد والبزار من حديث جابر، ورواتهما رواة الصحيح)).
ونحوه في ((مجمع الزوائد)) (١٩/٨) للهيثمي، وإسناد أحمد الثاني صحيح على
شرط البخاري .
وسبب الحديث ما روى المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله
عنها عن البداوة؟ فقالت:
٥٢٤ - (كانَ رسولُ اللهِ وَّهَ بَيْدو إلى هذِهِ التِّلاَعِ، وإنهُ أرادَ البداوَةَ
مرةً، فأرسلَ إلَّ ناقةً مُحَرمةً مِنْ إبلِ الصدقةِ، فقال لي: يا عائشةُ! ارْفقي؛
فإِنَّ الرِّفْقَ لم يكنْ في شيءٍ قَطُّ إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ مِنْ شيءٍ قَطُ إلا شَانَهُ).
أخرجه أبو داود (٢٤٧٨) والسياق له، وأحمد (٢٢٢/٥٨/٦)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (١٢٩٩٧/٣٣٥/١٢) من طريق شريك عن المقدام به .
وشريك سىء الحفظ كما تقدم آنفاً؛ لكن تابعه شعبة عند مسلم (٢٢/٨ -٢٣)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٧٥/٤٦٩)، وأحمد (١٧١/١٢٥/٦)، وإسرائيل عند
أحمد (٢٠٦/١١٢/٦). وليس عند مسلم فقرة التلاع ..
و(التلاع) مسايل الماء من علو إلى سفل. واحدها (تلعة).
٥٢٥ - (ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلا غُفِرَ لهما قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا).
أخرجه أبو داود (٥٢١٢)، والترمذي (١٢١/٢)، وابن ماجه (٣٧٠٣)، وأحمد
(٣٠٣/٢٨٩/٤)، وابن عدي (١/٣١) من طريق الأجلح عن أبي إسحاق عن البراء بن
عازب قال: قال رسول الله صل *: فذكره، وقال الترمذي:
- ٥٦ -

«حديث حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، وقد روي عن البراء من
غير وجه، والأجلح هو ابن عبد الله بن حجية بن عدي الكندي)).
قلت: وهو مختلف فيه، وهو حسن الحديث إن شاء الله وقد تابعه علي بن عابس،
وهو ضعيف .
أخرجه ابن شاهين في ((الترغيب)) (١/١١).
لكن شيخه أبا إسحاق - وهو عمرو بن عبد الله السبيعي - كان اختلط، ولا أدري
سمع الأجلح منه قبل الاختلاط أم بعده؟ ثم هو إلی ذلك مدلس، وقد عنعنه.
ومن طرقه التي أشار إليها الترمذي ما أخرجه أحمد (٤ /٢٨٩) من طريق مالك عن
أبي داود قال:
((لقيت البراء بن عازب فسلم علي وأخذ بيدي، وضحك في وجهي قال: تدري
لم فعلت هذا بك؟ قال: قلت: لا أدري؛ ولكن لا أراك فعلته إلا لخير. قال: إنه لقيني
رسول الله ﴿ ففعل بي مثل الذي فعلت بك، فسألني؟ فقلت مثل الذي قلت لي،
فقال: (ما من مسلمين يلتقيان، فيسلم أحدهما على صاحبه، ويأخذ بيده - لا يأخذه إلا
لله عز وجل - لا يتفرقان حتى يغفر لهما))).
ولكنه إسناد واهٍ جدّاً، أبو داود - وهو الأعمى، يسمى نفيع - متروك؛ كما قال
الحافظ في ((التقريب))، وبه أعله المنذري في ((الترغيب)) (٢٧٠/٣)، ثم الهيثمي في
((المجمع)) (٣٧/٨)، وعزواه الطبراني فقط في ((الأوسط))!
ومنها ما عند أحمد (٢٩٣/٤) من طريق زهير عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم
قال: ثنا أبو الحكم علي البصري عن أبي بحر عن البراء أن رسول الله وَلقول قال:
((أيما مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، ثم حمدا الله ؛ تفرقا ليس بينهما
خطيئة)) .
قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٢/ ٢٧٤):
- ٥٧ _

((قد جود زهير هذا الحديث، ولا أعلم أحداً جوده كتجويده هذا. قلت لأبي : هو
محفوظ؟ قال: زهير ثقة)).
قلت: وزهير هو ابن معاوية، وقد خولف في إسناده، فرواه هشيم عن أبي بلج عن
زيد أبي الحكم العنزي عن البراء به نحوه.
أخرجه أبو داود (٥٣١١).
ورجح الحافظ في ((التعجيل)) (ص ٢٩٢ - ٢٩٣) رواية هُشيم لمتابعة أبي عوانة
له، ولم يذكر مصدرها. وعلى ذلك فعلة هذا الإِسناد زيد هذا، وهو ابن أبي الشعثاء أبو
الحكم العنزي؛ قال الذهبي :
((لا يعرف)).
وللحديث شاهد من حديث أنس مرفوعاً بلفظ:
((ما من مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه؛ إلا كان حقّاً على الله أن يحضر
دعاءهما، ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما)).
أخرجه أحمد (١٤٢/٣): ثنا محمد بن بكر: ثنا ميمون المَرائي: ثنا ميمون بن
سياه عن أنس بن مالك. وقال المنذري في ((الترغيب)) (٢٧٠/٣):
(رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورواة أحمد كلهم ثقات، إلا ميمون المرائي،
وهذا الحديث مما أنكر عليه)).
قلت: هو مترجم في ((التهذيب)) باسم (ميمون بن موسى المَرَئي)، وذكر في
شيوخه ميمون بن سياه، وفي الرواة عنه البرساني وهو محمد بن بكر؛ لكن أخرجه
الضياء في «المختارة)) (ق ١/٢٤٠ - ٢) من طريق أحمد هكذا، ومن طريق أبي يعلى
ومحمد بن إبراهيم الفسوي عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة: ثنا يوسف بن يعقوب
السدوسي : ثنا ميمون بن عجلان عن ميمون بن سياه به. فسمى والد ميمون عجلان،
ولذلك قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٦/٨):
- ٥٨ -

(رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير ميمون بن
عجلان، وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد)).
قلت: وهذا اختلاف مشكل لم يتبين لي الراجح منه؛ فإن الطريق إلى ميمون
المرائي صحيح، وكذلك إلى ميمون بن عجلان، وقد ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) (٢٣٩/١/٤)، ولم يذكر فيه أكثر مما يستفاد من إسناد أبي يعلى وقال:
((وسئل أبي عنه؟ فقال: شيخ)). فالله أعلم بالصواب من الروايتين.
وبالجملة؛ فالحديث بمجموع طرقه وشاهده صحيح، أو على الأقل حسن كما
قال الترمذي .
٥٢٦ - (إنَّ المؤمِنَ إذا لَقِيَ المؤمنَ فَسَلَّمَ عليهِ، وأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ؛
تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُما كما يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشّجَرِ).
ذكره المنذري في ((الترغيب)) (٢٧٠/٣)، ثم الهيثمي في ((المجمع)) (٣٦/٨)
من رواية الطبراني في ((الأوسط)) عن حذيفة، فقال الأول منهما:
((ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً)).
وقال الآخر:
((ويعقوب بن محمد بن الطحلاء روى عنه غير واحد، ولم يضعفه أحد، وبقية
رجاله ثقات))!
قلت: وفي هذا الكلام غرابة؛ فإنه إنما يقال في الراوي: ((روى عنه غير واحد،
ولم يضعفه أحد)) إذا كان مستوراً غير معروف بتوثيق، وليس كذلك ابن طحلاء، فقد وثقه
أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم، واحتج به مسلم، ولذلك فإني أخشى أن يكون
يعقوب بن محمد هذا هو غير ابن الطحلاء. والله أعلم.
وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى يتقوى بها، فقال عبدالله بن وهب في ((الجامع))
- ٥٩ -

(٣٨ - ٣٩): أخبرني ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن العلاء بن عبدالرحمن عن
أبيه أنه سمع حذيفة بن اليمان يذكر أن رسول الله وسلم لقيه فقال: ((يا حذيفة! ناولني
يدك)). فقبض يده، ثم الثانية، ثم الثالثة، فقال: ((ما يمنعك؟)). فقال: إني جنب.
فقال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه إنما أخرج لابن لهيعة
- واسمه عبد الله - مقروناً بغيره، وهو صحيح الحديث إذا كان من رواية العبادلة عنه
- كهذا ـ على ما هو مقرر في ترجمته، والوليد بن أبي الوليد هو أبو عثمان المدني مولى
ابن عمر، ويقال: مولى لآل عثمان، قال ابن أبي حاتم (٢٠/٢/٤):
((جعله البخاري اسمين، قال أبي: هو واحد. سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: ثقة)):
قلت: وهذا التوثيق مما فات الحافظ ابن حجر، فلم يذكره في ترجمة الوليد هذا
من ((التهذيب))، ولم يحك فيه توثيقاً سوى توثيق ابن حبان الذي أورده في ((الثقات))
(٥٥٢/٧)، وهو متساهل في التوثيق معروف بذلك، ولذلك لا يعتمده المحققون من
العلماء، وعلى هذا جرى الحافظ في ((التقريب)) فقال فيه:
((لين الحديث)).
وظني أنه لو وقف على توثيق أبي زرعة إياه؛ لوثقه ولم يلينه. والله أعلم.
والحديث أخرجه ابن شاهين أيضاً في ((الترغيب)) (ق ٢/٣١٠) عن الوليد بن أبي
الوليد المديني عن يعقوب الحرقي عن حذيفة به.
هكذا في مسودتي ليس فيها بيان الراوي عن الوليد لينظر: هل هو ثقة أم لا؟ وإن
كان المفروض أن حذفه أو عدم ذكره يكون عادة لكونه ثقة، وليس الأصل تحت يدي
الآن، فإنه في المدينة المنورة، وأنا أكتب هذا في دمشق ١٣٨٧/٤/٣ هـ، ولذلك فإني
لا أستطيع المقابلة بين هذا الإِسناد وبين إسناد ابن وهب والترجيح بينهما.
وللحديث طريق أخرى في ((الجامع)) ولكنها واهية، فقال (٢٧): أخبرني ابن
- ٦٠ -