النص المفهرس

صفحات 1-20

سِلسِلة
الأحَاديث الصَّحِيحَة
وَشِئْ مِنْ فِقِهِهَا وَفوائِدِها
محمد ناصر الدين الألباني
المَجَلّد الثَّانِى
٥٠١ - ١٠٠٠
مكتَبة المعَارف للِنَشْر والتوزيع
لِمَا جَهَا سَعد بن عَبد الرحمن الراشد
الرياض

جميع الحقوق محفوظة للنَاشِرِ
طبعة جديدة منقحة ومَزیْدَة
١٤١۵ هـ - ١٩٩٥م
١
مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
الالباني، محمد ناصر الدين
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها.
٨٨٨ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٥ - ٢ - ٩٠٥٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
١ - ٤ - ٩٠٥٢ - ٩٩٦٠ (ج ٢)
١ - الحديث الصحيح ٢ - الحديث - تخريج ٣ - الحديث -
جوامع الكتب أ - العنوان
دیوی ٢، ٢٣٢
١٥/٠٩٥٤
رقم الإيداع: ١٥/٠٩٥٤
ردمك: ٥ - ٢ - ٩٠٥٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
(ج ٢)
١ - ٤ - ٩٠٥٢ - ٩٩٦٠
مَكتَبة المعَارف للنشر وَالتوزيع
هَاتف : ٤١١٤٥٣٥ - ٤١١٣٣٥٠
فاكس ٤١١٢٩٣٢ - برقياً دفتر
ص.ب: ٣٢٨١ الرياض الرمز البريدي ١١٤٧١
سجل تجاري ٦٣١٣ الرياض

◌ِلَهِالَّمِالرَّحِيَمِ
مقدمة الطبعة الجديدة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور
أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ
له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله(١).
أما بعد؛ فهذه طبعة جديدة للمجلد الثاني من ((سلسلة الأحاديث
الصحيحة))، منقحة ومزيدة، ومضاف إليها فوائد جديدة؛ توفرت لدي في
برهة هذه السنوات العديدة التي مضت دون أن أتمكن من إعادة طبعه على
هذه الصورة الجميلة المرضية، لانقطاع علاقتي الطباعية مع ناشره الأول
صاحب المكتب الإِسلامي، بسبب هجرتي من دمشق إلى عمان الشامية
أولاً، ثم قطعت كل علاقاتي الأخوية التي كانت قائمة بيني وبينه بعد أن تبين
لي من طرق عديدة أنه كان يستغل ثقتي به، وسكني إليه، وانكبابي على
العلم، فتصرف بتصرفات منافية للثقة والأمانة المنوطة به، والتي كنت أظن
أنها متحققة فيه، غير أن واقعه المؤسف العلمي، فضلاً عن المادي، حملني
حملاً على إعلاني مقاطعتي إياه، وقد كنت كشفت عن بعض أفاعيله في
بعض مقدماتي، مثل مقدمة ((آداب الزفاف)) نشر المكتبة الإِسلامية بعمان،
و ((مختصر البخاري)) المجلد الثاني نشر دار ابن القيم في الدمام. و ((مختصر
(١) هذه هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله هر يعلّمها أصحابه، وإني لأحمد الله تعالى أن
وفقني لإِحيائها، وأنه استجاب الكثيرون من محبي السنة للعمل بها، بعد أن كانوا في غفلة عنها،
ولكني لاحظت أن بعضهم قد يزيد عليها بعض الكلمات، أو ينقص منها، فأرجو منهم أن يلتزموها كما
جاءت عنه ومله دون أي زيادة أو نقص. وليراجع من شاء رسالتي فيها.
- ٣ -

مسلم للمنذري))، و((صفة الصلاة)) وكلاهما نشر مكتبة المعارف في
الرياض، وماذا عسى أن يقول القراء المنصفون إذا علموا أنه مع مقاطعتي
المذكورة لا يزال متسلطاً على كتبي، يطبعها كيف يشاء، وبالعدد الذي يشاء
كأنه المالك لها؛ مع إنذاري إياه مراراً وتكراراً بعدم رغبتي في ذلك؟! ولكن
لا .. ولم يقف جنفه عليّ وحدي، بل تعداه إلى الإِخوة الذين بدأت أتعامل
معهم وأتنازل لهم عن بعض كتبي، بعد أن كنت عرضت ذلك عليه قبل
سنوات، فأبى ذلك، واستكبر عليّ واستعلى، وعندي خطابه إلي بما ذكرتُ
عنه! فهو لا يزال يطبع الكتب الأربعة المذكورة آنفاً، مع علمه بأنها صارت
ملكاً لهم، كما يطبع غيرها مع تزوير له في بعضها كما فعل في كتاب
((التنكيل))، فمن شاء قابل بين طبعة مكتبة المعارف، وطبعة المكتب
الإِسلامي، فإنه سيرى العجب العجاب، وبخاصة إذا قرأ مقدمتي لطبعة
المعارف، ومع ذلك فهو مستمر في طبع ما ذكرنا دون أي حق شرعي، ويُعلن
ذلك في فهارسه دون أي رادع أو وازع، فإنك لو فتحت على أول كتاب في
فهرسه الأخير لعام (١٩٩١ م) فإنك ستجد كتابي ((آداب الزفاف)) الذي كنت
بينت في مقدمة طبعة ((صفة الصلاة)) المشار إليها آنفاً ما يكفي لردعه عن
استمراره في نشره، لأنه صار ملكاً لصاحب المكتبة الإِسلامية، وقد اعترف
هو بذلك لبعضهم، ولكنه الكيد والبغي والجشع والطمع. وإن مما يؤكد لك
هذا أنه لما حذف منه مقدمتي البالغ عدد صفحاتها (٧٢) صفحة، لم يعد
القارىء يستفيد من الأرقام التي تشير إلى نص متقدم أو متأخر، لأنها تشير إلى
صفحات الطبعة الشرعية، وبعضها إلى نص في المقدمة المحذوفة !!
فيا معشر القراء! هل ترون من يفعل هذا بالمؤلف وقرائه يكون صادقاً
حين يعلن في مقدمة ((فهرسه)) الآنف الذكر؛ أنه يتعامل معهم بموجب النصح
والإِخلاص! أم الأمر كما قال تعالى: ﴿إنها كلمة هو قائلها﴾؟!
- ٤ -

وأما حقوقي المتراكمة لدیه منذ بضع سنین، وأشياء أخرى هو يعلمها؛
ما كنت أحاسبه عليها لثقتي السابقة به، فإني أرجو من الله تعالى أن يعوضني
بدیلها من حسناته، ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾، یوم لا درهم فیه ولا دینار،
وإنما هي الحسنات والسيئات، قال ◌َله: ((إن كان له عمل صالح أخذ منه
بقدر مَظْلَمتِه، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاتٍ صاحِبِه فحُمل عليه)).
رواه البخاري، وذلك هو المفلس حقاً، كما جاء في الحديث الآتي في
الكتاب برقم (٨٤٧). نسأل الله السلامة، ومعذرة إلى القراء، فإني مصدور!
هذا، ولعله مما يحسن ذكره في هذه المقدمة، ولفت أنظار القراء إليه،
الأمور التالية :
١ - سيرى القراء تحت الحديث الآتي :
٥٠٣ - (طُوبى للشام، إن ملائكةَ الرحمن باسطةٌ أجنحتَها عليه).
رداً رصيناً هادئاً في تسع صفحات على تعقيب لأحد الفضلاء من
المشايخ المكيين(١) - وقد توفي رحمه الله منذ بضع سنين - ذهب فيه إلى
تضعيف الحديث المذكور في خطاب كان أرسله إلي، وقد نشطت للرد عليه
لفضله وسلوكه طريق النقد النزيه، الذي لا يظهر منه أنه يَردُّ حباً في الظهور
خلافاً لكثير من الناشئين، والصبيان المغرورين، الذين همهم المسارعة إلى
الرد على الألباني، لا بياناً للحق، لأنهم يعلمون في قرارة نفوسهم، أنهم
ليسوا أهلاً لذلك، لا لأن الألباني لا يخطىء، حاشا لله، فلا معصومَ بعد
رسول الله ◌َ، فأنا بفضل الله أرجع إلى الحق إذا بدا لي من غيري، مهما
كان شأنه، وكتبي، وتراجعي عما تبين لي من خطئي أكبرُ شاهد على ما
(١) هو الشيخ عبد الرحيم صديق، كاتب العدل بمكة سابقاً، رحمه الله تعالى.
- ٥ -

أقول، حتى اتخذ ذلك بعض الصبيان الشانئين الجاهلين غرضاً لينسبني إلى
ما لا يليق إلا به وبأمثاله من الزائغين الضالين ..
من أجل هذا الفرق بين هؤلاء والشيخ الفاضل، كنت نشطت في الرد
عليه، وبيان وجهة نظري فيما ذهب إليه، ولعله كان اقتنع بصواب ما كتبت،
لأنه لم يرسل إليّ بعد ذلك تعقيباً آخر.
ويمكن تلخيص كلامه في أمرين اثنين :
الأول : تضعيفه للراوي يحيى بن أيوب الغافقي، وزعمه أن الأئمة
على تضعيف أحاديثه .
والآخر : تضعيفه لابن لهيعة تضعيفاً مطلقاً، وكذا تضعيفه للحارث بن
أبي أسامة .
وقد بينت خطأه في ذلك بياناً شافياً هناك اعتماداً على أقوال الأئمة
النقاد، ويرجع ذلك إلى ما يأتي ملخصاً:
أولاً : قدم الجرح على التعديل مطلقاً، والصواب: أنه يقدَّم إذا كان
سبب الجرح مبيّناً، وكان في نفسه جرحاً مؤثراً، والواقع هنا على خلاف
ذلك .
أما الغافقي ، فلأنه ثقة في نفسه، لكن في حفظه ضعف يسير لا ينزل
به حديثه عن مرتبة الاحتجاج به، وعلى هذا جرى الأئمة المخرجين
لأحاديثه، فقد احتج به مسلم، وصحح حديثه هذا الأئمة من قبلي،
كالترمذي وابن حبان والحاكم والمنذري والذهبي، وذلك مقتضى قول
الحافظ فيه :
((صدوق ربما وهم)).
- ٦ -

فكيف يصح مع هذا قول الشيخ: ((إن الأئمة ما زالوا يضعفون أحاديث
الغافقي)»؟!
وأما ابن لهيعة، فقد أجمل الكلام فيه ولم يفصِّل، فأوهم القراء أنه لا
يحتج بحديثه مطلقاً، وليس كذلك، فقد صرحوا بصحة حديثه إذا روى عنه
أحد العبادلة، فكان على الشيخ أن يُقيد ولا يطلِق، وأن يتتبع طرق الحديث
في مكتبته العامرة لعله يجد له طريقاً من رواية أحدهم، وقد وفقني الله تعالى
فأوقفني على رواية ابن وهب عنه. أخرجه الفَسَوي في ((التاريخ والمعرفة))
(٣٠١/٢) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١١٤/١ طبع دمشق). فصح
الحديث والحمد لله من هذه الطريق وحدها، فكيف وقد تابعه الغافقي، وهو
ثقة حسن الحديث كما تقدم، فكيف وقد تابعهما عمرو بن الحارث الحافظ
الثقة الفقيه كما سيأتي بيانه هناك.
ثانياً : تغافل الشيخ رحمه الله أو غفل عن قاعدة تقوية الحديث
بالمتابعات والشواهد، وهذا مما يقع فيه كثير من الناشئين الناقدين مع
الأسف، فإن ابن لهيعة ممن يستشهد به عند العلماء، ومن الغرائب أن الشيخ
نفسه ذكر أن مسلماً أخرج له مقروناً، فلم يشعر رحمه الله أنه ينقل ما هو حجة
عليه!
ثالثاً وأخيراً : ومن عجائبه أنه أعل الحديث أيضاً بأن في سند الحاكم
الحارث بن أبي أسامة، ومع أنه وهم في تضعيفه كما أثبت هناك، فقد غفل
أيضاً عن كون الحاكم قرنه مع ثقتين آخرين، فلو أنه كان ضعيفاً - كما زعم -
لم يضر في صحة الحديث، فإنه متابع منهما ومن غيرهما كما بينت هناك.
وهناك أمور أخرى من الأخطاء والأوهام ستمر بالقارىء إن شاء الله
تعالى ، وإنما اقتصرت على ذكر ما يتعلق بتضعيفه للحديث، دفاعاً عن حَمَلة
الحديث وتصحيحاً له، وتذكيراً بأن الكتابة في هذا العلم الشريف تصحيحاً
- ٧ -

وتضعيفاً لا يُحْسنه مَنْ تعلّق به في تأخرِ من السنِّ، أو حداثةٍ فيه، وإنما يُحسِنه
أهل الاختصاص فيه الذين أفنوا حياتهم وشاخوا فيه، حتى جرى الحديث
النبوي الصحيح في عروقهم، وصار جزءاً لا يتجزأ من حياتهم، أما من لم
يكن كذلك فلا شك أنه سيقع في شؤم رد الأحاديث الصحيحة وتضعيفها، أو
العكس، كما هو شأن أهل الأهواء والبدع. نسأل الله السلامة.
وتقريباً للموضوع إلى أذهان القراء لا بد من إخراج الحديث من الطرق
الثلاث التي ضعفها الشيخ الفاضل، لتتمثل لهم الحقيقة بأجلى صورة؛ ذلك
لأني كنت أخرجته یومئذ مختصراً ومعزواً لبعض کتبی، دون أن أسوق طرقه،
فأقول :
الأولى : عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن
عبدالرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت.
أخرجه الترمذي (٣٩٤٩) وأحمد (١٨٥/٥) وابن أبي شيبة
(٣٢٥/٥)، والحاكم (٢٢٩/٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧٥/٥
- ١٧٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١١٢/١ - ١١٣ طبع دمشق) من
طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني وجرير بن حازم كلاهما عن يحيى بن
أيوب به .
الثانية : عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيبة به.
أخرجه أحمد (٣٢٤/٥) والفَسَوي في ((المعرفة)) (٣٠١/٢) والطبراني
(٤٩٣٤/١٧٦/٥) وابن عساكر أيضاً (١١٤/١ و١١٥) من طرق منها
عبدالله بن وهب عنه. وقرن الفَسَوي وابن عساكر مع ابن لهيعة عمرو بن
الحارث، وأشار إلى ذلك ابن حبان في روايته الآتية.
الثالثة : عمرو بن الحارث - وذكر ابن سلم آخر معه - عن يزيد بن أبي
حبيبة به .
- ٨ -

أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) (٢٣١١/٥٧٤/١ - موارد) من طريق
ابن وهب أيضاً: أخبرني عمرو بن الحارث ..
وابن سلم هو عبد الله بن محمد المقدسي، شيخ ابن حبان في هذا
الحديث، وهو ثقة، والآخر الذي يشير إليه هو ابن لهيعة کما صرحت بذلك
رواية الفسوي وابن عساكر المذكورة قبله. وقد أخرجه الطبراني (رقم ٤٩٢٥)
وابن عساكر عن عمرو بن الحارث وحده .
فأنت ترى - أيها القارىء الكريم - أنه قد اتفق هؤلاء الثلاثة: يحيى بن
أيوب، وعبدالله بن لهيعة وعمرو بن الحارث على رواية الحديث عن
يزيد بن أبي حبيب بسنده الصحيح الذي لا خلاف فيه، فلو فرض أنهم
جميعاً ضعفاء في الحفظ لما تردد من شم رائحة هذا العلم الشريف في
تصحيح حديثهم إعمالاً لقاعدة تقوية الحديث بالمتابعات والطرق، فكيف
وثلاثتهم ثقات على التفصيل المتقدم؟! فكيف وقد صححه من تقدم ذكرهم
من الأئمة؟!
فأرجو مخلصاً أن يعتبر بهذا البحث والتحقيق أولئك الناشئون
المتهافتون على الرد عليّ لخطأ يبدو لهم، ويسودون في ذلك الصفحات،
ويؤلفون الرسائل، ويطلعون على الناس بردود فجة لا علم فيها، والمثال
قریب بین یدیك.
وإذا كان هذا حال هذا الشيخ الفاضل، فكيف يكون حال سبطه
المسمى بـ ((خالد المؤذن)) في مؤلفه الذي أسماه بـ ((إقامة البرهان على
ضعف حديث (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان)، وفيه الرد على
العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني))؟! وقد ذكر في مقدمته (ص ١٧) أنه عرضه
على جمع سماهم، أشهرهم أحسن ما يقال فيه أنه لم يُعرف، ولم يشتهر بهذا
العلم، ومنهم الشيخ الفاضل، وذكر أنه جده من جهة أمه، وقال عنه:
- ٩ -

((فلما نظر فيه استحسنه، وشجعني على نشره))!
فما قيمة استحسانه رحمه الله، وقد عرفتَ مبلغه من العلم؟! بل إن
العاقل اللبيب ليستشعر معي مبلغ قيمة هذا المستحسَن من هذا
المستحسن !!
وليس غرضي الآن الرد على هذا السِّبط في ((إقامته)) وبيان ما فيه من
الجهل بهذا العلم، وتناقضه في الحکم، واتباعه للهوی، فذلك له مكان آخر
إن شاء الله تعالى. وإنما أريد أن ألفت النظر إلى الفرق بين الجد والسبط من
الناحية الأخلاقية، فالجد - رحمه الله - قنع بالرد علي كتابةً مع الثناء البالغ
كما سترى فيما يأتي تحت الحديث: (طوبى .. )، لم يُرِدْ بذلك تظاهراً
وشهرة بالرد على الألباني، وأما السبط فسلك غير سبيل جده، حباً في
الظهور، وقديماً قالوا: حب الظهور يقصم الظهور، فلم يراسلني ويطلعني
على وجهة نظره، بل سألني هاتفياً عدة أسئلة أجبته عليها بكل صراحة، كما
حكى ذلك هو نفسه في ((الإِقامة)) (ص ١١ -١٣)، ثم نشره على الناس بذلك
العنوان الضخم: (( .. وفيه الرد على العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني))!
ويصفه (ص ١١) بأنه ((محدث العصر))! فإذا كان صادقاً مع نفسه في هذا
القول كما هو الظاهر، فمن الظاهر أيضاً أنه يوحي بذلك العنوان أن الراد على
الألباني لا بد أن يكون ((محدث العصور))! وكتابه يطفح بالأنانية والعجب
والغرور، نسأل الله تعالى لنا وله السلامة من كل الآفات في الدنيا والآخرة.
٢ - مثال ثان لتجرؤ بعض الطلبة على تضعيف الحديث الآتي:
٦١٣ - (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه .. ) الحديث.
خرّجتُ الحديث هناك من رواية حذيفة، وحسنه الترمذي وبينت علته.
لكني قویته بشاهد من حديث ابن عمر، وقد ترددت في أحد رواته، هل هو
- ١٠ -

1
اللؤلؤي الفقيه الحافظ، فذكر ذلك الطالب أنه ليس به، وأنه المدائني
الضرير، وأنه غير معروف، فتأكدت من كونه المدائني، بإخراجي من غير
مصدر واحد عنه، وخطأتُ جزمَه بأنه مجهول، لرواية جماعة من الحفاظ
عنه، وكأنه لا يعلم أن مثله يحتج به العلماء كما قرره الذهبي في ((الميزان))،
ونقله عنه اللكنوي في ((الرفع والتكميل))، ولذلك أخرجه الضياء المقدسي
في ((المختارة))،وجوّد إسناده العراقي والهيثمي، كما سترى هناك، فكان على
ذلك الطالب أن يتحرى، وأن يبحث، ولا يقف عند رأيه الشخصي، فإنه يبدو
أنه لا معرفة له بهذا العلم، وإلا كان يكفيه تحسين الترمذي إياه من الطريق
الأولى، ويعتبر الطريق الآخر شاهداً له، لأنه ليس شديد الضعف على الأقل!
٣ - مثال ثالث، لشاب مصري سمى نفسه فيصل عبد الحليم ذكر أنه
في الثانية والعشرين من عمره! كان أرسل إلي خطاباً منذ بضع سنين بغير
تاريخ وتوقيع، يثني علي كثيراً، ويذكر أنه اطلع على مؤلفاتي (!) وأنه عكف
عليها، وجعلها غايته .. ، وأنه يود أن يتتلمذ علي .. ومع ذلك فقد قرن مع
خطابه رسالة ينتقد فيها خمسة أحاديث من هذا المجلد ويضعفها بجرأة
عجيبة، وجهل بالغ، يكفي العاقل أن يتصور ذلك من عمره المذكور، فمتى
تعلّم؟ ومتى تمكّن أن يصير نقّاداً لمن يتمنى أن يكون له تلميذاً . . وإليك أيها
القارىء الكريم مثالاً واحداً من نقده، تتأكد منه ما وصفته به، وتقيس عليه
باقي الأمثلة :
لقد أنكر عليّ تقويتي للحديث الآتي :
٦١٩ - ( ثلاثٌ لا تردُّ: الوسائدُ .. ) الحديث.
وحجته في ذلك أن راويه عن ابن عمر مسلم بن جندب؛ لم يوثقه أحد
سوى العجلي وابن حبان، ويقول: إنهما متساهلان! وهذا مما يضحك
الثكلى، لأن ما ذكره من التساهل فمن كتبي ومؤلفاتي وتعليقاتي وردودي
- ١١ -

عرف ذلك، فأنا الذي أشعتُ ذلك في العصر الحاضر، والفضل الله وحده
أولاً وآخراً، وهذا مما يقع فيه كثير من الناقدين المُحْدَثين، وذلك لجهلهم أن
ذلك ليس على إطلاقه كما يظن هذا المنكر وغيره من الناشئين، كما نبهت
عليه مراراً في مناسباتٍ كثيرة، ومن ذلك أن لا يتفرد المتساهل بالتوثيق، وهذا
موجود هنا، فقد وثقه الحافظ ابن حجر، وكذا الذهبي، ثم هو إلى ذلك من
أفاضل التابعين، وکان یقضي بغير رزق، وقال ابن مجاهد :
((كان من فصحاء الناس، وكان معلم عمر بن عبد العزيز، وكان عمر
يثني عليه وعلى فصاحته بالقرآن)).
وقد روى عنه جماعة من فضلاء التابعين كزيد بن أسلم، ويحيى بن
سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم.
فلا جرم أن وثقه من ذكرنا من الأئمة، فماذا عسى يمكن أن يقول
القائل فيمن يضعف حديث هذا الفاضل، وتوثيق الحفاظ إياه؟! لا شك أنه
الجهل أو التجاهل، وأحلاهما مر.
٤ - لا يزال بعض المحققين والمعلقين يتعقبونني بغير علم، فيخطئون
في حق هذا العلم الشريف، بعضهم بحقد دفين يكادُ يلمسُ باليد، وبعضهم
بسبب انتقال العدوى إليهم، أو ربما بقصد بيان الحق - إن شاء الله - وأنا أذكر
هنا مثالاً واحداً، ثم أدع الحكم للقراء فيه، وبيان رأيهم في الحامل عليه:
:
سيأتي تحت الحديث (٧٥٩) أن عمران القطان؛ وفي حفظه ضعف،
قد خالف ثقتين في إسناد هذا الحديث، فقد روياه عن قتادة عن الحسن عن
زياد بن رباح عن أبي هريرة. فقال عمران: عن قتادة عن عبدالله بن رباح عن
أبي هريرة. فأسقط الحسن بين قتادة وابن رباح، وجعل عبدالله مکان زياد!
قلت : وهذه مخالفة مكشوفة لا تخفى على المبتدئين في هذا العلم،
- ١٢ -

ومع ذلك لم يقدر المعلق على ((مسند أبي يعلى)) إلا أن يتعقبني بقوله بعد أن
ذكر أن عمران هذا حسن الحديث:
((وقد اتهمه الشيخ ناصر الدين الألباني في ((الصحيحة)) بأنه أسقط من
الإِسناد الحسن، وقلب زياد بن رباح إلى عبد الله بن رباح، ولا أظنه أصاب
في اتهامه هذا))!
كذا قال - أصلحه الله - فإنه لا يجوز النقد بالظن المجرد عن الدليل،
لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ولأنه أكذب الحديث كما قال ول#. هذا
أولاً .
وثانياً : ألا يعلم أن من أنواع علوم الحديث: الحديث الشاذ، وأنه ما
رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، أو أكثر عدداً، والمخالف هنا هو أقل عدداً
وحفظاً، فإنه حسن الحديث باعتراف المعلق، فإذا لم يكن هذا شاذاً عنده،
فمعنى ذلك أحد أمرين: إما أنه لا يعرف الحديث الشاذ، أو أنه يخالف قواعد
علماء الحديث، وأحلاهما مر.
٥ - وهناك كتيب صغير بعنوان ((بذل الجهد في تحقيق حديثي السوق
والزهد)) بقلم أبي عبد اللّه عادل بن عبد الله السعيدان، وتقديم الشيخ الفاضل
مقبل بن هادي اليماني، في (٦٣) صفحة صغيرة بالمرة، ذهب فيها إلى
تضعيف الحديثين المشار إليهما، أما حديث السوق فسيأتي الرد عليه إن شاء
الله تعالى في المجلد السابع من هذه ((السلسلة)) برقم (٣١٣٩).
وأما حديث الزهد فهو الآتي في هذا المجلد برقم (٩٤٤)، والذي
يمكن ذكره هنا أن الرجل غير منصف معي، بل ولا مع بعض رواة الحديث،
وإليك البيان :
١ - أما الأول فإن كل من يقابل تخريجي هناك وكلامي على الرواة بكل
- ١٣ -

تجرد وإنصاف، مع تخريجه وكلامه هو على الحديث والرواة يجد أنه لم
يبذل أي جهد في التحقيق الذي زعمه في عنوان الرسالة، وغاية ما فعل أنه
عاكسني في اعتدادي ببعض الرواة والطرق، واستشهادي بها، بل سوّى بين
الطرق التي فيها كذاب، وبعض الطرق النظيفة منه، فانظر إلى الخلاصة التي
قدمها للحديث من أربع طرق، ففي الأولى كذاب، وكذلك في الثالثة. وأما
الثانية فهي سالمة من الضعف الشديد لأنها من رواية زافر بن سليمان عن
محمد بن عيينة، وهما صدوقان، في حفظهما ضعف كما نقلته عن الحافظ
هناك، يصلحان للاستشهاد كما هو معلوم في ((المصطلح)).
وأما الرابعة، فهي مرسلة، ورجالها ثقات، ولذلك جوّدت إسنادها
هناك.
فماذا فعل الباحث المحترم؟! إنه
أولاً : لقد صرح عند تخريجه للطريق الأولى التي فيها الكذاب: أنه
نقل ذلك عني، ولكنه دلس على القراء، فلم يذكر أنني بينت أن فيه الكذاب!
فيتبادر إلى أذهانهم أنني استشهدت به على الأقل! وهذا زورينبغي أن يترفع
عنه الباحث المخلص.
ثانياً : وكذلك لما ذكر (ص ٤٨) قوله :
((وللحديث شاهد مرسل بلفظ .. )).
أوهمهم أنه من بحثه وكده! والواقع أنه مما استفاده مني، فقد قلت
هناك :
((وقد وجدت له شاهداً مرسلاً بإسناد جيد بلفظ .. ))!
وإنما فعل ذلك لأمرين :
أحدهما: أن يتشبع بما لم يعطَ، فهو كما في الحديث الصحيح :
- ١٤ _

«كلابس ثوبي زور))!
والآخر: أنه لو نقله عني لوجب عليه أن ينقله كما هو عندي، فقد كنت
صرحت هناك قائلاً: ((بإسناد جيد))كما رأيت !
فتعمد كتم ذلك عن قرائه؛ لأنه لا يريد أن يلقي في أذهانهم وقلوبهم
أنه مرسل جيد! لأن ذلك يتنافى مع الخط الذي خطه لنفسه، وهو تضعيفه
للحديث!
وهنا لا بد لي من وقفة معه عند هذا المرسل وما فعل به من محاولة
إسقاط الاستشهاد به بادعاء الاضطراب في إسناده، فإنه يعلم، أو لعله يعلم
أن الحديث المرسل إذا جاء مسنداً من طريق أخرى ولو ضعيفة أنه يتقوى
بمجموعهما عند الإِمام الشافعي وابن تيمية وغيرهما(١)، فلكي لا يرد عليه أنه
يتقوى هذا المرسل بمسند زافر بن سليمان اتخذ لنفسه خط الرجعة، فذهب
يُحوِّش من هنا وهناك عدة روايات معلقات في بعضها ذكر ربعي بن حراش
مكان مجاهد - وهذا هو المحفوظ - وفي بعضها: ربعي بن حراش عن الربيع
ابن خُثيم، (ووقع عنده في أكثر من موضع: خيثم!) لم يجاوز إبراهيم، إلى
غير ذلك من الروايات التي لا سنام لها ولا خطام، ثم خلص إلى القول (ص
٥٠ ) :
((بهذه الطرق يتبين أن هذا المرسل فيه اضطراب واضح، وهذا مما
يقدح في صحة هذا الطريق))!
كذا قال هداه الله. وهذا وحده كاف ليدل على أن الرجل ليس أهلاً
للبحث في هذا العلم؛ فضلاً عن أن يتولى الرد على من لا يدانيه فيه! ذلك
لأن الحديث المضطرب عند أهل العلم هو الذي جاء على وجوه مختلفة
(١) كالحافظ ابن حجر، فانظر كلامه في ((النكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٥٦٦ - ٥٦٧).
- ١٥ -

متعادلة القوة والصحة، لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، وهذا يوجب عليه
- لو كان منصفاً - أن يخرج تلك الطرق، ويتكلم عليها طريقاً طريقاً، فما
ضعف منها طُرح، وما صح منها وجب التوفيق بينها، وإلا قيل إنه مضطرب،
فهل بذل شيئاً من الجهد، ولا أقول: ((بذل الجهد)) كله ليكون صادقاً مع
عنوان رسالته؟! لا شيء من ذلك مع الأسف، وإنما هو مجرد تحویش وادعاء
لا يعجز عن مثله أعداء السنة، وما أحسن ما قيل :
بينات أبناؤها أدعياء
والدعاوي ما لم تقيموا عليها
وإذا كان الأمر كذلك، فلقد كان من الواجب عليه أن يقنع بقول أبي
نعيم الذي نقله (ص ٤٨):
((رواه الأثبات عن الحسن بن الربيع، فلم يجاوزوا فيه مجاهداً)).
فإن فيه إشارة قوية أنهم اختلفوا على الحسن بن الربيع، ومن ذلك أن
بعضهم رواه عن مجاهد عن أنس، فجعله مسنداً، لكن الأثبات لم يتعدوا به
مجاهداً، وهو المحفوظ كما سبق .
وجملة القول : إن هذا المرسل الصحيح، ومسند زافر عن محمد بن
عيينة عن أبي حازم عن سهل، إذا ضُم أحدهما إلى الآخر، صار الحديث
بذلك قوياً، فإذا ضُم إليهما رواية محمد بن كثير عن سفيان الثوري عن أبي
حازم به، فإنها إن لم تزده قوة لم تضره، كما هو ظاهر.
٢ - وأما أنه غير منصف مع الرواة أيضاً، فقد تبين ذلك مما ذكرته آنفاً،
فإنه سوّى بين الكذابين، وبين الصدوقين في عدم الاستشهاد بهم، وهذا
خلاف ما عليه العلماء في الحديث الحسن أو الصحيح لغيره فلا داعي
للإِعادة .
- ١٦ -

وبهذه المناسبة ألفت نظر القراء إلى رسالة ((وقفات مع (النظرات)))
تأليف الأخ الفاضل سمير أمين الزهيري، يرد رداً موجزاً نافعاً بإذن الله على
(نظرات) المؤذن وصاحبه العدوى الطائشة الجائرة التي طعنت في صحة
أحاديث في المجلد الأول من هذه السلسلة الصحيحة، وصرح - جزاه الله
خيراً - أنهما ما أصابا ولا في حديث واحد! وضرب على ذلك بعض الأمثلة،
ونماذج من مناقشاتهما الفاشلة. ثم نصحهما أن يشتغلا بكتبهما وتنقيحها،
ففيها الكثير مما يحتاج إلى إعادة النظر قبل الاشتغال بكتب غيرهما.
وقد ذكر في مقدمة الرسالة الأسباب التي تحملهم على الرد عليَّ،
وحصرها في أربعة :
١ - الحداثة .
٢ - ضحالة العلم.
٣ - الأهواء.
٤ - حب الظهور.
ثم تكلم على كل سبب منها بشيء من التفصيل، فأحيل القراء إليها
والاستفادة منها، فإنها نادرة في بابها .
وأضيف أنا إلى ما ذكر: الشيخوخة! فقد تنبه بعضهم لأهمية هذا العلم في
سن متأخرة، فأخذوا يصححون ويضعفون فيخطئون كثيراً.
٦ - وأخيراً أرى أن ألفت النظر إلى ما ذكرته تحت الحديث (٥١٦)،
وهو أنني كنت واهماً مع الحاكم والذهبي في قولهما: إن عطاء والد يعلى
على شرط مسلم. والحقيقة أنه ليس على شرطه، بل ولا يعرف إلا برواية ابنه
عنه. فَجِلّ من لا ينسى. ومن الغرائب أنه كان قد قلدني في خطئي هذا بعض
- ١٧ -

من يدعي التحقيق، فلعله يعود فيقلدني في الرجوع إلى الصواب، فهذا أولى
به من ذاك التقليد!
على أن الحديث لا ينزل بذلك عن مرتبة الحسن لما ذكرت له من
الطرق هناك، فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله .
وهذا آخر ما يسر الله لي كَتْبه في هذه المقدمة لهذه الطبعة الجديدة،
سائلاً المولى سبحانه وتعالى أن ينفع بها أكثر مما نفع بسابقاتها، وأن يكفينا
شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.
((وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب
إليك)).
عمّان / الجمعة ٣ ربيع الآخر سنة ١٤١٢ هـ
و کتب
محمد ناصر الدين الألباني
- ١٨ -

بسمِ اللهِ الرَّحمن الرّحيم
٥٠١ - (نَهَى وَ عَنِ التَّرَجُلِ إِلَّ غِبًّا).
أخرجه أبو داود (٤١٥٩)، والنسائي (٢٧٦/٢)، والترمذي (٣٢٦/١)، وابن
حبان (١٤٨٠)، وأحمد (٨٦/٤)، والحربي في ((غريب الحديث)) (٢/٧٩/٥)،
والكشي في ((جزء الأنصاري)) (ق ١/١١)، وعنه أبو نعيم (٢٧٦/٦)، وابن عدي في
((الكامل)) (ق ٢/٨)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١/٢١٢/٣) من طرق عن هشام بن
حسان قال: سمعت الحسن عن عبدالله بن مغفل به، وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)).
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ لكن الحسن البصري مدلس، وقد عنعنه
في جميع الطرق المشار إليه؛ لكن له شاهدان يتقوى بهما :
الأول: عن ابن عمر مرفوعاً به.
أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٣٩٨) عن محمد بن موسى الجريري: حدثنا
جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر، وقال:
«محمد بن موسی لا یتابع علیه، وقد روي هذا من غير هذا الوجه بإسناد أصلح
من هذا)).
قلت: وكأن العقيلي يشير بذلك إلى حديث الحسن الذي قبله.
والشاهد الآخر هو:
٥٠٢ - (كانَ يَنْهانا عن الإِرْفَاهِ، قلنا: وما الإِرْفَاهُ؟ قال: التَّرَجُلُ كُلَّ
ـومٍ).
أخرجه النسائي (٢٧٦/٢ - ٢٧٧): أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد
ابن الحارث عن كهمس عن عبدالله بن شقيق قال:
- ١٩ -

((كان رجل من أصحاب النبي ◌َّلتر عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو
شَعِتُ الرأسِ مُشْعَانٌّ، قال: ما لي أراك مُشْعَانًّا وأنت أمير؟! قال: )) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح ؛ غير إسماعيل بن مسعود - وهو
أبو مسعود الجحدري - وهو ثقة .
وتابعه حميد بن عبد الرحمن الحميري قال :
((لقيت رجلاً من أصحاب النبي (وَلير ... )) الحديث نحوه.
أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح. وصححه جمع ذكرتهم في ((صحيح أبي
داود)) (٢٢ و ٧٤).
وله طريق أخرى، يرويها الجريري عن عبدالله بن بريدة:
((أن رجلاً من أصحاب النبي ◌َ ل# رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه
وهو يمد ناقة له، فقال: إني لم آتك زائراً؛ وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله وَّ
رجوت أن يكون عندك منه علم. فرآه شَعِئاً، فقال: مالي أراك شَعِثاً وأنت أمير البلد؟!
قال: إن رسول الله وَّ كان ينهانا عن كثير من الإِرْفاهِ. ورآه حافياً، فقال: ما لي أراك
حافياً؟ قال: إن رسول الله وَّ أمرنا أن نَحْتَفِيَ أحياناً)).
أخرجه أحمد (٢٢/٦): ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرني الجريري به .
وأخرجه أبو داود (٤١٦٠)، والنسائي (٢٩٢/٢ - ٢٩٣).
قلت: هذا إسناد حسن، وهو صحيح على شرط الشيخين، والجُريري إسمه
سعید بن إياس، وكان اختلط قبل موته، ولما سمع منه یزید بن هارون قال: لم ننكر منك
شیئاً. یشیر إلی أن اختلاطه کان یسیراً يومئذ على الأقل، وكأنه لذلك روی له مسلم عنه.
وليس عند النسائي الأمر بالاحتفاء، وزاد:
((سئل ابن بريدة عن الإِرفاه؟ قال: الترجل)).
'،'
- ٢٠ -
: