النص المفهرس
صفحات 941-952
((إِذا لم تستح فاصنع ما شئت)). وأَمّا توثيقُ الحافظِ الذهبيّ والعسقلانيّ، فقد كتمهما عن القرّاءِ؛ لأَنّه لا جوابَ لديه إِلّا أن يقول فيهما: إِنّهما مقلدان! واللهُ المُستعانُ. ولم يكتفِ الرّجلُ بتضعيفِ الحديثين السابقين ، بل ألحقَ بهما حديثًا ثالثًا صحيحًا وقفَ في طريق هواه ، وهو قول النبيّ معَّهِ : (( ... ومن قطع صفًّا قطعه الله))، وإِسناده صحيح كما ذكرتُ هناك، وقد صححه جمعٌ كابن خزيمة والحاكمِ والمنذريّ والنوويّ والذهبيّ والعسقلانيّ، وأَعلّه ذاك العليلُ بإرسالِ الليثِ بن سعدٍ إِيّاه، وعدمٍ ذكرِه في آخرِ الحديثِ جملةَ القطع هذه ، مع أنَّ ابن وهبٍ قد أسنده من حديث ابن عمر بالزيادةِ ، وزيادةُ الثقةِ على الثقةِ مقبولةٌ اتفاقًا ، ولم يخالف في ذلك إِلّ هذا الخالف ! ثمَّ حاولَ النيلَ من إِسنادِه ، وتضعيفه مسندًا ومرسلًا بمعاويةً بن صالح، فقال: ((وقد اختلف فيه ، والذي يظهرُ من أَقَوالِ الأَئمةِ أَنّه وسط، أَو أَقْل من الوسطِ .. )). فليتأمل القرّاءُ كيفَ لا يستقر على محكم: ((وسط، أو أقل من الوسط)) توصلاً منه إِلى تضعيف الحديث من أصلِه ، مع أنَّ معاويةَ احتجَّ به مسلم ، وعليه استقرّ رأيُ كافّة الحفّاظِ المتأخرين الذين هم أعلمُ بالخلافِ الّذي حكاه ، ولذلك تتابعوا على تصحيح حديثه، وقال الحافظ الذهبيُّ في ترجمته من ((السير)) ( ٧ / ١٥٨ ) : (( الإِمامُ الحافظُ الثقةُ قاضي الأندلس .. وكانَ من أَوعيةِ العلمِ)). كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنَها فلم يَضِرْها وأَوهى قرنَه الوعلُ وبالجملةٍ ؛ لقد تيقنتُ من متابعتي لتضعيفاتِه الظالمةِ للأحاديثِ الصحيحةِ الثابتةِ عند حقّاظِ الأُمّةِ - أَنَّ الرَّجل مغرمٌ بالمخالفةِ والمشاكسةِ ، وعدم الاعتدادِ بقواعدِهم وأَحكامِهم ، مُتشيئًا بأوهى العللِ ، ولو كانت كخيوطِ القمرِ ! - ٩٤١ - ولو لم يكن هناك إِلّا طريقته في تضعيف هذه الأحاديثِ الثلاثة لكفى دلالةٌ على ما ذكرتُ ، فكيفَ وهناكَ العشراتُ - إِن لم أَقْل : المئات - التي أَعمَلَ فيها معولَ الهدمِ ، على طريقةٍ أَهلِ الأهواءِ قديمًا وحديثًا ، ومنهم الإِباضيّة الذين يمجّد بهم السقافُ، ويعتمدُ على ((مسندٍ ربيعهم)) ؟! وقد رأيتُ لأحدِ المعاصرين منهم (( رسالة في الرفع والضمّ في الصلاةِ)) ذهبَ فيها إِلى تضعيفٍ أحاديث رفع اليدين في الصلاةِ ، وهي متواترةٌ تواترًا معنويًّا، وأحاديث وضع اليمنى على اليسرى في القيامِ ، وهي مشهورةٌ في (( الصحيحين ))، و((السنن)) وغيرِها، بنفسٍ أُسلوبٍ ذاك الخالف، أَكتفي بذكرِ مثالين فقط: ضعَّف حديث ابن عمر المتفق عليه في الرفع ، بأنّه من رواية ابن شهابٍ الزهريّ ؛ فقال ( ص ١٨ ) : ((قال فيه الحافظُ الذهبيّ في الميزانِ: إِنّه كانَ يدلّسُ))! ومع أنَّ الزهريَّ صرّحَ بالتحديثِ في بعضِ الرواياتِ ، فقد دلّسَ الإِباضيُّ على القرّاءِ - كما يفعلُ أَمثالُه من أَهلِ الأَهواءِ - فَأَسقطَ تمامَ كلامِ الذهبيّ: ((في النادر))، وهذا ليس بجرحٍ كما هو معروف في علم المصطلح . ثمَّ ضعّفَ حديثَ وائل بن حجر في وضع اليدين عند مسلم وغيره بقوله ( ص ٢٨ ) : إِنّه من روايةٍ علقمةَ بن وائلٍ عن أبيه ، قال ابن حجر في ((التهذيب)): علقمة لم يسمع من أبيه ! أَقولُ : ومع أنَّ هذا ليسَ من قولِ ابن حجر فيه ، وإنَّما هو نقلٌ منه لحكايةٍ أَحدِهم ذلك عن ابن معين ، وهي مقطوعةٌ ، ومع ذلك فقد صرّحَ علقمةُ بالتحديث عن أبيه في رواية النسائي، كما كنت بينتُه في ((الصحيحة )) تحت الحديثِ ( ٣١٧٦ ) . - ٩٤٢ - ومن الغرائبِ - بل اللطائفِ - أنَّ هذا الحديثَ المشارَ إِليه كنتُ خرّجتُه لإِعِلالِ الخالفِ إِيّاه في تعليقه على طبعتهِ لـ ((رياض الصالحين)) بقوله (ص ٢٢٠): ((في إِسنادِه نظر ))! هكذا قال ؛ عمّاه ولم يبينه ، وفي ظنّي أنّه يلتقي مع الإِباضيّ في إِعلالِه بالانقطاع ! لأنَّه في مسلم أيضًا من رواية علقمةً عن أبيه ! أعتقدُ أنَّ في هذين المثالين ما يقنعُ كلَّ عاقلٍ منصفٍ أنَّ هذا الخالفَ يُقلِّد مذهب أهل الأهواءِ في اختلاقِ العللِ للطعنِ في الأحاديثِ الصحيحةِ ، بقصدٍ أَو بغير قصدٍ - فالله حسيبه - . ولكنّي أَقُول ناصحًا لكلِّ من يقبلُ النصيحةَ: ﴿انتهوا خيرًا لَكُم ﴾. وبعد ؛ فقد بقي شيءٌ، وهو الإِتيانُ بالدليلِ على أَنَّه أَخلَّ بالأمانةِ العلميّةِ ، فَلْأَقتصر على أَقَلِّ ما يمكنُ من الأَمثلةِ ، فقد طالَ الحديثُ أكثرَ مما كنتُ أُرِيدُ بِأَكثرَ مّا يستحقُّ ،. والله المستعانُ: ١ - نقل عن ((التهذيبٍ)) - كما تقدّمَ - قولَ عبدالحقِّ في (عبدالحميد ): ((لا يحتجُ به)) فلم ينقل تمامَه وهو قول الحافظِ : ((فردَّ عليه ابن القطّانِ وقال: لَم أَرَ أَحدًا ذكرَه في (الضعفاءِ))). ٢ - نقل ( ص ١٥) عن ((الفتح)) قولَ القرطبيّ في سببٍ كراهةِ الصلاةِ بين السواري ، أَنّه مصلَّى الجنِّ ! ثمَّ تعقبه ، ولم ينقل عن الحافظِ السببَ الصحيحَ الّذي ذكره الحافظُ في الصفحةِ المقابلةِ لقولِ القرطبيّ وهو قولُه: ((ورودُ النهي الخاص عن الصلاةِ بين السواري كما رواه الحاكمُ من حديث أنسٍ بإِسنادٍ صحيح)). ٣ - قال ( ص ١٨ ) معللًا تساهلَ الحاكم في تصحيح حديثٍ قُرّةَ : - ٩٤٣ - ((لهذا كلِّه لم يلتفت ابنُ حجرٍ إِلى .. تقوية ابن خزيمة والحاكم له)) ! فأقولُ : ولكنّه التفتَ إِلى تصحيحِ الحاكم لحديثٍ أنس، وصرّحَ بصحةٍ إِسنادِه كما ذكرتُ آنفًا ، فَلِمَ تذكر ما لك ، وتكتمُ ما عليك ؟ وصنيعُ مَنْ هذا ؟! ٤ - نسبَ (ص ١٦، ٢٦) إِلى ابن قدامةً أنّه قالَ: «لم يصحَّ عند المجوِّزين دليلُ المانعين)). وفي هذا تقويلٌ لابن قدامةَ ما لم يقل ؛ لأنّه يشيرُ بذلك إِلى عبارتِه الّتي نقلها ( ص ١٥) عنه، ونصّها: ((لا دليلَ على المنع عندَهم))، فهذا في وادٍ ، وما تقوّله في وادٍ آخر ؛ لأَنّ من أول أَسبابِ اختلافِ الأَعْمَةِ أَنْ لا يكونَ الحديثُ قد بلغَه - كما قال ابن تيميّة - فمن الممكن أن يكونَ السببُ عدمَ وصولِ الحديث إِليهم ، أو وصلَهم وتأوّلوه ، أو لم يصحَّ عندهم ، كلُّ هذا ممكنٌ ، فلا يجوزُ حملُ كلام ابن قدامةً على إِثباتِ الوصولِ مع نفي الصحةِ كما هو ظاهرٌ جدًّا، فابن قدامةَ قال: (( لا دليلَ)) ، فهو أَعمُّ من كونِه وصل أو لم يصل ، ولم يقل: (( لم يصحّ)) كما زعمَ ، وقال : ((دليل على المنع )) ولم يقل : دليل المانعين ، لينصبّ على الحديث ! فهل كانَ هذا التقويلُ عن غفلةٍ عن الفرقِ المذكورِ، أَم عن تغافلٍ ؟ أَحلاهما مؤً! وهناك أُمورٌ أُخرى تعرّضَ لي فيها بباطلٍ ، لا مناسبةً لبيانِها الآن ، والله المُستعان . ولكن لا بدَّ لي أُخيرًا من التنبيهِ على أَمرِ هامٌّ يتعلّقُ بموقفٍ (الْمُضعّفِ ) سابقًا من الحديثِ الثالثِ وغيرِهِ ، مّا يحققُ الوصفَ المذكورَ فيه . لقد كانَ الحديثُ من أحاديث ((رياض الصالحين)) الّتي أَبقاها (المضعّفُ ) في طبعتِه لـ ((الرياض)) رقم (٨٣٩ )، مقرًّا للنوويِّ على تصحيحه إِيّه ، فكيفَ هذا وقد ضعفه في ((مناقشتهِ الألبانيّين)) ؟ كما عرفَ من الرَّدِّ عليه في هذا الاستدراك . - ٩٤٤ - والجواب: لم يتنبّه حين صححه أنّه من حجج أَنصارِ السّنةِ هنا الذين لقّهم - بغيًا وحسدًا وعدوانًا - بـ (الألبانييّ )، وإلّا لاختلقَ له علّةً كما فعلَ في ((المناقشةِ))، ولأوردَه في ((ضعيفتِه)) الّتي ذيّلَ بها ((رياضَه))، أَو اكتفى بحذفِه كما فعلَ ببعض الأحاديثِ الصحيحةِ لتعارضِها مع هواه حين لا يجدُ له علّةً يمكنُ أَن يتظاهرَ بها ، والأمثلةُ كثيرةٌ ، وحسبنا الآنَ مثالٌ واحدٌ يناسبُ المقامَ : أَوردَ النوويُّ رحمه الله (رقم ١٠٩٤) حديثَ أَنَسٍ مرفوعًا: ((أَقيموا صفوفكم وتراصّوا .. )) الحديث ، وقال : ((رواه البخاريُّ بلفظه (١) ، ومسلمٌ بمعناه، وفي رواية للبخاريٍّ: وكانَ أَحدُنا يلزقُ منكبَه بمنكبٍ صاحبِهِ، وقدمَه بقدمِه)). فحذفَ ( المضعّفُ ) من (( رياضِه)) (رقم ٨٣٧ ) روايةَ البخاريّ هذه لضعفِها عنده كما نصَّ على ذلك في ((المقدمة)) (ص ١٥) لا لضعفٍ في سندِها، وإلّا لما أَبقى الروايةَ الأُولى، وإنما لأنّها تؤيّدُ من حيث المعنى ما ضعفَه من الأحاديثِ الثلاثةِ كما هو ظاهرٌ ، لأنّ اللزقَ المذكورَ فيها لا يمكنُ تحقيقُه مع تفريقِ الساريةِ بين المرءِ وأَخیه ! وهذا السنّةُ لا يحافظُ عليها إِلّا أَنصارُ الحديثِ والسنّةِ في كلِّ بلادِ الدنيا ، ولا أَظُّ المذكورَ يشاركُهم في العملِ بها ، ويلزقُ قدمَه بقدمِ صاحبِهِ إِذا صلّى مع الجماعةِ ، كيفَ وهو يحاربُها ويؤلفُ رسالةً للرّدِّ على المتمسكين بها ، ويتهمهم فيها (ص١٣) بأنّهم «خرجوا من تقليدِ الأئمة إِلى تقليد من لا يذكرُ أَمامَهم)) ؟! فأَقولُ : نعم ؛ إِنِّي أَرِى أَن لا أَذكرَ معهم ، للفرقِ الشاسعِ بيني وبينهم ، (١) عزاه (المضعف) إِلى (خ ٧١٨)، وهو خطأ، فإِنّه فيه مختصرٌ، وليس فيه «تراصّوا))، وإِنما هو (٧١٩)، فَأَخشى أن يكونَ هذا اللفظُ عندَه غيرَ صحيح أيضًا؛ لأنّه في المعنى مثلُ الروايةِ الأخرى الّتي حذفها مضعفًا ! أَسألُ اللهَ أَن يلهمَه العملَ بما يحملُنا على حسنِ الظنِّ به ! - ٩٤٥ - وحسبي أَن أَكونَ تابعًا لهم في علمهم وقواعدِهم وهدیھم ، وداعيًا بدعوتهم ، ولكن أَيْنَ أَنتَ منهم ، وقد خالفتهم في ذلك كلِّه ؟ وها هو مثالٌ واحدٌ من عشراتٍ الأَمثلةِ ؛ تبيّنُ لكلِّ ذي عينٍ أَنّك تنهجُ نهجًا خاصًّا في نقدِ الحديثِ ، تقلِّدُ فيه أَهلَ البدعِ والأَهواءِ ، ثمّ تبني عليه فقهًا مضطربًا هزيلاً . وأَمّا اتهامكُ لإِخواننا بالتقليدِ فهو ( شِنْشِنَةٌ نعرفها من أُخزم ) لجهلك بالفرقِ بين الاتباعِ على بصيرةٍ، والتقليدِ الأَعمى (١)، والمثالُ أَمامَك الآن أيضًا، فإِذا أَنَا بيّتُ للناسِ هذه السنّةَ الّتي تُنكرها بالأحاديثِ الصحيحةِ الّتي أَنت تضعفها ، ووافقتُ أَئمةَ الحديثِ في تصحيحها ، أَفيكونون مقلدين لي أم متبعين للسنّةِ ؟ وليتَ شعري إِذا كانَ هؤلاءِ من المقلدين عندك ؛ فماذا تسمي من يغترُ بشقشقتِك ، ويفتتنُ بكثرةٍ كلامِك، ويمشي وراءَ سرابِك؟ - ولا بدَّ من وجود أَمثالٍ هؤلاءِ المغترِّين من باب ( لكلِّ ساقطةٍ في الحيّ لاقطة )! وصدقَ الله: ﴿ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلمون﴾، ﴿إِنَّ في ذلك لذكرى لمن كانَ له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد ﴾ . وختامًا أَقولُ : إِنَّ تضعيفَ هذا الرّجلِ لعشراتِ الأَحاديثِ الصحيحةِ - والّتي لا خلافَ في صحتِها لدى المحدثين - من أكبرِ الأدلةِ على أَنّه وضعَ لنفسِه قواعدَ غيرَ قواعدِهم ، ولذلك تختلفُ أَحكامُه عن أحكامِهم ، فالخلافُ بيننا وبينه أُصولي جذري ، ليسَ فرعيًّا كما قد يتوهمُ بعضُ طيبي القلوبِ ، ولذلك فلا يمكنُ التفاهمُ معه - لو افترضنا فيه الإِخلاص - إِلّا بعدَ اتفاقه معنا على القواعد والأصولِ (٢) ، شأنه في ذلك شأنُ (١) انظر الفرق بين الاتباع والتقليد من كلام ابن عبدالبر في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) ٢٠ / ١٨ ) . (٢) وهي المعروفةُ في ((علم المصطلح)). - ٩٤٦ - كلّ الفرقِ الضالةِ قديمًا وحديثًا - وهيهات هيهات - والله المستعانُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إِلّا بالله . ١٥ - آخر الحديث ( ٤١٧ ). ثمّ تبيّنَ لي أنّه لا وجه لتضعيفِ المناوي لروايةِ البيهقيّ في «الشعبِ)) بـ ( عبدالله بن أبي مرّة ) المجهول ؛ لأنّه قائم على وهم وقعَ له في اسمِ هذا التابعيّ، فقد وقفتُ على إِسنادِه في ((الشعبٍ)) - وقد طبع أخيرًا - فإِذا هو عنده (٦ / ٤٨٩ / ٩٠١٠) من طريقٍ منصور عن عبدالله بن مرّةً عن عبدالله بن عمر مرفوعًا بلفظ حديثٍ الترجمةِ دون قوله: ((أَنّه يحبّه))، وزاد : ((فإِنّه يجد له مثل الّذي عنده )). وإِسناده صحيح ، فإِنَّ (عبدالله بن مرّةَ) هذا - هو الهمدانيُّ الخارفيّ - ثقةٌ بلا خلافٍ ، ومن رجالِ الشيخين ، وهو غيرُ عبدالله بن أبي مرّةَ المجهول ، ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي الدنيا أيضًا في كتابٍ ((الإخوان)) (١٤١ / ٧٤) كما أَملاه عليَّ هاتفيًّا أَحدُ الإِخوانِ، جزاه الله خيرًا. ١٦ - آخر الحديث ( ٤١٩ ) : ثمَّ وجدتُ له شاهدًا عن عبدالله بن مسعودٍ قال : ((ليأتينَّ على النَّاسِ زمانٌ يأكلونَ فيه بألسنتِهم .. )) الحديث. أخرجه البيهقيُّ في «شعبِ الإِيمان)) (٤ / ٢٥٢ / ٤٩٧٧ ) بإِسنادٍ صحيح ، وهو موقوفٌ في حكم المرفوعِ؛ لأنّه من أُمورِ الغيبِ الّتي لا تقالُ بالرأي ، وأَخْرجَ قُبيله حديثَ الترجمة من طريق ( يعلى ) فقط . - ٩٤٧ - ١٧ - الحديث ( ٤٥٠ ) : أَوْلًا - يضافُ إِلى مصادرِ التخريج: وعليّ بن الجعدِ في ((مسنده (٢ / ١١٢٤ - ١١٢٥)، ومن طريقه أبو يعلى في ((مسندِه)) (٦ / ١٤٣) (رقم: ٣٤١٩)، وعنه الخطيبُ (١١ / ٣٤١)، والبزّارُ (٤ / ٢٣١ /٣٦٠٠ - كشف الأستار ) عن مبارك بن فضالةً به . وقال الحافظُ في ((مختصر زوائد البزار)) (٢ / ٢٣٠٩): ((هذا إِسنادٌ حسن)) ! كذا قال ؛ مع أنَّ المبارَكَ مدلشٌ تدليسَ التسويةِ عنده ، كما كنتُ نقلتُه عنه هناك ، وسأذكرُ تحقيق القول فيه . ولفظُ روايةِ البزارِ هذه: ((اثنان)) مكان ((رجلان))، وقد كنتُ نتهتُ تحتَه أَنّي لم أجده في شيءٍ من المصادرِ المذكورةِ هناك ، فهذه فائدةٌ جديدةٌ ، ولكن ليس لها قيمةٌ تذكر؛ لأنّها شاذّةٌ مخالفةٌ لروايةِ الثقاتٍ عن المبارك ، ولمتابعيه أيضًا كما يأتي ، نعم قيمتُها بيانُ أنَّ الغزاليَّ لم يبتدئ ذاك اللفظَ ، وإنّما نقله . ثانيًا - كنتُ خرّجتُ هناك متابعًا قويًّا للمباركِ بن فضالةَ، وهو حمّادُ بن سلمةَ ، وأَجبتُ عن توهيم الخطيبِ إِيّه ، ثمَّ وجدتُ له متابعًا ثانيًا ، فقال الطبرانيُّ في ((المعجم الأوسطِ)) (١ / ١٦٣ / ١ / ٣٠٤٥): حدثنا إبراهيمُ قال : ثنا نصر قال : ثنا عبدالله بن الزبيرِ اليحمديّ قال : ثنا ثابت البنانيّ به ، وقال : ((لم يروه عن ثابتٍ إِلّا عبدالله بن الزبير)). كذا قال ، وهو متعقبٌ بما سبقَ . وعبدالله بن الزبير اليحمديّ، هكذا وقعَ منسوبًا في «المعجم))، وكذلك هو - ٩٤٨ - في ((مجمع البحرين)) (٨ / ٢١٧ / ٤٩٩٦)، ولم أجد من نسبه هذه النسبةَ ، فإِنَّه مترجم في ((تهذيب الكمالِ)) وفروعه بغيرِ هذه النسبةِ : ( عبدالله بن الزبير بن معبد الباهليّ أبو الزبيرِ ، ويقالُ : أَبو معبدِ البصريّ ، روى عن ثابت البنانيّ .. وعنه عمّار بن طالوت وزيد بن الحريش ونصر بن عليّ الجهضميّ. قال أبو حاتم: ((لا يعرف))). وزادَ الحافظُ : ((قلتُ: وذكرَه ابن حبّان في ((الثقات))، وقال الدارقطنيّ: بصريّ صالح )) . وأَقولُ: عَزْؤُهُ لـ ((الثقات)) وهم تبعَه عليه المعلّقُ على ((مجمع البحرين )) اشتبه عليه بـ ( عبدالله بن الزبير الأسدي الكوفي والد أبي أحمد الزبيري )) ، ذكره ابن حبّان في ((ثقاتِه)) (٨ / ٣٤٥)، وهو من تساهلاتِه، فقد ضعفَه أبو نُعيم ، وأَبو زرعةَ، وأبو حاتم في (( الجرح والتعديل))، وهكذا هو في ((لسان الميزان))، وهو متأخر عن الباهليّ : هذا روى عن ثابتٍ - كما ترى - فهو تابعُ تابعيٍّ ، والأُسديُّ ذكره ابنُ حبّانَ في الطبقةِ الرّابعةِ ، أَي : في تبعِ أَتَبَاعِ التابعين . والباهليُّ لم يضعفْه أحدٌ، بل قالَ فيه الدارقطنيُّ: ((صالح)) كما تقدّم ، وقال الذهبيّ في ((الكاشف)): ((ليس بالحافظِ)). ففيه إِشارةٌ إِلى أَنّه وسطٌ، ويؤيدُه قولُه في ((المغني)): ((حسن الحديث)). وأَمّا الحافظُ فقال : - ٩٤٩ - ((مقبول)). وسائرُ رجالِ الإِسنادِ ثقاتٌ من رجالِ ((التهذيبٍ)) غيرُ شيخ الطبرانيّ ( إِبراهيم ) - وهو ابن هاشم البغويّ - وهو ثقةٌ، فالمتابعةُ لا بأسَ بها ، والإِسنادُ حسن ، واللهُ أَعلمُ . ثالثًا - كنتُ نقلتُ هناك قولَ الحافظِ في ( المباركِ ): إِنّه يدلِّسُ ويسوِّي ، وأَشرتُ إِليه آنفًا، فالّذِي أُريدُ تحقيقَه الآن إِنِما هو أنَّ قولَه فيه: ((ويسوّي)) خطأ - لعلّه سبقُ قلم - والصوابُ الاقتصارُ على قولِه فيه: ((يدلسُ)) وذلك لأمرين: الأوّل - أنَّ هذا هو الّذي اتفقَ عليه الحفّاظُ الّذين رموه بالتدليسِ ، مثلُ يحيى ابن سعيدٍ ، وأحمدَ بن حنبل، وأبي داود، وأبي زرعةً وغيرِهم، وكلّهم قالوا: ((إِذا قالَ: ((حدّثنا)) فهو ثبتّ، أَو ثقةٌ)). وقال يحيى ، وعبدالرحمن بن مهدي - واللفظُ له - : ((( لم نكتب لـ (المبارك ) شيئًا؛ إِلّا شيئًا يقول فيه: سمعتُ الحسنُ)). وقد ذكرت بعضَ أقوالهم هناك ، وهذا التدليسُ هو الّذي يسميه الحافظُ في ((طبقاتِ المدلسين)) بتدليس الإِسنادِ، وهو المرادُ عندهم عند الإِطلاقِ، وهو أن يسقطَ منه شيخه . وأَمّا تدليسُ التسويةِ فهو أن يصنعَ ذلك لشيخِه - كما في ((الطبقاتِ)) - مُشْقِطًا شيخَ شيخِه، وقد اشتهرَ بهذا النوعِ من التدليسِ الوليدُ بن مسلمٍ تلميذُ الإِمامِ الأوزاعيّ، فكانَ يسقطُ من إِسنادِه شيخَ الأوزاعيّ ، وقد يغفلُ عن هذا النوعِ من التدليسِ بعضُ المعاصرين فيمشّي حديثَه إِذا صرّحَ بالتحديثِ عن شيخِه ! وضربت عليه مثلًا في الاستدراك المتقدّم برقم (١٠ ) ، فراجعه ، ونبهتُ على تدليسِ الوليدِ - ٩٥٠ - هذا في أكثرَ من حديث تقدّمَ (٢٥٦، ٢٦٥، ٣٠٢) . والمقصودُ أنَّ هذا النوعَ من التدليسِ لم أر أحدًا من المتقدمين رمى به ( المبارك ) . وَأَمَا قولُ الإِمامِ أَحمد فيه : ((يقولُ في غير حديثٍ عن الحسن: حدثنا عمران بن حصين)). وأصحابُ الحسنِ لا يقولونَ ذلك كما في ((الميزانِ))، قال الحافظُ في ((التهذيب)) : ((يعني أنّه يصرّحُ بسماعِ الحسنِ من هؤلاءِ ( يعني عمران وغيره )، وأصحابُ الحسنِ يذكرونَه بالعنعنة)). هذا كلُّ ما جاءَ في ترجمةِ ( المبارك ) ممّا يمكنُ أن يكونَ مستندَ الحافظِ في رميه إِّاه بتدليسٍ التسوية ، وهو - كما ترى - لا صلةَ له به مطلقًا، بل هو نقيضُه تمامًا ؛ فإِنَّ الحسنَ - وهو البصريُّ- معروفٌ بالتدليسِ ، فإِذا عنعنَ عن عمران أَو غيرِهِ ، احتملَ أَن يكونَ بينهما راوٍ أَسقطَه الحسن، فإِذا صرّحَ ( المبارك ) بتحديثِ الحسن فيكونُ قد أَوصله ، فهذا نقيضُ تدليسٍ التسويةِ تمامًا كما هو ظاهرٌ جليٍّ . وغايةُ ما يستفادُ من قولٍ أَحمدَ هذا رمي ( المباركِ ) بالخطأِ في تصريحِه بالتحديثِ بين الحسن وعمران مخالفًا في ذلك الثقاتِ ، وإِنَّ مَّا لا شكَّ فيه أَنَّ ( المباركَ ) في حفظِه ضعفٌ ، ولذلك نزلَ حديثُه من مرتبةِ الصحيحِ إِلى مرتبةٍ الحسن ، بشرطِ التصريح بالتحديثِ طبعًا؛ ولذلك قال الذهبيُّ في ((تذكرةِ الحفّاظ)): ((لم يبلغ حديثه درجةَ الصحة)). وقال في ((سير أعلام النبلاءِ)) (٧ / ٢٨٤ ): - ٩٥١ - (( قلت: هو حسنُ الحديثِ، ولم يذكره ابن حبّان في ((الضعفاءِ))، وكانَ من أَوعيةِ العلم )) . والخلاصةُ : أنَّ الحافظَ وَهِمَ في وصفِ ( المبارك ) بتدليس التسوية، وأنَّ الرَّجلَ إِذا صرّحَ بالتحديثِ عن شيخِه فهو حسنُ الحديثِ ، والله أعلمُ . ١٨ - آخر الحديث ( ٤٨٩ ) . وتابعَ بقيةَ مسلمُ بن خالدٍ عن عبدالرحمن بن أبي بكر قال : أَخبرني القاسمُ به . أَخرجه أَحمدُ ( ٦ / ٧٠). وهذا إِسنادٌ جيدٌ في المتابعاتِ ، مسلم بن خالد - وهو الزنجيّ - قال الذهبيُّ في ((المغني)): ((صدوق يهم .. )). وقال الحافظُ : ((صدوق كثيرُ الأَوهامٍ )). وعبدالرحمن بن أبي بكر ، أَظنّه عبدالرحمن بن القاسم ، نسبه الزنجيُّ إِلى جدّه أَبي بكر الصديق . ثمّ وجدتُ للحديثِ طريقًا أُخرى من روايةٍ عمرةَ عن عائشةً مثل حديث الترجمةِ . أَخرجه البزّارُ (٢ / ٢٣٤ / ١٥٩٢ ) بسندٍ جيدٍ، وقال الهيثميُّ ( ٥ / ٢١٠ ) : (( .. ورجالُه رجالُ الصحيح)). - ٩٥٢ -