النص المفهرس
صفحات 861-880
البخيل)): يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاصٌّ بنذر المجازاة أو المعاوضة؛ دون نذر الابتداء والتبرُّر؛ فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يُثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوُّع، وهذا النذر هو المراد - والله أعلم - بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾(١)؛ دون الأول. قال الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٥٠٠): ((وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾؛ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وممَّا افترض عليهم، فسمَّاهم الله أبراراً، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة)). وقال قبل ذلك: ((وجزم القرطبي في ((المفهم)) بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة، فقال: هذا النهي محلُّه أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي؛ فعليَّ صدقة كذا، ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور؛ ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرُّب إلى الله تعالى لما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه؛ لم يتصدَّق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل؛ فإنه لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: ((وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه))، وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظنُّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإِشارة بقوله في الحديث أيضاً: ((فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً))، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح)). قال الحافظ : (١) الإِنسان: ٧ . ٨٦١ ((قلت: بل تقرُب من الكفر أيضاً، ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق مَن يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرماً، والكراهة في حق مَن لم يعتقد ذلك. وهو تفصيل حسن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر؛ فإنها في نذر المجازاة)) . قلت: يريد بالقصة ما أخرجه الحاكم (٤ / ٣٠٤) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث أنه سمع عبدالله بن عمر وسأله رجل من بني كعب يقال له مسعود بن عمرو: يا أبا عبد الرحمن! إن ابني كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيدالله، وإنه وقع بالبصرة طاعون شديد، فلما بلغ ذلك؛ نذرت: إن الله جاء بابني أن أمشي إلى الكعبة، فجاء مريضاً، فمات، فما ترى؟ فقال ابن عمر: أولم تنهوا عن النذر؟! إن رسول اللـه وسلم قال: ((النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخّره، فإنما يستخرج به من البخيل))، أوف بنذرك)). وقال الحاكم : ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي . قلت: وهو عند البخاري دون القصة من هذا الوجه، وفليح يقول الحافظ في ((التقریب)) عنه : ((صدوق كثير الخطأ)). قلت: فلا ضير على أصل حديثه ما دام أنه لم يتفرَّد به. والله أعلم. وبالجملة؛ ففي الحديث تحذيرٌ للمسلم أن يقدم على نذر المجازاة؛ فعلى الناس أن يعرفوا ذلك حتى لا يقعوا في النهي وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! ٨٦٢ ٤٧٩ - (النَّذْرُ نَذْرانِ: فَما كانَ للهِ؛ فَكَفَّارَتُهُ الوَفاءُ، ومَا كَانَ للشَّيطان؛ فلا وَفاءَ فيهِ، وعليهِ كَفَّارَةً يَمینٍ). أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٩٣٥)، وعنه البيهقي (١٠ / ٧٢): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا محمد بن موسى بن أعين قال: ثنا خطاب: ثنا عبدالكريم عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَطّ. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير خطاب، وهو ابن القاسم الحراني، وهو ثقة؛ كما قال ابن معين وأبو زرعة في رواية عنه، وقال البرذعي عنه: ((منكر الحديث، يُقال: إنه اختلط قبل موته)). وذكره ابن حبان فى ((الثقات)). وقال الحافظ فى ((التقريب)): ((ثقة، اختلط قبل موته)). قلت: جزمه باختلاطه غير جيد، ولم يذكره أحد به غير أبي زرعة؛ كما سبق، ولكنه لم يجزم به، بل أشار إلى عدم ثبوت ذلك فيه بقوله: ((يُقال ... ))؛ فإنه من صيغ التمريض؛ كما هو معلوم. ثم إن الحديث له شواهد من حديث عائشة وغيرها، وقد خرجتها في ((الإِرواء))؛ فراجع الأحاديث (٨ / ٢١٤ - ٢٢٢). وفي الحديث دليل على أمرين اثنين : الأول: أن النذر إذا كان طاعة لله؛ وجب الوفاء به، وأن ذلك كفارته، وقد صحَّ عنه لي أنه قال: (مَن نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومَن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه)). ٨٦٣ متفق عليه . والآخر: أن من نذر نذراً فيه عصيان للرحمن، وإطاعة للشيطان؛ فلا يجوز الوفاء به، وعليه الكفارة كفارة اليمين، وإذا كان النذر مكروهاً أو مباحاً؛ فعليه الكفارة من باب أولى، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((كفارة النذر كفارة اليمين)). أخرجه مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وهو مخرَّج في ((الإِرواء)) (٨ / ٢١٠). وما ذكرنا من الأمر الأول والثاني متَّفق عليه بين العلماء؛ إلا في وجوب الكفارة في المعصية ونحوها؛ فالقول به مذهب الإمام أحمد وإسحاق؛ كما قال الترمذي (١ / ٢٨٨)، وهو مذهب الحنفية أيضاً، وهو الصواب؛ لهذا الحديث وما في معناه مما أشرنا إليه . ٤٨٠ - (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ). أخرجه مالك (١ / ٤٤ - ٤٥) عن صفوان بن سُليم عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبدالدار أنه سمع أبا هريرة يقول: ((جاء رجل إلى رسول الله ◌َّر، فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضَّأنا به؛ عطشنا، أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله وَئية : (فذكره))) . ومن طريق مالك أخرجه أصحاب ((السنن)) وغيرهم، وصححه الترمذي وجماعة من المتقدمين والمتأخرين، ذكرت أسماءهم في ((صحيح أبي داود)) (٧٦). وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غیر سعید بن سلمة، وقد ادَّعى بعضهم أنه مجهول، لم يرو عنه غير صفوان، ومع ذلك وثقه النسائي وابن حبان، لكن قيل: إنه روى عنه أيضاً الجلَّاح أبو كثير، وفيه نظر عندي يأتي بيانه. قال الحافظ في ((التلخيص)) (١ / ١٠ ) : ٨٦٤ ((وأما سعيد بن سلمة؛ فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عند الجلاح أبو كثير، رواه عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وغيرهما، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي عنه)). قلت: يعني أن الجلاح هذا رواه أيضاً عن سعيد بن سلمة، فیکون له راویان صفوان والجلاح، وحينئذ فعزو هذه المتابعة لأحمد فيه نظر؛ لأن السند عنده (٢ / ٣٧٨) هكذا : ((حدثنا قتيبة بن سعيد عن ليث عن الجلاح عن أبي كثير عن المغيرة بن(١) أبي لعل بردة عن أبي هريرة ... )). عن رائدة فالجلاح في هذا السياق متابع لسعيد بن سلمة، لا لصفوان؛ كما ادعى الحافظ رحمه الله. ۔ نعم؛ إنما تصح دعواه بالنظر إلى سياق الحاكم لإِسناده (١ / ١٤١)، وعنه تلقاه البيهقي (١ / ٣)، رواه من طريق عبيد بن عبد الواحد بن شريك: ثنا يحيى بن بكير: حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب: حدثني الجلاح أبن كثير أن ابن سلمة المخزومي حدثه أن المغيرة بن أبي بردة أخبره به . فهذا السياق مخالف لسياق أحمد في الموضعين: الأول: أنه أدخل بين الليث والجلاح يزيد بن أبي حبيب، والأول أسقطه من بینھما . والآخر: أنه أدخل بين الجلاح وبين المغيرة ابنَ سلمة المخزومي، وهو سعيد ابن سلمة، والآخر أسقطه . وهذا الاختلاف - كما يبدو لأول وهلة - إنما هو بين قتيبة بن سعيد ويحيى بن بكير، ولو ثبتت هذه المخالفة عن يحيى؛ لكانت مرجوحة؛ لأنه دون قتيبة في الحفظ (١) الأصل: ((عن أبي بردة))، وهو خطأ مطبعي. ٨٦٥ والضبط؛ فقد أطلق النسائي فيه الضعف، وتكلّم فيه غيره، لكن قال ابن عدي : ((هو أثبت الناس في الليث)). وهذا القول اعتمده الحافظ في ((التقريب))، فقال: ((ثقة في الليث)). وقال في قتيبة : «ثقة ثبت)). وإذا تبيَّن الفرق بين الرجلين؛ فالنفس تطمئن لرواية قتيبة المتَّفق على ثقته وضبطه أكثر من رواية يحيى بن بكير المختلف فيه، ولو أن عبارة ابن عدي تعطي بإطلاقها ترجيح روايته عن الليث خاصة على رواية غيره عنه . ومع ذلك؛ فإن في ثبوت هذا السياق عن يحيى نظراً؛ لأن الراوي عنه عبيد بن عبدالواحد بن شريك فيه كلام أيضاً، وإليك ما جاء في ترجمته عند الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١١ / ٩٩): ((قال الدارقطني: صدوق. وقال أبو مزاحم موسى بن عبيدالله: كان أحد الثقات، ولم أكتب عنه في تغيُّه شيئاً. وقال ابن المنادي (يعني: في ((تاريخه))): أكثر الناس عنه، ثم أصابه أذى فغيره في آخر أيامه، وكان على ذلك صدوقاً. وقال الخطبي : لم أکتب عنه شيئاً» . ويتلخص مما سبق أن سياق أحمد عن الليث عن الجلاح أبي كثير عن المغيرة ابن أبي بردة عن أبي هريرة، وهو الصحيح عن الليث والجلاح. وإذا تبيَّن هذا؛ فالسند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير المغيرة، وهو ثقة؛ كما قال النسائي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٢١٨ - ٢١٩)، وروى عنه جماعة . ولتمام الفائدة يحسن أن أسوق الآن لفظ هذا الإِسناد؛ فإنه أتم، قال أبو هريرة ٨٦٦ رضي الله عنه : ((إن ناساً أتوا النبي وَس *، فقالوا: إنا نبعد في البحر، ولا نحمل من الماء إلا الإِداوة والإِداوتين؛ لأنا لا نجد الصيد حتى نبعد، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم؛ فإنه الحل ميتته، الطهور ماؤه)). من فقه الحديث: وفي الحديث فائدة هامة، وهي حل كل ما مات في البحر مما كان يحيا فيه، ولو كان طافياً على الماء. وما أحسن ما رُوي عن ابن عمر أنه سُئل: آكل ما طفا على الماء؟ قال: إن طافيه ميتته، وقد قال رسول الله وَ له: ((إن ماءه طهور، وميته حل)). رواه الدارقطني (٥٣٨). وحديث النهي عن أكل ما طفا منه على الماء لا يصح؛ كما هو مبيَّن في موضع آخر. هَلْ جاءَ زَمَانُهُ؟ ٤٨١ - (لا تَقومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَسافَدُوا في الطَّريقِ تَسافُدَ الحَميرِ. قلتُ: إِنَّ ذلك لَكائنٌ؟ قالَ: نعم؛ ليكونَنَّ). أخرجه البزار في ((مسنده)) (٤ / ١٤٨ / ٣٤٠٨): حدثنا محمد بن عبدالرحيم: ثنا عفان، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٨٩ - موارد): أخبرنا أحمد بن علي بن المثنی : حدثنا إبراهيم بن حجاج السامي ؛ قالا : حدثنا عبدالواحد بن زياد: حدثنا عثمان بن حكيم: حدثنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: (فذكره). وقال البزار: ((لا نعلمه من وجه يصح إلا من هذا الوجه)). .٨٦٧ قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم؛ غير أحمد بن علي، وهو أبو يعلى الموصلي، صاحب ((المسند))، وهو ثقة حافظ. وتابعه عبدة بن سليمان عن عثمان بن حكيم به موقوفاً. رواه ابن أبي شيبة (١٥ / ٦٤) . وللحديث طريق أخرى، أخرجه الحاكم (٤ / ٤٥٧) من طريق قتادة عن أبي · مجلز عن قيس بن عباد عن عبدالله بن عمرو قال: (فذكره) نحوه مطولاً موقوفاً. وهو في حكم المرفوع وقال: ((صحيح الإِسناد على شرطهما، موقوف)). ووافقه الذهبي. وله عنده (٤ / ٤٥٥ - ٤٥٦) طريق أخرى عنه موقوفاً أيضاً. وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة؛ حتى يقوم الرجل إلى المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ مَن يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط!)). أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (١١ / ٤٣ / ٦١٨٣) عن خلف بن خليفة: ثنا یزید بن کیسان عن أبي حازم عنه. قلت: ورجال إسناده ثقات رجال مسلم؛ إلا أن خلفاً هذا كان اختلط في الآخر، وادَّعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد ؛ كما في ((التقريب)). فقول المعلق على ((المسند)): ((إسناده قوي)) غير قوي. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨ / ٣٣١): ((رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح))! وله طريق أخرى عن أبي هريرة بإسناد واه، وزيادة في آخره: ((فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم)). ٨٦٨ ومن أجلها أوردته في ((الضعيفة)) (١٢٥٤). وله شاهد آخر من حديث النواس بن سمعان في حديثه الطويل في الدجّال ويأجوج ومأجوج، وفي آخره: ((فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس؛ يتهارجون فيها تهارُج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة)). أخرجه أحمد (٤ / ١٨١ - ١٨٢)، ومسلم (٨ / ١٩٧ - ١٩٨)، والحاكم (٤ / ٤٩٢ - ٤٩٤)، وقال: ((صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي! فوهما في استدراكه على مسلم. (يتهارجون)؛ أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا یکترثون لذلك. و(الهرج)؛ بإسكان الراء: الجماع؛ يقال: هرج زوجته؛ أي: جامعها. نووي . قلت: وبمعناه تماماً (يتسافدون). وله شاهد ثالث من حديث أبي ذر نحو حديث أبي هريرة. أخرجه الحاكم (٣ / ٣٤٣) من طريق سيف بن مسكين الأسواري: ثنا المبارك ابن فضالة عن المنتصر بن عمارة بن أبي ذر الغفاري عن أبيه عن جده عن رسول الله گالۋ به. وقال: ((تفرد به سيف بن مسكين)). قال الذهبي : ((هو واه، ومنتصر وأبوه مجهولان)). ٨٦٩ ٤٨٢ - (ارْحَمُوا تُرْحَموا، واغْفِرُوا يَغْفِرِ اللهُ لَكُمْ، ووَيْلٌ لأقْمَاعِ القَوْلِ ، وويلٌ للمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمونَ). رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٨٠)، وأحمد (٢ / ١٦٥ و٢١٩)، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٤٢ / ١)، ويعقوب الفسوي في ((التاريخ)) (٢ / ٥٢٢)، وعنه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧ / ٤٧٦ / ١١٠٥٢) عن حريز بن عثمان: حدثنا حِبان بن زيد عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً. - قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات . وقال المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٥٥): (رواه أحمد بإسناد جيد)). وكذلك قال العراقي؛ كما في ((فيض القدير)) للمناوي، وفيه : ((وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح؛ غير حبان بن زيد الشَّرْعَبي(١)، وثقه ابن حبان، ورواه الطبراني كذلك. انتهى، والمصنف رمز لصحته، وفيه ما تری» . وأقول: ليس فيه ما ينافي الصحة؛ فإن الجودة قد تجامعها، وقد تنافيها حينما يراد بها ما دونها، وهو الحسن، وليس هو المتحتم هنا. وحبان بن زيد أورده الفسوي في ثقات التابعين المصريين، ووثَّقه أبو داود أيضاً بقوله: ((شيوخ حريز كلهم ثقات)). ولذلك قال الحافظ في ((التقريب»: («ثقة، من الثالثة، أخطأ مَن زعم أن له صحبة)). (١) الأصل: ((الشرعي))، والتصويب من كتب الرجال، وهو بفتح المعجمة، ثم راء ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم موحدة. ٨٧٠ قلت: وكذلك وثقه الفسوي، ولكنه ذكره في (ثقات التابعين من المصريين)! وهو شامي؛ كما في ((تاريخ البخاري)) و ((ثقات ابن حبان)) (٤ / ١٨١). وقد أخطأ المعلق على ((المنتخب)) (١ / ٢٨٧) بجزمه بضعف إسناده، وقوله في حبان هذا: ((مجهول))! مع علمه بتوثيق ابن حبان والحافظ! وقد فاته توثيق الفسوي! (الأقماع)؛ بفتح الهمزة: جمع (قمع)؛ بكسر القاف وفتح الميم وتسكن : الإِناء الذي يُجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع، شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئاً مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازاً كما يمر الشراب في القمع، كذلك قال الزمخشري : من المجاز: ((ويل لأقماع القول))، وهم الذين يستمعون ولا يعون. ٤٨٣ - (مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، ومَنْ لا يَغْفِرْ لَا يُغْفَرْ لَهُ، ومَنْ لا يَتُبْ لا يُتَبْ علیهِ). أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢ / ٣٥١ / ٢٤٧٦)، وأبو الحسن الحربي في ((الفوائد المنتقاة)) (٣ / ١٥٥ / ١) عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء: حدثني أبي : نا المفضل بن صدقة أبو حماد الكوفي عن زياد (بن علاقة) قال: سمعت جريراً يقول: قال رسول الله وَل: (فذكره). قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير المفضَّل بن صدقة؛ فهو مختلف فيه، فقال ابن معين : ((ليس بشيء)). وقال أبو حاتم : «لیس بقوي، یکتب حديثه)). ٨٧١ وقال أبو زرعة : ((ضعيف الحديث)). وقال النسائي : ((متروك)). وقال ابن عدي : ((ما أرى بحديثه بأساً، وكان أحمد بن محمد بن شعيب يثني عليه ثناء تامً». وقال الأهوازي : ((كان عطاء بن مسلم يوثقه)). وقال البغوي : ((صالح الحديث)). قلت: فمثله يستشهد به إن شاء الله تعالى، وقد تابعه ثلاثة : الأول: قيس بن الربيع عن زياد بن علاقة به . أخرجه الطبراني (رقم ٢٤٧٧ - ٢٤٧٨). وقیس هذا ضعيف أيضاً لسوء حفظه؛ فیستشهد به . الثاني: سليمان بن قَرْم عن زياد بن علاقة به؛ دون الجملة الثالثة. أخرجه أحمد (٤ / ٣٦٥). وسليمان أيضاً ضعيف كسابقيه. الثالث: الوليد بن أبي ثور عن زياد به كالذي قبله. أخرجه الطبراني (٢٤٧٥). والوليد ضعيف أيضاً. ٨٧٢ ٢ لكن اجتماع هؤلاء الأربعة على روايته عن زياد مما يدلُّ على صحة الحديث؛ لأنهم غير متّهمين في صدقهم، وليس فيهم مَن كان يسرق الحديث، فيبعد عادة أن يَتَّفقوا على الخطأ. والله أعلم. والجملة الأولى من الحديث أخرجها الشيخان في ((صحيحيهما))، وأحمد، والطبراني، وغيرهم من طرق عن جرير، وقد خرجته في ((مشكلة الفقر)) (١٠٨). والجملة الثانية يشهد لها الحديث الذي قبله . الصَّوْمُ والصَّدَقَةُ عَنِ الوالِدِ الْمُسْلِمِ ٤٨٤ - (أَمَّا أَبُوكَ؛ فلو كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، فصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عنهُ؛ نَفَعَهُ ذلك). أخرجه الإمام أحمد (٢ / ١٨٢): حدثنا هشيم: أخبرنا حجاج: حدثنا عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده : ((أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عَمْراً سأل النبي وَّر عن ذلك؟ فقال: (فذكره)). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهشيم والحجاج كلاهما مدلس، ولكنهما قد صرَّحا بالتحديث، فزالت شبهة تدليسهما . ومن هنا تعلم أن قول الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٤ / ١٩٢): ((رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس))؛ فليس دقيقاً؛ فإنه يوهم أنه قد عنعنه، وليس کذلك کما تری. والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين، ويصل إليهما ثوابها بدون وصية منهما، ولما كان الولد من ٨٧٣ سعي الوالدين؛ فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾(١)؛ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في ((المنتقى))؛ كما فعل البعض. واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد؛ فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله: ((باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى)»: غیر صحیح ؛ لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدلُّ دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في «نيل الأوطار)) (٤ / ٧٨ - ٨٠)، ثم الكاتب في كتابه ((أحكام الجنائز وبدعها)»، وقد يسر الله - والحمد لله - طبعه، من ذلك الدعاء للموتى؛ فإنه ينفعهم إذا استجابه الله تبارك وتعالى ؛ فاحفظ هذا تنجُ من الإفراط والتفريط في هذه المسألة . وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدَّق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه؛ لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما؛ إلا ما خصَّه الدليل مما سبقت الإِشارة إليه. والله أعلم. صَلَّهِ مِن معجزاته : ٤٨٥ - (مَا لِبَعِيرَكَ يَشْكُوكَ؟ زَعَمَ أَنَّكَ سَانِيهِ حَتَّى إِذا كَبِرَ تُرِيدُ أَنْ تَنْحَرَهُ؛ [لا تَنْحَروهُ، واجْعَلوهُ فِي الإِبِلِ يَكونُ مَعَها]). أخرجه الإمام أحمد (٤ / ١٧٣): ثنا أسود بن عامر: ثنا أبو بكر بن عياش عن حبيب بن أبي عمرة عن المنهال بن عمرو عن يعلى قال: ((ما أظن أن أحداً من الناس رأى من رسول الله و له إلا دون ما رأيت، فذكر أمر (١) النجم: ٣٩. ٨٧٤ الصبي، والنخلتين، وأمر البعير؛ إلا أنه قال: (فذكره)). قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير أسود بن عامر؛ فمن أفراد مسلم، وفي أبي بكر بن عياش كلام لا يضر. ثم استدركت فقلت: إنه منقطع كما يأتي . وقد أخرجه الحاكم (٢ / ٦١٧ - ٦١٨) من طريق يونس بن بكير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه قال: ((سافرت مع رسول الله وَ لخير، فرأيت منه شيئاً عجباً: نزل منزلاً، فقال: انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل: إن رسول الله صله يقول لكما أن تجتمعا. فانطلقتُ فقلتُ لهما ذلك، فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فمرَّت كل واحدة إلى صاحبتها، فالتقيا جميعاً، فقضى رسول الله وَلخير حاجته من ورائهما، ثم قال: انطلق فقل لهما لتعود كل واحدة إلى مكانها. فأتيتهما، فقلت ذلك لهما، فعادت كل واحدة إلى مكانها. وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، یأخذه کل یوم مرتین، فقال رسول الله وعليه: أدنيه. فأدنته منه، فتفل في فيه، وقال: اخرج عدوَّ الله أنا رسول الله. ثم قال لها رسول الله ويستر: إذا رجعنا؛ فأعلمينا ما صنع. فلما رجع رسول الله وَ ظله؛ استقبلته ومعها كبشان وأقط وسمن، فقال لي رسول الله وَالر: خذ هذا الكبش، فاتَّخذ منه ما أردت. فقالت: والذي أكرمك؛ ما رأينا به شيئاً منذ فارقتنا. ثم أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه، فقال: ما . لبعيركم هذا يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه، فلما كبر وذهب عمله؛ تواعدنا عليه لننحره غداً. فقال رسول الله وَله: لا تنحروه، واجعلوه في الإِبل يكون معها)). وقال الحاكم : «صحیح الإِسناد)). ٨٧٥ ووافقه الذهبي . قلت: وقوله في السند: ((عن أبيه)): وهم؛ كما صرَّح الحافظ في ((التهذيب))، لكنه قال في الرواة عن يعلى : ((منهم من أرسل عنه كعطاء بن السائب والمنهال بن عمرو)). وذكر نحوه في ترجمة المنهال أنه أرسل عن يعلى بن مرة. وعلى هذا؛ فالإِسناد منقطع . وأخرجه أحمد (٤ / ١٧١ و١٧٢) من طريق وكيع: ثنا الأعمش به دون قصة الجمل؛ إلا أنه لم يقل مرة: عن أبيه. وأخرجه (٤ / ١٧٠) من طريق عثمان بن حكيم قال: أخبرني عبدالرحمن بن عبدالعزيز عن يعلى بن مرة قال: ((لقد رأيت من رسول الله وي ثلاثاً ما رآها أحد قبلي ... (فذكرها)). وقال المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٥٨): ((وإسناده جيد)». كذا قال! وعبدالرحمن هذا أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، ولم يحك فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال الحسيني : ((لیس بالمشهور)). وبقية رجاله ثقات رجال مسلم . وقد تابعه عبدالله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي به نحوه. أخرجه أحمد (٤ / ١٧٣) من طريق عطاء بن السائب عنه . وعطاء كان اختلط . وعبدالله بن حفص مجهول؛ كما قال الحافظ وغيره . ٨٧٦ وبالجملة؛ فالحديث بهذه المتابعات جيد، والله أعلم. وأما زعم المدعو رمضان عيسى بأن هذه الطرق الثلاثة شديدة الضعف؛ فهو من الأدلة الكثيرة على جهله البالغ بهذا العلم الشريف، فلا نطيل بالرد عليه؛ لوضوح أمره . مِنْ قِصَصِ بَنِي إِسْرائيلَ ٤٨٦ - (كَانَ فِي بَنِي إِسْرائيلَ امْرَأَةً قَصِيرةٌ، فصَنَعَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، فَكَانَتْ تَسيرُ بِينَ امرَأَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ، واتَّخَذَتْ خَاتَماً مِنْ ذَهَب، وحَشَتْ تحْتَ فَصِّهِ أَطْيَبَ الطَّيب: المِسْكَ، فكانَتْ إِذا مَرَّتْ بالمَجْلِسِ ؛ حَرَّكَتْهُ فَتَفَخَ رِيحُهُ. وفي روايةٍ: وجَعَلَتْ لهُ غَلْقاً، فإِذا مَرَّتْ بالملإِ أو بالمَجْلِس ؛ قالتْ بِهِ، فَفَتَحَتْهُ، ففاحَ ريحُهُ). أخرجه أحمد في ((المسند)) (٣ / ٤٠): ثنا عثمان بن عمرو: ثنا المستمر بن الريان: ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله وَ ل# قال: (فذكره). ثم قال (٣ / ٤٦): ثنا عبد الصمد: ثنا المستمر بن الريان به وزاد في أوله : ((أن رسول الله * ذكر الدنيا، فقال: إن الدنيا خضرة حلوة؛ فاتقوها واتَّقوا النساء. ثم ذكر نسوة ثلاثاً من بني إسرائيل؛ امرأتين طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتَّخذت رجلين من خشب ... )) الحديث نحوه، وفيه الرواية الأخرى. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه» (٧ / ٤٨) من طريق شعبة عن خُليد بن جعفر والمستمر قالا : سمعنا أبا نضرة به مختصراً، ومن طريقه عن خليد وحده به نحو رواية عبدالصمد دون الزيادة في أوله، وسيأتي برقم (٩١١). (فنفخ): كذا الأصل بالخاء المعجمة؛ أي: فاح؛ كما في الرواية الأخرى، ٨٧٧ وكنت أظن أن الصواب (فنفح) بالحاء المهملة؛ ففي ((القاموس): ((نفح الطيب كمنع: فاح ... ))، حتى رأيت في ((النهاية)) في مادة (نفخ): (( ... من نفخت الريح إذا جاءت بغتة))، فظننت أنها صحيحة، والله أعلم. (فائدة): في هذا الحديث تنبيه ظاهر إلى أن عادة النساء الفاسقات لبس ما يلفت الأنظار إليهن، ومن ذلك ما شاع بينهن من انتعال النعال العالية الكعاب، وبخاصة منها التي تنعل من أسفلها بالحديد؛ ليشتدَّ ظهور صوتها عند المشي، ولعل أصل ذلك من اختراع اليهود؛ كما يشير هذا الحديث؛ فعلى المسلمات أن يتَّقين ذلك. والله المستعان. ٤٨٧ - (إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّ رَبُّ النَّارِ). أخرجه أبو داود (٢٦٧٥): حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى : أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد - قال غير أبي صالح: عن الحسن بن سعد - عن عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه قال: ((كنا مع رسول الله وَّر في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي ونَ ﴿ فقال: مَن فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: مَن حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: (فذكره))) . قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير محبوب ابنموسى، وهو ثقة . وعبدالرحمن بن عبدالله، وهو ابن مسعود، قد سمع من أبيه على الراجح عندنا؛ كما سبق بيانه عند الحديث (١٩٧). وقد تابعه المسعودي عن الحسن بن سعد به؛ دون قصة النمل. أخرجه أحمد (١ / ٤٠٤). ٨٧٨ وفي رواية له عن المسعودي عن القاسم والحسن بن سعد به . وقد سبق ذكر الحديث برقم (٢٥) من أجل فقرة أخرى، وقدر إعادته هنا لشيء من الزيادة في التخريج، ولنسوقَ له شاهداً بلفظ: ((لا تعذِّبوا بعذاب الله عزَّ وجلَّ)). أخرجه أحمد (١ / ٢١٩ - ٢٢٠): ثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلى: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في ((صحيحه)) (٤ / ٣٢٩)، والترمذي (١ / ٢٧٥)، والنسائي (٢ / ١٧٠)، وأحمد أيضاً (١ / ٢١٧ و٢٨٢)، وعنه أبو داود (٤٣٥١)، والدارقطني (٣٣٤) من طرق أخرى عن أيوب عن عكرمة : ((أن علياً حرق قوماً ارتدُوا عن الإِسلام، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لوكنت أنا لقتلتهم؛ لقول رسول الله وَلَر: مَن بدَّل دينه فاقتلوه، ولم أكن لأحرقهم؛ لقول رسول الله وَ﴾: لا تعذّبوا بعذاب الله. فبلغ ذلك عليّاً، فقال: صدق ابن عباس)). والسياق للترمذي، وقال : ((حديث حسن صحيح)). وليس عند البخاري ((فبلغ عليّاً ... ))، ولفظه: :(( ... لو كنت أنا؛ لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله وَلهو: ((لا تعذبوا بعذاب الله))، ولقتلتهم ... )). وفي رواية لأحمد وهي رواية للدارقطني - وقال: ((ثابت صحيح)) -: ((فقال: ويح ابن أم ابن عباس))؛ مكان: ((صدق ابن عباس)). ولا منافاة بين الروايتين؛ فإن ((ويح)) كلمة ترخُّم وتوجُّع، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب؛ كما في ((النهاية))؛ فهي هنا بالمعنى الآخر؛ كما هو ظاهر. ٨٧٩ (تنبيه): عزا الحديث بلفظ الترجمة في ((الفتح الكبير)) لمسلم عن كعب بن مالك، ولم أره فيه. والله أعلم. وسيأتي للحديث شاهدان آخران من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وأبي هريرة تحت رقم (١٥٦٥). ٤٨٨ - (اعْفُوا عنهُ (يعْني: الخادِمَ) في كُلِّ يَوْمٍ سَبعينَ مَرَّةً). أخرجه أبو داود (١٥٦٤) من طريق ابن وهب قال: أخبرني أبو هانىء الخولاني عن العباس بن جُليد الحجري قال: سمعت عبدالله بن عمرو يقول: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة؛ قال: (فذكره))). وأخرجه الترمذي (١ / ٣٥٣ - ٣٥٤) من هذا الوجه، ولكنه لم يسق لفظه، وإنما أحال على لفظ رشدين بن سعد عن أبي هانىء الخولاني به نحوه، وقال: «حدیث حسن غریب)). قلت: وإسناده صحيح، وأبو هانىء اسمه حميد بن هانىء، وهو ثقة، ومثله العباس بن جُلید الحجري؛ فالسند صحیح . ٠٠٠٠ وقول أبي حاتم: ((لا أعلم سمع عباس بن جلید من عبدالله بن عمرو))؛ يرده تصريحه بالسماع منه في هذا السند. وتابعه ابن لهيعة عن حميد بن هانیء به. أخرجه أحمد (٢ / ١١١). وتابعه سعید بن أيوب : ثنا أبو هانیء عن عباس الحجري عن عبدالله بن عمر ابن الخطاب: ((أن رجلاً أتى رسول الله وي ) فقال: يا رسول الله! إن لي خادماً يسيء ويظلم، ٨٨٠