النص المفهرس
صفحات 841-860
غالب عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ قال: (فذكره). قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أبي غالب، وهو صاحب أبي أمامة، وهو حسن الحديث، وفي ((التقريب)): ((صدوق يخطىء)). والحديث قال المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٤٤): ((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله ثقات)). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٥ / ٢٣٥): ((رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجال ((الكبير)) ثقات)). وفيه إشعار بأن إسناد ((الأوسط)) ليس كذلك؛ فإنه عنده (١ / ١٩٧ / ٢) من طريق العلاء بن سليمان عن الخليل بن مرة عن أبي غالب به، وقال: ((لم يروه عن الخليل إلا العلاء)). قلت: وكلاهما ضعيف. والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٤ / ١)، وابن سمعون الواعظ في ((المجلس الخامس عشر)) (٥٣ - ٥٤) من طريق موسى بن خلف العمِّي : ثنا المعلى بن زياد عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار مرفوعاً به . ورجاله ثقات؛ غير أن العمِّي هذا صدوق له أوهام؛ كما في ((التقريب))، فأخشى أن يكون قد وهم في إسناده على المعلَّى. لكن رواه ابن أبي عاصم أيضاً من طريق ابن المبارك: حدثني منيع: حدثني معاوية بن قرة به . غير أني لم أعرف منيعاً هذا، وقد ذكره ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ٤١٤) برواية ابن المبارك هذه، ولم يزد! لكن قد ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧ / ٥١٥)، وأفاد ٨٤١ أنه روى عنه أبو غانم يونس بن نافع المروزي، وسمی أباه (عبدالله). ٤٧١ - (إِنَّ الشَّيطانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بأَرْضِكُمْ هذهِ، ولكنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِما تَحْقِرون). أخرجه الإمام أحمد (٣٦٨/٢)، والبزار في ((مسنده)) (٢٨٥٠): ثنا معاوية: ثنا أبو إسحاق عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأبو إسحاق هو الفزاري. ومعاوية هو ابن عمرو بن المهلب الأزدي الكوفي البغدادي، ومن طريقه أخرجه أبو نُعيم في ((الحلية)) (٨ / ٢٥٦) وقال: ((صحيح ثابت، رواه عن الأعمش الناس جميعاً)). قلت: منهم الثوري عند أبي نعيم (٧ / ٨٦). وللحدیث شاهد من حديث ابن مسعود. أخرجه الحميدي (رقم ٩٨)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٥١٢٢) بسند ضعيف، وأخرجه أحمد (١ / ٤٠٢ - ٤٠٣) مختصراً بسند آخر فيه مجهول هو عبد ربه بن أبي يزيد، وإن وثقه ابن حبان (٧ / ١٥٤). وقول الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ١٨٩): ((رواه أحمد والطبراني في ((الأوسط))، ورجالهما رجال الصحيح؛ غير عمران بن داوَر القطان، وقد وثق))؛ فهو خطأ؛ لأن عبدربه هذا لم يخرج له البخاري ومسلم شيئاً. وكذلك قول المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ١٤٥): (( ... بإسناد حسن))؛ فغير حسن؛ لجهالة المذكور. وشاهد آخر بسند حسن لغيره عن أبي الدرداء. رواه البزار (٢٨٤٩). وفي المحقرات من الذنوب حديث آخر صحيح، مضى برقم (٣٨٩). ٨٤٢ ٤٧٢ - (مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ؛ فَلْيَفْعَلْ). أخرجه مسلم (٧ / ١٨ - ١٩)، وابن حبان (٧ / ٦٣٤ / ٦٠٧٠)، وأحمد (٣ / ٣٨٢)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (ص ٩٠) من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: ((أرخص النبي وَّل في رقية الحية لبني عمرو)). قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبدالله يقول: ((لدغت رجلاً منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ثر، فقال رجل: يا رسول الله! أرقي؟ قال: (فذكره)). وتابعه ليث بن سعد عن أبي الزبير. رواه أحمد (٣ / ٣٣٤). وفي رواية لمسلم وأحمد (٣ / ٣٠٢ و ٣١٥) من طريق أبي سفيان عن جابر قال : ((كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله وَّر عن الرقى. قال: فأتاه فقال: يا رسول الله! إنك قد نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: (فذكر الحديث))) . وفي رواية أخرى من هذا الوجه: (نهى رسول الله به لول عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله وَله فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه. فقال: ما أرى بأساً، مَن استطاع ... )). وأخرجه ابن ماجه (٣٥١٥) بنحوه وقال: ((فقال لهم: اعرضوا عليَّ. فعرضوها عليه، فقال: لا بأس بهذه، هذه مواثيق)) . ٨٤٣ وليس عنده قوله في آخره: ((من استطاع ... ))؛ خلافاً لما فعل السيوطي في ((الجامع الصغير))؛ فإنه عزاه لأحمد ومسلم وابن ماجه! وكذلك صنع في ((الكبير)) (٢ / ٢١٧ / ٢)، وزاد في التخريج: عبد بن حميد وابن حبان وابن عساكر، وعزاه قبل ذلك بأحاديث للخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) عن الحسن مرسلاً! وقد أخرجه عن جابر موصولاً كما رأيت. وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه مفهوماً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ؛ فغير جائز. قال المناوي : ((وقد تمسَّك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دلَّ حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطاً)). قلت: ويؤيد ذلك أن النبي ◌َّ لم يسمح لآل عمرو بن حزم بأن يرقي إلا بعد أن اطّلع على صفة الرقية، ورآها مما لا بأس به، بل إن الحديث بروايته الثانية من طريق أبي سفيان نصٌّ في المنع مما لا يُعْرَف من الرقى؛ لأنه وَّ نهى نهياً عاماً أول الأمر، ثم رخّص فيما تبيَّن أنه لا بأس به من الرقى، وما لا يعقَل معناه منها لا سبيل إلى الحكم عليها بأنه لا بأس بها، فتبقى في عموم المنع. فتأمل. وأما الاسترقاء - وهو طلب الرقية من الغير-؛ فهو وإن كان جائزاً؛ فهو مكروه؛ كما يدل عليه حديث: ((هم الذين لا يسترقون ... ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم یتوگَّلون))، متفق عليه. وأما ما وقع من الزيادة في رواية لمسلم: ((هم الذين [لا يرقون و] لا يسترقون ... ))؛ فهي زيادة شاذة، ولا مجال لتفصيل القول في ذلك الآن من الناحية الحديثية، وحسبك أنها تنافي ما دلَّ عليه هذا الحديث من استحباب الترقية. وبالله التوفيق . ٨٤٤ ٤٧٣ - (كانَ إِذا انْصَرَفَ مِنْ صَلاةِ الغَداةِ يَقولُ: هَلْ رَأَّى أَحَدٌ مِنْكُمُ الليلَةَ رُؤيا؟ ويقولُ: ليسَ يَبْقِى بَعْدِي مِنَ النُُّوَّةِ إِلَّ الرُّؤيا الصَّالحةُ). أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٩٥٦/ ٢)، وعنه الحاكم (٤ / ٣٩٠ - ٣٩١) من طريق إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن زفر بن صعصعة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّ كان ... وقال الحاكم: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وهو كما قالا . والشطر الثاني منه أخرجه البخاري (٤ / ٣٤٩) من طريق سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة)). وللحديث شواهد كثيرة، خرجتها في ((إرواء الغليل)) (رقم ٢٥٣٩). والحديث نصٌّ في أنه لا نبوّة ولا وحي بعد النبي ◌ّ إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. ولقد ضلت طائفة زعمت بقاء النبوة واستمرارها بعده وَّله، وتأوَّلوا - بل عطّلوا - معنى هذا الحديث ونحوه ممَّا في الباب، وكذلك حرَّفوا قول الله تعالى: ﴿وَلكِنْ رَسولَ اللهِ وخاتَمَ النَّبِّينَ﴾(١) بمثل قولهم: أي: زينة النبيين! وتارة يقولون: هو آخر الأنبياء المشرعين! ويقولون ببقاء النبوة غير التشريعية! (١) الأحزاب: ٤٠ . ٨٤٥ ومن المؤسف أن أحدهم كان استخرج كلمات الشيخ محيي الدين بن عربي (النكرة) الدالة على بقاء هذه النبوة المزعومة من كتابه ((الفتوحات المكية)) في كراس نشره على الناس، ثم لم يستطع أحد من المشايخ أن يرد عليهم، وكانوا من قبل قد أَلَّفوا بعض الرسائل في الرد عليهم، وإنما أمسكوا عن الرد على هذا الكراس؛ لأن من مكر جامعه أنه لم يضع فيه من عند نفسه شيئاً سوى أنه ذكر فيه كلمات الشيخ المؤيدة لضلالهم في زعمهم المذكور، فلو ردُّوا عليه؛ لكان الردُّ متوجّهاً إلى الشيخ الأكبر! وذلك مما لا يجرؤ أحدٌ منهم عليه؛ هذا إن لم يروه زندقة! فكأنهم يعتقدون أن الباطل إنما هو باعتبار المحل، فإذا قام فيمن يعتقدونه كافراً؛ فهو باطل، وأما إذا قام فيمن يعتقدونه مسلماً - بل ولياً -؛ فهو حق !! والله المستعان. حَديثُ الحَوَأَبِ ٤٧٤ - (أَيْتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْها كِلابُ الحَوْأَبِ)(١). أخرجه أحمد (٦ / ٥٢ و٩٧) عن يحيى - وهو ابن سعيد -، و(٦ / ٩٧) عن شعبة، وأبو إسحاق الحربي في ((غريب الحديث)) (٥ / ٧٨ / ١) عن عبدة، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٣١ - موارد) عن وكيع وعلي بن مسهر، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٢٣ / ٢) وأبو يعلى (٤٨٦٨) عن ابن فضيل، والحاكم (٣ / ١٢٠) عن يعلى بن عبيد، والبزَّار (٣٢٧٥) عن أبي معاوية؛ كلهم عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم : 1 ((أن عائشة لما أتت الحواب؛ سمعت نُباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة؛ إن رسول الله وَ ◌ّ﴾ قال لنا: (فذكره). فقال لها الزبير: ترجعين! عسى الله عزَّ وجلَّ أن يصلح بك بين الناس)) . (١) (الحَوْأب): ماء قريب من البصرة على طريق مكة. ٨٤٦ هذا لفظ شعبة، ومثله لفظ يعلى بن عبيد، ولفظ يحيى قال: ((لما أقبلت عائشة؛ بلغت مياه بني عامر ليلاً؛ نبحت الكلاب. قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحواب. قالت: ما أظنني إلا أني راجعة. فقال بعض من كان معها: بل تقدمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم. قالت: إن رسول الله وَل قال لها ذات يوم: كيف بإحداكنَّ تنبح عليها ... )). قلت: وإسناده صحيح جدّاً، رجاله ثقات أثبات من رجال الستة: الشيخين، والأربعة، رواه الثمانية من الثقات عن إسماعيل بن أبي خالد وهو ثقة ثبت كما في ((التقريب)). وقيس بن أبي حازم مثله؛ إلا أنه قد ذكر بعضهم فيه كلاماً يفيد ظاهره أنه مجروح، فقال الذهبي في ((الميزان)): (ثقة، حجة، كاد أن يكون صحابيّاً، وثقه ابن معين والناس، وقال علي بن عبدالله عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث، ثم سمى له أحاديث استنكرها، فلم يصنع شيئاً، بل هي ثابتة، لا ینکر له التفرّد في سعة ما روی، من ذلك حديث كلاب الحوأب، وقال يعقوب السدوسي : تكلم فيه أصحابنا، فمنهم من حمل عليه وقال: له مناكير، والذين أطروه عدوها غرائب، وقيل: كان يحمل على عليٍّ رضي الله عنه ... إلى أن قال يعقوب: والمشهور أنه كان يقدِّم عثمان، ومنهم من جعل الحديث عنه من أصح الأسانيد. وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان ثبتاً. قال: وقد كبر حتى جاوز المائة وخرف. قلت: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلّم فيه؛ فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى؛ فقد قال معاوية بن صالح عن ابن معين : کان قيس أوثق من الزهري)). قلت: وقد تأول الحافظ في ((التهذيب)) قول يحيى بن سعيد - وهو القطان -: ((منكر الحديث)): بأن مراده الفرد المطلق. ٨٤٧ قلت: فإن صح هذا التأويل؛ فبه، وإلا؛ فهو مردود؛ لأنه جرح غير مفسر، لا سيما وهو معارض؛ لإطباق الجميع على توثيقه والاحتجاج به، وفي مقدمتهم صاحبه إسماعيل بن أبي خالد؛ فقد وصفه بأنه ثبت؛ كما تقدم، ولا يضره وصفه إياه بأنه خرف؛ لأن الظاهر أنه لم يحدث في هذه الحالة، ولذلك احتجُّوا به مطلقاً، ولئن كان حدث فيها؛ فإسماعيل أعرف الناس به، فلا يروي عنه والحالة هذه. وعلى هذا؛ فالحديث من أصح الأحاديث، ولذلك تتابع الأئمة على تصحيحه قديماً وحديثاً. الأول: ابن حبان؛ فقد أخرجه في ((صحيحه)) كما سبق. الثاني: الحاكم؛ بإخراجه إياه في ((المستدرك))؛ كما تقدم، ولم يقع في المطبوع منه التصريح بالتصحيح منه، ولا من الذهبي؛ فالظاهر أنه سقط من الطابع أو الناسخ؛ فقد نقل الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٤٥) عن الحاكم أنه صححه، وهو اللائق به؛ لوضوح صحته. الثالث: الذهبي؛ فقد قال في ترجمة السيدة عائشة من كتابه العظيم: ((سير أعلام النبلاء)) (٢ / ١٧٧ - طبع الرسالة) و(ص ٦٠ الترجمة المفردة بتعليق الأستاذ الأفغاني) : ((هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجوه)). الرابع: الحافظ ابن كثير، فقال في ((البداية)) (٦ / ٢١٢) بعد أن عزاه كالذهبي لأحمد في «المسند»: ((وهذا إسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجوه)). الخامس: الحافظ ابن حجر؛ فقد قال في ((الفتح)) بعد أن عزاه لأحمد وأبي یعلی والبزار: ((وصححه ابن حبان والحاكم، وسنده على شرط الصحيح)). ٨٤٨ فهؤلاء خمسة(١) من كبار أئمة الحديث صرَّحوا بصحة هذا الحديث، وذلك ما يدلُّ عليه النقد العلمي الحديثي؛ كما سبق تحقيقه، ولا أعلم أحداً خالفهم ممَّن يعتدُ بعلمهم ومعرفتهم في هذا الميدان سوى يحيى بن سعيد القطان في كلمته المتقدمة، وقد عرفت جواب الحافظين الذهبي والعسقلاني عليه؛ فلا نعيده. إلا أن العلامة القاضي أبا بكر بن العربي رحمه الله تعالى جاء في كتابه ((العواصم من القواصم)) كلام قد يدل ظاهره أنه يذهب إلى إنكار هذا الحديث، ويبالغ في ذلك أشد المبالغة، فقال في ((عاصمة)) (ص ١٦١): ((وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب؛ فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حرب، ما كان شيء مما ذكرتم، ولا قال النبي وغير ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهادتهم بهذا الباطل، وسوف تسألون». ويشير بقوله: ((الشهادة)): إلى ما كان ذكره من قبل في ((قاصمة)) (ص ١٤٨): ((فجاؤوا إلى ماء الحوأب، ونبحت كلابه، فسألت عائشة؟ فقيل لها: هذا ماء الحوأب، فردَّت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ◌ََّ يقول: ((أيتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب، التي تنبحها كلاب الحوأب؟))، فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلاً إليهم، وكانت أول شهادة زور دارت في الإِسلام)). قلت: ونحن وإن كنا نوافقه على إنكار ثبوت تلك الشهادة؛ فإنها ممَّا صان الله تبارك وتعالى أصحابه وس لو منها، لا سيما مَن كان منهم من العشرة المبشرين بالجنة؛ كطلحة، والزبير؛ فإننا ننكر عليه قوله: ((ولا قال النبي ◌َّر ذلك الحديث))! كيف وهو قد ثبت عنه ◌َّير بالسند الصحيح في عدة مصادر من كتب السنة المعروفة عند أهل العلم؟! (١) ويمكن أن تلحق بهم الحافظ نور الدين الهيثمي؛ فقد قال في ((مجمع الزوائد)) (٧ / ٢٣٤) بعد عزوه لمسانيد الثلاثة المذكورين عند الحافظ : ((ورجال أحمد رجال الصحيح)). ٨٤٩ ولعل عذره في ذلك أنه حين قال ذلك لم يكن مستحضراً للحديث أنه وارد في شيء من المصادر، بل لعله لم يكن قد اطّلع عليها أصلاً؛ فقد ثبت عن غير واحد من العلماء المغاربة أنه لم يكن عندهم علم ببعض الأصول الهامة من تأليف المشارقة؛ فهذا ابن حزم مثلاً لا يعرف الترمذي وابن ماجه ولا كتابيهما! وقد تبيَّن لي أن الحافظ عبدالحق الإِشبيلي مثله في ذلك؛ فإنه لا علم عنده أيضاً بـ ((سنن ابن ماجه))، ولا بـ ((مسند الإمام أحمد))؛ فقد رأيته يكثر العزو لأبي يعلى والبزار، ولا يعزو لأحمد وابن ماجه إطلاقاً، وذلك في كتابه ((الأحكام الكبرى)) الذي أنا في صدد تحقيقه بإذن الله تعالى؛ فليس من البعيد أن أبا بكر بن العربي مثلهما في ذلك، وإن كان رحل إلى المشرق. والله أعلم . ولكن؛ إذا كان ما ذكرته من العذر محتملاً بالنسبة إلى أبي بكر بن العربي؛ فما هو عذر الكاتب الإِسلامي الكبير الأستاذ محب الدين الخطيب الذي علَّق على كلمة ابن العربي في ((العاصمة)) بقوله : ( ... وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي - * وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة ... ))! كذا قال! وكأنه عفا الله عنا وعنه لم يتعب نفسه في البحث عن الحديث في دواوين السنة المعتبرة، بل وفي بعض كتب التاريخ المعتمدة؛ مثل: ((البداية)) لابن كثير، لو أنه فعل هذا على الأقل؛ لعرف موضع الحديث في تلك الدواوين المعتبرة، أو بعضها على الأقل، ولكنه أخذ يحسن الظن بابن العربي ويقلده، فوقع في إنكار هذا الحديث الصحيح، وذلك من شؤم التقليد بغير حجة ولا برهان . بيد أن هذا مع بعده عن الصواب، والانحراف عن التحقيق العلمي الصحيح؛ فإنه هيِّن بجانب قول صديقنا الأستاذ سعيد الأفغاني في تعليقه على قول الحافظ الذهبي المتقدم في ((سیر النبلاء)): «هذا حديث صحيح الإسناد». ((في النفس من صحة هذا الحديث شيء، ولأمر ما أهمله أصحاب الصحاح، ٨٥٠ وفي ((معجم البلدان)) (مادة حواب) أن صاحبة الخطاب سلمى بنت مالك الفزارية، وكانت سبية وهبت لعائشة، وهي المقصودة بخطاب الرسول الذي زعموه، وقد ارتدَّت مع طلحة، وقتلت في حروب الردة، ومن العجيب أن يصرف بعض الناس هذه القصة إلى السيدة عائشة إرضاء لبعض الأهواء العصبية)). وفي هذا الكلام مؤاخذات : الأولى: يظن الأستاذ الصديق أن إهمال أصحاب ((الصحاح)) لحديث ما إنما هو لعلة فيه، وهذا خطأ بيِّن عند كل من قرأ شيئاً من علم المصطلح وتراجم أصحاب ((الصحاح))؛ فإنهم لم يتعمَّدوا جمع كل ما صحَّ عندهم في ((صحاحهم))، والإِمام مسلم منهم قد صرَّح بذلك في ((صحيحه)) (كتاب الصلاة)، وما أكثر الأحاديث التي ينص الإِمام البخاري على صحتها أو حسنها مما يذكره الترمذي عنه في ((سننه))، وهو لم يخرجها في «صحيحه))! الثانية: هذا إن كان يعني بـ ((الصحاح)): الكتب الستة، لكن هذا الإِطلاق غير صحيح؛ لأن ((السنن)) الأربعة من الكتب الستة ليست من ((الصحاح))، لا اصطلاحاً ولا واقعاً؛ فإن فيها أحاديث كثيرة ضعيفة، والترمذي ينبِّه على ضعفها في غالب الأحيان . وإن كان يعني ما هو أعم من ذلك؛ فليس بصحيح؛ فقد عرفت من تخريجنا المتقدم أن ابن حبان أخرجه في ((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك على الصحیحین)). الثالثة: وثوقه بما جاء في ((معجم البلدان)) بدون إسناد، ومؤلفه ليس من أهل العلم بالحديث، وعدم وثوقة بـ ((مسند الإمام أحمد))، وقد ساق الحديث بالسند الصحيح، ولا بتصحيح الحافظ النقاد الذهبي له !! الرابعة : جزمه أن صاحبة الخطاب هي سلمى بنت مالك ... بدون حجة ولا برهان، سوى الثقة العمياء بمؤلف ((المعجم))، وقد أشرنا إلى حاله فى هذا الميدان، ٨٥١ وبمثل هذه الثقة لا يجوز أن يُقال: قال رسول الله ◌َ ل ـ لسلمى بنت مالك كذا وكذا !! الخامسة: إن الخبر الذي ذكره ووثق به لا يصح من قبل إسناده، بل هو واه جدّاً؛ فقد قال الأستاذ الخطيب بعد الذي نقلناه عنه آنفاً من الكلام على هذا الحدیث : ((ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية؛ لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبراً آخر نقله ياقوت في ((معجم البلدان)) (مادة حواب) عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى ... وهذا الخبر ضعيف، والخبر الذي أوردوه عن عائشة أوهی منه)). كذا قال! ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾(١). السادسة: قوله: ((إرضاء لبعض الأهواء)): وكأنه يشير بذلك إلى الشيعة الذين يبغضون السيدة عائشة رضي الله عنها ويفسِّقونها - إن لم يكفروها - بسبب خروجها يوم الجمل. ولكن؛ مَن هم الذين أشار إليهم بقوله: ((بعض الناس))؟ أهو الإِمام أحمد الذي وقف الأستاذ على إسناده للحديث؟! أم الذهبي الذي صححه؟! أم هو يحيى بن سعيد القطان شيخ الإِمام أحمد وهو من الثقات الأثبات، ولا سيما وقد تابعه ستة آخرون من الثقات كما تقدم؟! أم إسماعيل بن أبي خالد، وهو مثله كما عرفت؟! أم شيخه قيس بن أبي حازم، وهو مثله في الثقة والضبط؛ غير أنه قيل: إنه كان يحمل على علي رضي الله عنه؛ فهو إذن من شيعة عائشة رضي الله عنها؛ فلا يعقل أن يروي عنها ما لا أصل له مما فيه إرضاء لمن أشار إليهم الأستاذ؟! وللحديث شاهد يزداد به قوة، وهو من طرق عن عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله چ﴾ لنسائه: (١) التوبة: ١٠٢. ٨٥٢ ((ليت شعري! أيتكن صاحبة الجمل الأدْبَب(١)، تخرج فينبحها كلاب الحواب، يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعدما كادت؟!)). رواه البزار فى ((كشف الأستار)) (٤ / ٩٤ / ٣٢٧٣ - ٣٢٧٤)، ورجاله ثقات؛ كما قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٧ / ٢٣٤)، والحافظ في ((فتح الباري)) (١٣ / ٤٥). لكن أورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ٤٢٦) من طريق الأشج عن عقبة ابن خالد عن ابن قدامة - يعني عصام ! - عن عكرمة عن ابن عباس به، وقال: ((قال أبي: لم يرو هذا الحديث غير عصام، وهو حديث منكر لا يروى من طريق غيره)). قلت: عصام هذا قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣ / ٢ /٢٥) عن أبيه : ((کوفي، لا بأس به)). وكذا قال أبو زرعة وأبو داود، وقال ابن معين : (صالح)). وقال النسائي : ((ثقة)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧ / ٣٠٠). قلت: ولم يضعفه أحد؛ فمثله حجة، وسائر الرواة ثقات أيضاً، وذلك ما صرَّح به الهيثمي والحافظ كما تقدم؛ فالسند صحيح . فلا وجه عندي لقول أبي حاتم: ((حديث منكر))؛ إلا إن كان يعني به أنه حديث (١) أي: الأدَبّ، وهو الكثير وبر الوجه . ٨٥٣ غريب فرد، ويؤيده قوله عقبه: ((لا يروى من طريق غيره))؛ يعني: من حديث ابن عباس، فإن كان أراد هذا؛ فلا إشكال، وإن أراد التضعيف؛ فلا وجه له، لا سيما وهو موافق لحديث عائشة الصحيح؛ فأين النكارة؟! وجملة القول: أن الحديث صحيح الإسناد، ولا إشكال في متنه؛ خلافاً لظن الأستاذ الأفغاني؛ فإن غاية ما فيه أن عائشة رضي الله عنها لما علمت بالحواب؛ كان عليها أن ترجع، والحديث يدل أنها لم ترجع! وهذا مما لا يليق أن ينسب لأم المؤمنین . وجوابنا على ذلك: أنه ليس كل ما يقع من الكُمَّل يكون لائقاً بهم، إذ المعصوم مَن عصمه الله، والسني لا ينبغي له أن يُغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصاف الأئمة الشيعة المعصومين عندهم! ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله، ولذلك همَّت بالرجوع حين علمت بتحقُّق نبوءة النبي ◌َّ عند الحواب، ولكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ((عسى الله أن يصلح بك بين الناس))، ولا نشك أنه كان مخطئاً في ذلك أيضاً، والعقل يقطع بأنه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أن عائشة رضي الله عنها هي المخطئة؛ لأسباب كثيرة وأدلة واضحة، ومنها ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك ممَّا يدلُّ على أن خطأها من الخطأ المغفور، بل المأجور. قال الإِمام الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤ / ٦٩ - ٧٠): ((وقد أظهرت عائشة الندم؛ كما أخرجه ابن عبدالبر في ((كتاب الاستيعاب)) عن ابن أبي عتيق - وهو عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق - قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبدالرحمن! ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلاً غلب عليك - يعني: ابن الزبير -. فقالت: أما والله؛ لو نهيتني ما خرجتُ انتهى)). ٨٥٤ ولهذا الأثر طريق أخرى، فقال الذهبي في ((سير النبلاء)) (٧٨ - ٧٩): ((وروى إسماعيل بن علية عن أبي سفيان بن العلاء المازني عن ابن أبي عتيق قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر؛ فأرنيه، فلما مرَّ بها قيل لها: هذا ابن عمر. فقالت: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك. يعني : ابن الزبير)). وقال أيضاً: ((إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قالت عائشة وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله ◌َ ﴿ل حدثاً، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع رضي الله عنها. قلت: تعني بالحدث مسيرها يوم الجمل؛ فإنها ندمت ندامة كلية، وتابت من ذلك. على أنها ما فعلت ذلك إلا متأوِّلة قاصدة للخير؛ كما اجتهد طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وجماعة من الكبار رضي الله عن الجمیع)). وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن أبي وائل قال: ولما بعث علي عماراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم؛ خطب عمار، فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتَبعوه أو إياها)). يعني : عائشة، وكانت خطبته قبل وقعة الجمل؛ ليكفَّهم عن الخروج معها رضي الله عنها. ٤٧٥ - (لا تَأْكُلِ الحِمارَ الأهْلِيَّ، ولا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ ). أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢ / ٣٢٠): حدثنا علي بن معبد قال: ثنا شبابة بن سوار قال: ثنا أبو زيد عبدالله بن العلاء قال: ثنا مسلم بن مشكم كاتب أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: ٨٥٥ ((أتيت النبي وَّل، فقلت: يا رسول الله! حدِّثْني ما يحلُّ لي مما يحرم علي؟ فقال: (فذكره))). وأخرجه في ((مشكل الآثار)) (٤ / ٣٧٥) بهذا الإِسناد دون سبب الحديث. قلت: وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال ((التهذيب)). وهو في ((الصحيحين)) و ((السنن)) وغيرها من طريق أخرى بلفظ: ((نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع)). وهو مخرج في ((الإِرواء)) (٨ / ١٣٨ - ١٣٩ / ٢٤٨٥). وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ : ٤٧٦ - (كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَراٌ). أخرجه مسلم، ومالك، والشافعي، وأحمد، والطحاوي، والبيهقي؛ من طريق عبيدة بن سفيان عنه، وهو مخرج هناك (٢٤٨٦). وله طريق أخرى عن أبي هريرة بمعناه. وإسناده جيد، خرجته في المصدر السابق (٨ / ١٤٠). فقه الحديث : فيه دليل على أن الحمار الأهلي وكل ذي ناب من الوحوش حرام أکله، ولیس مكروهاً فقط؛ كما زعم بعض المفسرين في هذا العصر، وتأول النهي على أنه للتنزيه، ولما رأى التصريح بالتحريم في حديث أبي هريرة؛ زعم أنه رواية بالمعنى، ويدفعه أنه إن كانت الرواية بالمعنى من الصحابي - وهو أبو هريرة -؛ فهو أدرى به ممَّن بعده، وإن كان يعني أنه مِن بعض مَن بعده؛ فيرده مجيئه بلفظ التحريم من الطريق الأخرى، ويؤكّده أن أبا ثعلبة سأل النبي ◌َلّ عما يحل له وما يحرم؟ فأجابه بقوله: ((لا تأكل ... ))؛ فهذا نصٌّ في أن النهي للتحريم؛ لأنه هو الذي سأل عنه أبو ثعلبة، ولا ٨٥٦ يصح في النظر السليم أن يكون الجواب عليه: ((لا تأكل ... ))، وهو يعني : يجوز الأكل مع الكراهة! ٤٧٧ - (البَيْتُ المَعْمورُ في السَّماءِ السَّابِعَةِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ مَلَكِ، ثمَّ لا يَعودُونَ إِليهِ حَتَّى تَقومَ السَّاعَةُ). أخرجه أحمد (٣ / ١٥٣)، وابن جرير (٢٧ / ١١)، والحاكم (٢ / ٤٦٨)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (ق ١٣٢ / ٢)، وتمام في ((الفوائد)) (ج١ / رقم ٦٧) من طريق حماد بن سلمة: ثنا ثابت البناني عن أنس مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الحاكم : ((على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وهو وهم؛ فإن حماداً لم يخرج له البخاري شيئاً. وتابعه سليمان - وهو ابن المغيرة - عن ثابت به نحوه. أخرجه ابن جرير: حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا موسى بن إسماعيل قال : ثنا سليمان . قلت: وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير القزاز، وهو ضعيف. وله طريق أخرى عند البخاري (٣ / ٣٠ -٣٢)، ومسلم (١ / ١٠٣ - ١٠٤)، وابن جرير من طريق قتادة عن أنس بحديث الإِسراء الطويل وفيه: ((ثم رُفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله ... )). وله شاهد من حديث أبي هريرة نحوه؛ إلا أنه قال: ((السماء الدنيا)). ٨٥٧ أخرجه الحسن بن رشيق في ((المنتقى من الأمالي)) (ق ٤٤ / ٢)، والواحدي (٤ / ٩٢ / ١) عن روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وقد عزاه ابن كثير في ((تفسيره)) (٨ / ٧٦ - منار) لابن أبي حاتم من هذا الوجه بزيادة: ((بحيال الكعبة))، وقال : ((هذا حديث غريب جدّاً، تفرَّد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعيد الدمشقي، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ منهم الجوزجاني والعقيلي والحاكم وغيرهم، وقال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري)). قلت: ووقع في رواية ابن أبي حاتم: ((السماء السابعة))؛ فلا أدري أهكذا روايته، أم هو تحريف من الناسخ أو الطابع؟ وله طريق أخرى عن أبي هريرة. فقال ابن الأعرابي في ((المعجم)) (١٠ / ٢): أخبرنا ابن الجنيد: نا عمرو بن عاصم: نا همام: نا قتادة: نا الحسن عنه مرفوعاً به؛ دون ذكر السماء. والحسن هو البصري، وهو مدلس، ورجاله ثقات. وله شاهد آخر من حديث ابن عباس نحوه، وفیه : ((وهو مثل بيت الحرام حياله، لو سقط سقط عليه)). أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ١٥٠ / ٢) من طريق إسحاق بن بشر أبي حذيفة، والواحدي في «تفسيره)) (٤ / ٩٢ / ١) عن سعيد بن سالم؛ كلاهما عن ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس مرفوعاً. قلت: وهذا سند ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج، وضعف سعيد بن سالم، وأما إسحاق بن بشر؛ فكذاب؛ فلا يستشهد به ولا كرامة، وفي ((الدر المنثور)) (٦ / ١١٧) : ٨٥٨ ((أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف)). وأخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة: ((أن رجلاً قال لعلي رضي الله عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ولا يعودون فيه أبداً)). ورجاله ثقات؛ غير خالد بن عرعرة، وهو مستور، قال ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٤٣) : (روى عن علي، وعنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني)). ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك أورده ابن حبان في ((الثقات)) (١ / ٣٧) . وقد تابعه أبو الطفيل قال : ((سأل ابن الكواء عليّاً عن البيت المعمور؟ ... )). أخرجه ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد ... عن أبي الطفيل. وابن حميد اسمه محمد، وهو ضعيف جدّاً. ولهذه الزيادة شاهد مرسل من رواية قتادة قال: ((ذُكر لنا أن نبي الله وليّ قال يوماً لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه مسجد في السماء، تحته الكعبة، لو خرَّ لخرَّ عليها ... )). أخرجه ابن جرير: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة. قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير بشر - وهو ابن هلال الصواف -؛ فمن رجال مسلم وحده. ٨٥٩ وجملة القول: أن هذه الزيادة: ((حيال الكعبة)): ثابتة بمجموع طرقها، وأصل الحدیث واضح. والله أعلم. ٤٧٨ - (قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: لا يَأْتِي النَّذْرُ عَلى ابنِ آدَمَ بِشيءٍ لِمْ أُقَدِّرْهُ عليهِ، ولكنَّهُ شيءٌ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ، يُؤْتِيني عليهِ مَا لا يُؤْتِيني على البُخْلِ . وفي روايةٍ: ما لَمْ يَكُنْ آتَانِي مِنْ قَبْلُ). أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٢٤٢): ثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه في ((صحيحيهما))، وأبو داود، وغيرهم من طرق أخرى عن أبي الزناد به؛ إلا أنهم لم يجعلوه حديثاً قدسيّاً، وقد ذكرت لفظه ومَن خرجه وطرقه في ((إرواء الغليل)) (٨ / ٢٠٨). ورواه النسائي (٢ / ١٤٢) من طريق أخرى عن سفيان به مختصراً. وتابعه همام بن منبه عن أبي هريرة به. أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٩٣٢)، وأحمد (٢ / ٣١٤) بإسناد صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه من هذا الطريق، ولا بلفظ الحديث القدسي . وللحديث طريق ثالث بلفظ: ((لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يُستخرج به من البخيل)). أخرجه مسلم، وصححه الترمذي . من فقه الحديث : دلَّ الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يُشرع عقده، بل هو مكروه، وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال به قوم؛ إلا أن قوله تعالى: ((أستخرج به من ٨٦٠