النص المفهرس

صفحات 761-780

ومُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الأَمْرِ، ولُزومُ الجَمَاعَةِ؛ فإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ مِنْ وَرائِهِمْ.
وقالَ: مَنْ كَانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ؛ جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ فِي قَلْبِهِ،
وأَنْتْهُ الدُّنْيَا وهِي رَاغِمٌ، ومَنْ كانَتْ نِيَتُهُ الدُّنْيا؛ فرَّقَ اللهُ عليهِ ضَيْعَتَهُ،
وجَعَلَ فَقْرَهُ بِينَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّ مَا كُتِبَ لَهُ).
أخرجه أحمد (٥ / ١٨٣) واللفظ له، والدارمي (١ / ٧٥)، وابن حبان (٧٢
٧٣٠ - موارد)، وابن عبدالبر في ((الجامع)) (١ / ٣٨ - ٣٩) عن شعبة: ثنا عمر بن
سليمان من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن عبدالرحمن بن أبان بن عثمان
عن أبيه :
أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحواً من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه
الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمت إليه، فسألته؟ فقال: أجل: سألنا عن أشياء
سمعتها من رسول الله وَ له، سمعت رسول الله صلله يقول: (فذكره).
وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات.
وروى ابن ماجه (٢ / ٥٢٤ - ٥٢٥) الشطر الأخير منه من هذا الوجه، وقال
البوصيري في ((الزوائد)) (٢٥٢ / ١):
((هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه،
ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به)).
٤٠٥ - (لا تَسُبُّوا وَرَقَةَ؛ فإِنِّي رَأَيْتُ لَهُ جَنَّةً أَوْ جَنَتَيْنِ).
أخرجه البزار (٣ / ٢٨١ / ٢٧٥٠)، والحاكم (٢ / ٦٠٩) من طريق أبي سعيد
الأشج، وهذا في ((حديثه)) (ق ٢١٩ / ١): ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، وقال الحاكم:
٧٦١

((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وقال البزار:
((لا نعلم رواه عن أبي معاوية مسنداً إلا أبو سعيد)).
قلت: واسمه عبدالله بن سعيد، وهو ثقة من رجال الشيخين، ولذلك قال ابن
كثير في ((البداية)) (٣ / ٩):
((وهذا إسناد جيِّد، وروي مرسلاً، وهو أشبه)).
قلت: لكن له شاهد من حديث جابر مرفوعاً.
أخرجه البزار (٢٧٥٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٧ / ٧٦٦) من
طريقين عن مجالد عن الشعبي عنه .
وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد.
والحديث سكت عنه في ((الفتح)) (٨ / ٧٢٠).
٤٠٦ - (كَانَ يَذْكُرُ اللهَ عَلى كُلِّ أَحْيانِهِ).
أخرجه مسلم (١ / ١٩٤)، وأبو داود (١ / ٤)، والترمذي (٢ / ٢٤٤ - طبع
بولاق)، وابن ماجه (١ / ١٢٩)، وكذا أبو عوانة في «صحيحه)) (١ / ٢١٧)،
والبيهقي (١ / ٩٠)، وأحمد (٦ / ٧٠ ١٥٣) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
عن أبيه عن خالد بن سلمة عن عبدالله البهي عن عروة عن عائشة مرفوعاً. وقال
الترمذي :
((حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة)).
قلت: بلى؛ قد تابعه الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني، وهو ثقة حسن
الحديث إذا لم يخالف.
٧٦٢

أخرجه الإمام أحمد (٦ / ٢٧٨): ثنا الوليد: ثنا زكريا قال: ثنا خالد بن سلمة
به .
وفيه فائدة هامة، وهي تصريح زكريا بسماعه من خالد؛ فإنه قد قيل فيه: إنَّه
يدلس عن الشعبي، وبعضهم - كأبي داود وغيره - أطلق ولم يقيده بالشعبي. والله
أعلم .
وفي ((العلل)) (١ / ٥١):
((سألت أبا زرعة عن حديث خالد بن سلمة ... (فذكره)؟ فقال: ليس بذاك،
هو حديث لا يروى إلا من هذا الوجه، فذكرت قول أبي زرعة لأبي رحمه الله؟ فقال:
الذي أرى أن يذكر الله على الكنيف وغيره على هذا الحديث)).
قلت: فقد اختلف الإِمامان أبو زرعة وأبو حاتم في هذا الحديث، فضعَّفه
الأول، وصحَّحه الآخر؛ كما يدلُّ عليه احتجاجه بالحديث، وعدم موافقته على قول
أبي زرعة، وذلك عجيب منه؛ فقد ذكروا في ترجمة البهي عنه أنه قال:
((لا يحتجُّ به، وهو مضطرب الحديث)).
والحق أن الحديث قويٌّ، لم يتكلّم فيه غير أبي حاتم، وقد صحَّح الحدیثَ
مسلم، ووثَّق البهيَّ ابنُ سعد وابن حبان.
وفي الحديث دلالة على جواز تلاوة القرآن للجنب؛ لأن القرآن ذكر، ﴿وأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ ... ﴾(١)، فيدخل في عموم قولها: ((يذكر الله)).
نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله ◌َ ◌ّ﴿ حين ردَّ السلام عقب التيمُم:
((إني كرهتُ أنْ أذكُرَ اللهَ إلَّ على طهارة)).
أخرجه أبو داود وغيره، وهو مخرَّج في ((صحيح أبي داود)) (رقم ١٣).
(١) النحل: ٤٤.
٧٦٣
.

٤٠٧ - (أَمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، فمَنْ
قالَ: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ؛ فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ؛ إِلَّ بِحَقِّهِ، وحِسابُهُ
عَلى اللهِ).
هو حديث متواتر؛ كما قال السيوطي في ((الجامع الصغير))؛ فقد ورد عن جمع
من الصحابة بألفاظ متقاربة .
الأول: أبو هريرة، وله عنه طرق:
١ - الزهري: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن أبي هريرة قال:
((لما توفي رسول الله وَير، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر مَن كفر من العرب؛
قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله والآخر :
(فذكره)؟! فقال أبو بكر: والله؛ لأقاتلنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزَّكاة؛ فإنَّ الزَّكاة حقُّ
المال، والله؛ لو منعوني عقال كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله وَّر؛ لقاتلتهم على منعه.
فقال عمر بن الخطاب: فوالله؛ ما هو إلا أن رأيت الله عزَّ وجلَّ قد شرح صدر أبي
بكر للقتال؛ فعرفتُ أنه الحق)).
أخرجه البخاري (٣ / ٢٠٦، ١٢ / ٢٣٢ - ٢٣٤، ١٣ / ٢٠٦)، ومسلم (١
/ ٣٨)، وأبو داود (١ / ٢٤٣)، والنسائي (٢ / ١٦١)، والترمذي (٢ / ١٠٠ - طبع
بولاق)، وأحمد (١ / ١٩ و٣٥ و٤٧ - ٤٨، ٢ / ٤٢٣ و٥٢٨) من طرق عنه.
٢ - عن الزهري أيضاً عن سعيد بن المسيب عنه به .
أخرجه مسلم (١ / ٣٩)، والنسائي (٢ / ١٦٢)، وابن الجارود في ((المنتقى))
(١٠٣٢).
٣ - عن الأعمش عن أبي صالح عنه.
أخرجه مسلم، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (٢ / ٤٧٥).
٧٦٤

٤ - عن العلاء بن عبدالرحمن بن يعقوب عن أبيه عنه، ويأتي لفظه (٤١٠).
تفرد به مسلم دون البخاري، وأخرجه ابن حبان أيضاً (١ / ١٩٩ - ٢٠٠)،
وقال :
«تفرد به الدراوردي)).
وأقول: كلا؛ فقد تابعه روح - وهو ابن القاسم العنبري - عند مسلم.
٥ - عن سفيان عن أبي صالح مولى التوأمة عنه.
۔
تفرد به أحمد (٢ / ٤٧٥)، وسنده حسن.
٦ - عن محمد عن أبي سلمة عنه.
تفرد به أحمد أيضاً (٢ / ٥٠٢)، وسنده حسن.
٧ - عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عنه .
تفرد به أحمد (٢ / ٥٢٧)، وسنده صحيح على شرط مسلم .
٨ - عن عاصم عن زياد بن قيس عنه بلفظ: ((نقاتل الناس ... )).
أخرجه النسائي، وإسناده حسن .
٩ - عن همام بن منبِّه عنه بلفظ: ((لا أزال أقاتل ... )).
أخرجه أحمد (٢ / ٣١٤) بسند على شرطهما.
١٠ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه بلفظ همام .
أخرجه أحمد (٢ / ٤٨٢)، وهو صحيح على شرطهما أيضاً.
١١ - عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي عنه بلفظ العلاء بن عبدالرحمن
عن أبيه، وقد ذكرت في محالِّها .
أخرجه أحمد أيضاً (٢ / ٤٢٩).
١٢ - عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه: قال رسول الله صل﴾ يوم خيبر:
٧٦٥

((لأدفعنَّ الراية إلى رجل يحبُّ الله ورسوله يفتح الله عليه. قال: فقال عمر:
فما أحببت الإِمارة قبل يومئذ، فتطاولت لها واستشرفت؛ رجاء أن يدفعها إليَّ، فلما
كان الغد؛ دعا عليّاً (ع) فدفعها إليه، فقال: قاتل ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك.
فسار قريباً، ثم نادى: يا رسول الله! علام أقاتل؟ قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأنَّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك؛ فقد ... )) إلخ.
أخرجه الطيالسي (رقم ٢٤٤١): ثنا وهيب عن سهيل به .
ومن هذا الوجه أخرجه أحمد أيضاً (٢ / ٣٨٤)، واللفظ له ...
وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (٩ / ٤٣ - ٤٤).
١٣ - عن كثير بن عبيد عنه بلفظ:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله،
ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزّكاة، ثم قد حرم علي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله
عزَّ وجلَّ)).
أخرجه أحمد (٢ / ٣٤٥) من طريق سعيد بن كثير بن عبيد عنه.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غیر کثیر بن عبيد، وقد روى
عنه جماعة، ووثقه ابن حبان .
وقد أخرجه من هذا الوجه ابن خزيمة أيضاً كما في ((الفتح)) (١٢ / ٢٣٢).
١٤ - عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عنه.
أخرجه النسائي في أول الزكاة وفي الجهاد، وأحمد (٢ / ٤٢٢ و٥٢٨).
وقد ذكرت آنفاً أن الحديث رواه جمع من الصحابة، وذکرت الأول منهم، وهو
أبو هريرة .
والثاني: ابن عمر، ولفظه :
٧٦٦

٤٠٨ - (أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وأَنَّ
مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزّكاةَ، فإِذا فَعَلوا ذلك؛
عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ؛ إِلَّ بِحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى
اللهِ).
أخرجه البخاري (١ / ٦٣ - ٦٤)، ومسلم (١ / ٣٩) من طريق شعبة عن واقد
ابن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر مرفوعاً.
والثالث: جابر بن عبدالله رضي الله عنه، ولفظه:
٤٠٩ - (أُمِرْتُ أَنْ أَقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوا: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، فإذا
قَالُوا: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأَمْوالَهُمْ؛ إِلَّ بِحَقِّها،
وحِسابُهُمْ عَلى اللهِ، ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ
بُمُسَيْطِرٍ﴾(١)).
أخرجه مسلم، والترمذي (٢ / ٢٣٧ - طبع بولاق)، وأحمد (٣ / ٣٠٠) من
طريق سفيان عن أبي الزبير عنه. وقال الترمذي :
(حسن صحیح)).
وأخرجه الحاكم (٢ / ٥٢٢)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، وفيه
نظر.
وقد تابعه ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول:
سمعت رسول الله * يقول: (فذكره دون قوله: ثم قرأ ... إلخ).
(١) الغاشية: ٢١ .
٧٦٧

أخرجه أحمد (٣ / ٢٩٥) بسند صحيح على شرطهما.
وله طریقان آخران عنه:
الأول: عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه برقم (٣٩٢٨).
والآخر: عن شريك عن عبدالله بن محمد بن عقيل عنه .
أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٢ و٣٣٩ و٣٩٤)، وهذا سند حسن، وليس فيهما
الزيادة .
والرابع: طارق بن أشيم الأشجعي والد أبي مالك مرفوعاً دونها .
رواه الطبراني في ((الكبير))، قال الهيثمي (١ / ٢٥):
((ورجاله موثّقون».
قلت: وهو في مسلم وغيره بلفظ: ((من وحد الله))، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والخامس: أوس بن أبي أوس الثقفي قال:
أتيت رسول الله چ# في وفد ثقيف، فكان في قبة، فنام من کان فيها غيري وغير
رسول الله وَّ*، فجاء رجل، فسارَّه، فقال: اذهب فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا
إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكنه يقولها تعوُّداً. فقال: ذرْه، ثم قال: (فذكر الحديث).
أخرجه النسائي، والدارمي (٢ / ٢١٨)، والطيالسي (رقم ١١٠٩)، وأحمد (٤
/ ٨) من طريق شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أوساً يقول.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وقد تابعه سماك عن النعمان به .
أخرجه النسائي .
ثم أخرجه هو وابن ماجه (٢ / ٤٥٧) وأحمد أيضاً من طريق عبدالله بن بكر
٧٦٨

السهمي قال: ثنا حاتم ابن أبي صغيرة عن النعمان بن سالم أن عمرو بن أوس أخبره
أن أباه أوساً قال: (فذكره).
وهذا سند صحيح أيضاً على شرط مسلم، والظاهر أن النعمان رواه أولاً هكذا
عن عمرو عن أوس، ثم رواه عن أوس مباشرة بدون واسطة.
والسادس: النعمان بن بشير.
أخرجه النسائي، والبزار في ((مسنده)) (١ / ١٥ / ١٥) من طريق إسرائيل عن
سماك عنه به نحو حدیث أوس .
وسنده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وعزاه الحافظ في ((الفتح)) (١٢ /
٣٣٢) للبزار وحده فأبعد النجعة.
السابع: أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مضى برقم (٣٠٣)، وأزيد هنا
فأقول :
وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١ /
٣٩٥) من هذا الوجه؛ إلا أنه لم يذكر فيه: ((لهم ما للمسلمين))(١) إلخ، وزاد:
«وحسابهم علی الله))، وقال:
((قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى: ثنا حميد: ثنا أنس عن النبي ◌ِ)).
وهذا التعليق إنما أورده البخاري ليدفع شبهة تدليس حميد، وإن ثبت سماعه
لهذا الحديث من أنس، وصله ابن نصر في ((الإِيمان))، وكذا ابن منده؛ كما في
((الفتح)).
وقد روي عن أنس مرفوعاً بلفظ :
(١) قلت: ولهذه الزيادة شاهد تقدم برقم (٣٠٤)، وسقوط هذه الزيادة في رواية البخاري
إنما هو من شيخه نعيم، وهو ابن حماد، وفيه كلام، ومن طريقه رواه البيهقي (٢ / ٣) كذلك.
٧٦٩

((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوا؛ عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها. قيل: وما حقُّها؟ قال: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد
إسلام، أو قتل نفس فيقتل به)).
قال في ((المجمع)) (١ / ٢٥ - ٢٦):
((رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه عمرو بن هاشم البيروتي، والأكثر على
توثيقه)).
وفي ((التقريب)):
((صدوق يخطىء).
ثم إن الحديث قد رواه غير مَن ذكرنا من الصحابة، فمَن شاء الاطلاع على
ذلك؛ فليراجع («مجمع الزوائد» (١ / ٢٤ - ٢٧).
قلت: وفي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على وجوب القتال في سبيل نشر
الدعوة؛ خلافاً لما يذهب إليه بعض الكتاب في هذا العصر.
ومن ألفاظ حديث أبي هريرة المتقدم:
٤١٠ - (أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، ويُؤمِنوا بِي
وبِما جِئْتُ بِهِ، فإِذا فَعَلوا ذلك؛ عَصَموا مِنِّي دِماءَهُمْ وأَمْوالَهُمْ؛ إِلَّ
بِحَقِّها، وحِسابُهُمْ عَلى اللهِ).
أخرجه مسلم (١ / ٣٩) من طريق العلاء بن عبدالرحمن بن يعقوب عن أبيه
عن أبي هريرة مرفوعاً به .
والحديث صحيح متواتر عن أبي هريرة وغيره من طرق شتى بألفاظ متقاربة،
وقد أشرت إليها آنفاً.
٧٧٠

٤١١ - (يا فاطِمَةُ! أُيَسُرُّك أَنْ يَقولَ النَّاسُ: فاطِمَةُ بنتُ محَمَّدٍ في
يَدِها سلسلةٌ مِن نارٍ؟!).
أخرجه النسائي (٢ / ٢٨٥)، والطيالسي (ص ١٣٣ / رقم ٩٩٠)، ومن طريقه
الحاكم (٣ / ١٥٢ و١٥٣) عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي
أسماء عن ثوبان قال :
((جاءت بنت هبيرة إلى النبي ◌َّير وفي يدها فتخ من ذهب (خواتيم ضخام)،
فجعل النبي * يضرب يدها، فأتت فاطمة تشكو إليها. قال ثوبان: فدخل النبي وَل
على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب، فقالت: هذا أهدى لي
أبو حسن، وفي يدها السلسلة، فقال النبي ◌َّر: (فذكر الحديث)، فخرج ولم يقعد،
فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها، فاشترت بها نسمة فأعتقتها، فبلغ النبي ◌َّيّة
فقال: الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار)).
وقال الحاكم وكذا الذهبي :
((صحيح على شرط الشيخين)).
كذا قالا ، وأبو سلام - واسمه ممطور - وشيخه أبو أسماء - واسمه عمرو بن
مرثد - لم يخرج لهما البخاري في ((صحيحه))، وإنما روى لهما في ((الأدب المفرد)).
ثم إن فيه انقطاعاً بين يحيى وأبي سلام؛ فقد قيل: إنه لم يسمع منه، ثم إن
يحيى مدلس، وصفه بذلك العقيلي وابن حبان.
قلت: لكن رواه النسائي (٢ / ٢٨٤)، وأحمد (٥ / ٢٧٨) من طريقين عن
یحیی قال: ثنا زيد بن سلام أن جدہ۔ یعني : أبا سلام - حدثه أن أبا أسماء حدثه به.
وهذا سند موصول صحيح، وزاد أحمد بعد قوله: ((يضرب يدها)): ((أيسرك أن
يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟!))، وفيه أنه وَّل عدم فاطمة عذماً شديداً.
٧٧١

(تنبيه): لقد ضعَّف هذا الحديث الصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري وحبيب
الرحمن الأعظمي وشعيب الأرناؤوط بتكلُّف بارد وهوى مغرض، وقد رددت عليهم في
مقدمة الطبعة الجديدة لكتابي ((آداب الزفاف))؛ فراجعها فإنها مهمة جدّاً.
٤١٢ - (يا مُعاذُ! فَكَلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلى مناخِرِ هِمْ
فِي جَهَنَّمَ إِلَّ مَا نَطَقَتْ بِهِ أَلْسِتَتُهُمْ؟! فَمَن كَانَ يَؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَو يَسْكُتْ عَنْ شَرِّ، قولوا خَيْراً تَغْتَموا، واسْكُتُوا
عَنْ شَرِّ تَسْلَموا).
أخرجه الحاكم (٤ / ٢٨٦ - ٢٨٧) من طريق الربيع بن سليمان: ثنا عبدالله
ابن وهب: أخبرني أبو هانىء عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد عن عبادة بن
الصامت رضي الله عنه:
((أن رسول الله وَلو خرج ذات يوم على راحلته، وأصحابه معه بين يديه، فقال
معاذ بن جبل: يا نبي الله! أتأذن لي في أن أتقدم إليك على طيبة نفس؟ قال: نعم.
فاقترب معاذ إليه، فسارا جميعاً، فقال معاذ: بأبي أنت يا رسول الله! أسأل الله أن
يجعل يومنا قبل يومك، أرأيت إن كان شيء - ولا نرى شيئاً إن شاء الله تعالى -؛ فأي
الأعمال نعملها بعدك؟ فصمت رسول الله وَلّ فقال: الجهاد في سبيل الله(١). ثم
قال رسول الله وَله: نِعْم الشيء الجهاد، والذي بالناس أملك من ذلك. فالصيام
والصدقة؟ قال: نعم الشيء الصيام والصدقة. فذكر معاذ كل خير يعمله ابن آدم، فقال
رسول الله وَله: وعاد بالناس خير من ذلك. قال: فماذا بأبي أنت وأمي عاد بالناس
خير من ذلك؟ قال: فأشار رسول الله وَ له إلى فيه. قال: الصمت إلا من خير. قال:
(١) وفي ((المجمع)): ((الجهاد في سبيل الله. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال:
نعم الشيء الجهاد في سبيل الله، وعاد بالناس أملك من ذلك. قال: الصيام والصدقة. قال: نعم
الشيء الصيام والصدقة، وعاد بالناس أملك من ذلك، فذكر معاذ» إلخ .
٧٧٢

وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا؟ قال: فضرب رسول الله مر فخذ معاذ، ثم قال:
(فذكره))). وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
وأقول: كلا؛ بل هو صحيح فقط؛ فإن الربيع بن سليمان وعمرو بن مالك
الجنبي لم يخرج لهما الشيخان، وإنما أخرج البخاري للجنبي في ((الأدب المفرد)»،
وكذلك أخرج لأبي هانىء، واسمه حميد بن هانىء، وهو من رجال مسلم فقط.
والحديث أورده الهيثمي (١٠ / ٢٩٩) بطوله، وقال:
(رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح؛ غير عمرو بن مالك الجنبي، وهو
ثقة)) .
٤١٣ - (إِذا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلى مَعاصیهِ ما
يُحِبُّ؛ فإنَّما هُو اسْتِدْراجٌ، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا
عَلَيْهِمْ أَبُوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فِإِذا هُمْ
مُبْلِسونَ﴾(١)).
أخرجه أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٤٥)، وفي ((الزهد)) (ص ١٢) عن رشدين
ابن سعد، وابن جرير في ((التفسير)) (٧ / ١١٥) عن أبي الصلت، والدلاوبي في
((الكنى)) (١ / ١١١) عن حجاج بن سليمان الرعيني، والطبراني في ((الأوسط))
(٩٤٢٦ - بترقيمي)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٤٨٨) عن عبدالله بن
صالح؛ أربعتهم عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر
مرفوعاً .
(١) الأنعام : ٤٤.
٧٧٣

وهذا إسناد قوي، رجاله ثقات؛ غير هؤلاء الأربعة؛ ففيهم كلام، لكن بعضهم
یقوي بعضاً، وقد قال ابن جرير:
((وحدث بهذا الحديث محمد بن حرب عن ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم به
نحوه)) .
قلت: وهذه متابعة قوية من ابن لهيعة لحرملة، وقد رواه عنه ابن أبي الدنيا في
((كتاب الشكر)) (ص ٩) قال: ثنا يعلى بن عبدالله بن يعلى الهذلي: ثنا بشر بن عمر:
ثنا ابن لهيعة به .
ويعلى هذا لم أجد مَن ترجمه، لكنه قد تُوبع، فانظر ((كتاب الشكر))، تحقيق
الأخ بدر البدر (ص ٢٦).
والحديث قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٤ / ١١٥):
((رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي في ((الشعب))؛ بسند حسن)).
قلت: وهو عندي صحيح بالمتابعة المذكورة؛ فإن ابن لهيعة ثقة في نفسه،
وإنما يخشى من سوء حفظه، فإذا تابعه ثقة؛ فذلك دليل على أنه قد حفظ، والله
أعلم.
٤١٤ - (إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها).
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٢٣٧): ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، ومحمد
ابن جعفر قال: ثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: سمعت ابن محيريز يحدث عن
رجل من أصحاب النبي ◌َّه قال: قال رسول الله وَلته .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وجهالة اسم
الصحابي لا تضر؛ كما في المصطلح تقرَّر.
وأبو بكر بن حفص اسمه عبدالله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص،
٧٧٤

وشیخه اسمه عبدالله بن مُحَیریز.
وخالف شعبةَ بلالُ بن يحيى العبسي فقال: عن أبي بكر بن حفص عن ابن
محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت به .
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٣٣١)، وأحمد (٥ / ٣١٨) من طريق سعد بن أوس
الكاتب عن بلال بن يحيى العبسي به نحوه، وقد مضى برقم (٩٠).
وهذا إسناد رجاله ثقات أيضاً، لكن شعبة أحفظ وأشهر من بلال بن يحيى ؛
فروايته أصح .
ثم وجدت الحديث في ((مسند الطيالسي)) (رقم ٥٨٦): ثنا شعبة به؛ إلا أنه
قال: ((عن رجل من أصحاب النبي ( 8) أو رجال من أصحاب النبي مل، وروي هذا
الحديث عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن زياد بن السمط عن عبادة بن
الصامت عن النبي (وَلِّر)).
وللحديث شاهد من حديث أبي مالك الأشعري تقدم (رقم ٩١) بلفظ:
((ليشربن ناس ... )).
وشاهد ثانٍ من حديث أبي أمامة بلفظ: ((لا تذهب الليالي والأيام))، وقد ذكرناه
تحت الحديث (٩٠).
وله شاهد ثالث من حديث عائشة في ((المستدرك)) (٤ / ١٧٤)، وسبق ذكره
هناك .
٤١٥ - (إِذا أَصْلَحَ خادِمُ أَحَدِكُمْ لَهُ طَعامَهُ، فَكَفَاهُ حَرَّهُ وبَرْدَهُ؛
فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فإِنْ أَبَّى؛ فليُناوِلْهُ أَكلَةً فِي يَدِهِ).
أخرجه أحمد (٢ / ٢٥٩): ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة
عن أبي هريرة مرفوعاً.
٧٧٥

وهذا سند صحيح على شرط الستة.
وقد أخرجوه بألفاظ أخر بمعناه من طرق أخرى خرجتها في ((الإِرواء)) (٢١٧٧).
٤١٦ - (لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ).
أخرجه أحمد (٥ / ٢١١ و٢١٢) من طريقين عن زياد بن كليب عن الأشعث
ابن قيس مرفوعاً.
قال المنذري (٢ / ٥٦)، وتبعه الهيثمي (٨ / ١٨٠):
(ورجاله ثقات)).
قلت: وهم من رجال مسلم، لكنه منقطع بين زياد والأشعث؛ فإنه لم يدركه،
وبین وفاتیهما نحو ثمانين سنة .
لکن له شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً به.
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٣)، وأبو داود (٢ / ٢٩٠)، وابن حبان
(٢٠٧٠)، والطيالسي (ص ٣٢٦ / رقم ٢٤٩١)، وأحمد (٢ / ٢٩٥ و٣٠٢ و٣٨٨
و٤٩٢) من طرق عن الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة به .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
وقد ورد بلفظ: ((من لم يشكر الناس ... ))، وسيأتي أيضاً إن شاء الله تعالى.
٤١٧ - (إِذا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؛ فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٢)، وأبو داود (٣٣٣/٢)، والترمذي
(٢ / ٦٣)، وابن حبان (٢٥١٤)، والحاكم (٤ / ١٧١)، وأحمد (٤ / ١٣٠)، وابن
السني (١٩٣) عن يحيى بن سعيد قال: ثنا ثور بن يزيد قال: ثنا حبيب بن عبيد عن
المقدام بن معدي کرب مرفوعاً به. وقال الترمذي :
٧٧٦

«حديث حسن صحيح)).
وهو كما قال، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ورجاله كلهم ثقات رجال
الصحيح، وله شاهد بلفظ :
((إذا أحب أحدكم صاحبه؛ فليأته في منزله؛ فليخبره أنه يحبه لله عزَّ وجلَّ)).
أخرجه أحمد (٥ / ١٤٥ و١٧٣) من طريق ابن لهيعة: ثنا يزيد بن أبي حبيب
أن أبا سالم الجيشاني أتى أبا أمية في منزله، فقال: إني سمعتُ أبا ذريقول: إنه سمع
رسول الله * يقول: (فذكره)، وقد أحببتك فجئتك في منزلك. قال الهيثمي (١٠ /
٢٨١ - ٢٨٢) :
(رواه أحمد، وإسناده حسن)) .
قلت: وهو كما قال أو أعلى؛ فإن الحديث في الموضع الأول من ((المسند)) من
رواية عبدالله، وهو ابن المبارك.
ثم رأيته أيضاً من رواية ابن المبارك عنه، وهي صحيحة؛ فانظره بالرقم
(٧٩٧). والحديث رواه المقدسي أيضاً في ((المختارة))؛ كما في ((الجامع)).
وروي بلفظ: ((إذا أحبَّ أحدكم عبداً؛ فليخبره؛ فإنه يجد مثل الذي يجد له)).
رواه البيهقي في ((الشعب)) عن ابن عمر؛ كما في ((الجامع))، ورمز له
بالضعف، وبيَّن ذلك المناوي، فقال:
((وفيه عبدالله بن أبي مرة، أورده الذهبي في ((الضعفاء))، وقال: تابعي
مجهول)). ( انظر الاستدراك رقم : ١٥ ) .
٤١٨ - (إِذا أَحَبَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ فَلْيُخْبِرْ أَنَّهُ أَحَبَّهُ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٩): ثنا يحيى بن بشر قال: ثنا قبيصة
قال: ثنا سفيان عن رباح عن أبي عبيدالله عن مجاهد قال:
٧٧٧

((لقيني رجل من أصحاب النبي ◌ّله، فأخذ بمنكبي من ورائي؛ قال: أما إني
أحبك. قلت: أحبَّك الذي أحببتني له. فقال: لولا أن رسول الله وَ ير قال: (فذكره)؛
لما أخبرتك. قال: ثم أخذ يعرض علي الخِطبة قال: أما إن عندنا جارية، أما إنها
عوراء)).
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في ((صحيحه))؛
غير رباح - وهو ابن أبي معروف بن أبي سارة المكي -؛ فمن رجال مسلم، وفيه كلام
لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وفي ((التقريب)):
((صدوق، له أوهام)).
هذا؛ وفي نسختنا من ((الأدب)): رباح عن أبي عبيدالله كما رأيت! وهو
تصحيف لا أشك فيه؛ فإن رباحاً هذا يروي عن مجاهد مباشرة بلا واسطة، وعنه
سفيان الثوري، فیحتمل أن یکون حرف (عن) بین رباح وأبي عبيدالله زيادة من قلم
بعض النساخ، فيكون الأصل: رباح أبي عبيدالله، فإذا صحَّ هذا؛ فيكون أبو
عبيدالله كنية رباح هذا، وهي فائدة عزيزة، حيث لم أقف على كنيته في شيء من
كتب التراجم التي عندي. والله أعلم.
وللحدیث شاهد آخر من حديث أنس قال:
((كنت جالساً عند رسول الله وَله، إذ مرَّ رجل، فقال رجل من القوم: يا رسول
الله! إني لأحب هذا الرجل. قال: هل أعلمته ذلك؟ قال: لا. فقال: قم فأعلمه.
قال: فقام إليه فقال: يا هذا! والله؛ إني لأحبك في الله. قال: أحبَّك الذي أحببتني
له)».
رواه أحمد (٣ / ١٤٠ - ١٤١): ثنا زيد بن الحباب: ثنا حسين بن واقد: ثنا
ثابت البناني : ثني أنس بن مالك.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وصحَّحه ابن حبان (٢٥١٣) من طريق
٧٧٨

أخرى عن الحسين، وأخرجه أبو داود (٢ / ٣٣٣)، والحاكم (٤ / ١٧١)، وأحمد
أيضاً (٣ / ١٥٠) من طريق المبارك بن فضالة عن ثابت به. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي.
وتابعه عبدالله بن الزبير الباهلي : ثنا ثابت به .
أخرجه علي بن الجعد في («مسنده)) (٢ / ١١٢٥) وغيره.
قلت: فالحدیث بهذه الشواهد صحیح بلا ريب.
ثم تبيَّن لي أن ما ذهبت إليه من التصحيف خطأ مني، وأن ما في الإِسناد عين
الصواب: ((رباح عن أبي عبيدالله))، دلَّني عليه أحد إخواننا جزاه الله خيراً، وذلك
أنهم ذكروا في ترجمة أبي عبيدالله - واسمه سلیم المكي - أنه روی عن مجاهد، وعنه
رباح هذا، وهو صدوق، والذي أوقعني في ذاك الخطأ أنَّ رباحاً هذا روى عن مجاهد
أيضاً! غفر الله لي ولمن يدلُّني على خطئي.
ومع ذلك؛ فالحديث في مرتبة الحسن، وهو صحيح لغيره؛ كما تقدم. والله
أعلم .
٤١٩ - (سَيَكونُ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ البَقَرَةُ مِنَ
الأرْضِ).
أخرجه أحمد (١ / ١٧٥ - ١٧٦) عن يعلى ويحيى بن سعيد قال يحيى : ثنا
رجل کنت أسمیه فنسیت اسمه عن عمر بن سعد قال:
((كانت لي حاجة إلى أبي سعد، قال: وثنا أبو حيان عن مجمع قال: كان لعمر
بن سعد إلى أبيه حاجة، فقدم بين يدي حاجته كلاماً مما يحدث الناس يوصلون، لم
يكن يسمعه، فلما فرغ قال: يا بني! قد فرغت من كلامك؟ قال: نعم. قال: ما كنت
من حاجتك أبعد ولا كنت فيك أزهد مني منذ سمعت كلامك هذا، سمعتُ رسول
٧٧٩

الله * يقول: (فذكره)). ومن طريق يعلى أخرجه البيهقي أيضاً في ((الشعب)) (٤ /
٢٥٢ / ٤٩٧٦).
((رواه أحمد والبزار من طرق، وفيه راو لم يسم)).
قلت: الطريق الثاني طريق أبي حيان، واسمه يحيى بن سعيد التيمي، ليس
فيه مَن لم يسم؛ فقد رواه عنه يحيى بن سعيد القطان، وهو رواه عن مجمع، وهو ابن
یحیی بن یزید الأنصاري عن سعد.
وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ فهو صحيح إذا كان مجمع سمعه
من سعد. ثم قال الهيثمي :
((وأحسنها ما رواه أحمد عن زيد بن أسلم عن سعد قال: قال رسول الله وسلّم:
لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها، ورجاله رجال
الصحيح؛ إلا أن زيد بن أسلم لم يسمع من سعد، والله أعلم)).
قلت: طريق زيد بن أسلم عند أحمد (١ / ١٨٤)، وعنه الداني في ((الفتن))
(٦١ / ١): ثنا سريج بن النعمان: ثنا عبد العزيز - يعني: الدراوردي - عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير الدراوردي؛ فمن رجال مسلم،
لكنه منقطع كما ذكر الهيثمي .
ورواه هناد في ((الزهد)) (٢ / ٥٥٦ / ١١٥٤): حدثنا ابن فضيل عن أبي حيان
عن مصعب بن سعد قال: جاء ابنٌ لسعد ... الحديث.
وهذا سند صحیح، ولکن ظاهره الإِرسال.
وجملة القول: أن الحديث بهذه الطرق حسن إن شاء الله تعالى أو صحيح؛
فإن له شاهداً من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعاً نحوه .
أخرجه الترمذي وحسنه، وسيأتي تخريجه برقم (٨٨٠). ( انظر الاستدراك رقم : ١٦)
٧٨٠