النص المفهرس
صفحات 681-700
وكذلك أخرجه أحمد (٥ / ٧)، ومسلم (٦ / ١٧٢) من طرق أخرى عن شعبة به . وتابعه زهير عن منصور به أتم منه؛ مثل رواية شعبة الأولى عن ابن كهيل؛ إلَّ أنه جعل الشطر الأول في آخر الحديث، وفيه الزيادة التي بين القوسين. أخرجه أحمد (٥ / ١٠)، ومسلم. ويتبيّن ممَّا سبق أن هلال بن يساف كان تارة يرويه عن سمرة مباشرة، وتارة عن الربيع بن عميلة عنه، فلعله سمعه أولاً على هذا الوجه، ثم لقي سمرة فسمعه منه مباشرة، فكان يرويه تارة هكذا وتارة هكذا، وهو ثقة غير معروف بالتدليس، فيحتمل منه ذلك. وقد تابعه الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن سمرة بقضية التسمية فقط، إلَّا أنه ذكر (نافعاً) مكان (نجيحاً). أخرجه مسلم، وأحمد (٥ / ١٢). وفي الحديث آداب ظاهرة، وفوائد باهرة؛ أهمها النهي عن الزيادة في حديثه ﴿سلّ، وهذا وإن كان معناه في رواية حديثه ونقله؛ فإنه يدلُّ على المنع من الزيادة فيه تعبُّداً قصداً للاستزادة من الأجر بها من باب أولى، وأبرز صور هذا الزيادة على الأذكار الواردة الثابتة عنه وسلم؛ كزيادة (الرحمن الرحيم) في التسمية على الطعام، فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يروي قوله ﴿ المتقدم (٣٤٤): ((قل: بسم الله))؛ بزيادة: ((الرحمن الرحيم))؛ فكذلك لا يجوز له أن يقول هذه الزيادة على طعامه؛ لأنه زيادة على النصِّ فعلًا؛ فهو بالمنع أولى؛ لأن قوله مهله: ((قل: باسم الله))؛ تعليم للفعل، فإذا لم يجز الزيادة في التعليم الذي هو وسيلة للفعل؛ فلأن لا يجوز الزيادة في الفعل الذي هو الغاية أولى وأحرى، ألست ترى إلى ابن عمر رضي الله عنه أنه أنكر على مَن زاد الصلاة على النبي ◌َّ بعد الحمد عقب العطاس بحجة أنه مخالف لتعليمه وَالر، وقال له: ((وأنا أقول: الحمد لله، والسلام على رسول الله بَّر، ولكن ليس ٦٨١ هكذا علَّمنا رسول اللـه ◌َله، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: الحمد لله على كل حال))؟ أخرجه الحاكم (٤ / ٢٦٥ - ٢٦٦)، وقال: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا أو قريب منه؛ فانظر: ((المشكاة)) (٤٧٤٤)، و ((الإِرواء)) (٣ / ٣٤٥). فإذا عرفت ما تقدَّم من البيان؛ فالحديث من الأدلَّة الكثيرة على ردِّ الزيادة في الدين والعبادة، فتأمَّل في هذا واحفظه؛ فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى في إقناع المخالفين، هدانا الله وإياهم صراطه المستقيم. وفي الحديث النهي عن التسمية بـ (يسار) و(رباح) و(أفلح) و(نجيح)، ونحوها؛ فينبغي التنبّه لهذا، وترك تسمية الأبناء بشيء منه، وقد كان في السلف مَن دُعي بهذه الأسماء؛ فالظاهر أنه كان ذلك لسبب عدم علمهم بالحديث إذا كان من التابعين فمن بعدهم، أو قبل النهي عن ذلك إذا كان من الصحابة رضي الله عنهم، والله أعلم. ٣٤٧ - (إِذا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخاهُ لطَعامٍ؛ فلْيُجِبْ، فإِنْ شاءَ طَعِمَ، وإِنْ شاءَ تَرَكَ). أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤ / ١٤٨): حدثنا يزيد قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير سمع جابراً يقول: سمعت النبي وَ ل* يقول: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح مسلسل بالتحديث، ولذلك خرَّجته، وإلاّ؛ فقد أخرجه مسلم (٤ / ١٥٣): وحدثنا ابن نمير: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي ٦٨٢ الزبير بهذا الإِسناد مثله . قلت: يعني إسناد سفيان عن أبي الزبير عن جابر، ساقه قبله، لم يقع عنده فيه تصريح أبي الزبير بالتحديث، وتصريحه به مهمٌّ؛ لأنه مدلس، فإذا عنعن كما وقع في ((مسلم))؛ لم تنشرح النفس لحديثه. وكذلك أخرجه أبو داود (٣٧٤٠)، وأحمد (٣ / ٣٩٢) من طريق سفيان به، وابن ماجه (١٧٥١) من طريق أحمد بن يوسف السلمي: ثنا أبو عاصم به، لم يصرح أبو الزبير بالتحديث. ويزيد هو ابن سنان البصري نزيل مصر؛ قال أبو حاتم (٤ / ٢ / ٢٦٧): ((كتبت عنه، وهو صدوق ثقة)) . ٣٤٨ - (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي النَّعْلِ الوَاحِدَةِ). أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ١٤٢): حدثنا الربيع بن سليمان المرادي : ثنا ابن وهب عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ ل قال: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الربيع بن سليمان المرادي، وهو ثقة . والحديث في ((الصحيحين)) وغيرهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج به بلفظ: ((لا يَمْشِ أحدُكُم في نعلٍ واحدةٍ؛ لِيَنْعَلْهما جميعاً، أو لِيَخْلَعْهما جميعاً)) .. وله شاهد من حديث جابر مرفوعاً بلفظ : ((لا تمش في نعل واحدة)). أخرجه مسلم (٦ / ١٥٤)، وأحمد (٣ / ٣٢٢)، وغيرهما. قلت: فالحديث في النهي عن المشي في نعل واحدة صحيح مشهور، وإنما ٦٨٣ خرجت حديث الطحاوي هذا لتضمُّنه علة النهي؛ فهو يرجح قولاً واحداً من الأقوال التي قيلت في تحديدها، فجاء في ((الفتح)) (١٠ / ٢٦١): ((قال الخطابي: الحكمة في النهي أن النعل شُرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين؛ احتاج الماشي أن يتوقّى الإِحدى رجليه ما لا يتوقَّى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه. وقال ابن العربي: قيل: العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال. وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة، فتمتدُّ الأبصار لمَن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيَّر صاحبه شهرة؛ فحقُّه أن يجتنب)). فأقول: الصحيح من هذه الأقوال هو الذي حكاه ابن العربي: أنها مشية الشيطان. وتصديره إياه بقوله: ((قيل))؛ مما يشعر بتضعيفه، وذلك معناه أنه لم يقف على هذا الحديث الصحيح المؤيد لهذا الـ ((قيل))، ولو وقف عليه؛ لما وسعه إلا الجزم به، وكذلك سكوت الحافظ عليه يشعرنا أنه لم يقف عليه أيضاً، وإلاّ لذكره على طريقته في جمع الأحاديث، وذكر أطرافها المناسبة للباب، لا سيما وليس في تعيين. العلة وتحديدها سواه . فخذها فائدة نفيسة عزيزة ربما لا تراها في غير هذا المكان، يعود الفضل فيها إلى الإِمام أبي جعفر الطحاوي؛ فهو الذي حفظها لنا بإسناد صحيح في كتابه دون عشرات الكتب الأخرى لغيره . (تنبيه): أما الحديث الذي رواه ليث عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ((ربَّما مشى النبي ◌َّ في نعل واحدة))؛ فهو ضعيف، لا يحتجُ به. أخرجه الترمذي (١ / ٣٢٩) من طريق هريم بن سفيان البجلي الكوفي والطحاوي من طريق مندل كلاهما عن لیث به . ٦٨٤ وضعَّفه الطحاوي بقوله : ((مندل ليس من أهل التثُبُّت، وليث، وإن كان من أهل الفضل؛ فإن روايته ليست عند أهل العلم بالقويَّة)). قلت: مندل قد تابعه هريم، وهو ثقة من رجال الشيخين، فبرئت عهدته منه، وانحصرت في الليث؛ فهو علة الحديث، وهو ضعيف؛ قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميَّز حديثه، فترك)) . وإذا عرف هذا؛ فلا يجوز معارضة حديث الباب بهذا الحديث الواهي؛ كما فعل بعض أهل الجهل بالآثار؛ فيما ذكره الإِمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وبخاصة أنه رواه سفيان عن عبدالرحمن بن القاسم به عن عائشة موقوفاً عليها، وهذا أصح كما قال الترمذي . ٣٤٩ - (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشرةٍ فَما فَوْقَ ذلك؛ إِلَّ أَتَى اللهَ عَزَّ وجَلَّ مَغْلولاً يَوْمَ القِيامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَو أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوْلُها مَلامَةٌ، وأَوْسَطُها نَدامَةٌ، وآَخِرُها خِزْيٌ يَوْمَ القِيامَةِ). أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٧): ثنا أبو اليمان: ثنا إسماعيل بن عياش عن يزيد بن [أبي] مالك عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ أنه قال: (فذكره). قلت: وهذا إسناد شامي جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي يزيد - وهو ابن عبدالرحمن بن أبي مالك الدمشقي القاضي - كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وقال فيه الحافظ في ((التقريب)): «صدوق، ربما وهم)). والحديث قال الهيثمي (٥ / ٢٠٥): ((رواه أحمد والطبراني، وفيه يزيد بن أبي مالك، وثقه ابن حبان وغيره، وبقيّة ٦٨٥ رجاله ثقات)) . وقال المنذري (٣ / ١٣٢ - ١٣٣، ٤ / ٢٩٤): (رواه أحمد، ورواته ثقات؛ إلَّ يزيد بن أبي مالك، وهو ثقة، وقال بعضهم: لِيِّن)). ٣٥٠ - (إِنْ عِشْتُ إِنْ شاءَ اللهُ إِلى قَابِلٍ؛ صُمْتُ التاسِعَ؛ مخافَةً أَنْ يَفوتَنِي يَوْمُ عاشوراءَ). أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٩٩ / ٢) من طريقين عن أحمد ابن يونس: نا ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عبدالله بن عمير عن ابن عباس مرفوعاً . وأخرجه مسلم وغيره من طرق أخرى عن ابن أبي ذئب به دون قوله: ((مخافة أن ... ))، وهو مخرَّج في ((صحيح أبي داود)) (٢١١٣). قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات . ٣٥١ - (اللهُمَّ! مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ المَدينَةِ وأَخَافَهُم؛ فَأَخِفْهُ، وعليهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفُ ولا عَدْلٌ). رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٢٥ / ٢): حدثنا روح بن الفرج أبو الزنباع: ثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث بن سعد عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عطاء ابن يسار عن عبادة بن الصامت مرفوعاً وقال: ((لم يروه عن موسى إلا هشام، تفرَّد به الليث)). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير روح بن الفرج، وهو ثقة؛ كما في ((التقريب)). ٦٨٦ وقول الهيثمي في ((المجمع)) (٣ / ٣٠٦): ((رواه الطبراني في «الأوسط)) و((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح))؛ ليس صحيحاً على إطلاقه، وتلك عادة له أنه يُطلق مثل هذا القول: ((ورجاله رجال الصحيح))، ويعني مَن فوق شيخ الطبراني؛ فاعلم هذا؛ فإنه مفيد في مواطن النزاع والتحقيق. ثم رأيت الحديث في ((تاريخ ابن عساكر)) (١٦ / ٢٤١ / ٢) من طريق عيسى ابن حماد: نا الليث به . مَا يَقُولُ لِمَنْ لبس ثَوْيا جديداً ٣٥٢ - (الْبَسْ جَديداً، وعِشْ حَميداً، ومُتْ شَهيداً). أخرجه ابن ماجه (٣٥٥٨)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٧٥ / ٣١١)، وعنه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٦٢)، وابن حبان (٥٣٦ / ٢١٨٣ - موارد)، وأحمد (٢ / ٨٨ - ٨٩) وإسحاق في ((مسنديهما))، والطبراني في ((الدعاء)) (٢ / ٩٨٠)؛ كلهم عن عبدالرزاق وهذا في ((مصنفه)) (١١ / ٢٢٣ / ٢٠٣٨٢) عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه قال: رأى النبي ◌ّي على عمر رضي الله عنه ثوباً أبيض، فقال: أجديد ثوبك هذا أم غسيل؟ فقال: بل غسيل (وفي رواية: جديداً). فقال: (فذكره). زاد الدبري : ((ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة. قال: وإياك يا رسول الله!)). قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) (١ / ٢٧ / ٢): ((هذا حديث حسن غريب، ورجال الإِسناد رجال الصحيح، لكن أعله النسائي، فقال: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق. قال النسائي: وقد روي أيضاً عنه متصلاً - يعني: الزهري -، وروي عنه مرسلاً. قال: ٦٨٧ وليس هذا من حديث الزهري. قلت: وجدت له شاهداً مرسلاً أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن عبدالله بن إدريس عن أبي الأشهب عن رجل: (فذكر المتن بنحو رواية أحمد)، وأبو الأشهب اسمه جعفر بن حيان العطاردي، وهو من رجال الصحيح، وسمع من كبار التابعين، وهذا يدلُّ على أن للحديث أصلاً، وأقل درجاته أن يوصف بالحسن)). قلت: والشاهد المذكور أخرجه ابن أبي شيبة في موضعين من ((مصنفه)) (٨ / ٤٥٣ و١٠ / ٤٠٢) بإسناده المذكور عن رجل من مزينة ... وفيه زيادة الدبري المتقدمة بلفظ: ((يعطك الله ... )) إلخ. فأقول: الرجل المزني هذا يحتمل عندي أن يكون بكربن عبدالله المزني ؛ فقد ذكروه في شيوخ أبي الأشهب، وهو تابعي ثقة جليل، وعليه يكون الإِسناد صحيحاً مرسلاً، وشاهداً قوياً لحديث عبد الرزاق، ولا نرى - والحالة هذه - وجهاً لإِنكاره عليه في كثرة ما روى عن معمر. والله أعلم. (تنبيه): اقتصر النووي في ((الأذكار)) في عزوه على ابن ماجه وابن السني، وهو قصور ظاهر، تعجّب منه الحافظ . ٣٥٣ - (إِيَّايَ والتَّنَعُّمَ! فإِنَّ عِبادَ اللهِ لَيْسُوا بالمُتَنَعِّمينَ). أخرجه أحمد (٥ / ٢٤٣ و٢٤٤)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (ص ٢٧٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥ / ١٥٥) من طرق عن بقية بن الوليد عن السري ابن ينعم عن مريح بن مسروق عن معاذ بن جبل : ((أن رسول الله وَ ير لما بعث به إلى اليمن قال: (فذكره))). قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ كما قال المنذري (٣ / ١٢٥) والهيثمي (١٠ / ٢٥٠)، وسكتا عن عنعنة بقيَّة، مع كونه مشهوراً بالتدليس! ولكنه قد صرح بالتحديث عند أبي نُعيم، فزالت شبهة تدليسه، وثبت الحديث، والحمد لله. ٦٨٨ أَدَبْ رَفيعُ ٣٥٤ - (إِيَّاكَ وَكُلَّ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ). رواه الضياء في ((المختارة)) (١٣١ / ١) عن عمرو بن الضحاك: ثنا أبي الضحاك بن مخلد: أنبأ شبيب بن بشر عن أنس بن مالك مرفوعاً. قلت: وهذا سند حسن، رجاله ثقات، وفي شبيب كلام لا يضرُّ. وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يخطىء)). وقال المناوي : ((ورواه عن أنس أيضاً الديلمي في ((مسند الفردوس))، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من حديث سعد، والطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن عمر وجابر)). قلت: في حديث جابر محمد بن أبي حميد، وهو مجْمَع على ضعفه؛ كما في ((المجمع)) (١٠ / ٣٤٨)، وهو في حديث سعد أيضاً، وقد خرجته في ((الضعيفة)) (٣٨٨١). وللحديث شاهدان بنحوه يأتيان في الحديث (٤٠١). ٣٥٥ - (مَثَلُ المُؤْمِن مَثَلُ النَّحْلَةِ؛ لا تَأْكُلُ إِلَّ طَيِّباً، ولا تَضَعُ إِلَّ طَيِّياً). أخرجه ابن حبان (رقم ٣٠)، وابن عساكر (٢ / ٤٣ / ١) من طريق مؤمل بن إسماعيل: حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدُس عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله وَل: (فذكره). ثم روى ابن عساكر بسنده عن هارون الحمال قال: ٦٨٩ (وذُكِرَ هذا الحديث - حديث مؤمل - لأبي عبدالله (يعني: الإِمام أحمد)، فقال أبو عبدالله: إنما حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبدالله بن عمرو عن النبي ◌َّ قال: مثل المؤمن مثل النحلة)). قلت: كذا وقع في نسخة ابن عساكر: ((عن يعلى بن عطاء عن عبدالله بن عمرو))، وأخشى أن يكون سقط منها شيء؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة في ((كتاب الإِيمان)» (رقم ٨٩ - بتحقيقي) بسند أحمد مغايراً لما فيها، فقال: حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال: ((مثل المؤمن ... )). هكذا قال: ((عن أبيه))، ولم يرفعه، ولعله الصواب. وإذا ثبت ذلك؛ فالإِمام أحمد يشير إلى أن مؤمل بن إسماعيل قد أخطأ في إسناد الحديث، فقال: ((عن وكيع بن عدس))، والصواب: ((عن أبيه))؛ كما قال غندر؛ فإنه أوثق من مؤمل، وأخطأ أيضاً في رفعه؛ لأن غندراً أوقفه عند ابن أبي شيبة، ولعله كذلك عند ابن عساكر، لكن بعض النساخ رفعه! نعم؛ قد جاء مرفوعاً من طريقين آخرين عن شعبة، فقال ابن السماك في ((حديثه)) (٢ / ٩٠ / ٢): حدثنا محمد بن عيسى : حدثنا سلام بن سليمان: حدثنا شعبة بإسناد غندر مرفوعاً . وسلام هذا - وهو أبو العباس المدائني الضرير -؛ قال الحافظ في ((التقريب)): ((ضعيف)). ولكن تابعه حجاج بن نصير قال: نا شعبة به. أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٠ / ١). وحجاج ضعيف أيضاً، لكن تابعه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة قال: ناشعبة به . أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤ / ١ / ٢٤٨ / ١٠٥٨)، وحرمي ٦٩٠ صدوق يهم؛ فهو بمجموع هذه المتابعات ثابت عن شعبة . وللحديث طريق أخرى أخرجها الحسين المروزي في ((زوائد الزهد لابن المبارك)» (ق ١٢٣ / ١ - كواكب ٥٧٥) بسند صحيح عن عبدالله بن بريدة قال: ((ذكر لي أن أبا سبرة بن سلمة سمع ... عبدالله بن عمرو .... (فذكره مرفوعاً))، وفيه قصة. ورواه عبدالرزاق (١١ / ٤٠٤)، وعنه أحمد (٢ / ١٩٩) عن ابن بريدة؛ لم يذكر أبا سبرة، ولم أعرفه؛ فانظر: ((ظلال الجنة)) (٢ / ٣٣٣). وجملة القول: إن الحديث بهذه الطرق حسن أو صحيح. والله أعلم. ٣٥٦ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ عليهِ السَّلامُ، فقالَ: إِنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الليلَةَ، فلمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخُلَ عليكَ البيتَ الذي أَنتَ فيه؛ إِلَّ أَنَّهُ كانَ في البيتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ ، وكانَ في البيتِ قِرامُ سِتْرٍ فيهِ تماثيلُ، فمُرْ بِرَأْسِ التمثالِ يُقْطَعُ فَيَصيرُ كهيئةِ الشَّجَرَةِ، ومُرْ بالسِّتْرِ يُقْطَعُ (وفي روايةٍ: إِنَّ في البَيْتِ ستراً في الحائطِ فيهِ تماثيلُ، فَاقْطَعُوا رُؤُوسَها، فَاجْعَلوها بِساطاً أَو وَسائِدَ فَأَوْطِئوهُ؛ فَإِنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تماثيلُ)، فَيُجْعَلُ منهُ وِسادَتانِ تُوطَانٍ، ومُرْ بالكَلْبِ فَيُخْرَجَ. ففعلَ رسولُ اللهِ وَر، وإِذا الكَلْبُ جَرْوٌ كانَ للحسنِ والحُسينِ عليهما السلامُ تحتَ نَضَدٍ لَهما. قالَ: وما زالَ يوصِيني بالجَارِ حَتّى ظَنَنْتُ أَو رَأَيْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ). أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٥ و٤٧٨) والسياق له، وأبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢ / ١٣٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٤٨٧) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن ٦٩١ مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليل: (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وصحَّحه الترمذي وغيره، وقد صرَّح يونس بالتحديث في رواية ابن حبان، وفي حفظه ضعف يسير لا يضرُّ في حديثه، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يهم قليلاً)). قلت: وقد تابعه أبو إسحاق، فقال أحمد (٢ / ٣٠٨): ثنا عبدالرزاق: أنا معمر عن أبي إسحاق عن مجاهد به مختصراً بالرواية الثانية . وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لولا أن أبا إسحاق - وهو السبيعي والد يونس - كان تغيَّر في آخره، وقد اختلف عليه في لفظه، فرواه عنه معمر هكذا، ورواه أبو بكر عنه به نحوه بلفظ : ((فإما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بساطاً يوطأ)). أخرجه النسائي (٢ / ٣٠٢). والأول أصح؛ لأن معمراً حفظه عن أبي بكر - وهو ابن عياش الكوفي -؛ قال الحافظ : (ثقة عابد؛ إلاّ أنه لما كبر؛ ساء حفظه، وكتابه صحيح)). فقه الحديث : الأول: تحريم الصور؛ لأنها سبب لمنع دخول الملائكة، والأحاديث في تحریمها أشهر من أن تُذکر. الثاني: أن التحريم يشمل الصور التي ليست مجسمة ولا ظلَّ لها؛ لعموم قول جبريل عليه السلام: ((فإنَّا لا ندخل بيتاً فيه تماثيل))، وهي الصور، ويؤيده أن التماثيل التي كانت على القرام لا ظلَّ لها، ولا فرق في ذلك بين ما كان منها تطريزاً على الثوب أو كتابة على الورق أو رسماً بالآلة الفوتوغرافية، إذ كل ذلك صور وتصوير، والتفريق ٦٩٢ بين التصوير اليدوي والتصوير الفوتوغرافي - فيحرم الأول دون الثاني - ظاهرية عصرية، وجمود لا يُحمد؛ كما حقَّقته في ((آداب الزفاف في السنة المطهرة)) (ص ١١٢ - ١١٤). الثالث: أن التحريم يشمل الصورة التي توطأ أيضاً إذا تركت على حالها ولم تغيَّر بالقطع، وهو الذي مال إليه الحافظ في ((الفتح)). الرابع: أن قوله: ((حتى تصير كهيئة الشجرة))؛ دليل على أن التغيير الذي يحل به استعمال الصورة، إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة، فيغيرها حتى تصير على هيئة أخرى مباحة كالشجرة . وعليه؛ فلا يجوز استعمال الصورة، ولو كانت بحيث لا تعيش لو كانت حية؛ كما يقول بعض الفقهاء؛ لأنها في هذه الحالة لا تزال صورة اسماً وحقيقة؛ مثل الصور النصفية وأمثالها؛ فاعلم هذا؛ فإنه مما يهمُّ المسلم معرفته في هذا العصر الذي انتشرت فيه الصور وعمَّت وطمَّت، وإن شئت زيادة التحقيق في هذا؛ فراجع المصدر السابق (ص ١١١ - ١١٢). الخامس: فيه إشارة إلى أن الصورة إذا كانت من الجمادات؛ فهي جائزة، ولا تمنع من دخول الملائكة؛ لقوله: ((كهيئة الشجرة))؛ فإنَّه لو كان تصوير الشجر حراماً كتصوير ذوات الأرواح؛ لم يأمر جبريل عليه السلام بتغييرها إلى صورة شجرة، وهذا ظاهر، ویؤيِّده حديث ابن عباس رضي الله عنه: ((وإن كنتَ لا بدَّ فاعلاً؛ فاصنع الشجرة، وما لا نفس له)). رواه مسلم، وأحمد (١ / ٣٠٨). السادس: تحريم اقتناء الكلب؛ لأنه أيضاً سبب يمنع من دخول الملائكة، وهل يمنع منه لو كان كلب ماشية أو صيد؟! الظاهر لا؛ لأنه يباح اقتناؤه. ويؤيده أن الصورة إذا كانت مباحة لا تمنع أيضاً من دخول الملائكة؛ بدليل أن ٦٩٣ السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقتني لعب البنات، وتلعب بها هي ورفيقاتها، على مرأى من النبي بَر؛ فلا ينكرها عليها؛ كما ثبت في ((صحيح البخاري)) وغيره، فلو كان ذلك مانعاً من دخول الملائكة؛ لما أقرَّهَا وَّ عليه، والله أعلم. ٣٥٧ - (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامً؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار). أخرجه البخاري في ((الأدب)) (٩٧٧)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢ / ١٢٥)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٤٠) واللفظ له، وأحمد (٤ / ٩٣ و١٠٠)، والدولابي في ((الكنى)) (١ / ٩٥)، والمخلص في ((الفوائد المنتقاة)) (ق ١٩٦ / ٢)، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ق ٥١ / ٢)، والبغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (٧ / ٦٩ / ٢)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ / ٢١٩) من طرق عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال : ((دخل معاوية بيتاً فيه عبدالله بن الزبير وعبدالله بن عامر، فقام ابن عامر وثبت ابن الزبير، وكان أدْرَبَهما(١)، فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر! فإني سمعتُ رسول الله ◌َ﴾ يقول: (فذكره))). وقال الترمذي: (حدیث حسن)). قلت: بل هو حديث صحيح، رجال إسناده ثقات رجال الشيخين، وأبو مجلز اسمه لاحق بن حميد، وهو ثقة، وحبيب بن الشهيد ثقة ثبت؛ كما في ((التقريب))؛ فلا وجه للاقتصار على تحسينه، وإن سكت عليه الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٤٢)، لا سيَّما وله طريق أخرى، فقال المخلص في ((الفوائد)): حدثنا عبدالله: نا داود: نا مروان: نا مغيرة بن مسلم السراج عن عبدالله بن بريدة قال: (١) وفي رواية البخاري: ((أرزنهما))، ولعلها أصح. ٦٩٤ ((خرج معاوية، فرآهم قياماً لخروجه، فقال لهم: اجلسوا؛ فإن رسول الله ول قال: مَن سرّه أن یقوم له بنو آدم؛ وجبت له النار)). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير شيخ المخلّص عبدالله، وهو الحافظ أبو القاسم البغوي، ومغيرة بن مسلم السراج، وهما ثقتان بلا خلاف، وداود هو ابن رشيد، ومروان هو ابن معاوية الفزاري الكوفي الحافظ، وقد تابعه شبابة بن سوار: حدثني المغيرة بن مسلم به؛ إلا أنه قال: ((من أحبَّ أن يستجمَّ(١) له الرجال ... ))، والباقي مثله. أخرجه الطحاوي (٢ / ٣٨ - ٣٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٩٣). وللحديث عنده (١١ / ٣٦١) شاهد مرسل في قصة طريفة، أخرجه من طريق عبد الرزاق عن سليمان بن علي بن الجعد قال: سمعتُ أبي يقول: ((لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، ثم خرج، فقام كل مَن كان في المجلس إلا ابن الجعد؛ فإنه لم يقم؛ قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه، فقال: يا شيخ! ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال: أجللتُ أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي وَّر. قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعتُ المبارك بن فضالة يقول: سمعتُ الحسن يقول: قال النبي ◌َّر: (فذكره باللفظ الأول). قال: فأطرق المأمون متفكِّراً في الحديث، ثم رفع رأسه، فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ. قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار)). قلت: فصدق في علي بن الجعد - وهو ثقة ثبت - قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾(٢). (١) أي: يجتمعون له قياماً. (٢) الطلاق: ٢. ٦٩٥ ونحو هذه القصة ما أخرج الدينوري في ((المنتقى من المجالسة)) (ق ٨ / ١ - نسخة حلب): حدثنا أحمد بن علي البصري قال : ((وجَّه المتوكّل إلى أحمد بن العدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم إلَّ أحمد بن العدل، فقال المتوكّل لعبيد الله: إنَّ هذا الرجل لا يرى بيعتنا. فقال له: بلى يا أمير المؤمنين! ولكن في بصره سوء. فقال أحمد ابن العدل: يا أمير المؤمنين! ما في بصري من سوء، ولكنّني نزَّهتك من عذاب الله تعالى. قال النبي وَله: ((مَن أحبَّ أن يمثل له الرجال قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار))، فجاء المتوكل، فجلس إلى جنبه)). وروى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩ / ١٧٠ / ٢) بسنده عن الأوزاعي : حدثني بعض حرس عمر بن عبدالعزيز قال : ((خرج علينا عمر بن عبدالعزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة، فلما رأيناه؛ قمنا، فقال: إذا رأيتُموني؛ فلا تقوموا، ولكن توسَّعوا)). فقه الحديث : دلَّنا هذا الحديث على أمرين: الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له، وهو صريح الدلالة، بحیث إنه لا يحتاج إلى بيان. والآخر: كراهة القيام من الجالسين للداخل، ولو كان لا يحب القيام، وذلك من باب التعاون على الخير، وعدم فتح باب الشر، وهذا معنى دقيق، دلَّنا عليه راوي الحديث معاوية رضي الله عنه، وذلك بإنكاره علی عبدالله بن عامر قيامه له، واحتجّ عليه بالحديث، وذلك من فقهه في الدين، وعلمه بقواعد الشريعة، التي منها سد الذرائع، ومعرفته بطبائع البشر، وتأثّرهم بأسباب الخير والشر؛ فإنك إذا تصوَّرت مجتمعاً صالحاً كمجتمع السلف الأول، لم يعتادوا القيام بعضهم لبعض؛ فمن النادر ٦٩٦ أن تجد فيھم من يحبُّ هذا القیام الذي يردیه في النار، وذلك لعدم وجود ما یذكّره به، وهو القيام نفسه، وعلى العكس من ذلك، إذا نظرت إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم، قد اعتادوا القيام المذكور؛ فإن هذه العادة، لا سيما مع الاستمرار عليها؛ فإنها تذكّره به، ثم إن النفس تتوق إليه وتشتهيه حتى تحبَّه، فإذا أحبَّه هلك، فكان من باب التعاون على البر والتقوى أن يترك هذا القيام، حتى لمن نظنه أنه لا يحبُّه؛ خشية أن يجرّ قيامنا له إلى أن يحبَّه، فنكون قد ساعدناه على إهلاك نفسه وذا لا يجوز. ومن الأدلة الشاهدة على ذلك أنك ترى بعض أهل العلم الذين يظن فيهم حسن الخلق، تتغيَّر نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على فرد لم يقم له، هذا إذا لم يغضبوا عليه ولم ينسبوه إلى قلة الأدب، ويبشِّروه بالحرمان من بركة العلم؛ بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم، بل إن فيهم من يدعوهم إلى القيام، ويخدعهم بمثل قوله : أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم ولحم، وإنما تقومون للعلم الذي في صدري !! كأن النبي ◌َّ عنده لم يكن لديه علم !! لأن الصحابة كانوا لا يقومون له، أو أن الصحابة كانوا لا يعظّمونه التعظيم اللائق به! فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم؟! ومن أجل هذا الحديث وغيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير؛ كما في ((الفتح)) (١١ / ٤١)، ثم قال: ((ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يُقام لأجله لم يجلس، ولو كان في شغل نفسه؛ فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها، فتتلقَّاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس؟ فقال: أما التلقي ؛ فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس؛ فلا؛ فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبدالعزيز)). قلت: وليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلاً، والذين خالفوا فذهبوا إلى جواز هذا القيام - بل استحبابه - استدلُّوا بأحاديث بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، والكل عند التأمُّل في طرقها ومتونها لا ينهض للاستدلال على ذلك، ومن أمثلة القسم الأول حديث: ((قوموا إلى سيدكم))، وقد تقدم الجواب عنه ٦٩٧ برقم (٦٧) من وجوه، أقواه أنه صحَّ بزيادة: ((فأنزلوه))، فراجعه. ومن أمثلة القسم الآخر حديث قيامه بَ ل# حين أقبل عليه أخوه من الرضاعة، فأجلسه بين يديه؛ فهو حديث ضعيف معضل الإِسناد، ولو صحَّ؛ فلا دليل فيه أيضاً، وقد بيَّنْتُ ذلك كله في ((الأحاديث الضعيفة)» (١١٤٨). كَرَاهَتُهُ ◌ِ قِيامَ النَّاسِ لَهُ ٣٥٨ - (مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا شَخْصٌ أَحَبَّ إِليهِمْ رُؤْيَةً مِن رَسولِ اللهِ ونَ، وكانُوا إِذا رَأَوْهُ؛ لَمْ يَقوموا لهُ؛ لِما كانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لذلك). أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٤٦)، والترمذي (٢ / ١٢٥)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٣٩)، وأحمد (٣ / ١٣٢)، وأبو يعلى في («مسنده)) (ق ١٨٣ / ٢) واللفظ له، وابن أبي شيبة (٨ / ٥٨٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦ / ٤٦٩ / ٨٩٣٦) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به، وقال الترمذي : ((حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)). قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وهذا الحديث مما يقوي ما دل عليه الحديث السابق من المنع من القيام للإِكرام؛ لأن القيام لو كان إكراماً شرعاً؛ لم يجزله ولل أن يكرهه من أصحابه له، وهو أحق الناس بالإِكرام، وهم أعرف الناس بحقه عليه الصلاة والسلام. وأيضاً؛ فقد كره الرسول و﴿ هذا القيام له من أصحابه؛ فعلى المسلم - خاصة إذا كان من أهل العلم وذوي القدوة - أن يكره ذلك لنفسه؛ اقتداء به وه يل ر، وأن يكرهه لغيره من المسلمين؛ لقوله وَلجر: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه من الخير))؛ فلا يقوم له أحد، ولا هو يقوم لأحد، بل كراهتهم لهذا القيام أولى بهم ٦٩٨ من النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك لأنهم إن لم يكرهوه؛ اعتادوا القيام بعضهم لبعض، وذلك يؤدي بهم إلى حبهم له، وهو سبب يستحقون عليه النار؛ كما في الحديث السابق، وليس كذلك رسول الله وَ لچر؛ فإنه معصوم من أن يحب مثل هذه المعصية، فإذا كان مع ذلك قد كره القيام له؛ كان واضحاً أن المسلم أولى بكراهته له. ٣٥٩ - (نَهَى النبيُّ نَّهِ يومَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهليةِ، وأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ ). هو من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وله عنه طرق: الأولى : عن محمد بن على عنه. أخرجه البخاري (٤ / ١٦)، ومسلم (٦ / ٦٦)، وأبو داود (٣٧٨٨)، والنسائي (٢ / ١٩٩)، والترمذي (١ / ٣٣١)، والدارمي (٢ / ٨٧)، والطحاوي (٢ / ٣١٨)، والبيهقي (٩ / ٣٢٥)، وأحمد (٣ / ٣٦١ و٣٨٥) من طرق عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي به. وتابعه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، فأسقط من الإِسناد محمد ابن علي، ولفظه : ((أطعمنا رسول الله ◌َ ر لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر)). أخرجه النسائي، والطحاوي، والترمذي (١ / ٣٣١)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وهكذا روی غیر واحد عن عمرو بن دينار عن جابر، ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر، ورواية ابن عيينة أصح، وسمعت محمداً يقول: سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد)). قال الحافظ في ((الفتح)) (٩ / ٥٥٩): ٦٩٩ ((قلت: لكن اقتصر البخاري ومسلم على تخريج طريق حماد بن زيد، وقد وافقه ابن جريج عن عمرو، وعلى إدخال الواسطة بين عمرو وجابر، ولكنه لم يسمِّه، أخرجه أبو داود)). الثانية: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: ((أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ◌َّ عن الحمار الأهلي)). أخرجه مسلم، وأبو داود (٣٧٨٩)، والنسائي، وابن ماجه (٣١٩١). والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٣ / ٣٥٦ و٣٦٢) من طرق عن أبي الزبير به. ولفظ النسائي مثل لفظ ابن عيينة المتقدم بزيادة : ((یوم خیپر)) . ولفظ أبي داود وأحمد : ((ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صل عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل)). الثالثة : عن عطاء عنه قال : ((كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله وَلات)). زاد في رواية : ((قلت: فالبغال؟ قال: لا)). أخرجه النسائي واللفظ له، وابن ماجه (٣١٩٧) والزيادة له، والطحاوي (٢ / ٣١٨ و٣٢٢)، والبيهقي . قلت: وإسناده صحيح . وللحديث شاهد من رواية أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: ٧٠٠