النص المفهرس

صفحات 621-640

(٢٥٥ / ١) من طريق إسرائيل عن السدي قال: سألت مرة الهمداني عن قول الله
عز وجل: ﴿﴿إِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾(١)؟ فحدثني أن عبدالله
ابن مسعود حدثهم عن رسول الله وسلم قال: (فذكره).
والزيادة الأولى لأحمد وأبي يعلى، والثانية للترمذي وأبي يعلى، وقال الدارمي
وأحمد :
((عنها)).
وقال الترمذي :
((حديث حسن)) .
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)).
ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا، ولعلَّ اقتصار الترمذي على تحسينه إنما هو بسبب أن
شعبة قد رواه عن السدي به موقوفاً، أخرجه الترمذي .
لكن قال الإِمام أحمد (١ / ٤٣٣): ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن
السدي عن مرة عن عبدالله قال: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُها﴾(١)؟ قال: يدخلونها أو
يلجونها ثم يصدرون منها بأعمالهم. قلت له: إسرائيل حدثه عن النبي ◌َّر؟ قال:
نعم؛ هو عن النبي ◌ّ (أو كلاماً هذا معناه).
وأخرجه الترمذي أيضاً من هذا الوجه؛ إلاّ أنه قال:
((قال شعبة: وقد سمعتُه من السدي مرفوعاً، ولكني عمداً أدعه)).
فصحَّ أن الحديث مرفوع، وترك شعبة رفعه لا يعلَّه ما دام أن شيخه السدي،
(١) مريم: ٧١.
٦٢١

وقد رفعه، وهو ثقة احتجِّ به مسلم، واسمه إسماعيل بن عبدالرحمن.
وأما السُّدِّي الصغير - واسمه محمد بن مروان -؛ فهو متهم بالكذب.
جَوَازُ الإِشَارَةِ المُفْهَمَةِ فِي الصَّلاةِ
٣١٢ - (كانَ يُصَلِّي، فإِذا سَجَدَ؛ وَثَبَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ على
ظَهْرِهِ، فإِذا أَرادوا أَنْ يَمْنَعوهُما؛ أَشارَ إِليهِمْ أَنْ دَعوهُما، فلمَّا قضى
الصَّلاة؛ وَضَعَهُما في حِجْرِهِ، وقال: مَنْ أَحَبَّنِي؛ فَلْيُحِبَّ هذين).
أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه)) (٨٨٧)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٦٠ / ٢)
عن علي بن صالح عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود قال: (فذكره مرفوعاً).
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي عاصم - وهو ابن أبي النجود -
كلام لا يضر، وعلي بن صالح هو ابن صالح بن حي الهمداني الكوفي، وهو ثقة .
وخالفه أبو بكر بن عياش، فقال: عن عاصم عن زر قال: فذكره مرسلاً لم يذكر
فيه ابن مسعود.
وأبو بكر في حفظه ضعف؛ فالمسند أصح .
٣١٣ - (أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجوزِ بَنِي إِسْرائيلَ؟ [فقالَ
أصحابُه: يا رسولَ الله! وما عَجوزُ بَني إِسرائيلَ؟]. قال: إِنَّ مُوسى
لَمَّا سارَ بِيَنِي إِسرائيلَ مِنْ مِصْرَ؛ ضلُّوا الطَّريقَ، فقال: ما هذا؟ فقال
عُلماؤهُم: [نَحْنُ نُحَدِّتُكَ: ] إِنَّ يوسُفَ لمَّا حَضَرَهُ الموتُ؛ أَخَذَ عَلَيْنا
مَوْثِقاً مِنَ اللهِ أَنْ لا ◌َخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَتْقُلَ عِظامَهُ مَعَنا. قال: فَمَنْ
يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ قال [وا: ما نَدْرِي أَيْنَ قَبْرُ يوسُفَ إِلَّم عَجُوزْ مِنْ
٦٢٢

بَنِي إِسْرائيلَ، فَبَعَثَ إِليها، فَأَتْهُ، فقالَ: دُلُّوني على قَبَرِ يوسُفَ.
قالت: [لا واللهِ؛ لا أَفْعَلُ] حتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمي. قالَ: وما حُكْمُكِ؟
قالت: أَكونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ. فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَها ذلكَ، فَأُوْحَى اللهُ إِليهِ
أَنْ أَعْطِها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلى بُخَيْرَةٍ؛ مَوْضِعَ مُسْتَتْقَعِ مَاءٍ،
فقالت: أَنْضِبُوا هذا الماءَ، فَأَنْضَبُوا. قالتْ: احْفِروا واسْتَخْرِجوا عِظامَ
يوسُفَ. فلمَّا أَقُلُّوهَا إِلى الأرْضِ؛ إِذا الطَّريقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ).
أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٤٤ / ١)، والحاكم (٢ / ٤٠٤ - ٤٠٥ و٥٧١
- ٥٧٢) من ثلاث طرق عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال:
((أتى النبيُّ ◌َّه أعرابياً(١) فأكرمه، فقال له: ائتنا. فأتاه، فقال رسول الله وَله
(وفي رواية: نزل رسول الله وَّهُ بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول اللـه وَلّ: تعهَّدنا
ائتنا. فأتاه الأعرابيُّ، فقال له رسول الله وَّر:) سَلْ حاجتك. فقال: ناقة برحلها
وأعنزاً يحلبها أهلي، فقال رسول الله وَ له: (فذكره)).
١
والسياق لأبي يعلى، والزيادات مع الرواية الأخرى للحاكم، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين، وقد حكم أحمد وابن معين أن يونس سمع من
أبي بردة حديث (لا نكاح إلَّ بوليٍّ)».
ووافقه الذهبي .
وأقول: إنما هو على شرط مسلم وحده؛ فإن يونس لم يخرج له البخاري في
((صحيحه))، وإنما في ((جزء القراءة)).
(فائدة): كنت استشكلت قديماً قوله في هذا الحديث: ((عظام يوسف))؛ لأنه
يتعارض بظاهره مع الحديث الصحيح :
(١) الأصل: أعرابيٌّ.
٦٢٣

((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))(١).
حتى وقفتُ على حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
((أن النبيَّ وَ لَ لَّمَّا بدَّن؛ قال له تميم الداري: ألا أَتَّخِذُ لك منبراً يا رسول الله!
يجمعُ أو يحمل عظامَكَ؟ قال: بلى. فاتَّخَذَ له منبراً مرقاتين)).
أخرجه أبو داود (١٠٨١) بإسناد جيد على شرط مسلم.
فعلمتُ منه أنهم كانوا يطلقون (العظام) ویریدون (البدن) کله؛ من باب إطلاق
الجزء وإرادة الكل؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾(٢)؛ أي: صلاة الفجر، فزال
الإِشكال والحمد لله، فكتبتُ هذا لبيانه.
٣١٤ - (لَ تُصَلُّوا عِنْدَ طُلوعِ الشَّمْسِ، ولا عِنْدَ غُروِبِها؛ فإِنَّها
تَطْلُعُ وتَغْرُبُ عَلى قَرْنِ شَيْطَانٍ، وصَلُّوا بَيْنَ ذُلك ما شِئْتُمْ).
رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢/٢٠٠): ثنا محمد بن عبدالله بن نمير: ثناروح:
ثنا أسامة بن زيد عن حفص بن عبيدالله عن أنس بن مالك: قال رسول الله النهر:
(فذكره). وأخرجه البزار (١ / ٢٩٣ / ٦١٣).
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين؛ غير أسامة بن
زيد، وهو الليثي، وفيه كلام من قِبل حفظه، والمتقرِّر أنه حسن الحديث إذا لم
يخالف، وقد استشهد به مسلم؛ ولهذا حسن إسناده الحافظ في ((مختصر الزوائد)).
وللحديث شاهد من حديث علي مرفوعاً بلفظ:
((لا تصلُّوا بعد العصر؛ إِلَّ أن تصلُّوا والشمس مرتفعة)).
(١) وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٦٦٢) وغيره، وسيأتي في هذا الكتاب برقم
(١٥٢٧).
(٢) الإسراء: ٧٨.
٦٢٤

أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٠ / ١، ٤٠ / ٢) من طريق سفيان وشعبة
وجرير بن عبدالحميد عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع
عن علي به.
وهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه أبو داود وغيره كما تقدم برقم (٢٠٠).
وفي هذين الحديثين دليل على أن ما اشتهر في كتب الفقه من المنع عن الصلاة
بعد العصر مطلقاً - ولو كانت الشمس مرتفعة نقيّة - مخالف لصريح هذين الحدیثین،
وحجّتهم في ذلك الأحاديث المعروفة في النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقاً؛ غير
أن الحديثين المذكورين يقيِّدان تلك الأحادیث؛ فاعلمه .
٣١٥ - (كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَهُو [لَغْوٌ و] لَهْوٌ أَو
سَهْوٌ؛ إِلَّ أَرْبَعَ خِصالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بينَ الغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ،
ومُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَتَعَلُّمُ السِّبَاحَةِ).
أخرجه النسائي في كتاب ((عشرة النساء)) (ق ٧٤ / ٢) والزيادة له، والطبراني
في ((المعجم الكبير)) (١ / ٨٩ / ٢)، وأبو نعيم في ((أحاديث أبي القاسم الأصم)) (ق
١٧ - ١٨) من طريقين عن محمد بن سلمة عن أبي عبدالرحيم عن عبد الوهاب بن
بُخْت عن عطاء بن أبي رباح قال:
((رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فملَّ أحدهما
فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعتُ رسول الله وَليل: (فذكره)) .
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبدالوهاب بن
بخت، وهو ثقة اتفاقاً.
وقال المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ١٧٠) بعد أن عزاه لـ ((المعجم)):
«بإسناد جيد)).
٦٢٥

وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٦ / ٢٦٩):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))، والبزار، ورجال الطبراني رجال
الصحيح؛ خلا عبدالوهاب بن بخت، وهو ثقة)).
قلت: وأبو عبدالرحيم اسمه خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الأموي
مولاهم الحرَّاني .
ثم أخرجه النسائي من طريق مجمد بن وهب بن أبي كريمة الحراني عن محمد
ابن سلمة عن أبي عبدالرحيم قال: حدَّثني عبد الرحيم الزهري عن عطاء بن أبي رباح
به. فجعل عبدالرحيم الزهري مكان عبد الوهاب بن بخت.
ومحمد بن وهب هذا صدوق، ویرجح روايته متابعتان :
الأولى: ما عند النسائي عن سعيد بن حفص قال: ثنا موسى بن أعين عن خالد
ابن أبي يزيد أبي عبدالرحيم عن الزهري عن عطاء به .
والأخرى: ما عند أبي نُعيم عن يزيد بن سنان عن عبدالرحيم بن عطاف بن
صفوان الزهري عن عطاء به .
لكن في طريق المتابعة الأولى سعيد بن حفص، وهو أبو عمرو الحراني، وهو
صدوق تغيَّر في آخره، وفي الأخرى يزيد بن سنان، وهو أبو فروة الرهاوي، وهو
ضعيف.
وأيضاً؛ فلم نجد في الرواة (عبدالرحيم الزهري) فضلاً عن (عبدالرحيم بن
عطاف بن صفوان الزهري)، ولا ذكروا في شيوخ (أبي عبدالرحيم) (الزهريَّ)، وهو
عند الإطلاق الإِمام محمد بن مسلم بن شهاب.
فهذا كله يجعل رواية محمد بن وهب مرجوحة؛ لمخالفتها للطريقين عن محمد
ابن سلمة، إحداهما عن إسحاق بن راهويه، والأخرى عن أبي الأصبغ عبدالعزيز بن
یحیی الحراني، وهو صدوق ربما وهم، والأول حافظ ثقة ثبت مشهور.
٦٢٦

ومما يرجح رواية ابن سلمة هذه على رواية ابن أعين: أنه ابن أخت خالد بن
أبي يزيد؛ فهو بحديثه أعرف من ابن أعين؛ فروايته أرجح من روايته عند الاختلاف.
ويمكن أن يُقال: إن لخالد فيه شيخين: أحدهما: عبدالوهاب بن بخت،
والآخر: الزهري، فكان تارة يرويه عن هذا، وتارة عن هذا، فروى كل من ابني سلمة
وأعين ما سمع منه .
وكان هذا الجمع لا بدَّ من المصير إليه لولا أن في الطريق إلى ابن أعين سعيداً
الذي كان تغيَّر، وأنهم لم يذكروا في شيوخ خالد الإِمامَ الزُّهريَّ. والله أعلم.
وقد وجدتُ للحديث ثلاثة شواهد دون ذكر السباحة :
الأول: عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعاً به، وزاد:
((فإِنَّهُنَّ من الحقِّ)).
أخرجه الترمذي (١ / ٣٠٨)، والدارمي (٢ / ٢٠٥)، وابن ماجه (٢٨١١)،
وأحمد (٤ / ١٤٤ و١٤٨) من طريق عبدالله بن زيد الأزرق عنه، وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)).
الثاني: عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً بالزيادة .
أخرجه المخلص في ((الفوائد المنتقاة)) (٣ / ١٤٤ / ٢) من طريق هارون بن
. عبدالله: نا محمد بن الحسن قال: حدثني سليمان بن بلال عن ابن عجلان عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عنه.
لكن محمد بن الحسن هو ابن زبالة، وهو متهم بالكذب؛ فلا يستشهد به .
الثالث: عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين أن رسول الله وَ ل قال:
(فذكره).
أخرجه الترمذي عن محمد بن إسحاق عنه.
٦٢٧

قلت: وهو مرسل، رجاله ثقات.
الأقْتِصارُ على الَّسْلِيمَةِ الواحِدَةِ فِي الصَّلاةِ
٣١٦ - (كانَ يُسَلَّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١ / ٤٢ / ٢ - زوائد المعجمين):
حدثنا معاذ: ثنا عبدالله بن عبدالوهاب: ثنا عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي عن
حميد عن أنس به مرفوعاً. وقال:
((لم يرفعه عن حميد إلا عبدالوهاب)).
قلت: وهو ثقة، احتجَّ به الشيخان، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين)).
قلت: لكن قال الذهبي :
((قلت: لكن ما ضرَّ تغيُّرُه حديثَه؛ فإنَّه ما حدَّث بحديث في زمن التغيُّ)).
والحديث رواه البيهقي أيضاً في ((السنن)) (٢ / ١٧٩) من طريق أبي بكر بن
إسحاق: أنبأ أبو المثنى: ثنا عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي به .
وعزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ / ٤٣٣ - ٤٣٤) للبيهقي في ((المعرفة))،
وسكت عليه، وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص ٩٠):
((ورجاله ثقات)).
وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢ / ١٣٤ - ١٤٦) بلفظ:
((كان النبي ◌َّر وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يفتتحون القراءة بـ ﴿الحمد لله
رب العالمين﴾(١)، ويسلمون تسليمة. قلت: في ((الصحيح)) بعضه. رواه البزار
(١) الفاتحة : ٢ .
٦٢٨

والطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) بالتسليمة الواحدة فقط، ورجاله رجال الصحيح)).
قلت: في هذا الإِطلاق نظر؛ فإنَّ راويه عن عبدالله بن عبدالوهاب إنما هو
معاذ، وهو وإن كان ثقة؛ فليس من رجال الصحيح، وهو معاذ بن المثنى بن معاذ بن
معاذ بن نصر بن حسان أبو المثنى العنبري، ترجمه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣
/ ١٣١)، ووثَّقه، وأَرَّخ وفاته سنة (٢٨٨ هـ).
ثم وجدت لحديث أنس طريقاً أخرى، فقال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١)
/ ١١٨ / ١): نا يونس بن محمد قال: نا جرير بن حازم عن أيوب عن أنس:
((أن النبي ◌َّ سلّم تسليمة)).
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ لكن أيوب - وهو
السختياني - رأى أنس بن مالك، ولم يثبت سماعه منه، فقال ابن حبان في ((الثقات)):
((قيل : إنه سمع من أنس، ولا يصحُّ ذلك عندي)).
وجملة القول: أن هذا الحديث صحيح، وهو أصح الأحاديث التي وردت في
التسليمة الواحدة في الصلاة، وقد ساق البيهقي قسماً منها، ولا تخلو أسانيدها من
ضعف، ولكنها في الجملة تشهد لهذا، وقال البيهقي عقبها :
«وروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم سلموا تسليمة واحدة،
وهو من الاختلاف المباح، والاقتصار على الجائز)) .
وذكره نحوه الترمذي عن الصحابة، ثم قال:
((قال الشافعي: إن شاء سلَّم تسليمة واحدة، وإن شاء سلّم تسليمتين)).
قلت: التسليمة الواحدة فرضٌ لا بدَّ منه؛ لقولهِ وَلّ: (( ... وتحليلها
التَّسليم))، والتسليمتان سنة، ويجوز ترك الأخرى أحياناً لهذا الحديث.
ولقد كان هديه س1 في الخروج من الصلاة على وجوه:
الأول: الاقتصار على التسليمة الواحدة؛ كما سبق.
٦٢٩

الثاني: أن يقول عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله))، وعن يساره:
(السلام علیکم)).
الثالث: مثل الذي قبله إلا أنه يزيد في الثانية أيضاً: ((ورحمة الله)).
الرابع: مثل الذي قبله إلا أنه يزيد في التسليمة الأولى: ((وبركاته)).
وكل ذلك ثبت في الأحاديث، وقد ذكرتُ مُخرِّجيها في ((صفة صلاة النبي
وَل(*))، فمن شاء راجعه.
٣١٧ - (إذا رَجَعْتَ إِلى بَيْتِكَ ،فَمُرْهُمْ؛ فَلْيُحْسِنوا غِذَاءَ رِباعِهِمْ(١)،
ومُرْهُمْ؛ فَلْيُقَلِّموا أَظْفَارَهُمْ، ولا يَبْعُوا بها ضُروِعَ مَواشِيهِمْ إِذا حَلَبوا).
رواه الإمام أحمد (٣ / ٤٨٤): ثنا أبو النضر: ثنا المرجى بن رجاء اليشكري
قال: ثني سلم بن عبدالرحمن قال: سمعت سوادة بن الربيع قال: أتيت النبي وَل
فسألته؟ فأمر لي بذود، ثم قال لي: (فذكره). وأخرجه البيهقي (٨ / ١٤).
وهذا سند حسن؛ أبو النضر - هو هاشم بن القاسم - ثقة ثبت، والمرجى وسلم
ابن عبدالرحمن صدوقان؛ كما في ((التقريب))، وفي المرجى كلام لا يضر إن شاء الله
تعالى. وقد تابعه محمد بن حمران - وهو القيسي - عند البزار (٢ / ٢٧٣ / ١٦٨٨)؛
فالسند صحيح، وقوَّاه الهيثمي، فقال (٨ / ١٩٦):
(رواه أحمد، وإسناده جیِّد)).
:
٣١٨ - (لا غِرَارَ في صَلاةٍ ولا تَسْليمٍ).
أخرجه أبو داود (٩٢٨)، والحاكم (١ / ٢٦٤)؛ كلاهما عن الإِمام أحمد،
وهذا في ((المسند)) (٢ / ٤٦١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٢٢٩) من
(١) جمع (ربع)، وهو ما ولد من الإِبل في الربيع. و(لا يبطوا)؛ أي: لا يشقوا ويجرحوا.
٦٣٠

طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن
أبي هريرة عن النبي ◌ََّ به. زاد أبو داود:
((قال أحمد: يعني - فيما أرى - أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، ويغرر الرجل
بصلاته، فينصرف وهو فيها شادّ)).
ثم روى أحمد عن سفيان قال:
((سمعتُ أبي يقول: سألت أبا عمرو الشيباني عن قول رسول الله وَالر: ((لا
إغرار في الصلاة))؟ فقال: إنما هو: ((لا غرار في الصلاة))، ومعنى (غرار): يقول: لا
يخرج منها وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء، حتى يكون على اليقين والكمال)).
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وصححه عبد الحق بذكره في ((الأحكام الصغرى)).
(فائدة): قال ابن الأثير في ((النهاية)):
(((الغرار): النقصان، وغرار النوم: قلته، ويريد بـ (غرار الصلاة): نقصان
هياتها وأركانها. و(غرار التسليم): أن يقول المجيب: ((وعليك))، ولا يقول:
((السلام))، وقيل: أراد بالغرار النوم؛ أي: ليس في الصلاة نوم.
و ((التسليم)) يروى بالنصب والجر، فمَن جرَّه؛ كان معطوفاً على الصلاة كما
تقدم، ومَن نصب؛ كان معطوفاً على الغرار، ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في
صلاة؛ لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز)).
قلت: ومن الواضح أن تفسير الإِمام أحمد المتقدم، إنما هو على رواية
النصب، فإذا صحَّت هذه الرواية؛ فلا ينبغي تفسير ((غرار التسليم))؛ بحيث يشمل
تسليم غير المصلي على المصلي؛ كما هو ظاهر كلام الإِمام أحمد، وإنما يقتصر فيه
على تسليم المصلي على مَن سلّم عليه؛ فإنهم قد كانوا في أول الأمر يردُون السلام
٦٣١

في الصلاة، ثم نهاهم رسول الله صل﴾، وعليه يكون هذا الحديث من الأدلة على
ذلك.
وأما حمله على تسليم غير المصلي على المصلي؛ فليس بصواب؛ لثبوت
تسليم الصحابة على النبي و # في غيرما حديث واحد؛ دون إنكار منه عليهم، بل
أَيَّدهم على ذلك بأن ردَّ السلام عليه بالإِشارة، من ذلك حديث ابن عمر قال:
((خرج رسول الله يَّة إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلّموا عليه
وهو يصلي. قال: فقلتُ لبلال: كيف رأيت رسول الله وَلَل يردُّ عليهم حين كانوا
يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون
- أحد رواة الحديث - كفَّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق)).
أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح؛ كما بينته في تعليقي على كتاب
((الأحكام)) لعبدالحق الإِشبيلي (رقم الحديث ١٣٦٩)، ثم في ((صحيح أبي داود))
(٨٦٠)، وقد احتجَّ به الإِمام أحمد نفسه، وذهب إلى العمل به، فقال إسحاق بن
منصور المروزي في ((المسائل)) (ص ٢٢):
قلت: تسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم، فذكر قصة بلال حين سأله
ابن عمر: كيف كان يرد؟ قال: كان يشير)).
قال المروزي :
((قال إسحاق كما قال)).
٣١٩ - (لَمَّا أَسَنَّ ◌َ وحَمَلَ اللَّحْمَ؛ اتَّخَذَ عَموداً في مُصَلَّهُ
يَعْتَمِدُ علیهِ).
أخرجه أبو داود (٩٤٨): حدثنا عبدالسلام بن عبدالرحمن الوابصي : ثنا أبي
عن شيبان عن حصين بن عبدالرحمن عن هلال بن يساف قال:
٦٣٢

((قدمت الرقة، فقال لي بعض أصحابي : هل لك في رجل من أصحاب النبي
وَّه؟ قال: قلت: غنيمة. فدفعنا إلى وابصة، قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دَلِّه،
فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين، وبرنس خز أغبر، وإذا هو معتمد على عصا في
صلاته، فقلنا [له] بعد أن سلّمنا؟ قال: حدثتني أم قيس بنت محصن: أن رسول الله
﴿لَّ لما أُسنَّ ... )).
قلت: وهذا إسناد رجالهم كلهم ثقات؛ غير عبدالرحمن الوابصي والد
عبدالسلام، واسم أبيه صخر بن عبدالرحمن، قال عبدالحق الإِشبيلي في ((الأحكام))
(رقم ١٣٨٩ - بتحقيقي):
((كان قاضي حلب والرقة، ولا أعلم روى عنه إلا ابنه عبدالسلام)).
قلت: ولذلك قال عنه الحافظ ابن حجر في ((التقريب)):
«مجهول)) .
وأقول: لكنه لم يتفرد به؛ فقد تابعه إبراهيم بن إسحاق الزهري : ثنا عبيدالله
ابن موسى : أنبأ شيبان بن عبدالرحمن به .
أخرجه الحاكم (١ / ٢٦٤ - ٢٦٥)، وعنه البيهقي (٢ / ٢٨٨)، وقال الحاكم:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
قلت: وإنما هو على شرط مسلم وحده؛ فإن هلال بن يساف لم يحتجَّ به
البخاري في «صحيحه))، وإنما روى له تعليقاً.
ثم استدركت فقلت: ليس هو على شرط مسلم أيضاً؛ لأن عبيدالله بن موسى
- وهو أبو محمد العبسي -، وإن كان مسلم قد احتجَّ به؛ فليس هو من شيوخه، وإنما
روى عنه الحاكم بواسطة إبراهيم بن إسحاق الزهري، وهذا لم يرو له مسلم
٦٣٣

أصلاً، وكذا سائر الستة، نعم؛ هو ثقة فاضل؛ كما قال الخطيب في ترجمته (٦ /
٢٥).
فعلى هذا؛ فالحديث صحيح فقط، ليس هو على شرط الشيخين كما ادَّعى
الحاكم، ولا هو بالضعيف كما يشعر بذلك كلام الحافظ الإِشبيلي المتقدم، ومن أجل
ذلك كتبت هذا، والموفق الله تعالی.
٣٢٠ - (لَيْسَ المُؤمِنُ بالطَّعَّانِ، ولا باللَّعَّانِ، ولا بالفاحِشِ ، ولا
بالبذيءِ).
أخرجه الإِمام أحمد (١ / ٤٠٤ - ٤٠٥)، وابن أبي شيبة في ((كتاب الإِيمان))
(برقم ٨٠ بتحقيقي) قالا: ثنا محمد بن سابق: ثنا إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم
عن علقمة عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله وَالر: (فذكره).
ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٣٢)، ورواه
الترمذي (١ / ٣٥٧)، والحاكم (١ / ١٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤ / ٢٣٥، ٥
/ ٥٨)، والخطيب (٥ / ٣٣٩) من طريقين آخرين عن ابن سابق به. وقال الترمذي:
«حديث حسن غريب، وقد روي عن عبدالله من غير هذا الوجه)).
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا، ولكنَّه قد أعلَّ، فقال المناوي في ((فيض القدير)) بعد أن
نقل عن الترمذي تحسينه إياه :
((ولم يبين المانع من صحته. قال ابن القطان: ولا ينبغي أن يصحَّ؛ لأن فيه
محمد بن سابق البغدادي، وهو ضعيف، وإن كان مشهوراً، وربما وثّقه بعضهم. وقال
٦٣٤

الدارقطني: روي مرفوعاً وموقوفاً، والوقف أصح)).
قلت: وفي إطلاق ابن القطان الضعف على ابن سابق نظر ظاهر؛ فإنه لا سلف
له في ذلك سوى ابن معين، وقد وثقه العجلي ، وقال يعقوب بن شيبة :
((كان شيخاً صدوقاً ثقة، وليس ممَّن يوصف بالضبط للحديث)).
وقال النسائي :
((ليس به بأس)).
وقال أبو حاتم :
(یکتب حديثه، ولا يحتجُ به)).
أقول: فمثله حسن الحديث على أقل الأحوال؛ لأن جرحه غير مفسَّر، أضف
إلى ذلك أن الشيخين قد احتجًّا به، وقد قال الذهبي فيه:
((وهو ثقة عندي)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق)) .
وذكر الخطيب عن ابن أبي شيبة أنه ذكر حديث محمد بن سابق هذا فقال:
((إن كان حفظه؛ فهو حديث غريب)).
وعن علي بن المديني أنه قال:
((هذا حديث منكر من حديث إبراهيم بن علقمة، وإنما هذا من حديث أبي
وائل من غير حديث الأعمش)).
قال الخطيب :
((قلت: رواه ليث بن أبي سليم عن زبيد اليامي عن أبي وائل عن عبدالله؛ إلاّ
أنه وقفه ولم يرفعه، ورواه إسحاق بن زياد العطار الكوفي - وكان صدوقاً - عن إسرائيل
٦٣٥

فخالف فيه محمد بن سابق)).
قلت: ثم ساق سنده إلى العطار عن إسرائيل عن محمد بن عبدالرحمن عن
الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله به مرفوعاً.
قلت: إسحاق بن زياد العطار هذا لم أجد مَن ذكره سوى الخطيب في هذا
الموضع، ومخالفته لمحمد بن سابق في إسناده مما يستبعد أن ترجح عليه .
نعم؛ من الممكن أن يُقال: إذا كانت روايته محفوظة، فيكون لإِسرائيل في هذا
· الحديث إسنادان عن إبراهيم، حفظ أحدهما محمد بن سابق، والآخر إسحاق بن
زیاد.
وقد وجدت لروايته عن محمد بن عبدالرحمن متابعاً، رواه إسماعيل بن أبان:
ثنا صباح بن يحيى عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم به .
أخرجه الحاكم (١ / ١٣) شاهداً، وقال:
((محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإن كان ينسب إلى سوء الحفظ؛ فإنه
أحد فقهاء الإِسلام وقضاتهم)).
وللحديث طريق أخرى عن ابن مسعود، يدل على أنه حديث محفوظ، وليس
بمنكر، يرويه أبو بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن محمد بن
عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبدالله مرفوعاً به .
أخرجه البخاري في ((الأدب)) (٣١٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٨)،
والحاكم (١ / ١٢)، وأحمد (٢ / ٤١٦)، وقال الحاكم:
((على شرطهما)).
قلت: بل هو صحيح فقط، ليس على شرطهما؛ فإن محمد بن عبدالرحمن بن
يزيد لم يخرجا له، وأبو بكر بن عياش لم يخرج له مسلم إلّ في المقدمة .
٦٣٦

٣٢١ - (إِذا قامَ الإِمامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ فإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ
قائِماً؛ فَلْيَجْلِسْ، فإِنِ اسْتَوى قائماً؛ فلا يَجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَي
السَّهْو).
أخرجه أبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨)، والدارقطني (١٤٥)،
والبيهقي (٢ / ٣٤٣)، وأحمد (٤ / ٢٥٣ و٢٥٣ - ٢٥٤) من طريق جابر الجعفي
قال: ثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة قال:
قال رسول الله وَلـ: (فذكره).
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير جابر الجعفي، وهو ضعيف رافضي، وقال
أبو داود عقب الحدیث:
((وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث)).
قلت: وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٢ / ٤):
((وهو ضعيف جدّاً)).
قلت: قال ابن الملقِّن في ((خلاصة البدر المنير)) (ق ٦٨ / ٢) عقبه :
((قال في ((المعرفة)): لا يحتج به، غير أنه روي من وجهين آخرين، واشتهر بين
الفقهاء)).
قلت: الوجهان المشار إليهما أخرجهما الطحاوي، وأحدهما عند أبي داود
وغيره عن المغيرة :
((أنه صلى، فنهض في الركعتين، فسبَّحوا به، فمضى، فلمَّا أتمَّ صلاته؛ سجد
سجدتي السهو، فلما انصرف؛ قال: إن رسول الله وَ﴿ صنع كما صنعت)).
قال الحافظ :
(رواه الحاكم - يعني: من أحد الوجهين -، ومن حديث ابن عباس، ومن
٦٣٧

حديث عقبة بن عامر مثله)).
قلت: وأنت ترى أنه مِن فعله وَله، وحديثنا قولي، وأنه ليس فيه التفصيل الذي
في هذا من الاستواء قائماً أو قبله. وقد صحح هذا عبد الحق في ((الصغرى)) (١ /
٢٦٤).
وقد وجدت لجابر الجعفي متابعَيْن لم أرمَن نَّه عليهما ممَّن خرّج الحديث من
المتأخرين، بل أعلُّوه جميعاً به، وسبقهم إلى ذلك الحافظ عبدالحق الإِشبيلي في
((أحكامه))؛ كما نبهت عليه في تحقيقي له (التعليق رقم ٩٠١)، ولذلك رأيت لزاماً
عليَّ ذكرهما حتى لا يظنَّ ظانٌّ أن الحديث ضعيف لرواية جابر له.
الأول: قيس بن الربيع عن المغيرة بن شبيل عن قيس قال:
((صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين، فسبَّح الناس خلفه، فأشار
إليهم أن قوموا، فلمَّا قضى صلاته؛ سلَّم، وسجد سجدتي السهو، ثم قال: قال رسول
اللهِ وَّرَ: إذا استتمَّ أحدُكم قائماً؛ فليصلِّ، وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتمّ
قائماً؛ فلیجلس، ولا سهو عليه)).
والآخر: إبراهيم بن طهمان عن المغيرة بن شبيل به نحوه بلفظ:
((فقلنا: سبحان الله! فأومى وقال: سبحان الله! فمضى في صلاته، فلما قضى
صلاته؛ سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إذا صلَّى أحدكم، فقام من الجلوس،
فإن لم يستتمَّ قائماً؛ فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائماً؛ فليَمْضِ في
صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس)). أخرجه عنهما الطحاوي (١ / ٣٥٥).
وقيس بن الربيع، وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه، فإن متابعة إبراهيم بن
طهمان له، وهو ثقة، مما يقوِّي حديثه، وهو وإن كان لم يقع في روايته التصريح برفع
الحديث؛ فهو مرفوع قطعاً؛ لأن التفصيل الذي فيه لا يُقال من قِبل الرأي، لا سيما
والحديث في جميع الطرق عن المغيرة مرفوع، فثبت الحديث، والحمد لله.
٦٣٨

وهو يدل على أن الذي يمنع القائم من العودة إلى التشهُّد، إنما هو إذا استتمَّ
قائماً، فأما إذا لم يستتمَّ قائماً؛ فعليه الجلوس.
ففيه إبطال القول الوارد في بعض المذاهب: إنه إذا كان أقرب إلى القيام؛ لم
يرجع، وإذا كان أقرب إلى القعود؛ قعد؛ فإن هذا التفصيل؛ مع كونه ممَّا لا أصل له
في السنة؛ فهو مخالف للحديث، فتشبَّْ به، وعضَّ عليه بالنواجذ، ودع عنك آراء
الرجال؛ فإنه إذا ورد الأثر بطل النظر، وإذا ورد نهر الله بطل نهر معقل.
٣٢٢ - (تَخْرُجُ الدَّابَّةُ، فَتَسِمُ النَّاسَ عَلى خَرَاطِيمِهِمْ، ثمَّ يُعَمَّرُونَ
فِيكُم حَتَّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ البَعِيرَ، فيقولُ: مِمَّن اشْتَرَيْنَهُ؟ فيقولُ:
اشتَرَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ المُخَطَّمِينَ).
أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٨)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣ / ٢ / ١٧٢)،
والبغوي في ((حديث علي بن الجعد)) (١٧٢ / ٢)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢
/ ١٢٤) من طرق عن عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمر بن عبدالرحمن
ابن عطية بن دلاف المزني عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي ◌َّر به .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير عمر هذا؛ فقد
ترجمه ابن أبي حاتم، فقال (٣ / ١ / ١٢١):
((روى عن أبي أمامة وأبيه، روى عنه مالك وعبيدالله العمري وقريش بن حيان
وعبدالعزيز بن أبي سلمة)).
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكن روى عنه جماعة، أضف إليه أن رواية
مالك عنه تعديل له، وبخاصة أنه معه الثقات الآخرون؛ فقد قال ابن معين :
((كلُّ مَن روى عنه مالك؛ فهو ثقة؛ إلا عبدالكريم)).
وكذلك قال ابن حبان، وقد أورده في ((الثقات)) (٥ / ١٥٢).
٦٣٩

وكأن هذا هو مستند الهيثمي في توثيقه إياه بقوله في ((المجمع)) (٨ / ٦):
((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير عمر بن عبدالرحمن بن عطية، وهو
ثقة)) .
٣٢٣ - (دَعْها عَنْكَ (يعني: الوسادَةَ): إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْجُدَ
عَلى الأرْضِ ، وإِلَّ؛ فَأَوْمِ إِبماءٍ، واجْعَلْ سُجودَكَ أَخْفَضَ مِنْ
رُكُوعِكَ).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ١٨٩ / ٢): حدثنا عبدالله بن
أحمد بن حنبل: حدثني شباب العصفري: نا سهل أبو عتاب: نا حفص بن سليمان
عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن ابن عمر قال:
((عاد رسول الله وسلم رجلاً من أصحابه مريضاً وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلي
على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال
رسول الله چير: (فذكره))).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وإليك البيان:
أولاً: طارق بن شهاب، وهو أبو عبدالله الكوفي، صحابي صغير، رأى النبي
وَثّر ولم يسمع منه، وهو يروي كثيراً عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، احتجّ
به الشيخان وأصحاب السنن الأربعة.
ثانياً: قيس بن مسلم، وهو أبو عمرو الكوفي الجَدَلي، ثقة، احتج به الستة
أيضاً.
ثالثاً: حفص بن سليمان: هو إما حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزاز
الكوفي القارىء، وإما حفص بن سليمان المنقري التميمي البصري، فإن كان
الأول؛ فهو متروك الحديث، وإن كان الآخر؛ فهو ثقة، ولكل من الاحتمالين وجه :
٦٤٠