النص المفهرس
صفحات 481-500
وقد تابعه الزُّهري عن عروة وحده به نحوه. أخرجه النسائي (٢ / ١٠ - ١١) عن سفيان عنه، وسنده صحيح أيضاً، ورجاله رجال الشيخين؛ غير سعيد بن عبدالرحمن أبي عبيدالله المخزومي شيخ النسائي، وهو ثقة، خاصة في سفيان بن عيينة، وهذا من روايته عنه. وقد خالفه عن الزهري الحجاج بن أرطاة، فقال: عن الزهري عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة مرفوعاً بلفظ : ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة؛ فقد حلَّ له كلُّ شيء إلا النساء)). والحجَّاج مدلِّس، وقد عنعنه في جميع الروايات عنه، واختلفوا عليه في متنه؛ كما بيَّنْتُه في ((الأحاديث الضعيفة)) في (رقم ١٠١٣). وقد روي الحديث من طريق عمرة عن عائشة مرفوعاً مثل حديث ابن عباس هذا، لكن بزيادة: ((وذبحتم وحلقتم))، وهي زيادة منكرة لا تثبت، ولذلك أوردته في ((الأحاديث الضعيفة))، وبيَّنْتُ هناك علَّته؛ فليراجع . وله شاهد آخر قوي عن أم سلمة في ((صحيح أبي داود)) (١٧٤٥). ثم وجدت لحديث عائشة الشاهد طريقاً أخرى عند البيهقي (٥ / ١٣٥) عن عبدالرزاق: أنبأ معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: سمعتُ عمر رضي الله عنه يقول: ((إذا رميتُم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتُم وحلقتُم؛ فقد حلَّ كل شيء إلاّ النِّساء والطِّيب. قال سالم: وقالت عائشة رضي الله عنها: حلَّ له كل شيء إلا النساء. قال: وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا طيّيت رسول الله وَطير - يعني: لحلِّه ـ)». قلت: وهذا سند صحيح على شرطهما. ثم روى البيهقي من طريق عمرو بن دينار عن سالم؛ قال: قالت عائشة رضي ٤٨١ الله عنها : (أنا طيِّيت رسول الله وَّ لحلّه وإحرامه، قال سالم: وسنَّة رسول الله وَّ أحقُّ أن تتَبع)». قلت: وسنده صحيح أيضاً، وأخرجه الطحاوي أيضاً (١ / ٤٢١) وكذا سعيد ابن منصور كما في ((المحلى)) (٧ / ١٣٩). وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الحاج يحلُّ له بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء للنساء؛ فإنَّه لا يحلُّ له بالإِجماع. وما دلَّ عليه الحديث عزاه الشوكاني (٥ / ٦٠) للحنفيَّة والشافعيَّة والعترة، والمعروف عن الحنفيَّة أنَّ ذلك لا يحلُّ إلَّ بعد الرمي والحلق، واحتجَّ لهم الطحاوي بحديث عمرة عن عائشة المتقدِّم، وقد عرفت ضعفه؛ فلا حجَّة فيه؛ لا سيَّما مع مخالفته لحديثها الصحيح الذي احتجَّت به على قول عمر الموافق لمذهبهم. نعم؛ ذكر ابن عابدين في ((حاشيته)) على ((البحر الرائق)) (٢ / ٣٧٣) عن أبي يوسف ما يوافق ما حكاه الشوكاني عن الحنفية؛ فالظاهر أن في مذهبهم خلافاً، وقول أبي يوسف هو الصواب؛ لموافقته للحديث. ومن الغرائب قول الصنعاني في شرح حديث عائشة الضعيف: ((والظاهر أنَّه مجمَعَ على حلِّ الطيب وغيره - إلَّ الوطء - بعد الرمي، وإن لم يحلق)» . فإنَّ هذا وإن كان هو الصواب؛ فقد خالف فيه عمر وغيره من السلف، وحكى الخلاف فيه غير واحد من أهل العلم؛ منهم ابن رشد في ((البداية» (١ / ٢٩٥)، فأين الإِجماع؟! لكن الصحيح ما أفاده الحديث، وهو مذهب ابن حزم في ((المحلَّ)) (٧ / ١٣٩)، وقال: ٤٨٢ ((وهو قول عائشة وابن الزبير وطاوس وعلقمة وخارجة بن زيد بن ثابت)). ٢٤٠ - (أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ؛ كَلَّفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَحْفِرَهُ حتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعٍ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ القيامَةِ حَتَّى يُقْضِى بَيْنَ النَّاسِ ). أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١١٦٧ - الموارد)، وأحمد (٤ / ١٧٣)، وكذا ابنه عن زائدة عن الربيع بن عبدالله عن أيمن بن نابل - قال ابن حبان: ابن ثابت - عن يعلى بن مرة قال: سمعتُ النبي ◌َلّ يقول: (فذكره). قلت: وهذا سندٌ جیِّد، رجاله ثقات معروفون، غیر أیمن، فإن كان هو ابن نابل - كما في ((المسند))-؛ فهو مشهور، وثَّقه جماعة، وروى له البخاري متابعة، وإن كان هو ابن ثابت - کما في ((ابن حبان)) -؛ فقال أبو داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ویرجّح هذا عندي شيئان : الأول: أن ابن أبي حاتم قد قال في ترجمته (١ / ١ / ٣١٩): ((روى عن ابن عباس ويعلى بن مرة، وعنه أبو يعفور عبدالرحمن بن عبيد بن نسطاس والربيع بن عبدالله)). ثم ترجم لأيمن بن نابل، وذكر أنه روى عن قدامة بن عبدالله الكلابي وطاوس وغيره من التابعين، فلم يذكر هو ولا غيره أنَّه روى عن يعلى بن مرة، ولا ذكر في الرواة عنه الربيع بن عبدالله. الثاني: أن رواية أبي يعفور عنه في ((المسند)) (٤ / ١٧٢ و١٧٣)، لكنه وقع فيه: ((أبو يعقوب))، وهو تصحيف، وكذلك تصحَّف في نسختين من ((الجرح والتعديل))؛ كما نبَّه عليه محقّقه العلَّمة عبدالرحمن المعلِّمي في ترجمة ابن ثابت ٤٨٣ هذا. وقد يعكِّر على هذا التَّرجيح أنَّ الطّبراني أخرجه في ((المعجم الصغير)) (ص ٢١٩) من طريق أخرى عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أيمن بن نابل عن یعلی بن مرة به نحوه؛ فهذا یرجّح أنه ابن نابل . لكني أظن أنه محرَّف أيضاً عن: ((ابن ثابت))؛ فإن الشعبي إنما ذكروه في الرواة عن هذا لا عن ابن نابل. والله أعلم. ثم تأكد ظني بأمرين : أحدهما: أنه أورده في ((مجمع البحرين)) (١ / ٩٥ / ٢) من طريق ((المعجم الصغير)) على الصواب. والآخر: أنه رواه كذلك في ((الكبير)) (٢٢ / ٦٩٠ و٦٩٢ و٦٩٣) من طريق الربيع وغيره. فانظر الحديث الآتي بعد حديث. والحديث قال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ١٧٥): ((رواه أحمد والطبراني في ((الكبير)) و((الصغير)) بنحوه بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح)). ٢٤١ - (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ قَبْلِي إِلَّ كَانَ حَقّاً عليهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، ويُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وإِنَّ أُمَّتَكُمْ هذه جُعِلَ عَافِيَّتُها في أَوَّلِها، وسَيُصِيبُ آخِرَها بلاءُ وأُمورٌ تُنْكِرونَها، وتَجِيءُ فِتْنَةٌ فيُرَقُّقُ بعضُها بعضاً، وتَجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتي، ثم تَنْكَشِفُ، وتَجيءُ الفتنَةُ، فيقولُ المؤمِنُ: هذه هذهِ، فَمَن أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ فَلْتَأْتِهِ مَنُِّهُ وهُو يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ ٤٨٤ الآخِرِ، وليأْتِ إِلى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِليهِ، ومَن بايَعَ إِماماً، فأعطاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ؛ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتطاعَ، فإِنْ جاءَ آخَرُ يُنازِعُهُ؛ فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ). أخرجه مسلم (٦ / ١٨) والسياق له، والنسائي (٢ / ١٨٥)، وابن ماجه (٢ / ٤٦٦ - ٤٦٧)، وأحمد (٢ / ١٩١) من طرق عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبدرب الكعبة قال : دخلتُ المسجد، فإذا عبدالله بن عمرو بن العاص جالس في ظلِّ الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتُهم، فجلستُ إليه، فقال: ((كُنَّا مع رسول الله وَّ في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنَّا مَن يصلح خباءَه، ومنا مَن ينتضل، ومنا مَن هو في جشرة، إذ نادى منادي رسول الله وَ له: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله وَلقر، فقال: (فذكره)، وزاد في آخره: ((فدنوتُ منه، فقلتُ له: أنشدك الله؛ أنت سمعتَ هذا من رسول الله وَ﴾؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعتْهُ أُذناي، ووعاه قلبي. فقلتُ له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجارةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيماً﴾(١). قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله)). وليس عند غير مسلم قوله: ((فقلتُ له: هذا ابن عمك ... )) إلخ. ثم أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن عبدالرحمن بن عبدرب الكعبة به، وكذا رواه مسلم في رواية، ولم يسوقا لفظ الحديث، وإنَّما أحالا فيه على حديث الأعمش. (١) النساء: ٢٩. ٤٨٥ غريب الحديث : ١ - (فيرقُّق بعضها بعضاً)؛ أي: يجعل بعضها بعضاً رقيقاً؛ أي: خفيفاً؛ لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقاً. ٢ - (صفقة يده)؛ أي: معاهدته له والتزام طاعته، وهي المرة من التصفيق باليدين، وذلك عند البيعة بالخلافة . ٣ - (ثمرة قلبه)؛ أي: خالص عهده أو محبَّته بقلبه. ٤ - (فاضربوا ◌ُنُق الآخر)؛ قال النووي : («معناه: ادفعوا الثاني؛ فإنه خارج على الإِمام، فإن لم يندفع إلا بحرب وقتال؛ فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله؛ جاز قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنه ظالم متعدٍّ في قتاله)) . وفي الحديث فوائد كثيرة، من أهمّها أن النبيَّ يجب عليه أن يدعو أمَّته إلى الخير، ويدلَّهم عليه، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم؛ ففيه ردّ صريح على ما ذُكِر في بعض كتب الكلام أن النبي مَن أوحي إليه ولم يؤمر بالتَّبليغ (١)! ٢٤٢ - (مَن أَخَذَ أَرْضاً بِغَيْرِ حَقِّها؛ كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرابَها إِلى المَحْشَرِ). أخرجه أحمد (٤ / ١٧٣): ثنا عفان: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا أبو يعقوب عبدالله جدي: ثنا أبو ثابت قال: سمعتُ يعلى بن مرة الثقفي يقول: سمعتُ رسول الله ◌َلو يقول: (فذكره). ثم قال أحمد (٤ / ١٧٢): ثنا إسماعيل بن محمد - وهو أبو إبراهيم المعقب -: ثنا مروان الفزاري: ثنا أبو يعقوب عن أبي ثابت به . (١) انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص ١٠٥ - طبع المكتب الإسلامي). ٤٨٦ قلت: وهذا سند رجاله ثقات معروفون؛ غير أبي يعقوب هذا، وقد سماه عبدالواحد بن زياد: ((عبدالله))، وذكر أنه جده كما ترى، ولم أعرفه، وقد أغفلوه فلم يذكروه لا في الكنى ولا في الأسماء. ويحتمل عندي أن يكون هو عبدالله بن عبدالله بن الأصمّ؛ فقد ذكروا في الرواة عنه عبدالواحد بن زياد ومروان الفزاري، وهما اللذان رويا هذا الحديث عنه كما ترى. لكن يشكل عليه أنهم لم يذكروا أنه يكنى بأبي يعقوب، وإنما ذكروا له كنيتين أخريين: ((أبو سليمان)) و ((أبو العنبس)). ويحتمل أن تكون هذه الكنية: ((أبو يعقوب))؛ محرَّفة عن أبي يعفور - كما ذكرتُه في الحديث السابق (٢٤٠) -، واسمه عبدالرحمن بن عبيد بن نسطاس الكوفي؛ فقد روى هذا عن أبي ثابت أيمن بن ثابت وعنه مروان الفزاري؛ كما في ((التهذيب))، فإن كان هو هذا؛ فهو ثقة من رجال الشيخين؛ فالسند صحيح . لكن يرد عليه أن عبد الواحد بن زياد قد سمَّاه عبدالله جدي؛ إلَّ أن يُقال: إن هذه الزيادة فى رواية عبدالواحد مقحمة من بعض النساخ لـ ((المسند). وجملة القول: أن هذا الإِسناد من المشكلات عندي، فلعلَّنا نقف فيما بعد على ما يكشف الصواب فيه، والله المستعان. ولعلَّه من أجل ما ذكرنا سكت عن هذا الإِسناد المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٥٤)، وتبعه الهيثمي (٤ / ١٧٥)، وعزياه للطبراني أيضاً. ثم انكشف الصواب بفضل الله؛ فقد دلَّنا أحد إخواننا - جزاه الله خيراً - على الحديث في ((تهذيب الآثار)) للإِمام الطبري، أخرجه في (مسند علي ٤ / ١٧٩ / ٢٨٤ و٢٨٥ - شاكر) من طريق مروان بن معاوية وعبد الواحد أيضاً عن أبي يعفور، ليس فيه: ((عبدالله جدي))، وكذلك أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٢ / ٢٦٩ / ٦٩٠) ٤٨٧ عن عبدالواحد بن زياد، فتأكد ظني أن هذه الزيادة المشكلة: ((عبدالله جدي))؛ هي مقحمة من بعض النساخ، وبذلك يتم بيان صحة الحديث، والحمد لله رب العالمين، وهنا فرية للسقاف كعادته في ((تناقضاته)) (١ / ١٨٨) لا مجال لبيانها. وقد ثبت الحديث من طريق أخرى عن أبي ثابت به بلفظ آخر، فراجع: ((أيما رجل ظلم شبراً من الأرض ... ))، وقد تقدم قبل حدیث. ٢٤٣ - (صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أُخيكَ). أخرجه مسلم (٧ / ٢٦) عن أبي سعيد الخُدري قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َله، فقال: إنَّ أخي استَطْلَقَ بطنُه. فقال رسول الله وَّ: اسقِه عسلاً. فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيتُه عسلًا، فلم يزده إلَّ استطلاقاً. فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة، فقال: اسقهِ عسلاً. فقال: لقد سقيتُه فلم يزده إلاّ استطلاقاً. فقال رسول اللـه نَّه: (فذكره)، فسقاه، فبرأ)). وأخرجه البخاري (١٠ / ١١٥ / ١٣٧ -١٣٨) بشيء من الاختصار، واستدركه الحاكم (٤ / ٤٠٢) على الشيخين، وأقرَّه الذهبي !! قال ابن القيم في ((الزاد)) (٣ / ٩٧ - ٩٨) بعد أن ذكر كثيراً من فوائد العسل: ((فهذا الذي وصف له النبي * كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء، فَأُمِرَ بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء؛ فإنَّ العسل فيه جلاء ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها؛ فإن المعدة لها خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة؛ أفسدتها وأفسدت الغذاء؛ فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل من أحسن ما ◌ُولِج به هذا الداء، لا سيَّما إن مُزِجَ بالماء الحار. وفي تكرار سقيه العسل معنى طبيٍّ بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمِّية بحسب حال الداء، إن قصر عنه؛ لم يزله بالكلِّيَّة، وإن جاوزه؛ أوهن ٤٨٨. القوى، فأحدث ضرراً آخر، فلمّا أمره أن يسقيه العسل؛ سقاه مقداراً لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره؛ علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرَّر ترداده إلى النبي وَّر؛ أكَّد عليه المعاودة؛ ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكرَّرت الشربات بحسب مادة الداء؛ برىء بإذن الله. واعتبار مقادير الأدوية وكيفيَّاتها ومقدار قوّة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب. وقوله رسالة: ((صدق الله وكذب بطن أخيك))؛ إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب البطن وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة. وليس طبه ◌َّ﴿ كطب الأطباء؛ فإنَّ طبَّ النبي ◌َّه متيقَّن قطعيٌّ إلَهيٌّ، صادر عن الوحي ومشكاة النبوّة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطبِّ النبوّة؛ فإنَّه إنَّما ينتفع به من تلقَّاه بالقَبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقِّ له بالإِيمان والإِذعان؛ فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، إن لم يتلقَّ هذا التلقِّي؛ لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم، ومرضاً إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطبُّ النبوّة لا يناسب إلَّ الأبدان الطيِّة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلاّ الأرواح الطيِّية والقلوب الحيّة، فإعراض الناس عن طب النبوّة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله، وبالله التوفيق)). ٢٤٤ - (مَنْ اْتَوى أَوِ اسْتَرْفَى؛ فقد بَرِىء مِنَ التَّوَكُلِ). رواه الترمذي (٣ / ١٦٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ١٤٠٨)، وابن ماجه (٢ / ١١٥٤ / ٣٤٨٩)، والحاكم (٤ / ٤١٥)، وأحمد (٤ / ٢٤٩ و٢٥٣) من ٤٨٩ ۔۔۔ طريق عَقَّار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه مرفوعاً. وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)). وقال الحاكم : «صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي، وهو کما قالوا. قلت: وفيه كراهة الاكتواء والاسترقاء: أما الأول؛ فلما فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر؛ فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة، ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطیّرون وعلى ربِّهم يتوكَّلون؛ كما في حديث ابن عباس عند الشيخين، وزاد مسلم في روايته فقال: ((لا يرقون ولا يسترقون))، وهي زيادة شاذّة؛ كما بيَّتُه فيما علَّقته على کتابي «مختصر صحيح مسلم)) (رقم ٢٥٤). ٢٤٥ - (إنْ كانَ فِي شَيءٍ مِن أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ؛ ففي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِن عَسَلٍ ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنارٍ، وما أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوي). أخرجه البخاري (١٠ / ١١٤ - ١١٥ و١٢٥ و١٢٦)، ومسلم (٧ / ٢١ -٢٢)، وأحمد (٣ / ٣٤٣) عن جابر بن عبدالله مرفوعاً، وهو من رواية عاصم بن عمر بن قتادة عنه. وفي رواية لمسلم عن عاصم أن جابر بن عبدالله عاد المقنَّع، ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم؛ فإِنِّي سمعتُ رسول الله وَ ل ◌َه يقول: ((إنَّ فيه شفاء)). وهو رواية لأحمد (٣ / ٣٣٥)، وكذا البخاري (١٠ / ١٢٤)، واستدركه الحاكم (٤ / ٤٠٩) على الشيخين، وأقرَّه الذهبي !! وللحديث شاهد من حديث ابن عمر مرفوعاً باللفظ الأول. ٤٩٠ أخرجه الحاكم (٤ / ٢٠٩)، وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)). وردّه الذهبي بقوله : ((أسيد بن زيد الحمَّال متروك)). أَضْلُ إِحصِالنُّوسِ ٢٤٦ - (أَحْصُوا لِي كُلَّ مَنْ تَلَفَّظَ بالإِسلامِ). أخرجه مسلم (١ / ٩١)، وأبو عوانة (١ / ١٠٢)، وابن ماجه (٢ / ٤٩٢)، وابن حبان (٦٢٤٠ - الإِحسان)، وأحمد (٥ / ٣٨٤)، والمحاملي في ((الأمالي)) (١ / ٧١ / ٢) من طرق كثيرة عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: قال رسول الله قال: (فذكره)، وزاد: ((قال: قلنا: يا رسول الله! أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة؟ فقال رسول الله وَّه: إنَّكم لا تدرون لعلَّكم أن تُبْتَلَوا. قال: فابْتُلينا حتى جعل الرجل منا ما يصلِّي إلَّ سرّا)). واللفظ لابن ماجه . وتابعه سفيان، فقال أبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٨ / ٩١ / ٢): حدثني إسحاق (يعني: الحربي): نا أبو حذيفة: نا سفيان عن الأعمش به؛ إلاّ أنه قال: ((ونحن ألف وخمس مئة؟))، وهو وهم من أبي حذيفة، واسمه موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق سيىء الحفظ، وسائر رواته ثقات. لکن تابعه محمد بن يوسف : حدثنا سفيان به نحوه . أخرجه البخاري (٣٠٦٠)، ورجّح الحافظ هذا العدد على العدد الأول، فراجعه . ٤٩١ ٢٤٧ - (إذا أسلَمَ العَبْدُ فحَسُنَ إِسْلامُهُ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَّةٍ كَانَ أَزْلَفَها، ومُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَها، ثمَّ كانَ بعدَ ذلك القِصاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إِلى سَبْعِ مِئةٍ ضِعْفٍ، والسَّيِّئَةُ بِمِثْلِها إِلَّ أَنْ يَتجاوَزَ اللهُ عِزَّ وجَلَّ عنها). أخرجه النسائي (٢ / ٢٦٧ - ٢٦٨) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَليقول: (فذكره). قلت: وهذا سند صحيح، وقد علَّقه البخاري في ((صحيحه))، فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات، وقد وصله الحسن بن سفيان والبزار والإسماعيلي والدارقطني في ((غرائب مالك)) والبيهقي في ((الشعب)) من طرق أخرى عن مالك به. قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٨٢): ((وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري، وهو كتابة الحسنات المتقدِّمة قبل الإِسلام، وقوله: ((كتب الله))؛ أي: أمر أن يكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ: ((يقول الله لملائكته: اكتبوا))، فقيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمداً؛ لأنَّه مشكل على القواعد، وقال المازري : الكافر ليس كذلك، فلا يُثابُ على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرِّب أن يكون عارفاً لمن يتقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذلك النووي، فقال: والصواب الذي عليه المحقّقون، بل نقل بعضهم فيه الإِجماع: أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم، ثم مات على الإِسلام: أن ثواب ذلك يكتب له. وأما دعوى أنه مخالف للقواعد؛ فغير مسلّم؛ لأنه قد يعتدُّ ببعض ٤٩٢ أفعال الكفار في الدُّنيا؛ ككفارة الظهار؛ فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه)) انتهى . ثم قال الحافظ : ((والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه - تفضُّلاً من الله وإحساناً - أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنَّما تضمّن كتابة الثواب، ولم يتعرَّض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلّقاً على إسلامه، فيقبل ويثاب إن أسلم، وإلاّ فلا، وهذا قويٌّ، وقد جزم بما جزم به النووي : إبراهيم الحربي، وابن بطّال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي، وابن المنير من المتأخرين . قال ابن المنير: المخالف للقواعد، دعوى أن يُكْتَبَ له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإِسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنُّه خيراً؛ فلا مانع منه؛ كما لو تفضَّل عليه ابتداء من غير عمل، وكما تفضَّل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتّة؛ جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفَّى الشروط. واستدل غيره بأن مَن آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرَّتين؛ كما دلَّ عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأوَّل؛ لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباءً منثوراً، فدلَّ على أن ثواب عمله الأول يَكْتَبُ له مضافاً إلى عمله الثاني، وبقوله يسير لما سألته عائشة عن ابن جدعان وما كان يصنعه من الخير: هل ينفعه؟ فقال: ((إنَّه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين))، فدلَّ على أنه لو قالها بعد أن أسلم؛ نفعه ما عمله في الكفر)» . قلت: وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه؛ لتضافر الأحاديث على ذلك، ولهذا قال السندي في ((حاشيته على النسائي)): ((وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة، إن أسلم تقبل، وإلّ ترد، ٤٩٣ وعلى هذا؛ فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرابٍ﴾(١): محمولٌ على مَن مات على الكفر، والظاهر أنَّه لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر؛ فلا استبعاد فيه، وحديث: ((الإِيمان يجبُّ ما قبله))؛ من الخطايا؛ في السيئات لا في الحسنات)). قلت: ومثل الآية التي ذكرها السندي رحمه الله سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (٢)؛ فإنَّها كلها محمولة على مَن مات مشركاً، ومن الدليل على ذلك قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فأولئكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في الدُّنيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خَالِدونَ﴾ (٣). ويترتَّب على ذلك مسألة فقهيَّة، وهي أن المسلم إذا حجَّ ثم ارتدَّ ثم عاد إلى الإِسلام؛ لم يحبط حجُّه، ولم يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإِمام الشافعي، وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيِّد متين، أرى أنه لا بدَّ من ذكره . قال رحمه الله تعالى (٧ / ٢٧٧): ((مسألة: من حجَّ واعتمر، ثم ارتدَّ، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم؛ فليس عليه أن يعيد الحج ولا العمرة، وهو قول الشافعي وأحد قولي الليث. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجُوا بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (٤)، ما نعلم لهم حجة (١) النور: ٢٩ . (٢) الزمر: ٦٥. (٣) البقرة: ٢١٧ . (٤) الزمر: ٦٥. ٤٩٤ غيرها . ولا حجة لهم فيها؛ لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطنَّ عملك الذي عملتَ قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله لا تجوز، وإنما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضاً على شركه، لا إذا أسلم، وهذا حقٌّ بلا شكٌّ، ولوحجّ مشرك أو اعتمر أو صلَّى أو صام أو زكَّى؛ لم يُجزه شيء من ذلك عن الواجب. وأيضاً؛ فإنَّ قوله تعالى فيها: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾: بيان أن المرتد إذا رجع إلى الإِسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلاً، بل هو مكتوب له، ومجازى عليه بالجنة؛ لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى الإِسلام ليس من الخاسرين، بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصحَّ أن الذي يحبط عملُه هو الميت على كفره، مرتدّاً أو غير مرتدٍّ، وهذا هو من الخاسرين بلا شك، لا مَن أسلم بعد کفره أو راجع الإِسلام بعد ردّته . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم﴾(١)؛ فصحَّ نصُّ قولنا من أنه لا يحبط عمله إن ارتدَّ إلَّ بأن يموت وهو كافر. ووجدنا الله تعالى يقول: ﴿إِني لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَو أَنْثَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾(٣)، وهذا عمومٌ لا يجوز تخصيصه، فصحَّ أنَّ حجَّه وعمرته إذا راجع الإِسلام سيراهما ولا يضيعان له. وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله عليه السلام: أي رسول الله! أرأيتَ أموراً كنتُ أتحنَّث بها في الجاهليّة من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم؛ أفيها أجر؟ فقال رسول الله ويالثور: (١) البقرة: ٢١٧ . (٢) آل عمران: ١٩٥. (٣) الزلزلة : ٧. ٤٩٥ ٢٤٨ - (أَسْلَمْتَ عَلى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ)). أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام كما يأتي قريباً. قال ابن حزم: : ((فصحَّ أنَّ المرتدَّ إذا أسلم، والكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا أسلما؛ فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذا حجَّ وهو مسلم قد أدَّى ما أمر به وما كلَّف كما أمر به؛ فقد أسلم الآن عليه؛ فهو له كما كان، وأما الكافر يحج - كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة دينهم -؛ فإن أسلم بعد ذلك؛ لم يجزه؛ لأنه لم يؤدِّه كما أمر الله تعالى به؛ لأنَّ من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدَّى إلَّا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبدالله عليه السلام في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى ديناً غيره، وقال عليه السلام: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو ردِّ)، والصابىء إنما حجَّ كما أمره يوراسف أو هرمس؛ فلا يجزئه، وبالله تعالى التوفيق . ويلزم من أسقط حجَّه بردَّته أن يسقط إحصانه وطلاقه الثلاث وبيعه وابتايعه وعطاياه التي كانت في الإِسلام، وهم لا يقولون بهذا، فظهر فساد قولهم، وبالله تعالى نتأيد)). وإذا تبيَّن هذا؛ فلا منافاة بينه وبين الحديث المتقدم برقم (٥٢): ((أن الكافر يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا))؛ لأنَّ المراد به الكافر الذي سبق في علم الله أنه يموت كافراً؛ بدليل قوله في آخره: ((حتى إذا أفضى إلى الآخرة؛ لم يكن له حسنة يجزى بها))، وأما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم ويموت مؤمناً؛ فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة؛ كما أفادته الأحاديث المتقدِّمة، ومنها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه المتقدم وصحَّحه ولم يعزه لأحد من المؤلِّفين، وقد أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٤ / ٣٢٧، ٥ / ١٢٧، ١٠ / ٣٤٨)، ومسلم (١ / ٧٩)، وأبو عوانة في ((صحيحه)) أيضاً (١ / ٧٢ - ٧٣)، وأحمد (٣ / ٤٠٢). ٤٩٦ ومنها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد، فأنا أسوقه الآن وأخرجه، وهو: ٢٤٩ - (لا يا عائشة! إنّه لَمْ يَقُلْ يَوْماً: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطيئتي يومَ الدِّين). أخرجه مسلم (١ / ١٣٦)، وأبو عوانة (١ / ١٠٠)، وأحمد في ((المسند))، وابنه عبدالله في ((زوائده)) (٦ / ٩٣)، وأبو بكر العدل في ((اثنا عشر مجلساً)) (ق٦ / ١)، والواحدي في ((الوسيط)) (٣ / ١٦٧ / ١) من طرق عن داود عن الشعبي عن مسروق - ولم يذكر الأخيران مسروقاً - عن عائشة قالت: ((قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين؛ فهل ذاك نافعه؟ قال: (فذكره))). وله عنها طريق أخرى، فقال عبدالواحد بن زياد: ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير عنها أنها قالت: ((قلت للنبي وَّر: إنّ عبدالله بن جدعان كان في الجاهلية يقري الضَّيف، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويحسن الجوار - فأثنيت عليه - هل نفعه ذلك؟ قال: (فذکرہ))) . أخرجه أبو عوانة، وأبو القاسم إسماعيل الحلبي في ((حديثه)) (ق ١١٤ - ١١٥) من طرق عن عبدالواحد به . ووجدت له طريقاً ثالثاً، رواه يزيد بن زريع: ثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عنها به نحوه . أخرجه يحيى بن صاعد في ((حديثه)) (٤ / ٢٨٨ / ١ -٢) من طريقين عن يزيد به . قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخاري، على اختلاف قولي أبي حاتم ٤٩٧ في سماع عكرمة - وهو مولى ابن عباس - من عائشة، فأثبته في أحدهما ونفاه في الآخر، لكن المثبت مقدَّم على النافي ؛ كما هو في علم الأصول مقرَّر. وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية؛ بخلاف ما إذا مات على كفره؛ فإنه لا ينفعه، بل يحبط بكفره، وقد سبق بسط الكلام في هذا في الحديث الذي قبله. وفيه دليل أيضاً على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمَّدية ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسل، إذ لو كانوا كذلك؛ لم يستحقَّ ابن جدعان العذاب، ولما حبط عمله الصالح، وفي هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها . ٢٥٠ - (لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ). حديث صحيح، ورد مرسلاً، وروي موصولاً عن أبي سعيد الخدري، وعبدالله ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر بن عبدالله، وثعلبة بن مالك رضي الله عنهم . ١ - أما المرسل؛ فقال مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٢١٨): عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله وَسير قال: (فذكره). قلت: وهذا سند صحیح مرسلاً. وقد روي موصولاً عن أبي سعيد الخدري، رواه عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبدالرحمن: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ملل قال: (فذكره)، وزاد: ((من ضارَّ ضارِّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه)). أخرجه الحاكم (٢ / ٥٧ - ٥٨)، والبيهقي (٦ / ٦٩ - ٧٠)، وقال: «تفرد به عثمان بن محمد عن الدراوردي)). ٤٩٨ قلت: وتعقّبه ابن التركماني، فقال: ((قلت: لم ينفرد به، بل تابعه عبدالملك بن معاذ النصيبي، فرواه كذلك عن الدراوردي، كذا أخرجه أبو عمر في كتابيه (التمهيد) و (الاستذكار)). قلت: وكأنه لهذه المتابعة قال الحاكم عقبه : ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي . وإلاّ؛ فلولا المتابعة هذه؛ لم يكن الحديث على شرط مسلم؛ لأن عثمان بن محمد ليس من رجاله، وفوق ذلك؛ فهو متكلَّم فيه؛ قال الدارقطني : ((ضعيف)). وقال عبدالحق : ((الغالب على حديثه الوهم)). ولكن قد يتقوَّى حديثه بمتابعة النصيبي هذا له، وإن كان لا يُعْرَف حاله؛ كما قال ابن القطان وتابعه الذهبي، وهو بالتالي ليس من رجال مسلم أيضاً؛ فهو ليس على شرطه أيضاً، ولكنهم قد يتساهلون في الرواية المتابعة ما لا يتساهلون في الرواية الفردة، فيقولون في الأول: إنه على شرط مسلم باعتبار مَن فوق المتابعين؛ مثلما هنا؛ كما هو معروف. ولذلك فقد رأينا الحافظ ابن رجب في ((شرح الأربعين النووية)) (٢١٩) لم يعلّ الحديث بعثمان هذا ولا بمتابعة النصيبي، وإنَّما أعلَّه بشيخهما؛ فقد قال عقب قول البيهقي المتقدم : ((قال ابن عبدالبر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث. قال: ولا يسند من وجه صحيح. ثم خرجه من رواية عبدالملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولاً، والدراوردي كان الإِمام أحمد يضعِّف ما حدَّث به من حفظه، ولا يعبأ به، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله)). ٤٩٩ قلت: يعني أن الصواب في الحديث عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً كما رواه مالك، ولسنا نشكُّ في ذلك؛ فإنَّ الدراوردي، وإن كان ثقة من رجال مسلم؛ فإن فيه كلاماً يسيراً من قِبَل حفظه، فلا تقبل مخالفته للثقة، لا سيَّما إذا كان مثل مالك رحمه الله تعالی . والحديث أخرجه الدارقطني أيضاً (ص ٥٢٢) موصولاً من الوجه المتقدم، لكن بدون الزيادة: «مَن ضارَّ ... )). ثم رأيته قد أخرجه في مكان آخر (ص ٣٢١) من الوجه المذكور بالزيادة. ٢ - وأما حديث ابن عباس؛ فیرویه عنه عكرمة، وله عنه ثلاث طرق: الأولى: عن جابر الجعفي عنه به . أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٧)، وأحمد (١ / ٣١٣)؛ كلاهما عن عبدالرزاق: أنبأنا معمر عن جابر الجعفي به. قال ابن رجب: ((وجابر الجعفي ضعَّفه الأكثرون)). الثانية: عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة به . أخرجه الدارقطني (٥٢٢). قال ابن رجب: ((وإبراهيم ضعَّفه جماعة، وروايات داود عن عكرمة مناکیر». قلت: لكن تابعه سعيد بن أبي أيوب عند الطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٢٧ / ١) قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري: ناروح بن صلاح: نا سعيد بن أبي أيوب عن داود بن الحصين به؛ إلاّ أنه أوقفه على ابن عباس. لکن السند واه؛ فإنَّ روح بن صلاح ضعيف، وابن رشدین کذبوه؛ فلا تثبت المتابعة . الثالثة: قال ابن أبي شيبة كما في ((نصب الراية)) (٤ / ٣٨٤): حدثنا معاوية ابن عمرو: ثنا زائدة عن سماك عن عكرمة به. ٥٠٠